]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

رغم ناقوس الخطر

بواسطة: فوزية بن حورية  |  بتاريخ: 2015-09-03 ، الوقت: 00:46:41
  • تقييم المقالة:

 

رغم ناقوس الخطر

 

ان الارهـاب بتونـس ليــس وليـد الثلاث سنـوات ما بعــد الثـورة، السنــوات العجــاف التي اسقطت علــى البــلاد اسقاطا بل كــان مستتـرا ومتخفيــا ومتربصا بـها يتصيــد نقـــاط ضعف الدولــة وانفكاكها و الخلل المفاجئ الذي قـد يطـرأ في استمراريتها مع التصدع في تضامـن شعبها متحينا الفُرْصَـةَ الْمُلاَئِمَـةَ لاقتناصها واصابتها في المنحر اصابة لا نجاة منها ليفتتح محلّه الجديد 
وذلك منذ سنة 1987.حيث حاول الارهاب ان يجعـل لـه مكانـا بتونس و موطنا خصبـا فقـام في هذه السنة باول العمليات الارهابية التفجيرية الا وهي التفجيرات التي وقعت بفنادق في كل من مدينتي سوسة والمنستير على الساحل الشرقي والتي أودت بحياة عشرات الضحايا من التونسيين والأجانب، وحادثة سليمان الإرهابية سنة 2006 التي سقط فيها أربعة عشر قتيلاً من الأمن والمسلحين والتي بدأت ميدانيًّا بمواجهات عنيفة عند الليلة الفاصلة بين 23 و 24 ديسمبر من العام 2006، تعود إلى أفريل من العام ذاته.هاتان الحادثتان خير شاهد على ان هناك من تأبط شرا ظل متواريا خلف الستار و الكواليس ينْتَظَرَ الفُرْصَة السانحة لينتهزهاوهو يبث سمه و ينفث ريحه العطن في كنف السرية التامة هو و اتباعه بلا هوادة ولا كلل و لا ملل هنا و هناك وهنالك وفي كل المنعرجات والمنحدرات و الالتواءات و المنخفضات و السراديب و المستنقعات و احيانا بالمرتفعات وبين من يؤمنون بالانتهازية و الوصولية ومن يهوون التبعية وفي الاوساط الاجتماعية المهمشة و المتدنية وخاصة منها تلك التي تحت خط الفقر والشريحة الشبابية المهملة القدرات و الكفاءات، مستغلين الظروف الصعبة المادية و المعنوية،استقطبوهم وجذبوهم إليهم بغسل المخ "وهو مصطلح مستمد من الحرب النفسية إلا وهو غسيل المخ والتعريف الأبسط له هو عملية تحويل الأفكار بوسائل ضغط خارجية"، و بالمال وبشراء الهمم و الذمم. حتى اصبحوا متشددين و تكفريين لا يهتمون بسواهم  ولا يصدقون ايمان الآخرين ولا معتقدهم  حد التشكيك في انتماءاتهم الدينية و المذهبية فيتهمونهم بالكفر. من شدة تشددهم اصبحوا من التكفريين الى ان صاروا كالقنابل العنقودية الاتوماتيكيةالموقوتة لا ندري متى يضغط على الزر فتنفجر جماعيا او فرادى.. الا ان التونسي لم ياخذ هاتين العمليتين الارهابيتين  محمل الجد ولا حتى بعينِ الاعتِبَارِ وَالأَهَميةِلانه لم يتعود عليها فراها من ضمن الحالات الشاذة و الاستثنائية  العابرة التي مرت بسلام. عاملين بمقولة الشاذ يحفظ و لا يقاس عليه. ان العيب في الشعب التونسي انه يتفاعل مع الحادثة الارهابية فيغلي كالمرجل وبعد فترة وجيزة يلقي بها خلفه و يطويها في سجل طي النسيان و يواصل حياته في نسق معتاد عليه لا تكدر صفوه و لا تنغص عيشه المحن ولا مخلفاتها مهما كان نوعها.

 وما العملية الارهابية التي حدثت مؤخرا بالنزل بسوسة الا بمثابة ناقوس خطر و آدات تذكير رهيبة بالعملية الارهابية التي جدت في كل من مدينتي سوسة و المنستير سنة 1987 فجاءت اشد و اشرس واعنف اولا لتغلغل الارهابيين ببعض المناطق بتونس وبسبب تخزين السلاح في تونس الكبرى ايام حكومة الترويكة وثانيا لتهاون صاحبة النزل لانها لم تاخذ امر الارهاب ووجوده بمحمل الجد وبعين الاعتبار فلم تحترس و لم تتعظ بالعملية الارهابية الاخيرة التي جدت بمتحف باردو حيث ان هذه العملية كانت كهبة ريح عاصف نفخت في النفير فاحدثت قرقعة محدثة صوتا رهيبا ومرعبا ينذر بوجود الارهاب داخل المدن ويؤكده فهز وجدان الناس و خلخل مشاعرهم  خوفا وفزعا بسبب احساسهم باقتراب مكروه يجهلونه، وسوء مصير يهدد حياتهم و شر مستطير توقعوهيتربص بمستقبلهم. رغم هذا الانذار  الخطير و الخطير جدا  ورغمالخوف من الموت والهلاك و التشرذم الذي تملك الناس و توجسهم خيفة  من فقدان الامن و الاستقرار الا ان صاحبة النزللم تاخذ حذرها ولم توفر الاحتياطات الامنية اللازمة. المنطق يقول في مثل هذه الظروف الغير عادية في المطلق يستوجب على اصحاب النزل ان يوفروا الامان للنزلاء و للموظفين و العاملين بالنزل. النزل اماكن اقامة حينية لذا كان لزاما على صاحبة النزل ان توفر الامان  والسلامة للنزلاء. ان اصحاب النزل اثرياء ومترفين حيث ان هذه النزل ليست بالحديثة وهي من فئة النزل الراقية جدا وتتمتع بسمعة طيبة للغاية في انحاء العالم وطبعا لها مردودا جيدا. من استطاع ان  يبني  نزلا وقدر على تاثيثه و تمويله ماديا و معنويا و على توظيف عددا لا يستهان به من الموظفين و العملة، وعلى استقبال مئات من السياح و على اطعامهم و السهر على راحتهم وعلى ترفيههم بمقدوره ان يخصص ميزانية خاصة لتامين النزل و رواده  وقادر ايضا على ان يضع اجهزة مراقبة (كاميرا ) سرية على الجهات الاربعة للنزل وبالمسبح و بمداخل النزل الرئيسية والخلفية و الامامية و بأبواب النجدة و بمارب السيارات وفي اروقة النزل وممراته لم لا وحتى على مقربة من الشاطئ مع وجود منبه خطر ما يعبر عنه بالفرنسية (signal d’alarme) وان يجعلوه   ينذر عن كل من يحمل معدنا تحسبا للظروف الطارئة خاصة و اننا في زمن الارهاب زد على ذلك ليست هذه المرة الاولى التي يستهدف فيها مكان عام. قبل هذه العملية بثلاثة اشهر استهدف متحف باردو فلا ننسى ذلك. كان و لابد على اصحاب النزل ان يخصصوا لنزلهم رادارات مراقبة حتى عن بعد، ان الحياة الالكترونية تطورت كثيرا و العلم تطور اكثر وخاصة التكنولوجية بشتى انواعها، وان يجتهدوا على توظيف من هو قادر على المكوث 24 ساعة بالتناوب مع زميل له او زميلين في غرفة المراقبة دون مغادرتها بعد تكوينهم في الخارج وذلك للسهــر على راحة السياح و النزلاء بمختلف جنسياتهم و على تامين حياتهم التي هي في الاصل امانة في اعناقهم. كان على اصحاب النزل ان يقوموا بزيارات تكوينية وتدريبية لهم و لاعوانهم في الدول المتقدمة في التامين داخل و حول النزل. لا ان ينتظروا من الدولة المكبلة بالديون الدولية و الخارجية ان تمولهم و تساعدهم. كفانا تواكلا. ان عدم حزم المسؤولين عن النزل وتخاذلهم و تهاونهم عن تامينه و عدم اصرارهم على تواجد امني شبه مكثف طوال الوقت كان سببا في جعل النزل بسوسة مكانا سهل الاختراق وهدفا ممهدا لتنفيذ العملية الدموية فيه بكل يسر . ان هذه المجزرة اثبتت ان هناك نوعا من الاهمال و التقصير واستهتار من اصحاب النزل.خاصة وان حادثة باردو الارهابية الدموية قد مضت 3 أشهر فقط على واقعتها، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 20 سائحا، لقد كانت بمثابة تنبيه مرعب ومريع. اذا فالمسؤولين على النزل لم يؤخذوا على حين غرة، لذا كان واجب عليهم اخذ كل الاجراءات الاحتياطية.

ان كان صاحب النزل لم ياخذ حذره من الارهابيين و من العمليات الارهابية المتوقعة، واحتياطاته اللازمة تجنبا لحدوث مثل هذه العملية الارهابية الدموية الشرسة، فكيف نريد من الاخرين... ان يكونوا متواجدين وعيونهم مترصدة كل شاردة وواردة . كما يقول المثل ان كان الكبير يضرب الدف فلا تلومن الصغار على الرقص...  على اصحاب النزل ان يكونوا حرصين على امن نزلهم شديد الحرص وان يكونوا لهم حـرس احرار بما يعبـر عنـهم بالفرنسية  détective privéمع كاميـرات حـول النـزل و بمحيطـه و بداخله.

لا مجال لاصحاب النزل في الاعتماد على الحكومة فيما حدث من دموية ارهابية  بنزل بسوسةفهي لا تتحمل اية مسؤولية كبيرة كانت او صغيرة نتيجة الاهمال المقصود او غير المقصود او التقصير في اخذ الاحتياطات الامنية. لا بد من الاعتماد على الذات في  كل كبير و صغيرة، كفى تواكلا . لا يخفى على احد ان مردود النزل محترم جدا مهما كانت الظروف ومهما كانت نوعية السائح المادية و المعنوية سواء كان من فئة السياح الأثريا او غيرهم لان السائح الاجنبي لا يتعامل بالعملة العادية بل بالعملة الصعبة.

ان ما حدث من مجزرة بشعة بنزل في سوسة كان نتيجة حتمية لتشجيع الارهاب في الثلاث سنوات العجاف ما بعد الثورة سنوات حكومة الترويكة. لو لم يترك الحبل على الغارب ماكانت ان تحدث مثل هذه الماسي المحزنة. ما كنا نسمع في عهد بورقيبة رحمه الله بالارهاب  و لا نعلم له تفشيا و لا وجودا. ففي فترة ما بعد الثورة فترة الانتكاسة الامنية لمدة ثلاث سنوات غابت فيها معايير الحكومة سمح بتخزين السلاح في مخازن في تونس الكبرى وبوجود الارهاب و تفشيه حتى نما ، فكانت له افعال دموية مرعبة و مخزية ما بعد الثورة و بالتحديد في حكومة الترويكة بدا بقتل امام جامع منبليزير وبالهجوم على سفارة اماريكا وسط حماية امنية مكثفة و بالاغتيال السياسي المتعمد (اغتيال شكري بلعيد و محمد البراهمي و لطفي نقض).نعم سمح له فتنامى  والتطرف معا، كما وقعت التعبئة الشبابية و تجييشها وذلك عن طريق السماح بنشر الخيمات الدعوية في الساحات العامة وفي نقاط شعبية بالعاصمة وبتونس الكبرى وفي عدة مدن و سمح ايضا بدخول الدعات المشبوهين الدعاة المتقمصين لشخصية عبد الله ابن سبا هؤلاء الذيـــن فرشــوا الارضية و زينوها للمتشددين التكفيريين وذلك بتكفيرهم للتونسيين على بكرة ابيهم حتى قالوا للشعب التونسي موتوا بغيظكم. كما سمح لهؤلاء المتشددين بالوصول إلى سفارة أمريكا بتونس العاصمة والهجوم عليها و خاصة حرق المدرسة الاماريكية بالعوينة يوم 14 سبتمبر 2012 . هذا الهجوم اللغز الذي كان بمثابة اليد الجهنمية القذرة التي فتحت باب الفوضى العارمة الخلاقة وادخلتها الى تونس من بابها الشاسع بطريقة جهنمية ممنهجة ؟كما سمح بفرار ....؟ و بتعبئة شبابنا ذكورا و اناثا وتسفيرهم إلى سوريا بحجة الجهاد بالنفس و الاهل؟ كل هذه الخرقات الخطرة لم يكن لها وجود في عهد  بورقيبة .

ان عملية سوسة الاراهابية تؤكد وجود فراغ امني مقصود من بعض الاطراف المندسين لإتاحة الفرصة لتنفيذ عملية سوسة الارهابية.و للإطاحة بالاقتصاد التونسي و بتفقير السياحة بتونس و تصحرها.وبهكذا فعل اجرامي خطط له اصبحت آلاف العائلات العاملة بالنزل مهددة بالضياع نتيجة عدم وجود السياح.

                                                                             الاديبة و الكاتبة و الناقدة و الشاعرة فوزية بن حورية

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق