]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هويتنا الحقيقية في عصر المسكنة العربية

بواسطة: فكري آل هير  |  بتاريخ: 2015-08-04 ، الوقت: 17:07:49
  • تقييم المقالة:

لعلي أدركت مؤخراً بأن أكثر ما نفتقده في حياتنا هو عنصر الجمال، وأن أكثر ما يزخر به واقعنا ليس إلا أكوام من المساكين والشعوب البائسة. وهنا لابد أن نقف أمام سؤالين، سؤال حول وجه العلاقة بين الجمال والبؤس "المسكنة"، وسؤال آخر عما إذا كنا نعيش في عصر "المسكنة العربية".

 

(1)

 

سأبدأ على طريقة "فيكتور هوجو"- صاحب البؤساء- فأقول: "أن الأنظمة والعادات والقوانين والصراعات والحروب في منطقتنا العربية، خلقت واقعاً اجتماعياً هو نوع من الجحيم البشري.. فطالما توجد هناك لامبالاة، وطالما يوجد أيضاً فقر، فإن الكتابة من أجل الملايين من "البؤساء والمساكين" ستكون ضرورة ملحة دائماً".

 

هنا، في المنطقة ما بين المحيط والخليج، تعيش أكبر كومة من البشر المساكين، قرابة (400) مليون شخص يتعرضون لأقسى أنواع الظلم الاجتماعي، ويعيشون تحت وطأة أسوأ أنواع الاستغلال وعلى نحو مُذل ومُهين للغاية..

 

لا أعرف إن كان لابد من السؤال هنا عن (لماذا؟)- لكني سأنصرف منه سريعاً..

 

في عام 1832، خرج الآلاف من الفقراء والمتسولين والمشردين والعاهرات واللصوص.. وكل ذو وجه بائس ومرقع في باريس، ضد الظلم الذي كان يمثله حكم الملك "لويس فيليب" في فرنسا..

 

للأسف لم يوجد حينذاك شخص ما ذكي ولماح ليطلق على ذلك الحدث اسم "الربيع الفرنسي"..!!- لكن وكما هي العادة دائماً، كانت هناك طبقة متسلقة، ركبت موجة الثورة وسرقت رغيف الخبز من أفواه الصغار المشردين.

 

واليوم.. (400) مليون مسكين، هنا في وطننا العربي البائس، يراودهم نفس ذلك الشعور الفرنسي، بافتقاد الحرية، وبافتقاد الإحساس بالقيمة والكرامة الآدمية..

 

أخبروني، من ذا الذي يتحدث اليوم عن "يوتوبيا" أو مدينة فاضلة عربية، وكل العواصم العربية مكدسة أطرافها بمدن من الصفيح ومستنقعات من العشوائيات؟!- ما عاد أحد يتحدث.. ما عاد أحد يحلم حتى..

 

قد يخالفني البعض الرأي، ويشير بإصبعه صوب منطقة الخليج العربي، ويطرد شعوبها من دائرة المساكين، لكني أسألكم: ما قيمة الملايين من النقود وما قيمة الحياة الثرية والمترفة، إذا سُلبت منكم كرامتكم؟

 

هناك في صحاري العرب الطافحة بالزيت، لو أرادت الأنظمة الحاكمة أن يكون دخول الحمام بإذن، لما تردد عن تنفيذ إرادتها مسكين واحد من فاقدي الكرامة؟!- لذا أقول لكم، أنه لا استثناء وفق معايير البؤس والمسكنة.. لا استثناء أبداً..

 

 

 

(2)

 

من منكم يعرف "رادوبيس"؟!- تلك الفتاة الفقيرة البائسة التي وعت بنفسها على سطح هذا الكوكب، فلم تجد ما تملكه سوى جمالها، ذلك الجمال الذي استمدت منه بعد ذلك سلطتها، سلطة الجمال التي جعلت علَّية القوم يزحفون على بطونهم طلباً لرضاها، حتى صارت معشوقة الفرعون نفسه، تملي عليه بسلطة الجمال ما تملي..

 

ترى، ما الذي أراد "نجيب محفوظ" أن نفهمه منذ أكثر من ستين سنة، من خلال قصة "رادوبيس" هذه؟.. لعله أراد أن يقول لنا بأن أبسط حقوق الضعفاء والبؤساء هو أن يستعيدوا حقهم في رؤية الجمال والعيش فيه..

 

والجمال ليس إلا اختزال تعبيري لكل أشكال الحق في الحياة... هكذا اعتقدت أني وصلت الى جواب السؤال الأول.

 

هناك أيضاً "دوستوفيسكي" الذي عاش حياة "المساكين" سطراً بسطر، من يقرأها اليوم لن يجد فرقاً بين سان بطرسبيرج في روسيا وبين القاهرة أو بغداد أو الجزائر أو تونس أو صنعاء .. أو حتى الدوحة ودبي..

 

في كل الأحوال، تختلف الأزمنة والأماكن، ويبقى المساكين بحاجة الى مطحنة للقمح ومخبز للرغيف، والى إحساس ثائر ورغبة عارمة في التمرد، لعل وعسى تأتي رياح الزمن لمرة وتكون فيها الى جانبهم وفي صفهم..

 

المشكلة، أننا لا نقرأ الأدب.. (400) مليون شخص لا يقرأون إلا التفاهات، أو لا يقرأون أبداً..

 

 

 

(3)

 

أراد "هوجو" و"محفوظ" و"دستوفيسكي" أن يقولوا لنا شيئاً مهماً، وهو أن أمماً كثيرة عاشت حياة بائسة فيها الكثير من الذل والمهانة، ثارت وتمردت وتعثرت وفشلت ثوراتها، لكنها نجحت في نهاية المطاف في استعادة حقها في الجمال وفي الحياة، من خلال الاستمرار في التمرد.. سواء باعتباره فعل ضرورة، أو كتعويض نفسي عن الخنوع واليأس.

 

قبل عدة سنوات، نحن خرجنا الى الشوارع مثل قطعان هائجة، فشلت ثوراتنا وسُرقت، ربما لأن كل ما كان ينقصنا آنذاك ليس سوى القراءة المسبقة لــ (أما بعد).. أو لأنه لم يكن لدينا راعي أمين منا نحن المساكين يقود ثورتنا ومعركتنا ضد المتسلقين والخونة.. أو ربما لأننا لم نكن نعي هويتنا الحقيقية .. هوية أننا "مساكين وبائسين"..أكثر من كوننا عرب أو مسلمين أو مسيحيين أو لا شيء!!

 

في "نُزُل المساكين"- الذي أقامه "الطاهر بن جلون" نجد حقيقتنا، حقيقة كم أننا غرباء عن أنفسنا ونفتقد الى ذلك الشعور بالترابط بيننا، فليس الدم واللحم والقرابة واللغة والدين ما يجعلنا أمة واحدة، بل هذه هي ما يمزقنا ويجعل منا شراذم تائهة بلا وجود أو هوية..

 

إن ما يجمعنا ويجعلنا عائلة واحدة، وجنس واحد.. نحن الــ (400) مليون، هو المسكنة، وشعورنا بافتقاد الكرامة والقيمة الإنسانية..

 

نحن بحاجة الى التواصل مع بعضنا البعض بحب، من أجل أن نشعر بهويتنا الحقيقية..

 

 

 

(4)

 

ختاماً.. أعتذر عن الإطالة وأشكر كل من وصل الى هذه الكلمة.. ولكن ما يجعلني أشعر بالإختناق، هو أن أجد أن قول الحقيقة بكل هذه البساطة وهذا السخاء.. لا يحرك ساكناً أو ينتج عنه ثمرة ..

 

وفي مقابل هذا الألم الكبير، أرجوكم... أن تنظروا الى الموضوعات التي نتحدث فيها بالعادة.. ولتخبروني من بعد كيف أنكم لا تشعرون بالتفاهة..!!!

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2016-02-03
    سطر بسطر تابعت الحديث هنا
    مقالة نستطيع ان نقول فيها  أفكار واهداف تشمل الجميع
    وان لا ثورة إلا بوحدة ما وحدة مشاعر ..وحدة تجمع القلوب على قلب واحد
    ولو كنا كذلك ..لأنتصرت اهدافنا ..ولكن بمنتصف الطريق او قل لا ادري بأي نقطة ..تغيرت المسارات والهداف
    الراقي فكري
    بوركت خطواتك جميعها للخير وانتظر مقالاتكم التي تنم عن فطنة ومطالعة جيدة
    سلمتم من كل سوء

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق