]]>
خواطر :
يا فؤادي ، سمعت دقات همسا على أبوابك ... أخاف أنك في مستنقع الهوى واقع ... اتركنا من أهوال الهوى ، أسأل أهل الهوى لترى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قناة السويس "two – ways "

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-08-18 ، الوقت: 12:36:42
  • تقييم المقالة:

قناة السويس "two – ways"

 

محمد الحداد /العراق

ماذا قالتْ سفينة مارقة للسيسي أثناء إلقائهِ لخطابهِ في احتفاليةِ مصر الكبرى بافتتاحِ قناة السويس الجديدة؟ ولماذا وصلَ السيسي لموقعِ تلكَ الاحتفالية على متنِ يخت المحروسة الملكي بالذات؟ وكيف ولماذا اعتذرَ أولُ رئيسِ جمهوريةٍ مصريٍّ من الملكِ فاروق فوق هذا اليخت ذاته أثناء نفي الملك إلى ايطاليا؟  

ها هنا بضعُ التقاطاتٍ من وحي تلك الاحتفاليةِ التي حضرها العديدُ من رؤساءِ وزعماءِ العالم..

يخت المحروسة الفاخر الذي يمثلُ شاهداً حياً على التاريخِ المصري القريب بحلوهِ ومُرهِ ورمزاً وطنياً شاخصاً أصبح عمرهُ اليوم 150 سنة بالتمام والكمال إذ أسندتْ صناعتهُ سنة 1863 إلى شركةٍ بريطانية كبرى بإرادةٍ مَلكيةٍ عُليا وبأمرٍ مباشر من الخديوي إسماعيل نفسهِ واستلمتهُ مصر بعد عامين في مثل هذهِ الأيام من شهر آب أيضاً بعد أن أبحرَ من لندن صوبَ ميناء الإسكندرية..والمفارقة أنَّ المركبَ ذاتهُ أبحرَ بالخديوي إسماعيل نفسهِ معزولاً عن حكم مصر إلى إيطاليا عام 1879 وذلك على يد ابنهِ الخديوي توفيق باشا..وهو ذاتهُ أيضاً الذي أبحرَ بالخديوي عباس حلمي الثاني إلى منفاه بالإستانة بتركيا عام 1914.. وأبحرَ بالملك فاروق منفياً إلى ايطاليا إبان ثورة 23 يوليو 1952 تاركاً حكم مصر للضباط الأحرارأما السادات فقد أبحرَ باليخت في أشهر رحلاتهِ على الإطلاق يوم أن أقلهُ صوبَ يافا من أجل توقيع معاهدة السلام المشهورة مع إسرائيل..

وللتاريخ..ومنهُ أيضاً لا بأس أن نتوقفَ قليلاً عند حادثةِ نفي الملك فاروق إلى منفاهُ الأخير على متنيخت المحروسة الذي كان شاهداً على تلك الواقعة الفريدةلأنها لم تنلْ نصيبها الكافي من التأملِ رغم ما فيها من العِظةِ والعبرة..إذ صعدَ يومها أولُ رئيسٍ لجمهورية مصر اللواء الركن محمد نجيب بنفسهِ على ظهر يخت المحروسة ليودعَ الملك فاروق إلى رحلةِ اللاعودة وأدى لهُ التحية العسكرية مع علي ماهر رئيس الديوان الملكي وعددٍ من ضباط حركة الأحرار في حفلِ وداعٍ مهيب أدّى فيهِ حرسُ الشرف التحية العسكرية للملكِ المخلوع وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين إطلاقةفي الهواء..ولندع سرد تفاصيل تلك الحادثة للواء الركن محمد نجيب كما رواها في مذكراتهِ بوصفهِ شاهداً عليها إذ يقول:

"جئتُ متأخراً لوداع الملك بسبب ازدحام الطريق وكانت المحروسة في عرضِ البحر فأخذتُ " لنشاً " حربياً دارَ بنا دورة كاملة كما تقتضي التقاليد البحرية وصعدتُ للمحروسة وكان الملك ينتظرني..أديتُ لهُ التحية فردَّ عليها..ثم سادتْ لحظة صمتٍ بددتُها قائلا للملك لعلكَ تذكرُ أنني كنتُ الضابط الوحيد الذي قدّمَ استقالتهُ من الجيش عقب حادث 4 فبراير 1942 احتجاجاً..فردَّ الملك : نعم أذكر.. قلتُ لهُ: حينئذٍ كنتُ مستعداً أن أضحيَ برزقي وبرقبتي في سبيلك..ولكن ها أنت ترى اليوم أنني نفسي أقفُ على رأسِ الجيش ضدك..فردَّ فاروق: إنَّ الجيشَ ليس مُلكي وإنما هو ملك مصر..ومصر وطني..وإذا كان الجيش قد رأى أنَّ في نزولي عن العرش ما يحققُ لمصر الخير فإني أتمنى لها هذا..ثم قال: أنتم سبقتموني بما فعلتموهُ فيما كنتُ أريدُ أن أفعله! ثم أضاف: إنَّ مهمتكَ صعبة جداً فليس من السهل حُكم مصر..وكانت هذه آخر كلماته..لاحظَ الملك فاروق أنَّ جمال سالم يحملُ عصاهُ تحت إبطهِ فأمرهُ قائلاً :أنزلْ عصاكَ أنت في حضرةِ مَلك " مُشيرا إلى ابنهِ الرضيع الملك أحمد فؤاد الثاني" فاعتذرتُ منهُ على تصرف جمال سالم".

بعد كل ما شهدهُيخت المحروسة من أحداثٍ كبرى عاصرَ فيها الكثير من الملوكِ والزعماء الذين توالوا على حُكمِ مصر فإنهُ يستحقُ بالفعل أن يُطلق عليهِ الصندوق الأسود لجميعِ هؤلاءِ الملوك والزعماءلِما يمثلهُ من ذاكرةٍ حية حوَتْ بين طياتها موسوعة تاريخية متراكمة كتبتها السنون على متنِ هذا اليخت من طولِ ما تهادى فوق بحارِ السياسة المتلاطم الأمواج..

وهنا ثمة التقاطة مهمة يمكنُ اقتناصها من اختيار السيسي ليختِ المحروسة تحديداً ليكونَ لهُ قصب السبقِ في الولوج إلى القناة الجديدة لأني أكادُ أجزمُ أنَّ ذلك الاختيار لم يكن عبثاً أبداً فهو من جهةٍ أعطى لليخت حظوة مضاعفة بتفردهِ في أن يكونَ أول السفن التي تلجُ قناة السويس الجديدة.. لكنَّ السيسي من جهةٍ أخرى أرادَ أن يوصلَ رسالة أكثر أهمية من ذلك.. أرادَ أن يقول : كما دخلَ هذا اليخت التاريخي الكبير في هذه القناة الجديدةها أنذا اليوم أدخلُ التاريخَ معهُ من أوسعِ أبوابه..وأنَّ على هذا التاريخ أن يسجلَ أنَّ أولَ يختٍ يستحقُّ أن يدخلَ قناة السويس الجديدة لا بد أن يحملَ على ظهرهِ أول زعيم بنى هذهِ القناة لمصر وحققَ لها حلمها المستحيل..

ثمة التقاطةأخرى لم يكن ممكناً أبداً أن أراها تمرُّ من أمامي من دون أن تصطادها شِباكي فأثناء خطاب السيسي وفي الدقيقة 18 منهُ تقريباً مرَقتْ سفينة محملة بالبضائع وسط القناة الجديدة وأطلقتْ صفيراً مُدوياً لفتَ انتباه الجميع..كان صوتُ السفينةِ عالياً جداً بالفعل لدرجةٍ جعلت السيسي يقطعُ كلامهُ ويلتفتُ صوبها مبتسماً وسط تصفيقٍ وصفيرٍ من جميع الحاضرين وهتافات البعض : تحيا مصر فصفقَ السيسي معهم..

ترى ما الذي قالتهُ تلك السفينة المارقة وهي تمخرُ وسط القناة أثناء إلقاء السيسي ذلك الخطاب؟

أظنني سمعتُ السفينة تكلمُ السيسي وجميع المصريين بأعلى صوتها وتقول : أنَّ الحلمَ الذي كان مستحيلاً قبلَ عامٍ أصبحَ اليوم حقيقة ملموسة لأنكم بزمنٍ قياسيٍّ مُلفتٍ وفي هذا الوقت العصيب بالذات زرعتم بسواعدكم شرياناً حيوياً جديداً سيضخ الحياة لقلبِ الاقتصاد المصري..كأني بها خاطبت الجميعَ وهي تمرقُ على عجلٍ من أمامهم قائلة : كفى أيها المحتفلون..قوموا إلى أعمالكم..انتهى وقتُ الكلام وأزفَ وقتُ العمل!

السيسي نفسهُ تكلمَ في خطابهِ بفخرٍ واعتزازٍ عن قيمةِ هذا الانجاز الذي كان اختباراً حقيقياً لقوةِ التحملِ والجَلدِ وتحدياً كبيراً نجحتْ فيهِ مصر أن تحولَ المستحيلَ إلى حقيقة..لكن ربما من بين أهم ما قالهُ السيسي للشعبِ وكررهُ أكثر من مرةٍ في خطابهِ مستشرفاً المستقبل القريب: أنَّ هذهِ القناة الجديدة خطوةٌ من ألفِ خطوةٍ يجب أن نمشيها معاً..رغم أن كثيراً من المشككين والمنتقدين ما فتئوا يمطرونَ السيسي بوابل من سِهامهم النافذة مُتهمينهِ بالتمظهر والشخصنةِ وسرقةِ الأضواء والتفردِ بالحكم وادعاءِ العظمة..وواضحٌ جداً أنَّ السيسي حاولَ في خطابهِ أن يدفع عنهُ كلَّ تلك التُهم بشكلٍ غير مباشر بتأكيدهِ المتكرر على أنَّ مَن بنى هذه القناة الجديدة هي مصر كلها لأنها ما كان ممكناً أن ترى النور أبداً لولا سواعد المصريين لذا فإنَّ خيراتِ القناة سيعودُ لمصر كلها أيضاً..وربما لهذا السبب تحديداً أمرَ السيسي ولأولِ مرةٍ منذ أربعين عاماً بأن تحوَلَ الإيرادات المالية لقناة السويس إلى حسابِ البنك المركزي بدلاً من رئاسة الجمهورية وهذا بحدِّ ذاتهِ إنجازٌ كبيرٌ أيضاً لو تمَّ بالفعل..

ما يهمنا هنا من كلِّ ذلك هو استباقاً يستطلعُ جدولة بالنتائج المفترضة الآتية التي تستتبعُ ذلك الانجاز الكبير لأنها ستكون محشورةً بكلِّ تأكيدٍ بين حُزمتي الأقوال والأفعال..حزمتانِ ستلزمانِ السيسي ومصر لا محالة على أن يكونا معاً على محكِّ غدهما القادم ..

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق