]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإدارة الحضارية للوقت من وجهة نظر مالك بن نبي

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2015-07-21 ، الوقت: 17:42:31
  • تقييم المقالة:

لم أجد لمصطلح "إدارة الوقت" ذكرا صريحا في كتابات مالك بن نبي، غير أنه نقل ما يُشير إلى ذلك؛ أشار إلى الوقت كعامل من عوامل نهضة الأمم وصناعة حضارة الدول؛ من حيث استظهار قيمته وأهمية استثماره في صناعة الفارق الحضاري والنهضوي بين الأمم.

ولا غرو أن إجادة استغلال الوقت، واستثمار عامل الزمن في إنجاز أكبر عدد ممكن من الأعمال والإنجازات، هو عينه ما يُفيده مفهوم إدارة الوقت كفن. وهذا الطرح قد عبّر عنه مالك بن نبي صراحة وإشارة وتلميحا؛ في نحو قوله: "إن الزمن نهرٌ قديم يَعبُر العالم، ويَرْوي في أربع وعشرين ساعة الرُّقعة التي يعيش فيها كل شعب، والحقل الذي يعمل به، ولكن هذه الساعات التي تصبح تاريخا هنا وهناك، قد تصير عدما إذا مرّت فوق رؤوس لا تسمع خريرها" .

في ذات السياق قال: "الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل. فهو يمرّ خلال المدن يُغذّي نشاطها بطاقته الأبدية، أو يُذلّل نومها بأنشودة الساعات التي تذهب هباء؛ وهو يتدفّق على السواء في أرض كل شعب ومجال كل فرد، بفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجال ما يصر (ثروة)، وفي مجال آخر يتحول عدما. فهو يمرق خلال الحياة، وصبّ في التاريخ تلك القيم التي منحها له ما أنجز فيه من أعمال. ولكنه نهر صامت حتى إننا ننساه أحيانا، وتنسى الحضارات في ساعات الغفلة أو نشوة الحظّ قيمته التي لا تُعوّض.

ومع ذلك ففي ساعات الخطر في التاريح تمتزج قيمة الزمن بغريزة المحافظة على البقاء؛ فإذا استيقظت هذه الغريزة في الساعات التي تحدث فيها انتفاضات الشعوب، لا يُقوّم الوقت بالمال، كما ينتفي عنه معنى العدم؛ إنه يُصبح جوهر الحياة الذي لا يُقدّر.

وحينما لا يكون الوقت من أجل الإثراء أو تحصيل النعم الفانية؛ أعني حينما يكون ضروريا للمحافظة على البقاء، أو لتحقيق الخلود والإنتصار على الأخطار، يسمع الناس فجأة صوت الساعات الهاربة، ويُدركون قيمتها التي لا تُعوّض، ففي هذه الساعات لا تهم الناس الثروة أو السعادة أو الألم، وإنما الساعات نفسها، فيتحدثون حينئذ عن ساعات العمل؛ أعني العملة الوحيدة المصلقة التي لا تبطل، ولا تُستردّ إذا ضاعت: إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع، وأن يجدها المرء بعد ضياعها، ولكن لا تستطيع أيّ قوة في العالم أن تحطم دقيقة، ولا أن تستعيدها إذا مضت" .

لقد أظهر مالك بن نبي قيمة الوقت في صورة فنية بهيّة، وعبّر عنها بأسلوب أدبي بليغ، ذكّر بقيمته من خلال التنبيه إلى سرعة انقضائه، وعدم القدرة على استرداده، وأهمية استغلاله حتى لا ينفلت بغتة دون اقترانه بفائدة علمية نهضوية أو قيمة عملية حضارية.

فالوقت أو الزمن كالنهر الذي يجري في صمت واستمرار، لا يُسْمَعُ له إلا خريرٌ يُنبّه إلى جريانه، فالمجتمعات الذكية هي التي تُحسن الإرتواء منه، وتُحسن استغلال عامل الزمن سريع الإنقضاء، فتصنع لنفسها تاريخا، وتُحدث لنفسها ذكرا.

وكلام ابن نبي فيه إشارة وتنبيه إلى أهمية استغلال الوقت واستثماره في بناء صرحٍ نهضويّ مشيد، ومجد حضاريّ تليد، وهذا عينه ما يُفيده مفهوم إدارة الوقت كما تقدم؛ إذ لا غرو أن الوقت لا تظهر قيمته إلا بحسن إدارته، وهو عمارة أجزائه بما أمكن من إنجازات لا تتحقق إلا بإدارة الوقت كفن له آدابه وأحواله وأساليبه.

يعتبر مالك بن نبي أن حظّ الأمم من الوقت مُتساوٍ لا يصنع فرقا حقيقيا بينها من حيث مركزها السيادي وتأثيرها في مشاهد الحياة، وأن حنكتها وحرصها على تخطّي عقبة الإنفلات التي تطبع الوقت بحسن إدارته وإجادة استغلاله واستثماره هي ما يصنع الفارق الحقيقيّ بين أمة الحضارة والنهضة وغيرها من الأمم.

أوضح مالك بن نبي قيمة الوقت الذي تتحيّن فيه الأمم فرصتها لتنهض إلى صهوات المجد العالي وتعتلي المنازل والمعالي، هو الوقت نفسه الممنوح لهذه الأمم، لكن سذاجتها في التعامل مع الوقت ربما أو عدم اهتمامها بإدارته واستثمار ساعات أيامه ولياليه في تجويد وضعها وتحسين حالها ورفع مستوى الحياة فيها؛ حال دون رفعتها ورقيّها.

ومن الواضح أن الوقت عند مالك بن نبي قد يتجه نحو ذاكرة التاريخ فيتبعثر بين صفحاته دون أن يترك في الأمم أثرا دالا على حضارة قامت فيها أو نهضة شهدتها؛ إذا لم تُحسن إدارته واستثمار أجزائه فيما يُعلي ذكرها وينهض بها. إن الوقت الذي لا تُحسن أيّة أمة إدارته وقت ضائع لا رادّ له، ولن يترك أثرا قيميا حضاريا نهضويا في الأمة.

وقد ضرب مالك بن نبي مثالا بالمجتمع الإنساني الإسلامي المعاصر الذي عرف فكرة الوقت المقدّر له بيولوجيا أن يعيشه ويصنع فيه مجد حضارته ونهضته؛ لكنه تخلى عن تقدير قيمته لما وَدَعَ (ترك) تقييم المقصد الشرعي من وجود الوقت، وأهمية إدارته في كنف التاريخ الذي يحفظ مآثر ذكرياته الحضارية وآثار إنجازاته النهضوية التي تتناقلها الأجيال.

إن المسلمين إنما فقدوا تأثيرهم الحضاري على بقية الأمم؛ عندما تفلّتت منهم أجزاء الوقت الممنوح لهم، وفقدوا قدرتهم على إدراته وتوظيفه توظيفا صحيحا وتوجيهه الوجهة السليمة لاسترجاع سؤدد حضاراتهم الضائع كما أمرتهم شريعة ربهم عزّ وجلّ.

في هذا الإطار قال رحمه الله تعالى: "فنحن في عالمنا الإسلامي نعرف شيئا يسمى الوقت. ولكنه الوقت الذي ينتهي إلى عدمٍ؛ لأننا لا ندرك معناه ولا تجزئته الفنية، لأننا لا ندرك قيمة أجزائه من ساعة ودقيقة وثانية؛ ولسنا نعرف إلى الآن فكرة الزمن الذي يتصل اتصالا وثيقا بالتاريخ...وبتحديد فكرة الزمن يتحدّد معنى التأثير والإنتاج، وهو معنى الحياة الحاضرة الذي ينقصنا. هذا المعنى الذي لم نكسبه بعد، هو مفهوم الزمن الداخل في تكوين الفكرة والنشاط، في تكوين المعاني والأشياء" .

مما تقدّم تتضح الرؤية حول موقف المفكر الجزائري العالمي من مسألة إدارة الوقت كفن إبداعي واستراتيجي؛ تُلخصها النقاط التالية:

1- إن الوقت كإطار زمني للإبداع والإنجاز والإرتقاء والتغيير فرصة ممنوحة للأفراد والجماعات على قدم المساواة، لكن العدل يقتضي أن من أحسن تقسيم أجزاء وقته الممنوح له وأحسن استغلالها وتوظيفها؛ حقيق به أن يُنجز من الإبداع ويُحقق من التغيير ويبلغ من الرّقيّ ما لم يبلغه غيره ممن ترك الوقت ينفلت من بين يديه فلتة لا يرجع بعدها أبدا.

2- يرى مالك بن نبي أن إدارة الوقت تعني أن تُجيد الجماعة - فضلا عن الفرد - استغلاله وتُحسن استثماره؛ من خلال إنجاز ما أمكنها من الأعمال التي ترجع عليها بالنفع العميم. فإدارة الوقت عنده وجه لجودة استغلاله وحسن استثماره ودقة توظيفه.

3- يرى مالك بن نبي أيضا أن إدارة الوقت هي التي تصنع الفارق بين أمة وأخرى؛ على اعتبار أن حظّهما من الوقت مُتساوٍ، لكن فروقهما الشخصية وقدراتهما الذاتية في حسن تدبير الوقت وإدراة أجزائه تبقى متباينة، وهذا ما يصنع الفارق الحقيقيّ بينها.

4- لقد استثمر مالك بن نبي مفهوم إدارة الوقت واستغلاله على مستوى الجماعة (الأمة) كعامل من عوامل نهضتها ورفعتها، وهو بهذا لا يُقصي الفرد من هذه العملية الإدارية الفريدة والمتميّزة باعتباره جزء من نسيج الجماعة؛ وإنما هو يُركز على العمل النهضوي والحضاري الجماعي، وما يتطلبه من إلمام بمفاتيح إدارة الوقت وطرائق استغلاله وأساليب استثماره كما سيأتي بيان تأكيده قريبا.

هو باختصار يرتقي بفن إدارة الوقت من المستوى الفردي (الفرد) إلى المستوى الجماعي (الجماعة) مع تركيزه على هذا المستوى الأخير؛ أي دون أن يُغفل المستوى الفردي، كلّ ذلك زيادة في التأثير وإبلاغا في التغيير.

إذن نجد أن ابن نبي أثار مفهوم إدارة الوقت ببعده الجماعي والمجتمعي والأممي - إنْ صحّ مني الفهم والتعبير- معتبرا أن حظّ الأمم في الوقت مُتساوٍ، وأن قدرتها على استغلال أجزائه واستثماره وتوظيفه في إدارة شؤونها على نحوٍ تنتظم معه معايشها وتستقيم أحوالها هو الذي يصنع تباينها في المستوى الحضاري والنهضوي؛ ما يجعلنا نقول: إن مالك ابن نبي ربط بين إدارة الوقت وصناعة الحضارة على مستوى الأمة.

د/ عبد المنعم نعيمي.

جامعة الجزائر 1


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق