]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

موقف مالك بن نبي من فكرة تمجيد الإستعمار الحضاري

بواسطة: د/ نعيمي عبد المنعم  |  بتاريخ: 2015-07-21 ، الوقت: 17:32:10
  • تقييم المقالة:

منذ ما يقرب عشر سنوات، وتحديدا بتاريخ 23 فيفري 2005؛ أقرّ البرلمان الفرنسي (الجمعية الوطنية الفرنسية) ما عُرف بقانون تمجيد الإستعمار، كان هدف فرنسا من إقرار هذا القانون تبييض تاريخها الاستعماري، والضحك على أذقان دولتنا سلطة وشعبا، بل واستخفافا بتاريخ كفاحنا المجيد وذاكرة مجدنا التليد.

هذا القانون اعتبر أن المجازر المرتكبة في حقّ الجزائريين شرٌّ لا بد منه في ظلّ احتلال دولة لدولة أخرى، واعترف بجميل المتعاطفين مع قضية الاستعمار الفرنسي، الداعمين لسياسته الكولونيالية والاستعمارية مع الشعب الجزائري المسلم، من قدامى الحركى وغيرهم من أذناب الاستعمار.

واليوم يُطلّ علينا زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم ورئيس فرنسا السّاذج الـمُسمّى فرانسوا هولاند، ليُحيي من جديد فكرة تمجيد الاستعمار، أو بالأحرى هي محاولة يائسة منه لتبييض سواد صفحات السجل الاستعماري لدولته الملقى في مزبلة التاريخ.

إن دعوة فرنسا إلى تمجيد الاستعمار تُعيدنا لتاريخ حملة نابليون إلى الشرق الأوسط، وقد كانت عنوانا جديدا لأطماع الغرب في بلاد العرب والمسلمين، هذه الحملة الاستعمارية بالغ بعضهم في تمجيدها ربما بلغ ببعضهم حدّ تقديسها خاصة من جانب فرنسا ومن على نهجها، اعتبروها - للأسف - عنوانا للحضارة، وأنها جلبت لمصر والشام النهضة.

وهذا غير صحيح قطعا؛ فالحملة النابليونية وإن رأى بعضهم أنها كانت في ظاهرها الذي سوّق له الاستعمار الفرنسي حملة حضارية لكن بأهداف استعمارية في باطنها، إلا أن ظاهرها أيضا كان استعماريا واستدماريا واستحماريا بامتياز.

في هذا السياق، انبرى المفكر الجزائري العالمي مالك بن نبي رحمه الله في قصبِ سبقٍ لم يسبقه إليه أحد من مفكري عصره لدحض فكرة تمجيد الإستعمار؛ من خلال ردّ شبهة أن الاستعمار يصنع حضارة الأمم ويُحقّق نهضة الدول؛ مُعتبرا أن ربط الاستعمار بالحضارة يُغيّب معناها ويُفقدها مدلولها، ويُصبح تعريف الحضارة وبيان حدّها ومدلولها بلا طائل.

قال مالك بن نبي في هذا الإطار: "فإذا كان شكل الحياة الذي ورثته هذه البلاد عن عهد القابلية للاستعمار والاستعمار يُمثّل الحضارة؛ فإن السؤال الذي طرحناه سابقا يُصبح سؤالا زائدا وبلا طائل" ؛ يقصد سؤاله: ما هي الحضارة ؟.

إذن من الواضح، أنه لا يُمكن الاستناد إلى فكرة الاستعمار؛ فنُسوّقه عنوانا للحضارة؛ ونطرحه كفكرة إيجابية أورثت الأمم التي عاشت قهر الاستعمار وعاينته حضارة ونهضة وهمية، لا يستقيم أن نجعل من الاستدمار (مأخوذ من الدمار والتدمير) استعمارا (من العمارة والتعمير وهو عنوان النهضة والحضارة الحقيقي) في إطار سرد الإيجابيات فضلا عن السلبيات؛ الإيجابيات المتمثلة في نقل الحضارة للأمم والشعوب التي رزأت تحت نير الاستدمار، والتي تصبح فيها قوى الشرّ الاستدماريّ قوى للخير الحضاريّ. لا يستقيم أن يكون الاستعمار حضاريا، هذا أمر لا يستقيم أبدا.

وكأني بمالك بن نبيّ يُثير إشكالية التمدن والتحضر والنهضة التي يبرّر بها المستعمر حركته التدميرية في استعباد الشعوب واحتلال الدول، ويُمجّد من خلالها مجازره ويُبرّر جرائمه ويُسؤّغها، ومن خلالها تُصور قوى الاستعمار (الاستدمار) أنها جاءت لتصنع لنفسها مجدا تليدا ونهضة مشيدة، وأن نزعتها الاستدمارية إنما هي مشروع حضاريّ ونهضويّ جاء ليُسهم في عمارة الدول ورقيّ الأمم.

ومالك بن نبي فكرة – كما تقدم – ينفي نفيا قاطعا ارتباط الحضارة بأجندات الاستعمار، أو تسمية ما صنعه في البلاد المستعمرة: حضارة؛ فالحضارة الاستعمارية أو النظرة والقراءة الحضارية للاستعمار تُفرغ مفهوم الحضارة من مضامينها الإنسانية الراقية وأبعادها الأخلاقية السامية، وتجعل البحث في هذا المفهوم عبثا بلا نفع أو فائدة.

أعتقد اعتقادا جازما أن مالك بن نبي كان يستشرف وقوع ذلك أو قريبا منه، كان سابقا لوقته بطرح فكرة تمجيد الاستعمار ونقدها، من خلال نقد فكرة الاستعمار الحضاري، أو نفي دور الاستعمار في صناعة الحضارة. ولو كان رحمه الله تعالى حاضرا بين ظهرانينا لم يتوان للحظة عن نقد قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي، وأن يقف وقفة حزم وحسم لدحض كلام الرئيس الفرنسي ومن على شاكلته.

كتبه: د/ نعيمي عبد المنعم.

جامعة الجزائر 1.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق