]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أرباحُ الخسائر

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-10-27 ، الوقت: 22:04:40
  • تقييم المقالة:

أرباحُ الخسائر!  

 

محمد الحداد /العراق

أيةُ لعبةٍ مهما كانت مُسلية إذا طالَ أمدُها تُصيبُ لاعبيها بالمللِ ولا تعودُ مُسلية كما بدأتْ..ومَنْ يلعبْ بالنار لا بدَّ أن يحترق بنيرانها عاجلاً أو آجلاً ومَنْ يُمررْ بيدهِ الجمرات إلى الآخرين لا يضمنُ ألا تسقط يوماً بأحضانهِ..

لن ينفعَ أن نطيلَ الكلام هنا كثيراً عن قرار الأتراك المتأخر بإعلانهم الحربَ على تنظيم "داعش" من دون عودةٍ بالذاكرة إلى البداياتِ الأولى لكن بوسعنا أن نؤرخَ لتغييرٍ دراماتيكي لافت في المسار التركي إزاء الأزمة السورية ابتداءً من التفجيراتِ التي ضربت تركيابالعمق ونعني هنا التفجير الذي وقعَفي بلدةِ سروج التركية بشهر تموز الماضي والذي تبنى تنظيم "داعش" مسؤوليته عن القيام بهِ ومعاودةِ ذلك بقوةٍ أكبر بالتفجيرين الذين وقعا قرب محطة القطارات في أنقرة مطلع هذا الشهر..

كلُّ ذلك لا يمنعُ من القول بأنَّهذا القرار التركي رغمَ تأخرهِ سيظلُّ مُلفتاً جداً ويحظى بخصوصيةٍ تختلفُ تماماً عن مواقف الجميع لأنَّ ملفَ تركيا الساخن فيما يتعلقُ بدعم إرهاب "داعش" في سوريا والعراق كانَ ولا يزالُ مشوباً بالريبةِ حتى اليوم وكلُّ الأضواء باتت اليوم مُسلطة علىيدِ الإرهاب التي صفعت تركيا والجميع يسألُ بِحيرة : كيف أصبحتْ تركيا نفسها اليوم هدفاً مباشراً لداعش؟ وما الحلقة المفصلية المفقودة التي انتزعتْ من سياقها القديم حتى انفرطَ ذلك العِقد المنتظم؟

الثابت أن ثمة صداعاً تركياً مزمناً وطويلاً بطولِ حدودها الممتدة بينها وبين سوريا والعراق.. فبين تركيا وكل من سوريا والعراق حدود تصلُ إلى "1150" كم..وضرب تنظيم داعش بالعمق التركي ضاعفَ جداً من حدةِ هذا الصداع التركي المزمن..ولستُ أدري حقاً أية خرقة طويلة يجدرُ بالأتراك اليوم أن يربطوا رؤوسهم بها ليخففوا من حدةِ صداعهم المزمن هذا؟

تركيا اليوم ما عادتْ هي ذاتها قبل أربع سنوات..ولنذكّرَ فقط أنها كانت تمثلُ منذ مطلع الأزمة السورية وحتى وقتٍ قريب الفضاء النموذجي الأمثل لإطلالة "داعش" على الحلم السوري والعراقي معاً والمدخل الأكثر أمناً لإرهابهِ من داخل هاتين البوابتين..لذا من البديهي القول أنَّ الخيارَ الأصعب بضرب تركيا وبكلِّ هذه القوة لم يكن قراراً من السهل على تنظيم "داعش" اتخاذه أبداً ولابد من أسبابٍ قاهرة ألجأتهم لذلك لكنهُ من جانبٍ آخر منحنا فرصة مثالية جداً لكي نتأملَ كيف يفكرُ هذا التنظيم..ذلك أنهُ لا يكتفي بالانقضاض على فرائسهِ استناداً إلى منطق القوة والقوة المضادة فحسب إنما هو يتصرفُ تبعاً لما تشيرُ إليهِ بوصلة مصالحه الذاتية فحسب وبوسعهِ أن يخرقَ بيسرٍ أيَّ اتفاقٍ أبرمهُ سابقاً مع حلفائهِ إذا تعارضَ مع تلك المصالح كما فعلَ مع تنظيماتٍ متطرفة كثيرة كانت تجمعهُ معهم أهدافٌ واحدة..وهي ذات الإشكالية التييمثلها ضرب تنظيم "داعش" دولاً بعينها حتى لو كانت عصية ومنيعة ويترك أخرى رغم سهولة اختراقها..والتفجيرات التي وقعت في السعودية والكويت تصلحُ كأدلةٍ دامغة على ذلك حينما ضربَ تنظيم "داعش" في العمق السعودي مرتين وبعد أسبوع واحد كانت لهُ صولة أخرى في الكويت في شهر رمضان الفائت قبل أن يستهدف فندقين في تونس.

ليس سراً أبداً أن علاقة شائكة ومريبة كالتي ربطت تركيا "بداعش" منذ بواكير الأزمة السورة كانت تسيرُ وفق نظرية التخادم السياسي المتبادل وإن اختلفَ الطرفان في أهدافهما البعيدة..وعلينا هنا ألا ننسى أبداً أن تركيا كانت من أكثر الدول التي تحاورتْ مع التنظيم وأثمرَ حوارهما في إطلاق سراح الكثير من رهائنهم المختطفين لدى "داعش" ويتصدر ذلك العملية الأشهر لإطلاق رجال القنصلية التركية الذين احتجزهم "داعش" في الموصل وحوادث مشابهة أخرى وإن كانت محدودة..

لكن علاقة مشبوهة مثل هذهِ كانت تبدو قلقة سلفاً لأنها مقيدة بمرحليتها ومحكومة بظروفها الطارئة..كانت المعادلة تقضي بأن تغضَ تركيا الطرفَ عن توافد عناصر التنظيم إليها من جميع دول العالم مع ضمان تواجدهم وتدريبهم وتمويلهم ومن ثم عبورهم إلى سوريا والعراق مقابل عدم اعتداء هذا التنظيم على تركيا والمساس بأمنها أو الإضرار بمصالحها فما الذي حصلَ حتى يُخرقَ هذا الاتفاق المُبرَم؟ ما الذي طرأ على تلك المعادلة من تغيير جوهري لكي ينجمَ عنها كل هذه التفجيرات؟

كأنَّ في الأمرِ أحجية من نوعٍ عصي على الفهم لكن ربما لو تأملنا مزيداً من الأحاجي السياسية التي صنعتها عوامل متباينة بعضها قديم وبعضها الآخر طارئ على المنطقة لفهمنا بعضاً مما خفي من تلك الصورة المبهمة ..نقولُ أحاجي لأنَّ هنالك رسمة غريبة توهمُ من يتأملها بأنَّ ثمة مَن يؤدي عدة أدوار متناقضة في ملفٍ واحد..وإليكم نموذجاً بسيطاً لواحدة من تلك الأحاجي السياسية الغريبة علها تصفُ لنا جانباً من هذا الوضع الملتبس :

أكرادُ سوريا والعراق أعداءٌ مزدوجون لكلِّ من تركيا و"داعش" في وقتٍ واحد..وهم يبدونَ هكذا للأتراك لأسبابٍ عنصرية معروفة كما أنهم يمثلونَ بنظر تركيا مشروع حلمٍ انفصالي مؤجل يجب إجهاضهُ وزادَ من حدة هذا العداء حينما دخلَ الأكراد مبكراً كرقمٍ مهم في صُلب معادلة الحرب في سوريا طمعاً بحجز مقعدٍ على طاولةِ الغد فيما لو أُسقطَ  نظام الأسد وهذا السبب الأخير هو ذاتهُ الذي صيّرهم أعداءً "لداعش" أيضاً وباتوا هدفاً استراتيجياً دائمياً لهم و"كوباني" خيرُ شاهدٍ على ذلك..أما بالنسبة لأكراد العراق فقد أصبحوا هدفاً "لداعش" لاحقاً بفارق توقيت دخول التنظيم إلى العراق بعد سوريا وهم بالطبع أهدافٌ دائمة من قبل تركيا منذ عقود طويلة..فلماذا يفكرُ الأتراك وتنظيم "داعش" الآن تحديداً بفك حلفهما الستراتيجي هذا طالما هم يقاتلون معاً نفس الأعداء؟ لماذا بدأ اللاعب التركي يشددُ بيديهِ الخناقَ الآن بالذات على رقبةِ "داعش" وهو يعلمُ أن إقصائهُ من المعادلةِ سيخلُّ بتوازنها؟

لسنا بصدد أن نُحصي خسائر تركيا من تفجيرات تنظيم "داعش" خصوصاً على قطاع السياحة تحديداً وهو الذي يدرُّ لوحدهِ على الاقتصاد التركي حوالي 40 مليار دولار سنوياً..لكننا على النقيض من ذلك تماماً نريدُ أن نضعَ أصبعنا على منافعِ تركيا من تلك التفجيرات بعدَ إعلانها الحرب على "داعش" حتى لو بدا أنَّ من العبث والغريب أن ندعَ الأضرار التركية الواضحة للعيان جانباً ونُحصي منافعَ تبدو مخفية تماماً..هذا إن جازَ لنا أن نعدَّ تركيا أكثر المنتفعين من تلك التفجيرات..

تلك التفجيرات منحت تركيا هدية ثمينة باعتبارها أصبحت بشهادةِ الجميع طرفاً متضرراً بشكلٍ مباشرٍ من تنظيم "داعش" وأعطتها مبرراً قوياً لإعادة ترتيب حساباتها في المنطقة من جديد وفق مصالحها الإستراتيجية القديمة وبالتالي سيسهلُ عليها إعادة تنظيم التوزيع الديموغرافي في المنطقة وفق المنظور التركي الخاص وهو أكثر ما يعكرُ صفوَ المزاج التركي هذه الأيام وسط التعقيد الدراماتيكي الذي ترسمهُ الإرادات المتباينة هناك ممثلة بأكراد العراق وسوريا وحزب العمال التركي في ظل طموحاتهم المفتوحة على وسعها هذهِ الأيام..وكأن تركيا تلقت ضوءً أميركياً أخضر كانت على الدوام بأمسِّ الحاجة إليهِ من أجل ضمان حرية أكبر لمد أذرعها لضرب أعدائها الأكراد الموزعين في سوريا والعراق معاً بما فيهم أكراد حزب العمال التركي عدوها الأزلي العنيد وبوسع طائراتها الآن "تحت ذريعة ضرب تنظيم داعش" أن تستغلَ هذه الفرصة التاريخية لتضربَ بحريةٍ أكبر وبمباركةٍ أمريكية داخل العمقين السوري والعراقي..

أما الأهم من كل ذلك فهو أنَّ تركيا ستحاولُ أن تبدوَ أنها شريكٌ أساسي مهم في محاربة الإرهاب الوافد إلى المنطقة وإعلان براءتها منهُ أمام العالم دون لبس وأنها حريصة على إعادة تجميل صورتها التي شوهتها شبهات مغرضة سابقة اتهمتها بأنها حاضنة نموذجية للإرهاب وستحاولُ جاهدة أن تبددَ ضبابَ كل تلك الشبهات.

منذ أن بدا للأتراكِ أنَّ أحلامهم في سوريا أصبحت تتراءى لهم أصعبَ وأبعدَ وأكثرَ تكلفة مما خططوا لهُ باتت لعبة النار التي تسلَوا بها تافهة ومُقرفة..أما مواصلة اللعب فقد أصبحَ أشبه بالسير في متاهةٍ مظلمة لا نهاية لها وهم الذين لم يخفوا طموحهم أبداً منذ بداية الأزمة السورية في إسقاط نظام الأسد وسلكوا كل السبل من أجل تحقيق ذلك بما فيها دعم التنظيمات الإرهابية التي لا تزالُ حتى الآن تمسكُ بالأرض.

ربما لا يبدو مهماً أن نطيلَ المكوثَ حولَ تلكَ النيرانِ التي شبّتْ في تركيا وما أحرقتْ لأنَّ الأهمَ من ذلك أن نعرفَ الأرباحَ المستترة التي سيجنيها موقدو تلك النيران الذين لسعتهم نيرانها وهم في أوجِ تسليتهم بها حتى وإن بدتْ فكرة غريبة وساذجة أن نبحثَ في سِلال الخسائر التركية عن ثمار أرباحها!

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق