]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قبل أن نندثر

بواسطة: عبد الله  |  بتاريخ: 2015-07-29 ، الوقت: 19:59:35
  • تقييم المقالة:

قبل أن نندثر!

 

 

 

أ.رائد غنيم

 

النصيرات-فلسطين

 

 

 

 ما الذي سيتبقى منا؟

 

إنه الذي تبقى لنا من الآخرين!

 

وكلنا...، كلنا نمشي ونمضي في قوافل ممتدة منذ الزمان الأول، وحتى لحظة الزوال والمنتهى، وقوافلنا الممتدة ليست هيئاتنا، ولا هيئات الذين سبقونا، وإنما هي مضاميننا ومضامينهم، ضمائرنا وضمائرهم، قيمنا وقيمهم.

 

غني اليوم لا يختلف كثيراً عن غني البارحة، وَوَغْد الغد هو وَغْد الزمان الأول مع اختلاف في التفاصيل الشكلية، وكذا حال الشريف؛ والوضيع؛ والنبيل؛ والمنحط؛ والعظيم؛ والتافَه؛ والكريم؛ والبخيل...إلخ.

 

نحن...  هو المضمون الذي حملناه من الصفات السابقة، أما تصرفاتنا فإنها تأخذ صورتها الملائمة مع أزمنتنا التي نحياها: إن القرآن ينقل لنا نبأ المسرفين المترفين المُتباهين مثلاً، فيتحدث عن مواكب الخيل المسومة، والأنعام، والحشم والغلمان والدواب... والصورة الملائمة لحالة الترف والإسراف هذه في زماننا، لها أشكالها الأخرى حتماً، والتي لا يجد العقل صعوبةً في تخيلها.

 

وهو ما يعني أن ذواتنا تنحاز إلى قيمنا التي نمتلك، وليس لأشكالنا ولا لأقوالنا التي ندعي، لأننا سَنُعَد مترفين متباهين، سواءً تباهينا بسيارة، أو تباهينا "بحمارة".

 

إن أصحاب الأخدود من الممكن أن يبرهنوا بطولتهم في أزمنة أخرى، في أزمنة سابقة ولاحقة، وبأشكال مختلفة، كما إنهم من الممكن ألا يُقتلوا حرقاً، بل وليس بالضرورة أن يموتوا مقتولين!

 

 إنهم هابيل في زمانٍ أول، أو مصعب بن عمير في زمان آخر، أو سعيد بن جبير، أو غيلان...إلخ.

 

ليس الحرق هو الراية، وليس الاستشهاد هو القافلة، فالنبي عليه السلام حتماً يفوق أهل الأخدود أخدوديةً، وكذا سائر الأنبياء الذين أفضوا إلى ربهم وهم على فُرِشِهم، دون أن يُستشهدوا.

 

الراية كانت هي المبدئية، والقافلة كانت هي الاستعداد للبذل لآخر رمق، ولأغلى ما يُحاز ويُمتلَك.

 

والمبدئية والاستعداد للبذل قيمة وليست شكلاً، مضمون وليس فكرة!

 

حتى أفكارنا لا تصلح لأن تكون راية، ولا أحزابنا، ولا قبائلنا...

 

وإنما قيمنا التي ننطوي عليها ونحن نحمل هذه الأفكار، أو ننتمي لهذه الأحزاب أو القبائل أو المؤسسات.

 

وعبر هذا السياق نستطيع أن نفهم كيف وقف علي بن أبي طالب في جيش، ليقابله على الطرف الآخر طلحة والزبير، ليكونوا كلهم منضوين تحت الراية نفسها، لينزع الله ما كان في قلوبهم من غلٍ يوم القيامة.

 

 ما أوسع الخلاف بين صوفي في صومعة، وسلفي جاد في جبهة قتال، وما أبعد الشقة الفكرية بين غيلان والجهم بن صفوان، وما أبعد المسافة بين إخواني وسلفي مُدخلي جامي!

 

لكن ستجد من كل صنف من الصنوف السابقة مَن يخبرك صادقاً: إنني أشعر بالغربة... وربما أنشد وترنم بأنشودة "غرباء"، بل ولربما تخيل أن النبي عليه السلام كان يقصده هو بعينه حين قال: طوبى للغرباء.

 

ما الذي يحدث هنا؟

 

إنها غربة الصدق، ولوعة الثمن.

 

ولذا لن تجد قواداً يقول لك: أنا أشعر بالغربة. وكذا لن تجد نفعياً ولا متسلقاً ولا كذاباً ولا لصاً....

 

وإن كنت ستجد كريماً أو صادقاً أو متفانياً يقول لك ذلك، لأن الغربة هي الراية الأكبر لمجموعة لا متناهية من الرايات الأخرى، إنها السماء لنجوم تأتلق في الذرى، وفوق أرض تعج بالدون والضجيج.

 

***

 

وأرسم في مخيلتي صورة لأهل أخدود مُعاصرين:

 

فأراها في هيئة ليبرالي أبصر مشهد رابعة، فبكى وانتحب وجهر بكلمة حق في وجه الذين ينتمي إليهم، ووصف المشهد كما يليق بإنسان، بإنسان وحسب.

 

وأراها في هيئة إسلامي، قالها منذ أول مرة في وجه الذين يقتلون باسم الدين: الدين منكم براء، وليست ذقونكم، ولا إخباتاتكم في وقت السحر، هي التي تجعلنا نخطئ رؤيتكم كما ينبغي أن تُروا: قتلة وليس أي شيءٍ آخر.

 

أراها في هيئة مواطن "غلبان" يدفع الثمن في أوقات الحروب، ولا يتقاضى الأجر في أوقات السلم، يرى المشهد المأفون بعينيه، يعاني من انقطاعات الكهرباء، ومن بطالة أبنائه، ومن هوانه وعجزه على الناس، فيمضي لكي لا يسأل الناس إلحافاً... يُحافظ على انتمائه، لفلسطين، للوطن، للعرب، للمسلمين... ويقولها بنبرة مفعمة باليقين: "بُكرَه الله بيعدلها".

 

للكاظمين في صدورهم أشياء أكثر مما هو الغيظ...

 

لهم من أهل الأخدود ألف تحية وسلام.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق