]]>
خواطر :
يا فؤادي ، لما هددتني بالهجر و لم يبقى لي سواك في الأنس...كيف حال المضجع في غياب الرفيق المبجلُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نحن لسنا بخير

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2015-08-09 ، الوقت: 10:34:37
  • تقييم المقالة:

                                نحن لسنا بخير  

    نعيش في وطن يعمّ فيه الخير لدرجة أنّك لو سألت قطّة عرجاء، -تدلّي نصفها الأعلى في حاوية قمامة، وتبرز مؤخّرتها المتّسخة لقطط الشّوارع-عن حالها لأجابتك بخير، ولو سألت كلباً أجرب متشرّداً لم يشاهد عظْمة دجاجة منذ عام عن حاله لأجابك بألف خير، الكلّ يغرق في مستنقع الخير حتّى الأذنين، وربّما إلى ما فوق الأذنين بقيراطين.

   كيف نكون بخير ونحن نعيد وضوءنا فقط لأنّنا لسنا متأكّدين هل ما زال سارياً، أم أنّ صلاحيّته قد انتهت؟

    سنكون بخير عندما نغلق باب بيتنا، ولا نعود إليه مرّة أخرى من منتصف الطّريق للتأكّد أنّنا أوصدناه، وعندما نتذكّر في أيّ موقع ركنّا سيارتنا، ولا نفتّش عنها الشّارع طولاً وعرضاً، وتنحبس أنفاسنا خوفاً، ونعثر عليها أخيراً في الشّارع الذي خلف الشّارع الذي كنّا نفتّش فيه، وعندما نتوقّف عن قطع الشّارع دون النّظر يمنة ويسرة، ولا نصحو إلّا على صوت فرامل السّائق وسبابه وشتمه وعباراته التي تسألنا أين عقولنا؟

     وعندما نتوقّف عن اكتشاف أنّنا نتحدّث مع أنفسنا، ولا يوجد أحد حولنا، وعندما نتوقّف عن البحث عن نظّاراتنا في كلّ مظانّها ونكتشف أخيراً أنّها على عيوننا، ولكنّ الرّؤية لم تكن واضحة.

     وعندما تشعر الحكومات العربيّة بما يعانيه أبناؤها من انكسار ومهانة، وما يعانيه موظفوها من جوع وذلّ وقهر، وعندما يفتش الموظّف جيبه فيجد ثمن المواصلات للذّهاب إلى موقع عمله.

    وعندما يتوقّف الموظّف عن العمل سائق تكسي عمومي أو عامل باطون بعد الظّهر، وعتّالاً بعد المغرب، ومخطّطا للثورة بعد العشاء عندها سنكون بخير.

     أيّ خير نحن فيه والأسعار ترتفع بدلاً من الهامات، وقوائم الدّيون تطول وتقصر القامات، وعلى أعتاب الدّائنين تراق كرامات وكرامات، والموظّف يضع خطّة خمسيّة لشراء رطل من اللحم، في السّنة الأولى يضع الخطّة، وفي الثّانية يبدأ بحشد قوّاته، ويقول لزوجته واري هذا المبلغ ولا تعترفي لي بوجوده مهما حققت معك، وفي الثّالثة يواري بعض الثمن في علبة نيدو ويدفنها في الأرض، متضرّعاً إلى العليّ القدير ألّا ينسى أين دفنها، وفي الرّابعة يحرم الأولاد من المصروف واعدا إيّاهم بالنّصر العظيم نهاية العام، ويغافل زوجته ويواري جزءاً فوق سدّة غرفته وشفتاه تتلمّظان وعيناه تُبرقان ولا تريان إلّا صورة اللحم، وأخيراً وبعد شتات وشتات وشتات وصولات وجولات وكرّ وفرّ يلملم كلّ ذخيرته، ويؤكّد للأولاد ويحلف أيمانا مغلّظة أنّ اللحم في الطّريق، ولا يصدّقه أحد، يأكلون وهم غير متأكّدين، يترنّحون ما بين جحيم الشّكّ وجنّة اليقين، وبعد الأكل ينقلهم إلى المشافي لأنّ أجسامهم لم تستوعب هذا المخدّر العجيب، ورفضته كما ترفض الحشيش والأفيون والكوك، ولكنّني ذهلت عندما رأيته بأمّ عيني في المشفى يلقي على الأولاد خطبة عصماء يهنّئهم فيها بالنّصر العظيم الذي تحقّق ويؤكّد أنّهم وأنّنا بخير.

    أيّ خير نحن فيه واللصوص يترقّون في مناصبهم حتّى يصلوا إلى أعلى سلّم وهرم الوظائف، والأشراف يُؤنّبون ويعاقبون، وقد يقادون إلى السّجون؟

     سنصبح بخير عندما يتوقّف المسؤولون عن اللّفّ على كراسيّهم الهزّازة، والدّوران حول أنفسهم، وحول مكاتبهم العملاقة، ويتوقّفون لثوان عن النّظر إلى ذواتهم وتطلّعاتهم البرجوازيّة وأطماعهم، وعن الدّوران في فلك المال والسّرقة والاختلاس والنّهب في ثروات الشّعوب.

    وعندما يرى الموظّفون لون أسنان المسؤول الذي يعقد حاجبيه طوال النّهار، وينظر إلى الموظّف نظرة الإقطاعيّ إلى أحد عبيده، أو نظرته إلى شخص قد حضر في منتصف الليل طارقاً بابه طالباً العشاء، ولذلك يقطّب حاجبيه في وجهه، ولا يبتسم إلّا مرّتين في حياته الأولى يوم تولّيه مهام منصبه، والثّانية في كلّ مرّة ينجح فيها في اختلاس شيء من قوت الشّعب.

        من أين يأتينا الخير وأولادهم يعقدون سباقات بسيّارات من طراز 2015 والموظّفون يتنقّلون بسيّارات العموميّ، وأصحاب الشّهادات العليا لا يجدون قوت يومهم، والأغبياء يحملون مبالغ خياليّة إلى البنوك؟

    هل الخير في سوريا حيث يموت النّاس تحت الرّكام بالبراميل المتفجّرة، أم في مصر حيث يمطرونهم بالرّصاص والقذائف، أم في العراق حيث يُفتح للموت ألف باب وباب، ويُدعى له على ألف محراب ومحراب، أم في بورما وفلسطين حيث يشوى الأطفال كما تشوى أسياخ الكباب مع فارق بسيط هو أنّهم يُشوون حتّى مرحلة التّفحّم والاحتراق؟ أيّ خير والمشانق تنتصب بدلاً من القامات، والشّعوب تجرّ بدلاً من قطعان الأغنام، لتذبح كما تذبح الخراف؟

      من أين سيأتينا الخير وجلّ كلامنا في هذه اللحظات الصعبة، في هذه الأوقات العصيبة، في هذه الظّروف القاهرة، في ضوء المؤامرات المحبوكة، والدّسائس المحاكة، والإشاعات المدروسة؟

 

    تقدّم أيّها الشّتاء، تقدّم تقدّم تقدّم، وانهمري أيّتها الأمطار ليفرح الفقراء الذين يتباركون بالمطر والزّرع، ويتفاءلون بضوء البرق، ويطربون لوقع الرّعد الهابط كثورة عارمة تنذر الطّغاة والفراعنةبالعذاب.

   ولكن هل يتقدّم لأمّة نائمة من الوليد وحتّى الشّيخ في كلّ أقطار الوطن العربيّ لا يفكّرون إلّا بنزول الثلج، وبصور الثّلج، وبأكلات الثّلج، والتقاط الصّور التّذكاريّة، في الشّتاء سلفي والثّلج خلفي، وفي حرّ الصّيف سلفي والشّمس الحارقة خلفي، وفي الخريف سلفي وأوراق الأشجار تتراقص خلفي، وفي الرّبيع سلفي والزّهور تتفتّح خلفي، وفي كلّ الفصول سلفي وأبو فلان خلفي، حتّى الجرّاح يلتقط لنفسه صور سلفي وبطن المريض مفتوح خلفي، وفي الجنائز سلفي ونعش الميّت خلفي، وملايين الفقراء في العالم لم تتح لهم الفرصة لتُلتقط لهم ولو صورة واحدة في حياتهم، ونحن مشغولون لأربع وعشرين ساعة بالتقاط الصّور الذّاتيّة، أيّ مرحلة من جنون الذّات وصلنا إليها؟هل اختفت كلّ أوجاع العالم، وكلّ مآسي الكرة الأرضيّة حتّى ننشغل بذواتنا فقط إلى هذا الحدّ الجنونيّ، وهل بقي للآخر موقع في حياتنا، هل بقي لدينا متّسع لاستيعاب عذابات الآخرين، هل أصبحت أيدينا عاجزة عن مسح آلام الآخرين؟

   أتمنّى على عواصف الثّلج المستقبليّة أن تجلب لنا الخير وتمحو عن وطني أكداس الذّلّ والقهر والعوز، وأن تحميه بكلّ ما تملك من أسنان وأظافر.

    

        سيقولون لك احمد الله، من قال لكم إنّني لا أحمده؟ إنّني أحمده على كلّ ما يحيط بنا من مصائب وكوارث وفجائع، ولكنّني أؤكّد له ولكم أنّنا لسنا بخير، مع يقيني أنّه يعلم السّرّ وما يخفى.

عزيزة محمود الخلايلة

 

Email: azizah_m2012@yahoo.com                        

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق