]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

النهضة خطر على"الإسلام السياسي"!!

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2015-08-09 ، الوقت: 21:08:21
  • تقييم المقالة:

هناك من يتحدّث عن محاولات خارجية لا تنتهي إلا لكيْ تبدأ من جديد لإقصاء "الإسلام السياسي"من دائرة الفعل السياسي ويسحبون هذا الاستنتاج على حركة النهضة ؛هذا التحليل في نظري يؤخذُ بعضه ويُردّ جلّه، لاشكّ أنّ ما يُسمى "الإسلام السياسي" مستهدف غربيّا ،لكنّ سؤالا عالقا حارقا علينا أن نجيب عنه ابتداءً وهو:.. من يمثّل هذا "الإسلام السياسي" في تونس؟!!!..

 

أعتقد أنّ التيارات الإسلامية المستهدفة هي تلك التي تتبنى خطابا راديكاليا صريحا على غرار حزب التحرير الذي يدعو بوضوح إلى تحكيم الشريعة الإسلامية وفك الارتباط ب"الغرب الاستعماري"...أما حركة النهضة فهي ببراغماتيّتها "المتضخّمة"تقع خارج قائمة المستهدفين بتمام مدلول"الاستهداف"؛بل إنّ هذه الحركة هي أداة لقطع الطريق على الإسلاميين الأقحاح ،وهي علاوة على ذلك وسيلة من وسائل الالتفاف على الثورة وتمييعها رغم أنّها جزء من هذه الثورة ومن إرهاصاتها لأنّ وجودها داخل حكومة نداء تونس[التجمّعية]مفيد بل ضروري لمشروع الثورة المضادة،وبهذا المعنى فإنّ مشاركتها في السلطة هي في حقيقتها تغييب للإسلاميين والثوريين وليست تشريكا لهم..

 

وأريد في هذا السياق تذكيركم بواقعتين ذاتيْ دلالة بليغة..الأولى لقاء باريس بين السبسي والغنوشي في شهر أوت 2013 والثانية لقاء الشيخين في الجزائر في ضيافة بوتفليقة ذات يوم من شهر سبتمبر 2013 ؛لا أعتقد أنّ نظام الجنرالات في الجزائر يتشوّف إلى رؤية إسلاميين في أعلى هرم السلطة في دولة جوار وهو المعروف بعدائه التاريخي للإسلام السياسي كما لا يمكن تصديق الرواية "الرسمية"التي تقول إنّ فرنسا لا علاقة لها باجتماع الزعيمين على أراضيها!..؛ فلئن كان الفرنسيون والجزائريون يتوجّسون ريبة من النهضويين إلا أنّهم يُدركون تمام الإدراك أنّهم أمام حركة ذات حضور شعبي لا يُنكر لكنّه يجب أن يُفهم ويُؤخذ بعين الاعتبار في رسم السياسات وتحديد الأولويات،والخبر الجيد بالنسبة إليهم هو أنّ النهضة كيان خُلاسيّ محسوب على التيار الإسلامي لكنّه في حقيقته إسلاميّ الهوى علمانيّ الممارسة وبالتالي يمكن التعاطي معه بمرونة ليس لمجرّد تدجينه فحسب بل كذلك لتطويعه واستعماله ضدّ الثورة وضدّ الحركات الإسلامية الأصيلة..

 

لاشكّ أنّ الولايات المتحدة تعدّ اللاعب الأبرز في تونس وفي المنطقة ككل وما فرنسا إلا وكيل إقليمي للأمريكيين باعتبار أنّنا في رقعة جغراسياسية تخضع كلاسيكيا للنفوذ فرنسي،ولفهم الإطار النظري العام للتعاطي الأمريكي مع الإسلاميين علينا استحضار وثيقتيْن مرجعيّتيْن :

 

1_خطاب إدوارد جرجيان:(1)
--------------------------
إدوارد جيرجيان مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا ألقى خطابا عام 1992 في واشنطن وقد اشار هذا الخطاب إلى ضرورة تحقيق التوازن بين بُعدين:الأمن القومي الأمريكي وحقوق الإنسان، ليخلّص في النهاية إلى أنّ الإسلام السياسي ليس عدوا إلا إذا تبنّى أفكارا مهدِّدة للأمن الأمريكي ولحقوق الإنسان في مرجعيتها الكونيّة، إلا أنّ التقرير الذي شارك في إعداده عدد من الخبراء والدبلوماسيين أشار إلى ضرورة توخّي الحذر عند"التواصل"مع الإسلاميين والتأكّد من حقيقة خلفياتهم الفكريّة وعدم الاكتفاء بما يُطلقونه من تصريحات هنا أو هناك،كما أدان الخطاب الجماعات الإسلامية التي تنظر إلى الديمقراطية نِظرة أداتيّة وصوليّة تحت الشعار الشهير "صوت واحد ،رجل واحد،مرة واحدة"في تأثّر واضح بما جرى ويجري-آنذاك- في الجزائر حيث صعد الإسلاميون وانقلب عليهم العسكر بالذريعة نفسها بعد أن نُقل عن زعيم جبهة الإنقاذ علي بلحاج قوله بُعيْد ذلك الفوْز التاريخي:" اليوم عرس الديمقراطية ومأتمها " !..
بقيَ أن نقول إنّ"جيرجيان"كان من الذين عبّروا عن إعجابهم بزعيم حركة النهضة المنفيّ –في ذلك الوقت- راشد الغنوشي الذي تقرّب من الأمريكيين بأنْ بادر بمراسلة الدبلوماسي الأمريكي وتبادل معه رسائل كتب عنها"إدوارد"معلّقا :"كانت عباراته عظيمة [...] وكان يخاطب جمهوره بجرأة..."، لتبدوَ الحركة التونسية مرضيا عنها أمريكيًّا أو على الأقل غير مغضوب عليْها مبدئيا،وربما تكون تلك المراسلات البداية الحقيقيّة لما سُمّيَ في ما بعد ب"المراجعات"وفي رواية أخرى "التنازلات"التي مثّلت امتدادا ما لما جاء في كتابه"الحريات العامة في الدولة الإسلامية"الذي عرّض فيه بالصحابي الجليل وكاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسائله معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه(2) ،كما أباح فيه أن يدعوَ داع إلى غير الإسلام دينا بحرية ودون تضييق(3) !..

 

2 _ تقرير"راند"(4) :
------------------
بعد أحداث 11 سبتمبر2001 انطلقت مراكز التفكير الأمريكية في إصدار الدراسات والأبحاث لرسم الملامح الفكرية للجولة الجديدة من المواجهة مع العالم الإسلامي، وتُعدّ مؤسسة"راند"أبرز المؤسسات البحثية المؤثّرة التي اضطلعت بهذه المهمّة فكان أنْ توصّلت إلى إصدار تقرير شديد الأهمية في أواخر شهر مارس 2007، حمل التقرير التفصيلي عنوان" بناء شبكات مسلمة معتدلة"[ Building Networks Muslim Moderate] .
صدرت الوثيقة في 217 صفحة وتضمّنت 9 فصول إلى جانب مقدمة مطوّلة.. 
والتقرير هو عبارة عن تشخيص لواقع التيارات الإسلامية في علاقتها بالغرب وعرض لجملة من المقترحات والتوصيات الدقيقة، هذا التقرير المثير للجدل يميّز تمييزا حديّا بين العلمانيين والعصرانيين من جهة وبين الإسلاميين الذين يصفهم محررو التقرير ب"المتطرفين"الذين يجب مقاومتهم عبر تشجيع تمدد شبكات الصنف الأول المشايع للقيم الغربيّة، ويوصي البحث بتقليص حضور التيار الإسلامي في الشارع عبر مزاحمته في القيام بالأعمال الخيرية، كما يدعو صُنّاع القرار الأمريكي إلى حث التنظيمات العَلمانية على انتهاج المنهج نفسه ..
يُعدّ هذا التقرير تعبيرة صريحة عن مصطلح كوديّ (5) أخر ينضاف إلى كلمة"الاستقرار"ألا وهو "الاعتدال"، إذ يشدّد تقرير "راند"على ضرورة اضطلاع الغرب وحده بمهمّة تحديد الخصائص الفكرية للجماعات والشخصيات "المعتدلة"..
ويَعتبر التقرير الذي شارك في صياغته الأكاديمي المرموق"أنجل راباسا" 
Angel Rabasa (6) طبيعة الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي بتلك التي وضعت المعسكريْن الشرقي والغربي وجها لوجه أيام الحرب الباردة لذلك دعا صراحة إلى الاستفادة من ذوي الخبرة الذين خاضوا ذلك الصراع التالد،مؤكّدا على أنّ المواجهة الأمينة مع الإرهاب لا تكفي ولابدّ من دحرالأفكار"المناوئة"عبر نسفها وإحلال أخرى بديلا عنها تتوافق وشروط "الاعتدال"، وتعزيزا لهذه المساعي حدّدت الدراسة الخصال الواجب توفّرها ليستحقّ بها إسلاميون بعينهم توصيف"معتدلين"، ويأتي على رأس هذه الخصال القبول بالديمقراطية بشكلها الغربي، وذهب التقرير إلى أبعد وادق من ذلك عبر اقتراح اختبار لقياس درجة "الاعتدال"يتكوّن من 11 سؤالا تحدّد إجابة الإسلاميين عنها طريقة تعاطي الإدارة الأمريكيّة معهم، وهذه الأسئلة هي:
1-هل يتقبّل الفرد أو الجماعة العنف أو يمارسه؟ وإذا لم يتقبل أو يدعم العنف الآن؛ فهل مارسه أو تقبّله في الماضي؟
2-هل تؤيد الديمقراطية؟ وإن كان كذلك؛ فهل يتم تعريف الديمقراطية بمعناها الواسع من حيث ارتباطها بحقوق الأفراد؟
3-هل تؤيد حقوق الإنسان المتفق عليها دولياً؟
4-هل هناك أية استثناءات في ذلك (مثال: ما يتعلق بحرية الدين)؟
5-هل تؤمن بأن تبديل الأديان من الحقوق الفردية؟
6-هل تؤمن أن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات الجنائية؟
7-هل تؤمن أن على الدولة أن تفرض تطبيق الشريعة في الجزء الخاص بالتشريعات المدنية؟ وهل تؤمن بوجوب وجود خيارات لا تستند للشريعة بالنسبة لمن يفضِّلون الرجوع إلى القوانين المدنية ضمن نظام تشريع علماني؟
8-هل تؤمن بوجوب أن يحصل أعضاء الأقليات الدينية على حقوق كحقوق المسلمين تماماً؟
9-هل تؤمن بإمكانية أن يتولى أحد الأفراد من الأقليات الدينية مناصب سياسية عليا في دولة ذات أغلبية مسلمة؟
10-هل تؤمن بحق أعضاء الأقليات الدينية في بناء وإدارة دور العبادة الخاصة بدينهم [كنائس أو معابد يهودية] في دول ذات أغلبية مسلمة؟
11-هل تقبل بنظام تشريع يقوم على مبادئ تشريعية غير مذهبية؟

 

كما نورد الأسئلة باللغة الإنقليزيّة كما جاءت في التقرير حتى تتّضح الصورة أكثر:

 

1-"Does the group or individual support or condone violence, if it does not support or condone violence now, has it supported it or condoned it in the past"

 

2-"Does it support democracy, and if so does it define democracy broadly in terms of individual rights?"

 

3-"Does it support internationally recognized human rights?"

 

4-"Does it make any exceptions? For example, regarding freedom of religion"

 

5-"Does it believe that changing religions is an individual right?"

 

6-"Does it believe that the state should enforce the criminal law component of Sharia?"

 

7-"Does it believe that the state should believe the civil law component of Sharia?"
Or does it believe there should be non-Sharia options?"

 

8-Does it believe that members of religious of minorities should be entiled to the same rights as muslims ?"

 

9-"Does it believe that numbers of religious minorities should be entitled to the same rights as Muslims? Does it believe that a member of religious minority could hold high political office in a Muslim majority country?"

 

10-"Does it believe that members of religious minorities are entitled to build and run institutions of their faith in Muslim majority countries?"

 

11-"Does it accept any legal system based on non-sectarian legal principles?"

 

لو حاولنا معالجة هذه الأسئلة ومطابقتها على منهج الحركة الغنوشية وفكرها سنجد أنّ معظمها سيقابل بأجوبة تلقى هوًى في نفوس الأمريكان !..
اتّساقا مع ما تقدّم نستشفّ خطورة ما يوضع للأمّة من مخططات الاستنواق والتمييع والتدجين والتطويع ، وهو ما لم نلمس معه ردّة فعل مناسبة من حركة النهضة ، فما رأيْناه منها هو ضرب من ضروب"التكيّف"مع ما رسمه الغرب وليس مواجهة له ،بشكل يجعل الفجوة تضيق وتضيق بين ماهو إسلامي وماهو عَلماني وهو وضع مربك يلبّس على العوام ويرميهم بعيدا عن الإسلام من حيث لا يشعرون،، وبهذا المعنى يمكن الاطمئنان لفكرة أنّ الحركة المتأسلمة ليست عدوّا للولايات المتحدة وإن لم تكن حليفا لها..!..

 

قصارى القول؛إنّ تاريخ حركة النهضة الذي يمتد إلى أوائل السبعينيات مليء بالشخصيات البارزة و الأحداث الفارقة و النضالات العظيمة و حتى بالتسميات الكثيرة [الجماعة ..الاتجاه الإسلامي..النهضة الاسلامية ..النهضة]كما عرفت مراجعات عديدة لمنهجها ككل الحركات الإسلامية "المعتدلة"..لتقوم الثورة و تعود إلينا الحركة برموزها و تاريخها و فكرها المنمذِج لحزب العدالة و التنمية التركي..؛فنحن بهذا المعنى إزاء حركة ذات تاريخ لا يمكننا أن نُسقط عنه صفة التضحية والنضال لكنّه أيضا نضال مقرون بصيرورة وسيرورة من التنازلات "الدينية"وإن كانوا يصفونها ب"السياسيّة" ، فمانراه حقيقةً هو أنّ هذه الحركة بحكمتها "المتورّمة"تشكّل الخطر الأكبر ليس على الثورة فقط بل أيضا وخاصة على ما نسمّيه"الإسلام السياسي"؛فهي أشبه ما تكون بحصان طروادة المزروع بين الثوار وبين الإسلاميين؛ إذ إنّها تقوم بعملية امتصاص واحتواء للوعي الشعبي بتمظهراته الثوريّة والدينية ..

 

‫#‏صابر_النفزاوي‬
[مقتطف من كتاب:الإسلاميون..سؤال الدولة وأسئلة الحكم -صابر النفزاوي-]

 

‫#‏يسقط_نداء_التجمع‬
‫#‏الإسلام_دنيا_ودين‬
‫#‏مسلمون_لا_إسلاميون‬

 

هوامش:
----------
(1) الخطاب-الوثيقة تمّ إلقاؤه يوم 02 جوان 1992 تحت عنوان:"الولايات المتحدة الأمريكيّة والشرق الأوسط في عالم متغيّر".

 

(2) يقول الغنوشي في الصفحة رقم 164 من كتاب "الحريات العامة في الدولة الإسلامية الذي نشره عام 1993""الوالي المنشق معاوية بن أبي سفيان، وقد غلبت عليه - غفر الله له - شهـوة الملك وعصبيَّة القبيلة"..."

 

(3) راجع ص 293و294.

 

(4) مؤسسة بحثية تابعة للقوات الجوية الأمريكية.

 

(5) اعتبر المفكر الأمريكي اليهودي المعادي للصهيونية نعوم تشومسكي أنّ مصطلح"الاستقرار"ليس إلا كلمة كودية يستخدمها الأمريكيون بمعنى غير معلن قوامه القبول بالهيمنة الأمريكية وخدمة المصالح الغربية.

 

(6) باحث أكاديمي، عَمِل سابقاً في وزارة الخارجية الأمريكية و وزارة الدفاع، حاصل على الدكتوراه من جامعة هارفارد الأمريكية، يجيد التحدث بأربع لغات غير اللغة الإنجليزية، وهي: الفرنسية، الإيطالية، اليونانية والإسبانية، ممختص في شؤون العالم الإسلامي.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق