]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ربقة الريف

بواسطة: طارق الثامر  |  بتاريخ: 2015-07-26 ، الوقت: 12:39:58
  • تقييم المقالة:

هل تغير الناس ؟
ام ان اساليب الحياة اجبرتنا على التحرر من ربقة الريف ؟
هل نحن نسير على غير الجادة ؟
ام اننا نفكر خارج الصندوق كما قال ابو حامد الغزالي  ؟
هل نحن نتجرد من ماضينا وندعي التطور في هجر صفات ورونق تميز به اجدادنا ؟
اعلم ان لكل جيل تفاصيلة ، وتقنيته ، وقيمة المواكبة لعصره التي قد تكون مختلفه مع قيم آبائهم لكنها لا تناقضها ابداً.
اليوم نقف على قشره وكأنها لم تكن لجيل العمالقه، الرجال الذين تسربت من صفحاتنا مواقفهم، وإنجازاتهم دون ان نخلدها في كتب ليقرأها الاجيال ، ويعرفوا كيف كانت حياة اجدادهم شاقه و مرهقه ، كيف وضعوا لبنات حياة احفادهم اليوم ، كيف كان لقريتهم مظاهر ملموسه على شارعها الترابي ومزارعها الخضراء ، كيف كان نخلها شامخاً يعانق السحاب كهمة اصحابه ، كيف كانت الآبار تنزف المياه الوفيره بواسطة مكائن تصدى بأصوات كانت اقرب لسمفونيات بتهوفن ، وصوت فيروز الشجي في ساعات الصباح على اسماع اهل القريه ، كيف كان يجتمع رجال القريه في مجلس كبيرهم ويشربوا القهوه من يد ذلك الفتى الأصيل الذي نذر نفسه لخدمتهم اي كانت النتائج ، كيف كان صغيرهم يوقر و يحترم كبيرهم.
اسمحوا لي ان اخبركم بما حصل معي يوم:
قررت في مساء يوم من إجازتي السابقه التي كنت اقضيها في قريتي ان استرجع الماضي بكل تفاصيله الدقيقة وافيق في ساعة مبكره من اليوم التالي ، فعلاً وضعت فراشي في ساحة المنزل فإذا بفوانيس الشارع العام المسلطه على ساحات المنازل خوفاً من السرقة كانت اول عائق في استرجاع الماضي!!
إخترت مكرهاً ان اعود إلى غرفتي وبعد ان ابحرت حول العالم من خلال هاتفي النقال بواسطة برامج التواصل الاجتماعي الواتس آب والتويتر البديلة لـ "راديو جدي البني" الذي كان هو السبيل الوحيد لوصول اخبار العالم ، وبعد القليل من اللايكات في برنامج الانستقرام على صور اليوم لأصدقائي في رحلتهم الكائنة في سويسرا ، وبعد جهد وعصف ذهني فضيع في مشاريع و كيفية إتخاذ قرارات مصيريه في حياتي  

"نمت"
ايقضني صوت منبة الجوال و كان ثالث التناقض للماضي بحيث اني في السابق افيق على صوت الآذان ..
بعد ان تناولت الكرواسون و التوست المحمص مدهون بالزبدة و المربى ، وحتسيت الشاهي الساخن بكوب ارتسم على جداره الخارجي صوره للفريق الألماني وهو يحمل كأس العالم لعام ٢٠١٤ في البرازيل إمتطيت سيارتي المكيفة متيقناً آنذاك اني أسير على نفس خطى جدي رحمة الله متجة إلى (المزرعه اللي فوق) ولها من اسمها نصيب حيث انها تقع في الجهه المرتفعه من القريه
وصلت إلى حيث المكان ثم حاولت الدخول من الباب الامامي إلا انه ابى أن يسمح لي بالدخول بعد ان تهشم من مر الزمان دون استخدامه وكأنه يقول لي تأخرت !؟
اخترت ان اقفزه ، تقدمة بخطواتي ، تراجعت بذاكرتي ، سمعت صوت المكينه يصدى في اركان المزرعه حتى وصلت إلى البئر ولكن وجدتها جافه فارغة إلا من صور الحزن على مؤسسها ، قريبة من الإنهيار.
رجعت خطوة فإذا بسير متهالك واقع على الأرض  يحتضن بين طياته صورته القديمه عندما كان شريان مهم يغذي المزرعه لتنتج الخيرات بلتفافه على المكينه اللتي اصبحت ضحية لإرتفاع الحديد واقتلعت من مكانها !!؟؟
تذكرت صوره لجدي رحمة الله في اخر ايامه يقف بجوار نخله وينظر إليها وكأنه يرى بها ثمرة تعبه و جهده وهي تتمتع بقوة الجذع ونشر السعف آنذاك.
توجهت لها لعلي اجد شيئاً من الذكرى فإذا بصوت الحنين الى الماضي يزداد حتى وصلت إلى النخله ، ولكن الأقدار وضعت اقلامها هنا ايضاً ، فوجدتها منكسرة الجذع بعد ان باتت ترقب عودة الكنف الآمن ، الرجل الذي كان يسير بجانب الفلج (الساقي) حتى يصل الماء إليها وترتوي ، ثم يحوله الى النخله المجاوره ، ولكنها بعد ان ايقنت بعدم عودته اختارت ان ترحل هي الاخرى ..
حينها تأكدت مع زخم التناقضات اننا لا نستطيع عيش الماضي ولو لدقائق ، وانه لن يعود ورحل بكل تفاصيله مع رجاله الذين رحلوا وتركوا لنا العولمه.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق