]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاسلاميون والحكم : مقارنة بين مصر والمغرب

بواسطة: أحمد هيهات  |  بتاريخ: 2015-08-15 ، الوقت: 11:55:52
  • تقييم المقالة:

انبرى الإسلاميون للحكم بعد ثورات حلت ضيفا ثقيلا على الأنظمة الاستبدادية الشمولية التي لطالما جعلت أصابعها في آذانا واستغشت ثيابها وحسبت نفسها في قرار مكين, وكانت بالمقابل بشرى سارة للمستضعفين الذين غشيهم من يم الفساد والظلم ماغشيهم وللمقهورين المغلوب على أمرهم وعلى أرزاقهم ومصائرهم العاجلة والآجلة والذين أيقنوا منذ أمد طويل بتبخر أوهام التغيير والديمقراطية المستنبتة في غير منبت والتي بشر بها اليساريون والليبراليون وأدعياء حقوق الإنسان وغيرها من الشعارات المحنطة التي أصبحت من مخلفات الماضي البعيد .         في غمرة هذه التحولات تناسلت التوقعات المتطابقة بفوز الإسلاميين بكل الانتخابات الموالية بما فيها الرئاسية نظرا لتغلغلهم القوي في عامة الشعب وانضباطهم الحديدي وتنظيماتهم المتماسكة ونظافة سجلهم السياسي ,وتوقع المتوقعون أيضا سقوطا سريعا ومدويا لحكمهم مع مرور الوقت وتراجع شعبيتهم بسبب فشلهم في تسيير دواليب الدولة التي تختلف جذريا عن تسيير التنظيمات الإسلامية,وعدم قدرتهم على تجاوز الأزمات الاقتصادية وإيجاد الحلول الجذرية للمعضلات الاجتماعية والسياسية لغياب الخبرة والتجربة . كما توقع المحللون السياسيون أن يتيه الإسلاميون في دروب السياسة المتشعبة وأن ينساقوا وراء السلطة والنفوذ وبالتالي ينفصلون عن المجتمعات التي ستلفظهم سخطا على سوء ما يصنعون .         غير أن التجربتين المصرية والمغربية قد خالفتا كل التوقعات وسلكتا طريقا مغايرا تماما ,ففي مصر أجبرت الثورة التي فاجأت الخارج قبل الداخل واحدا من الموظفين السامين من قبل الغرب والحكام العسكريين على التنحي تحت ضغوط كثيرة ومتعددة المصادر للحفاظ على جمهورية الضباط  وبقاء النظام من خلال مؤسساته الأساسية ( القوات المسلحة والداخلية والقضاء والإعلام) فتبين أن مبارك كان مجرد قائد ورقي وواجهة للجنرالات الذين يملكون سلطة القرار والكلام القاطع الذي لا معقب له.          استمر قطار الثورة في رحلته ووصل إلى محطات الانتخابات المتوالية ففاز بها الإسلاميون ولم يستثنوا منها حتى الرئاسية فاختفى فرسان التزلف حتى لا تكاد تحس منهم من أحد ولا تسمع له ركزا, فأوجست القوى الداخلية والخارجية المناهضة خيفة من حكم الإسلاميين وطفقت تعض  على أياديها ندما على حيادها السلبي وإشفاقا وخوفا على السرطان النافع الذي بثته في الشرق الأوسط (الكيان الصهيوني) وبدأت تراودها كوابيس تحرك المارد المصري الذي شرع يشب عن الطوق ويشتد عضده ويكسر قيود وأغلال التبعية ,وما يعنيه من توجه الأنظار إلى مستقبل فلسطين وما يتبع ذلك من نتائج بالضرورة. فبدأت محاولة إسقاط حكم الإسلاميين, ومما ألهب سعار القوى المتربصة بالإسلاميين الإعلان الدستوري لمرسي وموقفه من العدوان الصهيوني على غزة ووقوف إلى جانب الفلسطينيين بتعبيره عن توق نفوس المسلمين إلى بيت المقدس على عكس سلفه المخلوع ,وبداية استعادة مصر دورها  الإقليمي والدولي مما قض مضجع الظالمين وعاظم فزع الغرب والكيان الصهيوني وبعض دول الخليج .        فانطلقت المؤامرة وبدأ تنفيذ مخطط الانقلاب العسكري تتصدره واجهة مدنية قوامها كل أعداء المشروع الإسلامي بعد يقينهم من نجاح مرسي في إعادة العافية التدريجية  للاقتصاد وظهور نتائج ملموسة في العدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي والعدالة الانتقالية وإنعاش العلاقات الخارجية وغيرها من الانجازات في أقل من عام وفي ظروف معيقة وأجواء محبطة .           رغم هذه الانجازات فشل الإسلاميون المصريون فشلا ذريعا في إسقاط خطة الجنرالات لإعادة الحكم العسكري ,كما فشلوا في إحباط الثورة المضادة التي توجت بالانقلاب العسكري الرسمي في الثالث من يوليو الماضي والذي أحل الهجين محل الأصيل وأحل الأصاغر محل الأكابر ,ومع هذا الفشل فإنهم ما فتئوا منذ أكثر من ستة أشهر يسطرون ملاحم المقاومة السلمية المبدعة إلى جانب قطاع عريض من أبناء الشعب المصري الحر الرافض لحكم الجنرالات الموقن بأن معركته مع العسكر ليست جولة واحدة وتنقضي ولكن صولات وجولات .        أما في التجربة المغربية فقد استفاد "الإسلاميون" من تضحيات الشعوب العربية الثائرة ومن الحركة الاحتجاجية التي قادتها حركة 20 فبراير, ورغبة النظام السياسي في تجنب مواجهة التيار الجارف الذي حمل الإسلاميين إلى الحكم ,فلم يعرقل وصولهم إلى الحكومة وكان ذلك أول نجاح دون تضحيات أو خسائر أو حتى المشاركة في الحركة الاحتجاجية ,ولكن الطريق لم تكن معبدة أمامهم لأن النظام الانتخابي لا يسمح بالحصول على الأغلبية المريحة التي تمكن من تشكيل الحكومة من حزب واحد مما شكل تحديا جديدا نجحوا في كسبه من خلال التحالف مع خصوم الأمس القريب.        ثم ما لبثوا أن واجهوا تحديا أكبر وأخطر كاد يعصف بمستقبل حكومتهم ويخرجهم من النعيم المقيم بعد انصراف حزب الاستقلال إلى المعارضة في "سابقة سياسية" تمثلت في الاستقالة الجماعية لوزرائه ,ولأن حزب العدالة والتنمية سريع التكيف والانصهار فقد نجح في إنقاذ تجربته الحكومية من خلال نجاح آخر تمثل في أقناع حزب التجمع الوطني للأحرار ألد خصوم النسخة الحكومية الأولى بالانضمام إلى التحالف الحكومي الجديد,وتفويت الفرصة على المعارضة الجديدة في إسقاط حكومة "الإسلاميين" كما فوتوا من قبل الفرصة على دعاة الاستئصال والإقصاء من الحياة السياسية بعد أحداث 16ماي 2003 التي كان الحزب قبلها على موعد مع النجاح وتعزيز مكانته السياسية في الانتخابات الجماعية لولا الأحداث الإجرامية التي عرفتها مدينة الدار البيضاء والتي كان بإمكانها العصف بوجود حزب المصباح لولا حكمته ومناورته الناجحة في الحفاظ على وجوده وخروجه بأقل الخسائر بعد الانحناء لعاصفة 16ماي .      ولا زال الحزب يحصد النجاحات والانتصارات وكان آخرها تمرير القانون المالي لسنة 2014 رغم صعوبة الظروف السياسية والاقتصادية .     تأسيسا على ما سبق يتضح جليا أن تجربة حكم الإسلاميين تتفاوت من دولة إلى أخرى باعتبار الشروط الذاتية والموضوعية ,ففي الوقت الذي كسب فيه الإخوان المسلمون السواد الأعظم من المصريين وفشلوا في الحفاظ على الحكم رغم أنهم لا يملكون من الوسائل ما يتيح لهم أن يبلغوا بحقهم ما بلغ غيرهم به باطلهم ,نجح حزب العدالة والتنمية المغربي في اجتياز كل الاختبارات السياسية باقتدار في انتظار نجاحه في استعادة شعبيته وثقة الناخبين ,وإقناع المواطن المغربي في الاستحقاقات المقبلة بوجود فرق بينه وبين باقي الأحزاب السياسية المغربية .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق