]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

رقصاً عراقياً

بواسطة: Mariam Fuad  |  بتاريخ: 2015-09-15 ، الوقت: 04:08:54
  • تقييم المقالة:

"رقصا عراقيا "

 أنا مواطن عراقي ولدت في العراق

 فبرغم إن هذا البلد لم يقدم لي شيئا مطلقا ولكن لطالما شعرت بالأرتباط الوثيق بهذه الأرض.

لم يكن والدي بذاك الرجل الغني أما والدتي فكانت ربة منزل . كان والدي يعمل بائعا في أحدى المحال في ذاك الحي حيث أقطن، لم يكن دخله قويا ليمكننا من سد جميع حاجياتنا.

كانت والدتي تعرف كيف تقنعني بأن أبن الجيران الذي كان والده منتميا لأحد الأحزاب يتمنى أن يملك ماأملك.. ولطالما تساءلت ما الشيء الذي أملكه ولا يملكه أبن الجيران"مهند" لطالما تمنيت أن أجرب ذاك الشعور الذي يشعر به مهند في بداية كل عام دراسي عندما يأتي بتلك الثياب الأنيقة وتلك الحقيبة ذات العجلات.. كم تمنيتها في حينها.. لكن والدتي أقنعتني بأن الرجال لايحتاجون الى حقائب بعجلات فهم من يديرون عجلة الحياة .

كم هو مزعج ذاك الشعور عندما أكتشف مهند تلك الثقوب في قميصي التي لطالما حاولت مداراتها.. في ذاك اليوم سخر مهند وحاشيته مني،بالطبع فقد كان لمهند حاشية ممن يتملقون له . فلا عجب فهو أبن أحد أبرز منتسبي الحزب.

كم كنت أمقتهم ..

في أحدى الليالي البائسة التي كان صباحها حافلا حيث تشاجرت والدتي مع والدي ولم أسمع من شجارهم إلا كلمة " لم أعد أحتمل ، هذه ليست بحياة نحن نعيش فيها على فتات الخبز" كم حرصت والدتي ألا نعلم بشجاراتهم هي ووالدي ولكن المحاولة الاخيرة لم تكن ناجحة، وبعدها ذهبت والدتي الى بيت جدتي .

في تلك الليلة مرضت أختي "طيبة" وبعد أن علم والدي هرع ولم يتنبه الى تأخر الوقت فأسرع الى أقرب مشفى  وقد حمل طيبة بين ذراعيه وكنت أنا متشبثا بثيابه .. كان هناك أشتباكات كما بدا لي وصوت مريع لأطلاقات نارية ولكن والدي لم يتوانى للحظة في أخذ فتاتة المدللة الى المشفى.. وجاء القدر معاكسا فأصابت أحدى تلك الرصاصات عنق والدي .. سقط والدي ولا زلت أنا متشبثا به وبثيابه الباليات..  هنا سقطت دموع والدي .. كانت أختي طيبة بين ذراعية .

أبي ! أجبني  بالله عليك لاتسقط ألم تخبرني بأن الرجل لايسقط ولايستسلم.. ألا تذكر عندما جرحت ذراعي يوما خلال اللعب فأخبرتني ألا أبكي فالرجال لايبكون . فما بال دمعاتك الغاليات ،لم أعرف حينها ماسبب تلك الدموع. أحاطنا الصمت للحظات ومن ثم بدأت آهات والدي بالخفوت وصرخات أخيتي بالتصاعد وفي تلك اللحظة كنت رجلا في الحادية عشر من عمري .. نعم، كنت رجلا فلم أبكي ولن أبكي. أمسكت بيد طيبة وأخبرتها " لاتبكي فوالدنا سيكون بخير" وكنت على يقين في قرارة نفسي بأن والدي لن يكون بخير بعد الآن.. الآن أخذت عطور تجتاح المكان إنها تلك الرائحة الزكية التي تفوح من دماء والدي وماخالطها من عرق بعد نهار طويل أنهك قواه السومرية..

مسحت دمعات والدي وهمست له لاتقلق سأكون رجلا كما أردت ولن أبكي ، توالت لحظات ولم أدرك ماحصل فعلا فقد تم نقلنا جميعا الى المشفى حيث كانت وجهة أبي ولكن أنقلبت الأحوال.. حيث ذهبنا أنا وأبي لأخذ طيبة الى المشفى فأصيب والدي وذهبت أنا وطيبة معه. لازلت أذكر صرخات والدتي لقد سمعت تلك الصرخات على بعد عشرات الأمتار ذاك الصوت ،صوت صرخات أمي وقد أخترق طبلة أذني ..

أماه لماذا البكاء ؟ ألم تتشاجري مع أبي صباحا ؟ بالله عليك خففي من وتيرة أحزانك ،، أماه خففي من أوجاعك، أماه لاتذكري كم شقي والدي لأجل أن يوفر حاجياتنا ،لاتذكري كم أرادنا أن نكون سعداء مع بعض، وإياك وأن تذكري أخلاصه لك فكل ذاك سيزيد من أوجاعك.. كنت تائها حائرا بين صرخات أختي وآهات أمي ،كنت ممزقا حينها ،كنت صغيرا ولكن أبي لم يترك طفلا بل ترك رجلا.. حاولت أن أكون رجلا كما أراد والدي لم أبكي ولن أبكي .. ها هو أبي قد رحل ولازالت أصوات تلك الأطلاقات متشبثة في أذني ،لازالت آهات والدتي تخترق طبلة أذني ،لازالت دمعات أبي الأخيرة تمزقني.. الآن أنا لم أعد طفلا كما كنت ولم أعد أرغب بتلك الحقيبة ذات العجلات.. لم أعد أحلم بثياب كثياب مهند ولا العابا كألعابه .. أنا أريد أبي فقط..

أعلم بأن ذاك الحلم غير ممكن وماذهب لن يعود ،لم أعهد قوة في ذات أمي كما رأيتها بعد وفاة والدي، لم تكن أمي بتلك السيدة الضعيفة فبعد وفاة والدي تغيرت تماما لم تعد ترغب بمساحيق التجميل ولا بتلك العطور .. أخذت والدتي على عاتقها إعالتنا فلم يكن لنا معيل سواها ولكن والدتي لم تكن قد أكملت تعليمها فتساءلت في قرارة نفسي مطولا كيف لها بإعالتنا ..  فكرت في العمل فأنا الرجل من بعد وفاة والدي ولكن والدتي لم توافق. فعملت والدتي في الخياطة فقد كانت تخيط الثياب ولم يكن لها ماكنة خياطة فأستعارت ماكنة الخياطة العتيقة التي لطالما أقتنتها جدتي وأعتبرتها كنزا ثمينا ولكن والدتي أخذت ذاك الكنز منها حاولت مساعدة والدتي وأخبرتها بإني لابد أن أعمل ، سأعمل بائعا كما عمل والدي .. وحينها رفضت والدتي رفضا عنيفا موبخة إياي وطلبت مني حينها أن أركز على دراستي فنجاحي أنا وأخيتي هو مكافئة لوالدي ولها..

مرت بنا السنون وكان حالنا ليس باليسير ، الآن وقد أوشكت على إنهاء تعليمي الجامعي أخذت أفكر أنه لابد لي من الحصول على وظيفة بعد التخرج وسأتمكن من تعويض والدتي وأختي عما عانوه من حرمان..نعم، فلن تعمل والدتي على تلك الماكنة بعد الآن وأخذت أحلم كثيرا وكبرت أحلامي وبالطبع فبعد ماعنيت لابد  وأن تكون أحلامي ملامسة للسماء  .. تخرجت بالفعل وعثرت على عمل لم يكن كما أردت ولكن أكثر ماهمني حينها أن أعمل وها هو أول مرتب أحصل عليه ..

ياإلهي يالها من فرحة عارمة تجتاحني وهاهي دمعات أمي تنهال كعادتها " أماه مابالك كلما حدث أمرا بكيتي" فقط إبتسمي لا أريد لك الدموع بعد الآن. اليوم سأدعوكم على العشاء بمناسبة المرتب الأول.. رفضت والدتي بحجة أن نوفر النقود ليوم نعوزها فيه ولكني نجحت في إقناعها بالموافقة .. خرجت أنا وطيبة وأمي وكانت طيبة قد طلبت مني مسبقا أن أشتري هاتفا حديثا لها  فلم يكن هناك من تطلب منه سواي أنا ووالدتي.. بالطبع رفضت والدتي حينها قائلة "لما الإسراف" بعد حوار طويل أقتنعت والدتي بما أرادت طيبة ..

ها نحن ندخل السوق وكانت معالم البهجة والسرور ظاهرة جلية على وجه طيبة أما والدتي فكانت مستاءة قليلا لانها تعتبر العشاء خارج المنزل وشراء الهاتف إسرافا.. وحدث الأمر المريع الذي لم يخطر ببالي يوما ولم أكن أتوقعه ..ها نحن نسقط جميعا لم أفهم ماحصل فعلا .. صرخات متعالية ،دماء تلطخ الأرض ، شخوص متمددين على الأرض وكأنهم يأخذونها في الأحضان، لابأس .. هل لي بفهم مايجري ! ..

كانت الفاجعة بأن "سيارة مفخخة "أنفجرت خلال تجوالي أنا وطيبة ووالدتي في السوق ، أنا الآن مستلقي على الأرض أيضا ..أين طيبة ؟ أماه أين أنتي؟! لحظة ..رأيت عباءة والدتي .. نعم، تلك والدتي، أمي لماذا خلعتي العباءة ؟ هل أصبحتي من معتنقي التحرر !، سيدتي المبجلة أجيبيني ولو بحرف.. طيبة أين أنتي ؟ ألتفت على يساري فرأيت طيبة مستلقية بجانبي كالملاك كانت تمسك بثيابي ، كانت متشبثة بي كما تشبثت بوالدي يوم وفاته .. طيبة أخيتي المدللة التي لم تكن يوما مدللة فلم تكن حياتنا بتلك السهولة لنحيا في عز ودلال لم تجبني بحرف..

أمي هل سيطول أستلقاءك على الأرض ، الأن أحاول أن أنهض لأتفقد والدتي لكن أنا لا أقوى على النهوض هناك شيئا يعيق حركتي لم أفقه مابال قدمي لاتقوى على حملي .. بعد عدة حوارات  وتساؤولات مع ذاتي أخذني الخيال وغرقت فيه ..

ها أنا الأن أصحو على صوت الممرضة وهي تقول "كيف حالك ؟"  بعد حديث طويل أخبرتني الممرضة بما حدث ..سألتها عن عائلتي فلم تخبرني بغير جملة زادت من قلقي ومخاوفي" لقد تم إحضار العديد من الجرحى والقتلى ولا أعرف من منهم أمك أو أختك " بعد أن تتعافى ستعرف ...

بعد فترة من العلاج طلبوا  أن أذهب لتفحص الجثث لعلي أجد عائلتي ضمن من وجدوهم ممدين على الأرض بعد الأنفجار ، كم يحب شعبي الأستلقاء على الأرض والتشمس ..  ذهبت وأنا أرتعش خوفا مما ينتظرني وكم تمنيت ألا أجدهم ،كم تمنيت أن يكونوا أحياءا ، تشجعت ودخلت الغرفة الملعونة فتعرفت على والدتي وكانت سيدة مبجلة شامخة حتى بعد وفاتها.. الآن أبحث عن جثمان أختي بكيت كثيرا عندما رأيت جثمان أختي وقد فقدت ساقيها.. كان جثمان من غير ساقين..تلك الملاك التي لم تتجاوز السابعة عشر من عمرها..  لم أتمالك نفسي ، لم أف بعهدي لوالدي حين قلت لن أبكي.. أبي الأن أنا أبكي ،، الأن سأبكيك أنت ووالدتي وأخيتي .. سأبكيكم جميعا ، لو بكيت لأعوام لما تخلصت من حزني عليكم..

أمي ،أبي ،أختي قد عطرتم بدماءكم النقية هذه الأرض .. أنا الآن لم أعد أرغب بهذه الأرض،هذه الأرض التي تمنعنا من الفرحة والبسمة، الأرض الملعونة .. 

الآن عرفت سبب دمعات والدي حين الإصابة تلك الدمعات المعطرات ،لعله كان يرغب بالبكاء ولكنه أخفى دمعاته مطولا ولربما  تخيل كم سيكون حالنا بائسا من  بعده .. بت وحيدا في هذا العالم ..

الأن فقدت ذاك الرباط الوثيق بتلك الأرض ، لم أعد أشعر بالأنتماء .. لم أحيا طفولة جميلة وحُرمت من أن أعيش مستقبلا كما أردت،قررت بعدها الرحيل، الرحيل الى المجهول.. سأرقص بعد مغادرتي هذه الأرض فرحا

 سأرقص رقصا عراقيا ..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق