]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

محرقة نفاياتِ العالم !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-07-30 ، الوقت: 12:52:42
  • تقييم المقالة:

محرقة نفاياتِ العالم !

 

محمد الحداد /العراق

ما أصعبَ أن تكون مُهذباً وسطَ قذارة عالمٍ بأسره؟عالَمٌ متوحشٌ يلوككَ بأسنانهِ وفي فمهِ دائماً بقايا دماءٍ من افتراسٍ سابق..ما أقسى أن تصحوَ من سباتِ براءتكَ الطويل وتفتحَ عينيكَ لتكتشفَ أنَّ الذي كان يضحكُ بوجهكَ في العلنِ هو ذاتهُ الذي مكرَ بكَ من وراءِ ظهرك..وأنَّ من حسبتهُ وليٌّ حميم هو لا غيرهُ ألدّ أعدائك.

سأستعينُ على الوصولِ إلى ما أريد بمشهدٍ لم يعد جديداً لكنَّ الغريب أنهُ مرَّ سريعاً من أمامنا من دون أن نتوقف عندهُ طويلا..مشهدٌ فضحتهُ عدسات كاميرات العالم كلهِ أثناء جلسة طارئة في البرلمان البريطاني العام الفائت حينما قام نائبٌ مُسن متكئاً على عصاهُ وقال أنَّ رئيس الوزراء هذا الذي يطالب اليوم بتسليح قوات "البيشمركة" هو الذي طالبنا قبل عام بتسليح داعش !

يحلو لي أن أكررَ دائماً أنهُ ما من صدف ساذجة في السياسة أبداً..لذا بعد فترةٍ قصيرة من تلك الجلسة البريطانية المحتدمة قام تنظيم "داعش" بذبح موظف الإغاثة البريطاني ديفيد هاينز على يدِ رجلٍ مُلثم خاطبَ ديفيد كاميرون بلكنةٍ بريطانية لا تخطئها الأذن " كاميرون: سيدفعُ هذا المواطن البريطاني ثمنَ وعدكَ للبيشمركة بتسليحهم ضدنا".

هكذا أضفى مشهدُ الذبحِ المرعب هذا مبرراتٍ مقنعة كانت تنقصُ الشعبَ البريطاني كلهُ ليقفَ مع حكومتهِ إلى آخرِ ما يمكنُ أن يصلَ إليهِ هذا المشوار الشائك حتى لو تطلبَ الأمرُ تسليحَ الشيطانِ نفسه..هذا هو عالمُ السياسةِ القذروهذهِ هي رائحة فمها العفن إذا تكلمت..أرأيتم كيف تعدُّ الطبخات السريعة في العالم بمطابخ السياسة؟

من تحتِ قُبة البرلمان البريطاني مُررَ إلينا هذا المشهد الذي فضحَ هذا الاعتراف العلني الخطير بتسليح "داعش" وهو يكشفُ بوضوحٍ لا لبسَ فيهِ أنَّ كلَّ ما يحصل في العالم نتاجُ مخططاتٍ ترسمها أصابعُ تتقنُ فنَّ حياكةِ المؤامرات من خلفِ ظهورنا بينما نحنُ نغط في سُباتٍ عميق.. لكنَّ المشهدَ ذاتهُ مرَّ بسلامٍ من تحتِ أقدام الكثيرين خصوصاً مدمني تدبيج التنظيرات الرنانة ممّنْ لا يألونَ جهداً في ابتكارِ مخارجَ آمنة لهؤلاءِ وأولئكَ وهم يرتدون دائماً نظاراتهم القاتمة ليوهمونا أنهم يرونَ دائماً ما لا نرى..مثلَ هؤلاءِ ربما يجدونَ لهذا المشهدِ المُربكِ حتماً تفسيراتٍ أخرى مُتباينة.. ستسمعُ منهم مثلاً أن ما تفوهَ بهِ هذا البرلماني البريطاني لا يتعدى كونهُ موقفاً مُتسرعاً استندَ على خطأ في المعلومةِ لا أكثر صدرَ من عجوزٍ خرفٍ يجسدُ غباءً سياسياً في أوضحِ صوره..أو ربما سيقالُ لكَ هذا نتاجٌ طبيعيٌّ لا غرابة فيهِ  في عصرِ الديمقراطية الأرحب الذي تشتدُّ فيهِ حُمى التسقيطاتِ السياسية التي تمليها عادةً صراعاتٌ مزمنة على السلطة بين المحافظين والعمال..لكن لن يجرأ أحدٌ أن يعترفَ بالحقيقةِ كلها أو يقولَ لكَ في أسوأ الأحوال أنها كانت فلتة لسان مُكلفة..عموماً أياً ما كان تفسير ذلك أتمنى فقط من الجميع ألا ينسوا هذا المشهد أبداً وأن يضعوا خطاً عريضاً تحت آخر كلمتين مما تفوهَ به هذا البرلماني الغاضب.

ثمة مشككون يمقتونَ مَن يهوى فكَّ الشفرات وقراءةَ ما بين السطور ويتوجسونَ رُعباً ممّنْ يرمونَ شِباكهم بعيداً عن الضفاف ولا يأبهونَ كثيراً بما توجبهُ قوانينُ الصيدِ التقليدية..هؤلاء لا يعجبهم كثيراً أن يقتربَ أحدٌ من تخومِ تلك المنطقةِ المُحرّمةِ التي يسمونها نظرية المؤامرة ويخوّفونَ الناسَ من دخولها ويعيبونَ على مَن يلوكونها بألسنتهم مرةً بعد مرةٍ..وبدلَ أن ننتظرَ منهم أجوبة تفضحُ أكذوبة براءة الذئاب سيقولون لنا كفى..أصحو من نومكم..إلى متى ستظلون تُعلقون أخطاءكم وفشلكم على تلك الشماعة الجاهزة ؟ كلُّ ذلكلأنهم يكتفون بتصديقِ مبرراتِ الآخرين التي تبدو لهم مقنعة جداً خاصة في ظلِّ هذا الصراع المحتدم الذي بدأ يتخذ اليوم أبعاداً عالمية فيسوّقونَ للجميع بأنَّ لا مبالغة أبداً فيما يحدث لأنهُ باتَ بالفعل أخطر مما تستوعبهُ العقول بسبب هذا التفرعن الهستيري اللامسبوق لمرَدةِ الظلامِ وساكني الكهوف إلى درجةٍ أصابت العالمَ بأجمعهِ بصداعٍ مزمن وسببَ لهُ عجزاً حقيقياً.

وربما يتوجبُ علينا هنا أن نفكَّ خيوط الالتباس الجدلي الحاصل هذا..لأنَّ "الحقيقة" شيءٌ آخر يختلفُ تماماً عن فرضيةٍ تدعى نظرية المؤامرة فالأخيرة تتكئُ دائماً على جدرانٍ واهنة من الشبهاتِ والاحتمالاتِ والشكوكِ التي لا تحملُ معها يقيناً يُثبتُ صدقها وعلى العكس من ذلك تتسلحُ الحقيقة دائماً بأدلةٍ دامغة وبراهين مقنعة مدعومة حتماً بوثائق وإثباتات لا يمكن الطعن بمصداقيتها خاصة حينما يُخرجها إلى العلن أصحابُ الشأن بأنفسهم كالقضيةِ الكبرى التي نحن بصددها الآن.

 هؤلاءِ المشككون سيطرحونَ علينا بدلَ ذلك سؤالاً أكبر من كلِّ تساؤلاتنا الحائرة ويلوّحونَ بهِ أمام وجوهنا فيقولون: ما المبرر الذي يجعلُ أقوى دول العالم تفعلُ كلَّ ذلك؟وما هي الأرباح التي سيجنونها من وراء صناعة عدوٍّ متوحشٍ مثل "داعش" لا يُخفي هوسهُ بابتلاعِ العالم بأسره؟

حسناً..أليسوا هم مَن فضحوا للعلنِ أسرارَ ما أسموهُ بمخطط "عِش الدبابير"؟ ألم يقمْ إدوارد سنودن الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكي بكشفِ تفاصيل ذلك بقولهِ أنَّ هذهِ الوكالة الأميركية قامتْ بالتعاونِ مع نظيرتيها البريطانية والموساد بصناعة تنظيم "داعش" وأنَّ "عِش الدبابير" هذا يهدفُ إلى جمعِ المتطرفين من جميع دول العالم ليوقدوا نيرانَ ملحمة كبرى بالقربِ من إسرائيل ليس ليقاتلوها لكن لضمان أمنها؟ فلماذا إذن نُكذبُ نحن حقيقة أكّدوها هم بأنفسهم؟لماذا يتوجبُ علينا بعد كلِّ ذلك أن نستبعدَ أنَّ ما يحدث اليوم هو نتاج طبخاتٍ سياسيةٍ قديمةٍ بقدورٍ غربية نكون نحن وقودها وطعامها وأكلتها في ذات الوقت بشرطِ أن تكون حصتهم من تلك الطبخات أن يستمتعوا برائحتها الشهية؟

نحن نعيشُ إذن في عصر "عِش الدبابير"..فمن أين كان سيتسنى لنا أن نسمعَ بذلك أو نقرأ مقتطفاتٍ منهُ لو لم يُسرب إلينا القليل من تفاصيلهِ لسببٍ أو لآخر فلماذا لا يزالُ البعض يستبعدون تصديقهُ ويضعون أصابعهم في آذانهم كلما سمعوا شيئاً منهُ ويهرولون بعيداً عنهُ؟

ثمة مسوغات كثيرة لصانعي هذا الإرهاب الداعشي في العالم وتمدد سرطانهِ الأسود في مساحاتٍ كبيرة من جسدِ العالم..مسوغاتٌ تبدو لهم على الأقل مقنعة جداً وهي في المجمل تكادُ تمثلُ توجهاً عالمياً يرشحُ منهُ ما ينبئُ بإعادةِ الاعتبار ثانية إلى نوعٍ جديد من استعمار المنطقة بشكلٍ مختلف عمّا سبقهُ لأنهُ يواكبُ ظروفَ العصرويتوجبُ معهُ تطويعنا لتقبل فكرة أنَّ تكرار هذا الاستعمار قدرٌ حتمي غير مستحيل الحدوث.

كلُّ ما حصلَ حتى اليوم من سيناريوهاتٍ تراجيدية كبرى ابتداءً من إسقاطِ بعض الأنظمة وإشعالِ الحروب وتفتيتِ الأوطان وسيطرةِ الجماعات الإرهابية على مناطق واسعةٍ منها..كلُّ ذلك يبدو مخططاً مفتعلاً ليظهرَ لنا وكأنَّ جميع قوى العالم الكبرى باتت تقفُ عاجزة تماماً عن إيقافِ عجلةِ الفوضى وحقنِ نزيف الدماء..وكان من أخطر ما تفتقَ عنهُ خيالهم أنهُ لا حلَّ سحرياً يعيدُ منطقة الشرق الأوسط كلها للدخولِ من جديد وسطَ المدار العالمي وتركيع إراداتها إلا هجمة بربرية متخلفة وغير مسبوقة تعصفُ بديارنا من دون إيقاع أية خسائر أو إضرارٍ بمصالحهم والأهم من كلِّ ذلك ضمان ألا يؤدي إلى تشويهِ صورتهم كما كان يحدثُ دائماً في السابق.. ويبدو أنهم خططوا بدهاءٍ ومكرٍ أن يكون الشرقُ الأوسط كلهُ محرقة نفاياتٍ كبرى تُحرقُ فيها كلّ أوساخ العالم بعيداً عن ديارهم..أي بمعنى آخر الاستعانة بتنظيفِ القذارة بقذارةٍ مثلها وربما هذه هي إحدى أقوى المبررات المقنعة لصناعةِ هذا المخطط الكبير.

كذلك يجب ألا ننسى أبداً أن حروباً كبرى مثل التي تستعرُ اليوم يسيلُ لها اللعاب بلا شك لأنها تفتحُ لتلكَ الدولِ الكبرى منافذَ مغرية لتصريفِ أسلحتها وعتادها بعد أن وصلتْ في مراحل سابقة إلى مستوياتٍ تسويقية مُتدنية وسببتْ حرجاً اقتصادياً كبيراً لذا كان لزاماً أن تستعرَ الحروبُ في الشرق كلهِ أطول فترةٍ ممكنة..وإزاءَ هدفٍ كبيرٍ كهذا يمكنُ أن تلتقي الأهداف بيسرٍ حتى لو اختلفت النوايا وتباينت الوسائل..ربما هو شيءٌ أشبه ما يكونُ بتخادمٍ سياسيٍّ قذر.

ثمة مسألة أخرى تبدو لي مفصلية جداً تشرحُ آلية عمل ذلك المخطط الكبيرإذ كان لا بد لهؤلاء الصانعين من عملٍ احترافيٍّ ماكر يعمدونَ فيهِ إلى دمجِ صورتين متناقضتين : صورةُ إسلامٍ حقيقيٍّ معتدل وآخر مشوه وإلصاقهما معاً لتبدوان كأنهما صورة واحدة تمثلُ نموذجاً سيئاً ينبغي على العالمِ بأسرهِ أن يحاربهُ ليضمنوا القضاءَ على الاثنينِ معاً بضربةٍ واحدة !

ربما يشكلُ هذا الكلام للبعض حقيقة مُفزعة وصادمة لكنَّ نظرةً متفحصة إلى الرابحين من كلِّ تلك الفوضى التي تحدثُ اليوم كفيلة بأن تمنحنا بعض الإقناع خاصة بعد أن بدأ هؤلاءِ الرابحون يحصدونَ غِلالهم مما زرعوهُ قديماً من أشواكِ الحقد التي زرعوها خلسة وعلى حين غفلة منا بين حقولِ اختلافاتنا وعُقدنا المتناسلة التي كانوا يمدونها من وراء ظهورنا بأسباب بقاءٍ مريبة..

يا لها من حقيقة مُرة أن نشعرَ اليومَ أننا نعيشُ وسطَ عالَمٍ لا يقيمُ لنا وزناً ولا يريدُ لنا أن نرى أنفسنا إلا كما يرانا بعينهِ هو..لا يغرنّكم ما تسمعونَ من أفواههم بأنَّ قلوبهم معنا لأنَّ الحقيقة أنَّ سيوفهم علينا..وسيظلون يرصدوننا دائماً بعيونٍ تلمظ بالشر كأننا طريدة طازجة ويتربصونَ لنا بالمزيد..

هذه هي ظلمة "عِش الدبابير" التي تشتبكُ على الداخلين فيهِ الأضداد وتختلط كلُّ الخيوطِ فيصبح من المُحالِ أن نتبينَ الكذبَ من الصدقِ والحقيقة من الزيف..ظلمة النهايةِ التي لا قدرة لأحدٍ أن يُميّزَ بعدها بين براءةِ الحملانِ ومكرِ الذئاب !

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق