]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الرجل الأزرق

بواسطة: عمر بن عبدالله الأنصاري  |  بتاريخ: 2015-09-07 ، الوقت: 17:59:28
  • تقييم المقالة:

وفقًا لرواية الكنيسة: كان هيرودس الملك الروماني الرهيب، قد تلقى نبؤة من الملوك المجوس بأن طفلًا ولد في بني إسرائيل سيُنهي ملكه وسيكون أميرًا عليهم؛ فأمر الملك السفاح بإعدام كل طفل ذكر في بني إسرائيل دون الثانية من عمره. فكان عيد القديسين الأبرياء، لكن مع مرور الزمن تحول الأمر إلى ما يشبه المزحة والسخرية، وأصبح الاحتفال بهذا اليوم يجري على نحو يسخر من كل سلطة، وخاصة من السلطة، فكان أن احتُفل بهذا اليوم بترويج الأخبار الكاذبة والإشاعات التي تبدو مرحة وملفقة بشكل مبالغ فيه؛ فيطلق الإعلاميون ومجموعة من البسّاطين العنان لخيالهم في نشر مُزح عن البطولات "والرؤساء"، ويتداول الناس القصص المضحكة والساخرة والخادشة للحياء أحيانًا والخارجة عن سياق العقل.

ماذا لو احتفلنا بعيد الألوان!

 

تتشكل على امتداد جنوب العواصم العربية  والأفريقية المأزومة، من ليبيا إلى الجزائر النيجر وموريتانيا والصحراء المغربية ووبعض دول المهجر ، تجمعات متشابهة إلى حد بعيد، لا يجمعها انتماء طائفي، أو عرقي أو مناطقي على ما باتت تختصر الأقليات أخيراً، بل يشد عصبها انحياز أفرادها لقضايا الشأن والهم العام ، في وقت تخندقت فيه بعض الجماعات في محاصصات فئوية ضيقة، وولاءات سياسية تغذي آليات فساد وزبائنية وتعود فتتغذى منها، لتبدو أي مسألة محقة تستفيد منها العامة، كأنها سلاح موجه من طرف ضد آخر.

 

ومن أبرز سمات تلك الأقلية أنها صحراوية بالدرجة الأولى بمعنى أنها نشأت وتكونت في الصحراء من دون أن تكون بالضرورة من أبنائها الأصيلين، وهي شريحة شابة عموماً من مهنيين ورعاة رحل متنوعين اجتماعياً وثقافياً، اعتنقوا انتماءهم هذا كأفراد لا جماعات، وعن خيار ذاتي لا عن وراثة عائلية، يدورون في فلك الطبقة الوسطى أو ما بقي منها، وتراهم يكافحون اليوم ذكوراً وإناثاً للحفاظ على وضعياتهم فيها.

 

إنهم هؤلاء الذين نراهم يتداعون اليوم إلى التظاهر في كيدال وأوباري تمنراست وايقدز ومخيمات ك باسي كنو ضد الفساد الحكومي ونتائجه المباشرة وسط درجات حرارة تقارب الخمسين، وهم سبق أن تظاهروا من أجل حقوق المنطقة التي يتمحورون فيها، ورغم تباين المناطق في كل دولة، إالا أن المطالب واحدة وغيرها من القضايا التي لا تبدو مهمة أو طارئة مقارنة بالهواجس الأمنية، لكنها تعني المواطنين العاديين بما يكفي لتكون قضيتهم. وفي كل منفى فضلا عن بلد الأجداد،هم أقلية الأقلية العرقية، ما زالت تسمع أصواتهم معترضة على المحاكمات العسكرية وفساد الحكومات المتتابعة، في ظل غياب فكر الدولة عندهم.

 

وكأي أقلية، يحاط هؤلاء بالتهميش والإقصاء والاستخفاف بهم وبجهودهم، فلا يسمع صوتهم إلا في لحظات غضب تجعلهم يتماهون مع ما يناهضون. وليس ذلك لتبرئتهم من تجاوزات وأعمال شغب كثيرة ترتكب في تظاهرات ومسيرات مطلبية تحيدها عن وجهتها، لكن الأساس يبقى أن هناك شباناً وشابات، نساء ورجالاً ما زالوا يجدون في أنفسهم طاقة أو ربما بصيص أمل أو يأس يدفعهم إلى الشوارع مع يقين مسبق لدى الآخرين المستفيدين من تحقيق المطالب فيما لو تحققت، أنهم مجرد قنابل صوتية لامعنى للوطنية بشكل قوي إلا في مقطوعاتهم الوترية..

 

وصحيح أن الانتماءات والميول السياسية لبعض هؤلاء تجعلهم أحياناً أداة سهلة في يد تنظيمات و «قيادات» تستثمر فيهم وتستغل نشاطهم، لكن افتراض أن السياسة لوثة أو تهمة، على المجتمعات أن تبقى بمنأى عنها لتحافظ على «نقائها»، في غير محله. فهو يبرر الوقوع في فخ «المجتمع المدني» وجمعياته من جهة، ويسهل على الأنظمة وأجهزتها شيطنة الناشطين من جهة أخرى. تلك القيم الطوباوية أحياناً أو المبالغة في الحياد، التي يروج لها ما بات يعرف بـ «المجتمع المدني» والتعفف (المزعوم) عن الرغبة في الوصول إلى السلطة تسد فراغاً سياسياً وتلبي حاجة، لكنها تساهم أيضاً في إجهاض أي هيكلية سياسية جدية أو نشوء نواة حياة فاعلة، هي أكثر ما تحتاجه بلدان «الأقليات». فما يجري اليوم، هو استعاضة واضحة بهذه الأقليات، التي يفترض أن يكون صوتها مطلباً محقاً ومشروعاً، وفي المقابل، تعتمد أجهزة السلطة ووسائلها الإعلامية ودوائرها الاجتماعية تشويه سمعة تلك الأقلية وشيطنتها. فهي إما مرتهنة للخارج وإما خلايا «تخريبية» نائمة، وإما «سرايا مقاومة» (أنصار الدين)، وهي مهما تقلبت بها الأحوال تنال كلها من "هيبتها" وتوهن نفسية الأمة.

ومع التضييق والملاحقة وكل ما يتعرض له أي شخص فاعل في الفضاء العام، لا عجب أن يتقلص عدد هؤلاء ويلتفتون على وسائل التواصل الاجتماعي، فيجعلون من الصفحات الشخصية على «فايسبوك» أو «تويتر» منصة لإطلاق المواقف والشعارات فتعود الدائرة المفرغة لتضيق أكثر، وتدور حول ذاتها بلا كثير جدوى، والحال أن تلك الأقليات العابرة للحدود والمتشابهة إلى حد بعيد، لا يكفيها الغضب الشعبي لتزيد عددها في رمالها أو ترفع وزنها لدى السياسيين، أو بعض المصقات والخطابات لتخطب ود بعض الأنظمة، خصوصاً بعد مآلات الثورات الأخيرة. فما تطالب به تلك المجموعات، سواء إيجاد حلول بيئية وصحية لأزمة إحياء وبعث مناطقي مع محاسبة مفسدين في سرقة المال العام هنا وهناك، بات أقرب إلى التطلع النخبوي منه إلى المطلب الشعبي.

 

فالقيم والحقوق التي تتمسك بها هذه الشريحة وتدعو إليها وإلى تطبيقها تبدو خارج الزمن، وفي غربة حقيقية عن المجتمعات التي تعاني من غيابها وتتدبر شؤونها عبر نظام الزبائنية السياسية أو الطائفية أو المناطقية.

 

أما تلك الأقلية الآيلة إلى الانقراض، فلا تملك إلا أن تتمسك ببقايا الدولة المزعومة ومفهومها، لأن لا طائفة تحميها ولا عشيرة ولا حتى حزب ولا نظام، وهي إذ ذاك لا تحتاج تطمينات ومسكنات، بل حلولاً جذرية ومستدامة ما عادت تجدها إلا في دوائر الهجرة وطابورالجوازات.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق