]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

من راقب العواقب أمن المعاطب

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2015-09-13 ، الوقت: 19:03:06
  • تقييم المقالة:

بقلم: جهلان إسماعيل

قديما قالوا:

قَدِّرْ لِرِجْلِكَ قَبْلَ الْخَطْوِ مَوْضِعَهَا ... فَمَنْ عَلَا زَلَقًا عَنْ غِرَّةٍ زَلَجَا

وَلَا يغرنك صفو أَنْت شَاربه ... فَرُبمَا كَانَ بالتكدير ممتزجا

والزلق هو الأرْض المَلْساء ليسَ بهَا شيءٌولا يثبت عليها شيءوالزلق أيْضاً: عَجُز الدّابةِ وهو لا يثبت عليه راكب أيضا.

وقال الإمام علي (رضي الله عنه )  من راقب العواقب سلم من النوائب

إن مما يميز الإنسان هو التفكير في العواقب والمآلات ، فالإنسان العاقل هو الذي يفكر قبل كل عمل يقوم به ويحسب نتائجه ويتأمل عواقبه قبل الإقدام عليه وقد حفل القرآن الكريم بالقصص والمواقف التي تتحدث عن أهمية التفكير بالعواقب وحساب النتائج وتوضح أن الغرور وعدم التفكير في العواقب يؤدي إلى المهالك ومن هذه القصص قصة قارون الذي بغى في الأرض وظن أن ما لديه من مال ومتاع يجعله في مأمن من مكر الله عز وجل ولكن هيهات " فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ" القصص.

وقصة صاحب الجنة الذي قال لأخيه " أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا " ولم يستمع إلى نصح صاحبه " أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا" ومضى في طريقه وتابع في غيه ولم يفكر في عاقبة الكفر بالله وجحود النعمة وراح يتيه بجنته " ما أظن أن تبيد هذه أبدا" بل وظن أن الساعة لن تقوم " وما أظن الساعة قائمة"  وحدث ما لم يكن في حسبانه وما لم يخطر له يوما على بال " وأحيط بثمره " وعندئذ صحا الرجل من سكرته وأفاق من غيبوبته وأخذ يضرب كفا على كف " فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا" ولات حين مندم  وخسر الرجل دنياه وأخراه.

إن الإنسان العاقل لابد أن يفكر في العواقب قبل ان يخطو أي خطوة فأحيانا يكون الأمر في ظاهره مصلحة ولكن عند تقليب الرأي تبدو أمور عظام تجعل المرء يحجم عن الفعل لإدراكه أن المفسدة سوف تكون أعظم من المنفعة.

لما قال عبد الله بن أُبي ابن سلول رأس النفاق في المدينة: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعز منها الأذلّ، قال عمر: يا رسول الله دعني فأقتله، قال: فقال رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: " لا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ"  البخاري

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يريدون التخلص من هذا المنافق البغيض الذي وصلت به الجرأة أن تطاول على سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم ويرون أن قتله مصلحة ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قلب الأمر من جميع الوجوه وفكر في عاقبة قتل هذا المنافق وكيف سيكون صداه على قبائل العرب ورفض أن يأذن لأصحابه بقتله، لأن الناس كانوا ينظرون إلى ابن سلول- وهو رأس النفاق- على أنه من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وسوف يفتح  قتله بابا كبيرا للقيل والقال والطعن في دعوة الإسلام في أجهزة الإعلام.

إن العاملين في حقل الدعوة إلى الله  وحملة مشاعل الهداية للناس والكيانات الدعوية المختلفة التي تدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وتسير على منهج النبوة لابد أن يدركوا ما يحاك لهم من مؤامرات سواء من الداخل أو الخارج، فهم مستهدفون من قبل أعداء الله الكارهين لدينه ولا ينبغي أن يغفلوا عما يقوم به أعداء الدين لحظة واحدة ولا تأخذهم نشوة نجاح حققوه هنا أو هناك، فإن أعظم ما يهلك الدعاة إحساسهم أنهم في معية الله- وهذا صحيح لشرف مهمتهم- وعندئذ يتكلون على هذه المعية ويقصرون في الأسباب والتخطيط لكل نشاط يقومون به أو التفكير في عواقب الأمور.

ولقد نكبت الدعوة في فترات برجال من أهل الصلاح- نحسبهم كذلك ولا نزكي على الله أحدا- ولكنهم ليسوا أهلا للإدارة أو القيادة وقد وقفت عقولهم عند حقب زمنية تختلف تماما عن الحقبة التي نعيش فيها وما فيها من تطور في علوم الإدارة وثورة في مجال الإعلام وتقدم هائل في مجال التكنولوجيا وقد تصدروا المشهد زمنا طويلا وعطلوا الكثير من الطاقات الشبابية خلفهم.

 وما أجمل ما قاله الحسن البصري رحمه الله :” من الناس من أرجو شفاعته ولا أقبل شهادته " .

إن الصلاح والتقوى وإن كان من أهم ما يتصف به الإنسان المسلم عموما والداعي إلى الله خصوصا، إلا أنه لا يكفي وحده لأن يتصدر صاحبه المشهد أو يتولى المسؤولية . كان ابو ذر رضى الله عنه من كبار الصحابة المشهود لهم بالصلاح والتقوى وقد زكاه النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه رفض أن يوليه الإمارة والمسؤولية لأنه لا يملك مقوماتها ومهاراتها وقال له: "إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها"مسلم

لم يكن أبو ذر رضى الله عنه ضعيفا في دينه أو عقيدته أو تقواه- حاشا له- وإنما للإدارة والمسؤولية أربابها ورجالاتها ولقد نظر النبي صلى الله عليه وسلم فيما قد يترتب على توليه المسؤولية من عدم قدرته على القيام بواجباتها وتبعاتها، فإن إخفاق المسؤول في أداء عمله أو القيام بواجبات عمله لا يقتصر ضرره عليه فقط وإنما يعود على الناس جميعا.

إن من أخطر ما يمكن أن يقع فيه الدعاة إلى الله والكيانات الدعوية المختلفة هو العشوائية في العمل وعدم التخطيط أو حساب العواقب عند كل عمل من أعمال الدعوة أو سوء اختيار أصحاب المسؤولية والاعتماد على فضيلة السبق والأقدمية والسن وما إلى ذلك مما هو موجود في الدواوين الحكومية في البلدان المتخلفة.

ومن أوضح الأمثلة على ما يمكن أن يحدث عند عدم التفكير بالعواقب وحساب النتائج والحماس غير المخطط ما حدث مع القائد المسلم أبي عبيدة الثقفي في موقعة الجسر التي وقعت في سنة  13 هـ بين المسلمين والفرس.أرسل الفرس للمسلمين قائلين : إما أن تعبروا إلينا وإما أن عبر إليكم  وهنا أخذت الحميَّة أبا عبيدة دون أن يتروى في الأمر أو يحسب عواقبه وقال: والله لا أتركهم يعبرون ويقولون : إنا جَبُنَّا عن لقائهم رغم جتماع الصحابة  على عدم العبور إليهم: وقالوا له:كيف تعبر إليهم وتقطع على نفسك خط الرجعة، فيكون الفرات من خلفك؟! ولكنهم لم يستطيعوا إثناءه عما بدا له فهو قائد الجيش. وقد كان المسلمون وأهل الجزيرة العربية يجيدون الحرب في الصحراء، ودائمًا كانوا يجعلون لأنفسهم خط رجعة في الصحراء ، كما كانوا لا يجيدون السباحة.عبر المسلمون النهر وانكسروا أمام الفرس لضيق المكان وعدم قدرتهم على المناورة واستشهد الكثير من القواد والأمراء وزاد الطين بلة  قرار آخر غير محسوب ولا مدروس حيث قام عبد الله بن مرشد الثقفي قطع الجسر وقال: أيها الناس موتوا على ما مات عليه أمراؤكم أو تظفروا فتعاظمت الكارثة بإلقاء الكثير من المسلمين أنفسهم في النهر ففرق منهم الكثير ممَن لا يحسن السباحة، فأعاد المثنى ربط الجسر ووقف مع نخبة من الفرسان لمنع الفرس من الوصول إلى الجسر ولكي يتمكن المسلمون من العبور بسلام   ولكن الخسائر كانت فادحة.

وصدق الإمام علي رضي الله عنه: من راقب العواقب أمن المعاطب.

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق