]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فلسفة الكلمة

بواسطة: علجية عيش  |  بتاريخ: 2015-07-19 ، الوقت: 17:54:24
  • تقييم المقالة:

فلسفة الكلمة

      كثيرا ما يكون الإنسان منفردا في مكان ما، أو عندما يأوي إلى مكتبه، يرحل به الفكر بعيدا، إلى أبعد ما يكون، فتجده يعيد النظر في قضايا إنسانية و اجتماعية، و سرعان ما يلجأ إلى مذكرته و قلمه، يدون ما يجول في خاطره، تدفعه المخيلة إلى طرح قضية ترتبط بالكتابة ارتباطا وثيقا، و تجده يتساءل، هذا القلم الذي بين أناملي ؟ ماذا أكتب به؟ إذ ليس المهم كيف نكتب؟ أو لمن نكتب؟ لكن الأهم هو ماذا نكتب؟ و يجيبه عقله المحدود ببساطة، إنها الكلمة ، فالكلمة تلعب دورا كبيرا في تغيير الأفكار و الذهنيات، بل تغيير مجتمع بحاله و حضارة بأكملها لو فهم كل منا مغزاها الحقيقي، فكل حرف من حروفها له دلالته الخاصة. الكلمة:

 ( ك، ل، م، ة )

ك= كرامة

 ل=لباقة

 م= محبة

 ة= تضحية

   الكلمة كرامة، لأن الكلمة تحافظ على كرامة الإنسان، و تدعوه إلى الاعتزاز بنفسه، و بالكلمة ، يخرج الإنسان من نير العبودية إلى الكرامة و الحرية، و من ظلام الجهل الى نور العلم و المعرفة، و تحرره من قيود الذل و الضغط و الضعف، و تجعل منه إنسانا، و ترحل به إلى إنسانية الإنسان.

   الكلمة لباقة، هي تلك الكلمة الطيبة التي تعبر عن رجال الحق و الفضيلة، فصاحب الذوق السليم ينتقي من حديقة الورود أجملها، كذلك هو صاحب القلم.. الكاتب المهذب الجوارح يختار من الكلمات أطيبها، و يجعل لسانه و قلمه لسان صدق و قلم حق.

     أما الكلمة محبة لأنها نفحة روحانية تصل ما بين القلوب، و تربطها برباط المحبة و الود و التآلف، فالكلمة اللبقة المهذبة تنشر سحرها ببطء كما تنشر الشمس دفئها في الطبيعة، أما الكلمة الخبيثة فهي نتنة الرائحة ، تدعو إلى الزيغ و الضلال. لقد ضرب الله لنا مثلا للكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة التي جذورها قوية متماسكة في عمق الأرض، بينما ترتفع فروعها و أوراقها في السماء العالية، و الكلمة الطيبة تحمل بين طياتها دفء الحب ولذة العطاء (و الكلمة الطيبة صدقة)، أما الكلمة الخبيثة فهي مثل الشجرة الخبيثة مر ثمرها، خبيث ريحها، لفظتها الأرض و طرحتها، فإذا بها تهوي جثة هامدة، تقتلع جذور المحبة و تنشر مكانها بذور الأحقاد و البغضاء ، فيعم فيها الفساد. و أخيرا الكلمة تضحية، فالتضحية من أجل الكلمة هي الفضيلة كل الفضيلة، و الكلمة التي تعبر عن فكرة تحيى بحياة أصحابها حتى بعد مفارقتهم للحياة. فكلمة الحق لا بد لها من تضحية و نكران للذات، و أن يفضل الواجب الإنساني على المصلحة الأنية، هذه هي التضحية التي تفجر الكلمات إلى أفعال، ففي البدء كانت الكلمة.

         إذن و أنت تحمل القلم عن صدق و إخلاص ، تجد أن القلم عظيم عظم ما في الكون، و هذا إن دل على شيء فانه يدل على نبل الكلمة و عظمتها، هذه الكلمة التي تتجسد بين سطورها المثل و القيم الإنسانية ، و الحق و الحرية و العدالة, وتنساب الأفكار و الملاحظات حتى يخيل إليك و أنت تملأ تلك السطور و كأنك تضرب الأرض بمعول تفجر به اخضرارا و خصبا، فبالقلم يجسم كل منا مهما كانت وظيفته (كاتبا أو أديبا أو..أو..) أكبر دور تقدمه الكلمة سواء منها المكتوب أو الشفهي من نزوع إلى الخير و من سعي إلى البقاء، و من دعوة إلى المحبة و التعاون و السلام، و الواجب و التضحية إلى كل ما يمنح الحياة البشرية سموا و علاء. فقد تبعث الكلمة الطيبة في المريض من الراحة و الشجاعة و الاطمئنان ما لا تقوى عليه لائحة العقاقير، و لا نقصد بالمريض ذلك المصاب بداء عضال، فكلنا مرضى في هذا العصر، فهذا مصاب بداء التسلط، و ذاك مصاب بالبرانويا و آخر مصاب بعمى الفكر و البصيرة و..و..الخ. فهل ينبغي إذن أن تكون أناملنا مجرد آلة تنقل للقارئ كل ما سجلته من أفكار دون أن تقدر للكلمات التي سجلتها أي نتيجة اجتماعية؟

      إننا في هذا العصر الذي طغت فيه الماديات و المصالح نبحث عمن يكتب بضمير، إن الكلمة ليست رسالة فحسب بقدر ما هي أمـــانة يجب توصيلها إلى القارئ كما هي، و القارئ كما يرى بن نبي غالبا ما يكون رجل الشعب لا رجل( النخبة) ، رجل يبحث عن شعلة تنير دربه و تحيي حضارته، الأمانة تستلزم الصدق في التعبير دون الخوف من سلطة خارجية، و دون إملاء من أحد، و لا يجب أن يوظف الكاتب قلمه لخدمة أغراض لا يؤمن بها و لا يعتقدها، و هذا يتطلب أن يكون الكاتب ذا ضمير يقظ و رأي حر، فمن يسخر فكره لخدمة اتجاه معين من أجل مصلحة ذاتية و مكسب مادي دون اقتناع أو وجه حق، انما يكون قد خان نفسه، فالأمانة تلقي على ظهر صاحبها مسؤولية كبيرة و أعباء جسيمة، فقد يتعرض صاحبها الى تضحيات كبيرة لكن هذا العبء الثقيل لن يمنع صاحب القلم أن يتصدى للباطل من أجل خير الإنسانية.

     يقول سيد قطب : " لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، و لم تصبح كائنا حيا دب على وجه الأرض في صورة بشر.. كذلك لا وجود لشخص في هذا المجال لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة و إخلاص". و يقول كذلك: "عندما نعيش لذواتنا فحسب ، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي و تنتهي بانتهاء عمرنا المحدود، أما عندما نعيش لغيرنا ، أي عندما نعيش لفكرة فان الحياة تبدو طويلة عميقة تبدأ من حيث بدأت الإنسانية و تمتـد بعد مفارقتنا للحياة أو لوجه الأرض

علجية عيش

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق