]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التقاطاتٌ من زمنِ الرُعب

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-07-21 ، الوقت: 21:38:55
  • تقييم المقالة:

التقاطاتٌ من زمنِ الرُعب

 

محمد الحداد /العراق

هذا عدوٌّ ساديٌّ لدرجةِ الجنون..لا يستطيعُ أن يخفيَ عشقهُ الأزلي للخرابِ والفناء ولا يتورعُ عن توزيعِ الموت بالتساوي على الجميع كأنَّ لهُ مع الحياةِ ثأرٌ أزليٌّ لا يسقط بالتقادمِ أبداً..عدوٌّ يستخفُ بأرواحنا ويستمتعُ كثيراً برؤيةِ مخالبِ الموت وهي تطالنا واحداً تلوَ الآخر وربما كان ذلك أفتك سلاحٍ امتلكهُ هذا العدو حتى اليوم..هو نفسهُ يُثمنُ قيمة سلاحهِ النفيسِ هذا ويراهنُ كثيراً على بقاءهِ الطويل في يدهِ..

ها هنا بعض الإلتقاطاتِ المنتخبة من مهرجان الدم الكبير الذي وجدنا أنفسنا فجأة ضحاياهُ من دونِ إرادةٍ منا..التقاطاتٌ سنتتبعُ من خلالها الآثار الكارثية التي يحاولُ هذا العدو أن يتركها ورائهُ أينما وطئت أقدامه.. لنحاولَ فقط أن نمشط بأعيننا سريعاً على نزرٍ يسير من لقطات الرعب التي غرقتْ بها أوطاننا في وقتٍلا يزال هذا العدو يمعنُ بشكلٍ هستيريفي ترسيخ ثقافة الموت التي يؤمنُ بهاويعولُ كثيراً على أن يمررَ إلينا رسائلها المروعة بشكلٍ ممنهجٍ مستثمراً تكنولوجيا الصورةِ بتقنيةٍ إخراجيةٍ احترافيةٍ عالية.

لكن من أين يجدرُ بنا أن نبتدئ رحلتنا هذهِ أولاً؟ فأينما وجهتَ وجهك ستصلك ذات الصور القاتمة التي لو تأملتها ملياً فكأنك أزحتَ عن كاهلكَ مشقة تأمل مثيلاتها الأخريات.

لو ابتدأنا من العراقفثمة فيلم من ثلاثةِ مشاهد متفرقة لإعدام أربعة عشر رجلاً نشرهُ تنظيمُ داعش في يومٍ واحد وأخذ حيزاً وافراً من الإعلام.. المشهد الأول لخمسةِ رجالٍ وضعهم التنظيم داخل قفصٍ حديدي غطسَ بهم حتى الموت ببطءٍ في حوضٍ للسباحة والمشهد الثاني لثلاثة رجالٍ تم تفجيرهم عن بعد وهم مقيدون داخل سيارة..أما المشهد الثالث فكان لستةِ رجالٍ فجّرتْ رؤوسهم وفُصلتْ عن أجسادهم بديناميتٍ ملفوف حول رقابهم بالتتالي.

ابتكار أكثر من طريقةٍ بشعة للموت فيهِ محاولة واضحة لتكثيف الحضور المرعب للموت وإمعانٌ مضاعفٌ لتجسيدِ رهبتهِ في النفوس وكلُ ذلك يتفننُ تنظيمُ داعش في وسائلِ استحضارهِ وتقديمهِ للجميع وهو ما نحاول هنا أن نسلط الضوء عليهِ ببعضِالإلتقاطات السريعة..

الصمت كان القاسم المشترك الغريب في تلك المشاهد كلها رغم أنهُ آخرُ زائرٍ يمكننا توقعُ حضورهُ هنا..ما أعنيهِ بالغرابةِ في موقفٍ مرعبٍ كهذا ليس بسببِ صمت الضحايا وحدهم لكن صمت القتلة وصمتنا نحن أيضاً !

من بين تلك المشاهد الثلاثة في هذا الفيلم المرعب سنسلط الضوءَ على مشهدِ إغراق الرجال الخمسة..

في حوضِ سباحةٍ تبدو عليهِ الفخامة يبدأ قفصُ الموتِ بالنزول إلى الماء ببطءٍ حاملاً ضحاياهُ الخمسة ليغطسَ فيهِ بهدوءٍ بتقنية صوريةٍ استخدمتْ أسلوب ال "" slow motion زيادةً في الترهيب وإطالة لزمنِ الرعب ربما لمنح الوحوش سِنحة أطول لتلذذٍ أكبر بتعذيبِ ضحاياهم وترسيخاً أعمق لفكرةِ الموت في أبشعِ لحظاته المرعبة بوصفهِ أمراً واقعاً ولعلَّ هذا بالضبط ما يصرُّ هذا التنظيم على إيصالهِ للجميع في كلِّ رسائلهِ المستمرة إلى العالم أجمع : أن نفهمَ هذا الرعب المُصدّر إلينا بالصورة أكثر..

لحظاتٌ قليلة لكنها كانت بطولِ الدهر..كانت العيونُ حائرةً وبقايا همهماتٍ مبهمة ربما كانت تنطقُ بالشهادتين وترجو المغفرة من الله..نزلَ القفصُ بعدها بالموت فصعدتْ الأرواحُ إلى أعلى وارتقتْ بسموٍّ إلى بارئها..كانت ثمة فقاعاتٌ أخيرة تركها الضحايا لنا جميعاً ربما لتذكرنا أن الحياة مع هؤلاء القتلة ليست أكثر من فقاعاتٍ فارغة زائفة لا تستحقُ أن نتقاسمها معهم..

لم تكن تقنياتُ الموت المتطورة هذهِ جديدة على التنظيم أبداً فقبلَ ذلك بأشهر عديدة كان تنظيم داعش قد دشنَ من ليبيا تصدير باكورة إنتاجهِ الإعلامي المرعب مع أولِ شحنةِ إرهابٍ طازجة إلى مصر كانت مكونة من واحدٍ وعشرين رأساً مصرياً منحوراً..كلُّ ذلك ليثبتوا للعالم أجمع أنهم قادرون على أن يأتوا إلينا من كلِّ مكان وأنَّ تدويلَ وجودهم أصبح حقيقة عالمية قائمة..

ما لفتَ انتباهي في نسخةِ داعش الليبية لفيلم قتل المصريين أمران..الأول: الجهدُ الباذخ في إظهارِ تقنيةٍ إخراجيةٍ بالغة الاحتراف وإمكانيات تصوير عالية بكاميراتٍ متعددة..في أحد تلك المشاهد كأنَّ كاميرا متطورة كانت تسحبُ الصورة من أسفل إلى أعلى بتزامنٍ واحد مع  لحظاتِ سَوْق القتلة لضحاياهم وهم يمشون قربَ البحر وهذا يدلُّ على استخدام نوعٍ معين من الكاميراتِ المثبتة على رافعةٍ عالية كالتي يستخدمها مخرجو الأفلام حينما يستدعي الأمر منهم تصوير لقطاتٍ عالية تتيحُ لهم مسحاً بصرياً واسعاً لحركةٍ طوليةٍ أو عرضيةٍ كالتي ظهرتْ في ذلك المقطع من هذا الفيلم.

أما الأمر الثاني المُلفت في الفيلم فهو التهديد الصريح الذي وجههُ القاتل برسالةٍ توعدَ بها أوربا كلها بموتٍ قريب وأكدتها إشاراتٌ حانقة من سكينهِ التي كان يصوبها نحو القارة العجوز..يدهُ العسراء التي حملتْ تلك السكين كانت تهتزُ بعنفٍ موتور ينذرُ بفتحِ أوربا كلها قريباً بعد فتح روما والأندلس.

كان القاتلُ يرتدي لثاماً أسودَ غطى وجههُ كلهُ إلا العينين لكنَّ هذا اللثام لم يستطع أن يخفي هوسَ تلك العينين للدم وهما تتجهان نحو أوربا وتنفثان عليها شررها المستطير..ولم يكد يمرُّ على ذلك وقتٌ طويل حتى شهدتْ فرنسا أكثر من هجومٍ بذاتِ الهوس الغريب للموت لعلَّ آخرهُ ما حصل قبل بضعةِ أسابيع فقط أثناء الهجوم السريع الذي نفذهُ تنظيم داعش على مصنع الغاز الفرنسي قرب ليون حينما وجد المهاجمان رغم عجالتهم وقتاً كافياً لقطعِ رأسِ رجلٍ فرنسي وتعليقهِ على سياج المصنع!

وبالمرور سريعاً على الأردن فإنَّ بريقَ صور الرعب التي صدّرتْ الدهشة والذهول إلى العالم كلهِ في فيلم إحراق الطيار معاذ حياً داخل قفصٍ حديديٍّ مُحكم الإغلاق كان يبدو مشابهاً لذلك الذي حدث في ليبيا مع الضحايا المصريين مع اختلافِ بعض التفاصيل التقنية الإخراجية فقط.. كانت ها هنا خمسُ كاميراتٍ رجّحَ متخصصون في حقلِ الإنتاج السينمائي أنها من نوع "red" الفاخرة والتي لا يقلُّ ثمن الواحدة منها عن مئةِ ألف دولار..

في هذا الفيلم يلقي الصمتُ أيضاً بظلالهِ الموحشة في حين يبدو الموتُ في أوجِ سلطانهِ وقوةِ حضورهِ لكنَّ الرغبة في تمرير الرعب بشكلٍ مبالغٍ في مضاعفتهِ كانت حاضرة هنا أيضاً بوضوحٍ تام باعتبارها أهم ما يحرصُ التنظيمُ على إرسالها دائماً إلى العالم بأسره..تلك الرغبة التي تبدو هي ذاتها في تضاعيف جميع الصور المصنوعة بذاتِ الاحترافية الإخراجية عالية الجودة أيضاً.

لكنَّ الملفتَ في فيلم إحراق الطيار معاذ أنَّ الجهد الإخراجي عالي المستوى وتعدد الكاميرات التي استخدمتْ في تصوير هذا الفيلم لم تستر عيوب الخدع الإخراجية التي بدتْ واضحة تماماً تلفيقاً وتهويلاً ابتدأتْ أولاً بإضافةٍ سيئة من مخرج الفيلم للنيران والأدخنة بكثافةٍ مبالغ فيها فوق خط النار المستقيم المرسوم على الأرض والذي كان يمتدُّ من القتلةِ إلى قفصِ الموت..لكنَّ المهم أنَّ المشهدَ هذا أظهرَ النارَ وكأنها تزحفُ بشكلٍ مخطط لهُ سلفاً إلى القفصِ ببطء مثل حيةٍ تحفظ طريقها بمكرٍ نحو ضحيتها لتصلَ أخيراً إلى معاذ وتلتهمهُ بهدوءٍ وصمتٍ غريبين..

ثمة عيبٌ إخراجي آخر فضحتهُ لقطة تلتْ دخول النيران مباشرة إلى القفص لتلتهم معاذ وبدا واضحاً أنها خدعة إخراجية أخرى لأنها بالغت أيضاً في إضافة كثافة نيرانية كبيرة إلى المشهد..وبتركيز بسيط ستكتشفُ بوضوحٍ لا لبسَ فيهِ أن أعمدة القفص الحديدية في تلك اللحظات بالذات تبدو وكأنها غير حقيقية بسبب ظهور فراغات في تلك الأعمدة كانت تظهرُ تارةً للعيان وتختفي تارةً أخرى..

خلاصة ما يمكنُ لنا أن نستشفهُ من جميعِ مشاهد الموت المرعبة هذهِ أنها لن تنتهي قريباً وستتكررُ كثيراً هنا أو هناك..ربما ستختلفُ الأساليب فقط وتتنوعُ الوسائل ولا غرابة في ذلك أبداً مثلما رأينا سابقاً لقطاتٍ يظهرُ فيها أبرياءٌ يقذفُ بهم عناصرُ التنظيم من ارتفاعاتٍ شاهقة أو أطفالٌ مفخخون يُفجرهم التنظيم من بعيد أو لقطاتٌ تدريبية لعناصر من التنظيم يمارسون القنصَ على أطفالٍ رُضّعٍ كأهدافٍ تعليمية أو تدريبُ فتيةٍ صغار على قتلِ زملاء لهم لترسخَ في عقولهم ثقافة الطاعة العمياء وتميتَ الشفقة في قلوبهم.

هؤلاء هم أعدائنا وإن اختلطت علينا الألسن أو اختلفت السحنات..

هو ذات العدو الذي يطمعُ أن يرى أوطاننا كلها حقلَ ألغامٍ كبير يمتلئ رعباً ونصارعُ فيهِ الحياة من أجلِ ساعةٍ إضافية من البقاء كي ينصبَ خيمتهُ السوداء من الشام لبغدانِ ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصرَ فتطوانِ.

عينٌ تتتبعُ آثارَ الموتِ في كلِّ مكانٍ وعينٌ أخرى تذرفُ دموعاً حارقة فوقَ الخرائط !

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق