]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

لن تمرّوا

بواسطة: عزيزة محمود خلايلة  |  بتاريخ: 2015-08-01 ، الوقت: 09:13:12
  • تقييم المقالة:

لن تمرّوا

      مزّق اليهود قلب فلسطين، وسرى الخبر عبر الإذاعات كالنّار في الهشيم، فتسلّح الفدائيّون من الدّاخل والخارج وخرجوا، وتمركزوا على رؤوس الجبال، وبدأت عمليّات تهريب السّلاح من الدّول المجاورة، وتسلّل النّشطاء إلى الشّوارع وخطّوا على الجدران لن تمرّوا.

     استنفرت جيوش الإنقاذ العربيّة، والتحمت مع العدوّ فسقطت جميع مناطق ومدن الدّاخل حيفا ويافا وصفد و و و، احكم الفدائيّون قبضتهم على باقي مدن فلسطين، تسلّلوا ليلاً ودوّنوا على كلّ الأزقّة لن تمرّوا إلّا على جثثنا، فسقطت جميع مناطق الضّفّة: الخليل والقدس وجنين و و و.

        استنفر الشّعراء وتسلّحوا بالكلمة، وكتب محمود درويش (أيها المارون بين الكلمات العابرة، آن أن تنصرفوا، وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا آن أن تنصرفوا)، ولكنّهم لم ينصرفوا وأقاموا في ملحنا، في جوّنا، في برّنا، في بحرنا، في مفاتيح السيّارة، وفي المسجد والخمّارة، وحتّى في باب الحارة، حين صنعنا منهم أشخاصا يكرهون الفتنة وعلى أعراضهم غيارى، ولكنّ المخرج تلثّم وتسلل في الحلقة الأخيرة إلى باب الحارة الكبير، ودوّن عليه بخطّ يدويّ عريض " لن تمرّوا".

     صادروا كامل التّراب، وزرعوا فيه المستعمرات، فخرج غرس شيطانيّ رجيم، ابتلع ثلثي مساحة الوطن، وظلّ النّشطاء يكتبون على جدران بوابات المستعمرات لن تمرّوا، وسنّ السّاسة بروتوكولاً ينصّ افتتاح كلّ خطاب بهذه العبارة.

      أخذوا نصف الحرم الإبراهيميّ، وطالبوا بتسعة أعشار قبّة الصّخرة، وعشرة أعشار المسجد الأقصى، ولكنّنا شعرنا بشيء من السّعادة عندما لاحظنا أنّ النّشطاء قد خطّوا على جدران الصّخرة وساحات المسجد" لن تمرّوا".

دخل اليهود إلى بيوتنا، استقرّوا في قطرة الماء، ونسمة الهواء، ومصباح الكهرباء، وفي الطّنجرة، والملعقة، والمغرفة، والشّوربة، وفي الكتاب والحبر والأوراق، وفي جرس الكنيسة وقبّة المئذنة، وفي الباب والمسجد والمحراب، وفي كلّ شبر من كلّ شارع، فصرخنا بأعلى أصواتنا في نشيد جماعي يشبه السّلام الوطنيّ، وفي سيمفونيّة واحدة ولأوّل مرّة نجمع على شيء، ولحسن الحظّ أجمعنا على نشيد لن تمرّوا.

         لبس الرّجل والمرأة والولد والبنت سراويل اليهود، وقمصانهم وأحذيتهم، وحقائبهم، وحتّى ملابسهم الدّاخليّة، ركب اليهود معنا في الحافلة، واستعاروا منّا الصّحيفة، وأخرج أحدهم سيجارة، واستعار منّا الولّاعة، وجلسنا معهم على مائدة كانت تحتوي شنيتزل إسرائيلي، وسنيورة، وبيتيتيم كوسكوس إسرائيلي، ومسخّن فلسطيني، وخبز طابون، وقدرة خليليّة، وأثناء تناول العشاء، لمسنا حركة خفيفة عند أقدامنا، وإذا بناشط يخرج من تحت أقدامنا، وقد دوّن أسفل المائدة لن تمرّوا.

         استمرّت جهود التّجويع، والتّرويع، وسياسات التّركيع والترقيع والتّطبيع، وظهرت مشاريع تنفّذ في أمريكا وفرنسا وبريطانيا لطلّاب من الدّاخل والخارج، وصار الطّلّاب اليهود والفلسطينيّون والعرب ينامون في الفنادق في غرف متجاورة، وبعد أن تلطّفت الأجواء أكثر صاروا ينامون على سريرين متجاورين، كما ينام الأزواج في الدّول المتحضّرة بعد انتهاء العلاقات الحميمة، فتسلّل النّشطاء إلى الأسرّة ليلاً وكتبوا عليها عبارة لن تمرّوا، ومرّ كلّ شيء من تحت عبارة لن تمرروا، ولا أدري هل مروا أم ما زلنا بحاجة لتدوين المزيد من العبارات؟

                                          بقلم عزيزة محمود خلايلة

                                             مشرفة اللغة العربية

                                              مكتب التربية والتعليم

                                Email: azizah_m2012@yahoo.com                          

       


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق