]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تقاطع المصالح بين واشنطن وطهران !

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2015-09-26 ، الوقت: 22:43:00
  • تقييم المقالة:

لعلّه من نافلة القول أن نتحدّث عن طهران وواشنطن كلاعبين استراتيجيين في تلك الرقعة الجغراسياسية التي سمّاها "تايرماهان"منذ عام 1902 ب"الشرق الأوسط"، فكلاهما يملك أجندته الإقليمية الخاصة ويعمل على تنفيذها بما تيسّر له من وسائل، لكنّ ذلك يجب ألا يحجب عنّا التقاءهما في الهلال الخصيب وخصوصا في العراق بما هي نقطة ارتكاز جيواستراتيجي باصطلاح”رقعة الشطرنج الكبرى”لبريجنسكي ،فالهلال الشيعي الذي عبّر الملك الأردنى عبد الله الثاني عن مخاوفه منه عام 2004 قد تحقق بعدُ بوصول جواد المالكي إلى السلطة في بغداد ،بل تحقق ماهو أبعد من "التثليث الشيعي"بسقوط صنعاء في يد الحوثيين وقد وقفنا على تهاون الأمريكان مع حدث جلل كالذي وقع هناك حيث اكتفت واشنطن بإطلاق دعوات نمطيّة إلى استرداد الشرعية وهو ما يشي بوجود"تقاسم مغانم"بينها وبين طهران ،حيث يتمّ إيرانيًّا التضييق على السعودية والاقتراب من مضيق مهم تمر منه معظم الصادرات النفطية الخليجيّة[مضيق باب المندب] ،فيما تحقّق واشنطن تقدما ملموسا على عدة أصعدة من بينها الملف السوري وتأمين مسار تنفيذ الاتفاق النووي النهائي مع طهران واحتواء خطر الجماعات السنية "المتطرّفة" في بلد يتركّز فيه تنظيم القاعدة بشكل فاقع حتى غدا ذريعة مثالية للحوثيين حتى يبسطوا نفوذهم ويسعدوا باليمن "السعيد"كما سُعد حزب الله بلبنان ، دون أن نذهل بطبيعة الحال عن المساهمة الإيرانية في تنشيط سوق الأسلحة في الولايات المتحدة حيث تساهم لوبيات السلاح في رسم سياستها الخارجية ، وحسبنا أن نشير في هذا السياق إلى أنّ أضخم صفقات الأسلحة أُبرمت مع دول الخليج العربي وتأتي قطر والسعودية والإمارات والعراق على رأس قائمة دول الشرق الأوسط المستوردة للسلاح الأمريكي تحت عنوانيْن كبيرين :تنظيم الدولة الإسلامية وإيران ، فالدوحة التي تصدّرت القائمة عام 2014 عقدت صفقة قيمتها 11 مليار دولار فى شهر جويلية 2014 استوردت بموجبها 10 بطاريات صواريخ باتريوت من الإنتاج الأمريكى إضافة إلى 24 مروحية مقاتلة من طراز أباتشى و500 قذيفة مضادة للدبابات طراز "جافلين"، وشكّلت "عاصفة الحزم" مناسبة مثالية لبيع الأسلحة ، وأحيلكم هنا على ما قاله نائب وزير الخارجية الأمريكي "أنتوني بلينكين"[يوم 07 أفريل 2015] عندما أشار من الرياض إلى أنّ بلاده [سارعت] إلى تقديم إمدادات عسكرية لدول التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن !!..
وحين نتحدّث عن سقوط الضلع اليمني والمربع الإيراني في المنطقة العربية فليس ذلك من قبيل الكلام المرسل أو الحذلقة الكلامية،فقد صرّح مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني بأن العاصمة اليمنيّة صنعاء صارت العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران بعد بغداد ودمشق وبيروت ،بقي أن ألفت نظركم إلى أنّ المسؤول الإيراني المقرب من المرشد علي خامنئي قد أصدع بهذا الكلام قبل سقوط القصر الرئاسي في صنعاء !..

 

غير أنّ مشروع التشييع أو تعزيز المد الشيعي لم يتحقق بعد ولن يتحقق دون العراق الركن الركين من منظومة الأمن القومي الخليجي فضلا عن رمزيته الإسلامية التاريخية، لذلك رأينا تنسيقا إيرانيا أمريكيا من أعلى مستوى في هذا البلد بعد سقوط بغداد عام 2003 حيث تمّ تغليب الوجود الشيعي على تركيبة الجيش"العراقي" الجديد كما تمّ سياسيا تعزيز دور شخصيات تدين بالولاء لطهران ..

 

غنيّ عن البيان أنّ إيران ليست شيعية فقط هي أيضا فارسية وعندما نقول هي فارسية نعني بذلك بكل بساطة هي عدو على نحو ما للعرب لا للسنة فقط ،فنحن إزاء مدّ مزدوج بوجه شيعي وآخر فارسي!!..

 

السؤال المطروح هنا :ماذا ستربح أمريكا لو تحقق المشروع الإيراني؟؟؟..بشكل مباشر لن تربح الكثير ..لكن إذا علمنا أنّ إيران ستقدّم تنازلات ذات علاقة بملفات مفصلية سنقف على حجم المكاسب التي يمكن أن تحققها واشنطن،دعونا نلق نظرة على كتاب:“التحالف الغادر: التعاملات السريّة بين إسرائيل و إيران و الولايات المتّحدة الأمريكية” للكاتب “تريتا بارسي” أستاذ العلاقات الدولية في جامعة “جون هوبكينز”لفهم المبنى وإدراك المعنى،يكشف هذا الكتاب المهم عن وثيقة سرية خطيرة أرسلها الإيرانيون للأمريكان بُعيد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وفيها تعرض طهران يد المساعدة للمساهمة في بناء ما يسمى:”الشرق الأوسط الجديد”،ونقرأ في الوثيقة السرية المماط عنها اللثام تنازلات رهيبة من الجانب الإيراني لخّصها منتدى “اللجنة العالمية لنُصرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلّم”في النقاط التالية :
1- عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن و الاستقرار, إنشاء مؤسسات ديمقراطية, و حكومة غير دينية). 
2- عرض إيران -شفافية كاملة-لتوفير الاطمئنان و التأكيد بأنّها لا تطوّر أسلحة دمار شامل، و الالتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل و دون قيود. 
3- عرض إيران إيقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية المعارضة و الضغط عليها لإيقاف عملياتها العنيفة ضدّ المدنيين الإسرائيليين داخل حدود إسرائيل العام 1967. 
4- التزام إيران بتحويل حزب الله اللبناني إلى حزب سياسي منخرط بشكل كامل في الإطار اللبناني. 
5- قبول إيران بإعلان المبادرة العربية التي طرحت في قمّة بيروت عام 2002, أو ما يسمى “طرح الدولتين” و التي تنص على إقامة دولتين و القبول بعلاقات طبيعية و سلام مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل إلى ما بعد حدود 1967. والمفاجأة الكبرى في هذا العرض كانت تتمثل باستعداد إيران الاعتراف بإسرائيل كدولة شرعية!!..

 

ويأتي تمدّد تنظيم "الدولة الإسلامية" في منطقة الهلال الخصيب كورقة ضغط جديدة تستخدمها واشنطن ضد طهران ليس من باب العداء بل من باب تحسين شروط التفاوض حول المكاسب المشتركة..طهران قد تجد نفسها في لحظة ما في وارد اختيار بين التخلي عن الأسد والاتفاق على بديل مقبول من الطرفين أو مواجهة جماعة سلفية شديدة التطرف والتسلّح قد تقرع أبوابها يوما م ،ومنذ سقوط الاتحاد السوفييتي بدأت الآلة الأمريكية تدور في ذلك الاتجاه عبر بذر بذور الفوضى التي سمّتها كوندوليزا رايس ذات يوم من عام 2005 ب“الخلاقة”أو "البناءة"،ولم تكن أمريكا تريد من إيران أكثر من مباركة رؤيتها الجديدة للشرق الأوسط ،فلم تكن تبغي القضاء على القوة الإيرانية بقدر ما كانت وماتزال تروم تطويع تلك القوة لمصلحتها ،فعندما اندلعت الثورة الخمينيّة عام 1978 لقيَت دعما غربيا منقطع النظير لأسباب عديدة منها

 

طبيعة المذهب الشيعي نفسه القائم على أدبيّات جاذبة للغرب على غرار المرجعيّة العليا التي تتيح للقوى الغربيّة التواصل مع جهة واحدة وتسيطر على الجماهير أو على قطاع واسع منها عبْرها وهو ما رأيناه مع الغزو الأمريكي للعراق عندما تمّ تدجين الشيعة من خلال فتاوي الانبطاح التي أطلقها المرجع الشيعي آية الله السيستاني، كذلك علينا ألا نغفل عن مسألة مفصلية وهي العداء الشيعي المزدوج للعرب ولأهل السنة والجماعة من منظور شيعي-صفوي ومن منظور فارسي ،ولا ننسى في هذا السياق أنّ قطاعا واسعا من هؤلاء سنة وعربا متمركز في فضاء جغرافي يُعدّ نقطة تركّز للمصالح الجيو-استراتيجيّة الغربيّة حيث الثروة والموقع ، بما يعني أننا بصدد “أعداء مشتركين”..

 

علاوة على ما تقدّم هناك مسألة مهمّة نرى ضرورة الإشارة إليها وهي تلك المتعلّقة بسعي الأمريكيين آنذاك إلى احتواء المد الثوري “الإسلامي”وقوْلبته بما يتماشى والمصلحة الغربية فضلا عن محاولة تسويق صورة الغرب المتصالح مع الشرق والصليب المتسامح مع الهلال، إضافة إلى رؤية -ثبت خطؤها- في ما بعد تدور حول امتصاص الزخم الإسلاموي واحتوائه في فترة اتّسمت ببوادر صعود للجماعات الجهادية ولاسيما في مصر من خلال بروز جماعة المسلمين [“التكفير والهجرة”] ،ربما نكون بهذا قد تعرّضنا إلى أهم أسباب إحجام إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عن دعم الشاه في أواخر عام 1978 وانخراط أبرز وسائل الإعلام الغربيّة في تقديم الثوار الإسلاميين كمجموعة من “الديمقراطيين”المضطهدين يقودهم شيخ حكيم عانى من ضيْم المنافي وهو آية الله روح الله الخميني !..

 

في الحقيقة تتقاطع المصالح بشكل لافت بين الدولة الشيعية والولايات المتحدة الأمريكية وهذا التقاطع تعزّز وتكرّس بعد وفاة الخميني ، التي أصبحت فيما بعد ورقة مهمة في لعبة المقايضات الإقليميّة وشيئا فشيئا بدأ السياسيّ يطغى على الدينيّ ، وحتى سطوة رجال الدين على رجال السياسة هي في النهاية سطوة مسيّسة [بكسر الياء ونصبها] وليس أدلّ على ذلك من تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي ،فعندما يقول المرجع الإيراني الأعلى:”أنا أؤيّد تمديد المحادثات النووية “يمكننا القول إننا إزاء تحوّل مُذهل في الموقف لأنّ خامنئي كان دائم الإشارة إلى حُرمة التّراجع عن البرنامج النووي قيْد أُنمُلة !!..،ونحن هنا لسنا أمام إعمال لمبدأ”التقيّة”الشهير بقدر ما نقف على تعاط سياسي بامتياز ، ويكفي أن يكون المرشد صاحب الحلّ والربط في الملف النووي الايراني لنتأكّد من طغيان السياسة على الدين خاصة إذا علمنا أنّ الإمام الأكبر الخميني كان يُعارض أيّ مشروع نوويّ من منطلق دينيّ مبدئي..

 

في أواخر عام 2013 نشرت صحيفة”نيويورك تايمز”البريطانية خريطة مستقبلية للشرق الأوسط الكبير تُظهر تفكك 5 دول عربية إلى 14 دويلة وهذه الدول هي المملكة العربية السعودية-اليمن-العراق-سوريا-ليبيا لتبقى إيران الدولة الكبرى الوحدية في الخليج محصّنة من التقسيم في ما يسميه الكاتب”توفيق الحاج””شرخ أوسخ جديد”!..هذه الملاحظة جديرة بالوقوف عندها طويلا وعميقا !..

 

لاشكّ أنّ الجزء الأكبر من تاريخ العلاقات الأمريكية الإيرانية هو تاريخ "مسرحي" إن صحّ التعبير حيث عمل الطرفان على مسرحة الصراع ومشهدة العداء،فعندما كانت الحناجر الإيرانية "المعمّمة" تصرخ وتلعن "الشيطان الأكبر" كانت الأسلحة الأمريكية تتدفق على طهران في فضيحة إيران كونترا الشهيرة أثناء الحرب مع العراق!..،وكلّما شنّ الكيان الصهيوني عدوانا على غزّة نرى حزب الله الذراع الإيرانية في المنطقة وحامل لواء المقاومة المزعومة لا يحرّك ساكنا ،لطيفا،متسامحا، من"الكاظمين الغيظ"!..؛لذلك لا نستغرب أن يقول السفاح شارون في مذكّراته:" لم أر في الشيعة أعداء لإسرائيل على المدى البعيد , عدونا الحقيقي هو المنظمات الإرهابية الفلسطينية" [مذكّرات شارون - ترجمة أنطوان عبيد - ص 576 ] ، بل إنّ الرئيس الإيراني حسن روحاني قد أقرّ مؤخّرا بأنّ عبارة"الموت لأمريكا"ليست إلا شعارا لا غير وذلك في حوار مع برنامج "60 دقيقة"على قناة"سي بي آس"، في تصديق لما جاء في كتاب "التحالف الغادر"الذي أشار إلى أنّ طهران ليست "خصما لاعقلانيا"يهوى رفع الشعارات الحماسيّة التجييشية وهو لا يستخدمها إلا لأهداف سياسية تمويهية!!!..

 

فإيران لا تفعل أكثر من تصوير العدوّ الصهيوني ككيان "مستضعف"تُحدق به الأخطار من كلّ جانب، وهذه صورة يُراد تسويقها لاستدرار عطف الرأي العام الغربي وتعبيد الطريق للحكومات الغربية التي تحرّكها عقدة الهولوكوست بقدر ما تحرّكها المصالح لكيْ ترسل "مساعداتها"من مال وسلاح فضلا عن "صرف"مواقف التأييد والدعم لآخر نظام عنصري استئصالي حلولي في العصر الحديث، فقد أكّد "بيرسي"في كتابه الشهير (المذكور آنفا) أنّ إطار الخلاف بين إسرائيل وإيران لا علاقة له بالإيديولوجيا بل هو مجرد صراع استراتيجي "قابل للحل ، وبالفعل ،لم تمنع ذروة الزخم الثوري "الإسلامي"الإيرانيين من عقد صفقات عسكرية سرية مع الكيان الصهيوني في حرب الخليج الأولى ، صفقات كشفتها فضيحة إيران كونترا !..

 

صفوة القول..رغم الإخراج المتقن لمسرحية العداء الأمريكي الإيراني المعلن إلا أنّ أداء الممثلين يبدو على قدر كبير من الابتذال والرداءة ليس لضعف في الموهبة بل لتعقّد الأدوار ..فشخصية”عبادي”مثلا مطالبة بأن تبدو عراقية بنكهة أمريكية إيرانية ،شيعية بنكهة سنية ،فارسية بنكهة عربية !!!..

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق