]]>
خواطر :
يا فؤادُ، أسمع في نقرات على أبوابك تتزايد... أهي لحب أول عائدُ ، أم أنت في هوى جديد منتظرُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

إلى القابعين في غياهب السجون

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2015-08-02 ، الوقت: 19:06:24
  • تقييم المقالة:

 التأديب بالسجن  من الوسائل المعروفة من قديم الزمن وقد اتخذت السجون في شتى العصور ومختلف البلدان من أجل تأديب الخارجين على القوانين والأعراف السائدة في المجتمع،ومع ذلك فلم يكن هناك سجون في عهد النبي صلى لله عليه وسلم ولا في عهد ابي بكر رضي الله عنه وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ "حظيرة" بباب المسجد كان يحبس فيها النساء السبايا، أما الرجال فكانوا يحبسون في البيوت والمسجد والخيام كيفما اتفق وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من خصص مكاناً للحبس، وذلك حين اشترى داراً بمكة وجعلها سجناً بعد أن اشتدت الرعية وتتابع الناس في المعاصي. أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو أول من بنى مكاناً للحبس في الإسلام، وكان ذلك في الكوفة وكانت أماكن الحبس في العهد النبوي وأغلب العصور الإسلامية كانت تتصف بالسعة والإضاءة الطبيعية أو الاصطناعية، والتهوية والنظافة، وكانت تتوفر فيها المرافق والخدمات التي تحفظ صحة السجين النفسية والجسمية.

 وما أجمل ماكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز لأمراء الأمصار والأجناد بشأن السجون:

«وانظر من في السجون ممّن قام عليه الحقّ، فلا تحبسنّه حتى تقيمه عليه، ومن أشكل أمره فاكتب إليّ فيه، واستوثق من أهل الدّعارات، فإن الحبس لهم نكال، ولا تعدّ في العقوبة، وتعاهد مريضهم ممّن لا أحد له ولا مال وإذا حبست قوما في دين فلا تجمع بينهم وبين أهل الدّعارات. . . .وانظر من تجعل على حبسك ممّن تثق به، ومن لا يرتشي، فإنّ من ارتشى صنع ما أمر به»

«أما بعد، فاستوص بمن في سجونك وأرضك حتى لا تصيبهم ضيعة، وأقم لهم ما يصلحهم من الطعام والإدام »

ونخرج من كلام عمر بن عبد العزيز بالوصايا التالية:

1-لا يسجن المرء في جناية قبل أن يقوم عليه الدليل أو تثبت عليه الجناية بالطرق التي شرعها الإسلام.

2-عدم التعدي ومجاوزة الحد في العقوبة فلابد أن تتناسب العقوبة مع الجناية.

3- عدم الجمع بين المعسرين من أصحاب الديون وأهل الفجور والمجرمبن في المحبس.

4-أن يعهد بالسجون إلى أناس أمناء لا يقبلون الرشوة و لا يسيئون معاملة المسجونين.

5-توفير ما يحتاجه المسجونون من المطعم والمشرب اللائق.

6- توفير الرعاية الطبية للمرضى وتعهدهم والعناية بهم وعدم تركهم فريسة للمرض لقتلهم.

7- تعهد الفقراء منهم ورعاية أسرهم التي كانوا يقومون عليها فالعقوبة لهم وليست لأسرهم.

وقد ذكر الفقهاء أن المسجون لا يمنع من رؤية أهله وذلك بالسماح لهم بزيارته في محبسه بين الحين والآخر ، بل واتفق جمهور الفقهاء على أن السجين يمكن من الخلوة بزوجته حفاظا على عفته.

كانت عقوبة الحبس في العصور الإسلامية الأولى للتأديب والإصلاح وكان المحبوس يتمتع بكافة حقوقه التي شرعها له الإسلام ، ويمارس حياته بشكل طبيعي يأكل نظيفا ويشرب نظيفا وينام في مكان لائق ويمارس عبادته ويزوره أهله وأحباؤه وقد يسمح له بالخلوة بزوجته ، ومع مرور الزمن وتغير الأحوال ورقة الديانة في كثير من المجتمعات الإسلامية أصبح الحبس وسيلة من وسائل الإذلال والطغيان واستخدمه الطغاه المتحكمون في رقاب الناس في إذلال وقهر الناس وامتلأت السجون بالمظلومين نساء ورجالا وولدانا  في ظروف غير آدمية وزنازين لا تصبر على العيش فيها حتى الجرذان ، وليت الأمر اقتصر على ذلك بل ابتكروا العديد من وسائل التعذيب التي تشيب لها الولدان وتركوا الناس فريسة للأمراض والأوبئة.

ولقد اصبحت السجون في بلادنا لا يدخلها إلا العلماء والدعاة والمصلحون من الناس الذين يزودون عن بيضة الدين ويدلون الناس على الخير ويبصرونهم بأحكام دينهم ، وخلت من المجرمين والقتلة واللصوص الذين ينهبون و يسرقون أقوات الناس بل وحتى الذين يقعون في الدين والعقيدة  يعيشون بحرية تامة.

لقد اصبحت السجون مجمع الأحرار المجاهدين وملتقى العلماء العاملين والدعاة الربانيين والمصلحين الغيورين ...

فيا أيها القابعون في غياهب السجون في مشارق الأرض ومغاربها:

لا عار في السّجن للأحرار إن سجنوا … بغير جرم ولكن سجنهم شرف

كالسّيف والدّرّة الزّهراء سجنهما … خوفا وضنّا بها الأغماد والصّدف

 

واعلموا-فرج الله كربكم وفك أسركم- أن ما انتم فيه ابتلاء من الله وما حدث لكم وقع بأمر الله وتقديره وأن الليل مهما طال عليكم فلابد من طلوع شمس النهار:

تسلّ فليس طول الحبس عار … وفيه لنا من الله الخيار

فلولا الحبس ما بلي اصطبار … ولولا اللّيل ما عرف النّهار

فما الأيّام إلاّ معقبات … وما السّلطان إلاّ مستعار

وعن قدر حبست فلا تراعي … فما يغني من القدر الحذار

سيفرج ما ترى عمّا قليل … معقبه وإن طال الإسار

ولا تيأس أيها المظلوم، ولا تقنط أيها المجاهدد ، فإن الله اصطفاك وابتلاك ليرفع درجتك في الجنة ويثيبك على صبرك وحسن بلائك فيه:

لا تيّأسنّ من الفرج … من كان قبلك قد خرج

حبس أنو شروان  الوزير بزرجمهر بن البختكان الحكيم عند غضبه عليه في بيت كالقبر ظلمة وضيقا، وصفّده بالحديد، وألبسه الخشن من الصّوف، وأمر أن لا يزاد كلّ يوم على قرصين خبزا شعيرا وكفّ ملح جريشا وشربة ماء، وأن تحصى ألفاظه فتنقل إليه. فأقام بزرجمهر شهورا لا يسمع له كلمة. فقال أنوشروان: أدخلوا إليه أصحابه ومروهم أن يسألوه، ويفاتحوه الكلام، واسمعوا ما يجري بينهم وعرّفونيه. فدخل إليه جماعة من المختصّين به، فقالوا: أيّها الحكيم، نراك في هذا الضّيق والحديد والصّوف والشّدة التي دفعت إليها، ومع هذا فإن سحنة  وجهك، وصحّة جسمك على حالهما لم يتغيّرا، فما السّبب في ذلك؟ فقال: إني عملت جوارش  من ستّة أخلاط آخذ منه كلّ يوم شيئا  فهو الذي أبقاني على ما ترون. قالوا: فصفه لنا، فعسى أن نبتلى بمثل بلواك أو أحد من إخواننا فنصفه له، أو نستعمله. قال:

الخلط الأوّل: الثّقة بالله تعالى.

الثاني: علمي بأنّ كلّ مقدور كائن.

الثالث: الصّبر خير ما استعمله الممتحن.

الرّابع: إن لم أصبر فأيّ شيء أعمل.

الخامس: قد يمكن أن أكون في شرّ ممّا أنا فيه.

السّادس: من ساعة إلى ساعة فرج.

وأخيرا وليس آخرا فالفرج من الله قريب وما أحسن ما قال المبرّد:

إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاق لما به الصّدر الرّحيب

وأوطنت المكاره واطمأنّت … وأرست في أماكنها الخطوب

ولم تر لانكشاف الضّرّ وجها … وقد أعيا بحيلته الأريب

أتاك على قنوط منك غوث … يمنّ به اللّطيف المستجيب

فكلّ الحادثات وإن تناهت … فمقرون بها فرج قريب

جهلان إسماعيل

 

 

 


1- طبقات ابن سعد

2-أنس المسجون وراحة المحزون، صفي الدين الحلبي

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق