]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

سينما القضية الفلسطينية

بواسطة: Saida Seddika  |  بتاريخ: 2015-07-15 ، الوقت: 19:45:02
  • تقييم المقالة:

                               "فن مدهش يسهم في مسألة النضال"  عدنان كنفاني

بصدد التعريف الماهوي لدور السينما في خدمة القضية وفي الجواب الذي تضمنه السؤال للباحث بشار إبراهيم لماذا السينما يجيب، "بأننا في هذا الجزء من العالم المسمى عالماً ثالثاً فرضاً نسعى لبناء سينمانا الوطنية التي ينبغي لها أن تقوم بجملة أعباء سياسية واجتماعية وثقافية، وتعمل على تعزيز هويّتنا وخصوصياتها وفسح المجال أمام تعزيز حضورنا الإنساني والحضاري.." [1]

وفي إدراكه العميق لدور الإعلام عامة والمعتمد على الصورة خاصة لتبليغ المعلومة بشكل نافد وسريع ومضمون فإن الصورة تحتل مكانة أساسية للتواصل الحالي وهي أنجع من المقال المكتوب وهي أكثر إثارة لاهتمام الجماهير وأن المعلومة في عالم اليوم الذي بات يلتقط بالعين ثقافته ومتابعته للأحداث تصبح السينما أكثر ضرورة لطرح القضية.

يقول بشار "السينما غدت عاملاً تعليمياً تحريضياً في آن، يدفع نحو فهم أعمق لمسائل الحياة وإثارة الأسئلة والبحث عن الأجوبة، وهي أي السينما غدت من أكثر الوسائل تأثيراً، لا سيما أنها وظّفت مختلف صنوف الفنون في أدائها.."[2]

تطرح السينما المنصبة في الدفاع عن القضية الفلسطينية على طرح موضوع الأرض الذي شرد منها وهجر منها المواطن الفلسطيني فهي تبث الوعي بحق الشعب في الأرض والعودة الضرورية. "تسجيل الذاكرة والحفاظ عليها، ونحن نعلم أن التاريخ لن ينطفئ عندما تسجّله السينما، وتحفظه أشرطتها، وفي اليقين أن هذا هدف في غاية الأهميّة، وعلو المقصد، ربما يفوق الكثير من الشعارات والخطابات والعبارات الرنّانة.."[3]

سينما القضية الفلسطينية هي سينما مضادّة للسينما الصهيونية بطبيعة الحال، لأنها تدحض في بعض جوانبها الأطروحات والمزاعم الصهيونية، كما أنها في جوانب أخرى تؤكد على الحقوق الفلسطينية المشروعة بغض النظر عن مدى اقترابها من حقيقة جوهر الصراع العربي الصهيوني، أو الاكتفاء بملامسة الجوانب الإنسانية من معاناة الشعب الفلسطيني، سواء في وقوعه تحت الاحتلال، أو في تناثره المفجع في بلاد الشتات واللجوء والاغتراب بسبب ما حلّ به جرّاء النكبة عام 1948، ومن ثم النكسة عام 1967 إضافة إلى الاعتداءات الوحشية التي انصبّت حمماً من نار وموت ودمار على الفلسطينيين العزّل في المخيمات وأماكن اللجوء..[4]

اهتمت السينما الفلسطينية منذ بدايتها بالحدث، سواء بتسجيله أو التعليق عليه، وشرح اسبابه ومقدماته ونتائجه، كما اهتمت بالتعريف بالثورة ومواكبة فعالياتها، فمن دون شك إنه للسينما دورها الكبير إذ تستطيع أن تتناول بالصورة والتعليق الوقائع والاحداث لتجسدها أمام الجميع، وتستطيع عبر ذلك خلق حالة من التفاعل بين الواقع والنص السينمائي من جهةوجموع المشاهدين والتأثير في وعيهم وتعميق منجهه، وفلسطين سينمائياً هي حلم اليقظة الذي لايزال يراود مخيلة كل مهتم ويقض مضجعه كعذاب الضمير، وهي المستمرة منذ أكثر من قرن داخل حدود اللاوعي في العقل، وباتت الهاجس المقدس الذي ترجمه الفنانون عبر السنين شعراً وقصة ومسرحاً ورسماً ونحتاً وموسيقى هذه المأساة الكبرى وجدت أخيراً من يوصلها من دار الفن السابع إلى أصحابها المشاهدين، بعد انطفاء أو اختفاء دور فصائل الثورة والتنظيمات والاتحادات والهيئات والمؤسسات المعروفة في اطارها. من مخيم خان دنون، بل قل من المخيم الساكن بالقرب من دمشق الغارق في فطريته وعفويته منتظراً عودة جموعه إلى بلادهم فلسطين، بل قل من تلك الغرفة الطينية التي كانت تسمى عند "الطابور الخامس" المكتب الليلي، كانت تبدو أسئلة السينما الفلسطينية أكثر قلقاً وعمقاً، وتتكاثر هناك في منأى عن الإجابة وبعيداً عن النقاش، واذا تخرج بين وقت وآخر إلى دائرة الضوء، لا تمكث إلا قليلاً، ولكنها في القليل الذي تمكثه كانت تثير عند "بشار ابراهيم" شاراتها وقلقها وملاحظاتها المرتبكة، من هنا فإن غمس القلم في مثل هذا العطر لدراسة "ذاكرة السينما الفلسطينية" وتوثيقها أمر ذو مغزى هام سيلحظه القارئ في سياق الدراسات والبحوث والمحاضرات والندوات التي قدمها الباحث "بشار ابراهيم" والتي لو قدر لي أن أعطي إسماً لها مجتمعة، لقلت: ملحمة الشعب الفلسطيني في تجربة بشار إبراهيم النقدية في السينما الفلسطينية.[5]

إن رصد الجانب التاريخي للسينما الفلسطينية في البدايات الأولى للباحث…يعتبر من المهمات الضرورية لبناء سينما فلسطينية متقدمه، ومن هنا تأتي أهمية الدراسة الأولى (نظرة على السينما الفلسطينية) في محاولتها البحث عن الجذور عبر الطابع التوثيقي التي اتسمت به، والتي انطلق منها وتحرك فيها ليوضح للآخرين ما هي ابعاد السينما الفلسطينية ما هو واقعها، ما هي حقيقتها، ولماذا كانت على ما كانت علي؟ كل ذلك عبر عملية واعية واضحة الابعاد.

لقد كان نقده قاسياً وجريئاً، لكن ضرورته كانت تجعل منه ليناً ذلك أن السينما التي تريد أن تفرض نفسها على المستوى العالمي، عليها أن تنظر إلى الواقع القاسي وجهاً لوجه دون أية مواربة أو خداع نفسي لكن التطلع إلى الواقع كان يعني عند "إبراهيم" النقد الموضوعي وليس التجريح والرفض الذي يمارسه أولئك الذين لا هم لهم الا الانتقاص من تجارب الآخرين أو رفضها، وغالباً على غير علم ولا معرفة.

يذهب بشار إبراهيم في كتابه هذا إلى أبعد من ذلك في مشروعه فهو يثبت لنا أن أول فيلم سينمائي في فلسطين انجز عام 1935 وكانت مدته عشرين دقيقة وبكاميرا تدار باليد من خلال ذاكرة "إبراهيم حسن سرحان" الذين يعمل سمكرياً في مخيم شاتيلا…كان مصوراً ومخرجاً في سنوات شبابه (قبل النكبة 1948من ذلك السمكري تعرفنا على هذا الفيلم …عندما ذهب الملك سعود إلى فلسطين وأن ثاني شريط كان بعنوان "أحلام تحققت".

لا يقف ابراهيم في دراسته الثانية (السينما الفلسطينية في القرن العشرين)، عند حدود البحث عن المحاولات الأولى بل يتقدم باتجاه مناقشة انعكاسات الفعل السينمائي وتأثيره على عقلية المشاهد واستغلال الصهيونية للسينما من اجل تزييف الواقع وتشويه صورة المقاومه الفلسطينية مؤكداً على ضرورة ضبط المصطلح بين السينما الفلسطينية وسينما القضية الفلسطينية حيث يرى العديد من المهتمين والدارسين والنقاد بعدم وجود تمايز في حين يرى (إبراهيم) أن ثمة خلطاً في المفاهيم والمصطلحات فيما يتعلق بالسينما الفلسطينية، من ناحية تميزها عن سينما القضية الفلسطينية، ومنعاً للالتباس لا بد من حسم ما يدور من خلط أو تداخل فليس مصادفة إذاً أن يبدأ (إبراهيم) بعملية تحديد الفيلم الذي ينتمي الى السينما الفلسطينية.

وقد أمسك بهذه الحلقة الجوهرية منذ خطواته الأولى في مجال النقد السينمائي…معلناً: "طالما أن الجهة المنتجة أو المشاركة بالانتاج، هي فلسطينية الجنسية سواء كانت هذه الجهة مؤسساتية، شخصية جماعية أو فردية، سواء تم الإنتاج في الأراضي الفلسطينية المحتلة 1948 – 1967أو انجز في أي قطر من أقطار الوطن العربي، أو في أي بلد أوروبي وهو متعلق بالقضية الفلسطينية أو غير متعلق بها، فهو فيلم فلسطيني…اما سينما القضية الفلسطينية، هو مفهوم آخر ومصطلح أوسع وأكثر شمولاً إذ هو يتضمن الانتاجات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، ذات العلاقة المباشرة أو غير المباشرة أو ذات الدلالات والإسقاطات بصدد القضية الفلسطينية وجوهر الصراع العربي الصهيوني، وذلك بغض النظر عن الجهة المنتجة فجوهر سينما القضية هو تناولها، او تطرقها للشأن الفلسطيني، يعني أن سينما القضية الفلسطينية هي تيار سينمائي وليس انتساباً معيناً وخصوصية قانونية أو جنسية مجردة ولإدراك المسافة ما بين هذين النسقين يؤكد "إبراهيم" ثمة نقاط تواصل وتفاعل وتشابه في غالب الاحيان "ونحن ان كنا نمايز بينهما، فانما ذلك يتم على أساس الجهة المنتجة فجنسية السينما لا تتحدد بالمخرج ..بل بالمنتج أولاً وثالثاً.

باكتشاف أول سينمائي فلسطيني ابراهيم سرحان عام 1935 تم التأكيد أن فلسطين عرفت التصوير السينمائي منذ الأخوين (اوغست ولويس لوميتير)، اللذين ينسب اليهما اختراع السينما ففي العام 1896 قام عملاء للأخوين (اوغست ولويس لوميير) بتصوير لقطات سينمائية في القدس (محطة قطار في القدس). كما قام "توماس أديسون" بتصوير فيلم الرقص في القدس عام 1902دون أن ننسى الاشارات الواضحة عن العروض السينمائية في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين.

ونستطيع باستقصاء عددي لعدد الأفلام السينمائية الفلسطينية التي أنتجت حسب التسلسل الزمني أن نتابع إدراك أهميّة الاتكاء على تصوير وتأريخ مراحل النضال سينمائياً.. ففي الفترة 1935وحتى العام 1946 أي ما قبل نكبة 1948 أنتج ما لا يزيد عن سبعة أفلام.. ثم يهبط الإنتاج إلى الصفر حتى العام 1968 بعد أن: (حصل الكسر التاريخي في مسار الشعب الفلسطيني عام 1948 إذ هدم بنيانه السياسي والاجتماعي والاقتصادي واحتلّت أرضه، ورمي جزء منه في المنافي..

وقد استغرق الشعب الفلسطيني في الشتات أكثر من عشر سنوات ليلتقط أنفاسه ويبدأ ببناء حضوره.. ص29) ليأخذ طريقه صاعداً ويحقق 69 فيلماً سينمائياً في الستينات والسبعينات.. و 54 فيلماً في الثمانينات.. ليقفز الرقم إلى 103 أفلام في حقبة التسعينات، و43 فيلماً في العام 2000/2001 ليصبح مجموع ما أنتج من أفلام فلسطينية حتى طباعة الكتاب 2001 ما يقارب 276 فيلماً.
لا نستطيع أن نحمّل الإنتاج السينمائي الفلسطيني أكثر من طاقته ونحن أدرى بقساوة الظروف المحيطة سواء الاقتصادية منها أو السياسية أو التي تحت الاحتلال المباشر.. وأنه: (من المؤسف حقاً أنه رغم كل الإمكانيات المالية التي توفّرت بين أيدي قيادة منظمة التحرير الفلسطينية حينذاك لم توظّف أياً من ذلك في سياق إنتاج سينما فلسطينية حقيقية تدرك مهامها ودورها وحضورها وأثرها.. ص72) بل نستطيع ونحن بكامل الأهلية أن نثمّن تلك الجهود الخيّرة التي استطاعت أن تحقق رقماً يبدو في واقع الحال إعجازياً.. ولنا أن نوجّه الشكر للأشخاص والتنظيمات والحكومات التي ساهمت بشكل أو بآخر على إنجاح هذه التجارب التي وهي ترتقي عددياً عاماً بعد عام ترتقي نوعياً أيضاً من فهم أكثر ورؤيا أوضح لطبيعة الصراع، وهذا ما أشار إليه الأستاذ إبراهيم في أكثر من موقع في كتابه.

أهميّة هذا الكتاب لا تتوقف عند مسألة التأريخ والتوثيق للسينما الفلسطينية وأفلام القضية الفلسطينية، منذ العام 1935 وحتى العام 2001 ولا للرجالات الذين أنتجوا وأخرجوا وصوّروا هذه الأفلام فقط، ولكن في أسلوب الشرح الجميل والتحليل الدارس الذي أدرجه الأستاذ بشّار في كتابه لأكثر من مائة وعشرين فيلم سينمائي.. قصير أو طويل تسجيلي أو روائي من رؤياه هو وقد عرفناه متابعاً ودارساً بل ومتخصّصاً في مسألة السينما الفلسطينية، وأعرف أنه يجمع في مكتبته أشرطة أفلام فلسطينية نادرة تكاد تكون شاملة، وباحثاً متابعاً مجتهداً لكل ما يتعلّق في هذه المسألة.

يذهب بشار بأن السينما الفلسطينية حتى أواخر الثمانينات ومطلع التسعينات، في القرن العشرين نظرت إلى القضية الفلسطينية من جوانب محددة، فاتسمت مضامينها بالانفعالية والآنية، وملاحقة الأحداث العسكرية بشتى نتائجها وآثارها، منذ مبادرة روجرز، واحداث أيلول، حتى الاجتياح والحصار، والخروج من بيروت، والظروف الناشئة بعد اتفاقات أوسلو…واعتنت بالحدث وتسجيله والتعليق عليه..فكانت هذه السينما تحريضية ثورية. وإذا كانت كل سينما في مرحلة حرجة من مراحل تطورها، بحاجة إلى نقد يسبق الإبداع.

والملاحظ من خلال إلقاء نظرة بارونامية على ملامح السينما الفلسطينية الجديدة لاكتشاف الاختلاف الذي تتميز به عن السينما القديمة بابتعادها عن أسلوب الصراخ والعويل والخطب والشعارات والمواعظ السياسية. يلاحظ اختفاء صورة الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح واختفاء  صورة الفدائي السوبرمان في السينما الفلسطينية الجديدة وذلك راجع  إلى تطور الحساسية السينمائية لدى الكثير من المخرجين الفلسطينيين وإلى اعتماد الشاعرية في السيناريو وتطور الاقتراحات الإخراجية باقتراحات مشاهد بصرية مدهشة أحياناً مع توظيف الموسيقى والفن التشكيلي. وبذلك تراجع الحوار والتعليق لصالح الأساليب الإخراجية المتطورة والديالوج والمونولوج. استطاعت الصورة السينمائية أن تقارب الذاكرة وان تجعله فاعلا حتى لا ينسى مع تداول الزمن وقد فتح هذا البعد السينيمائي في مقاربة القضية أبواب للبحث في أسئلة محورية تخدم الإنسان الفلسطيني الذي يعيش النكبة منذ أكثر من ستين سنة ويطرح قضايا مثل الوجود والمصير الهوية والذاكرة ومقاربة الأنا في مواجهة الآخر.

ويبقى أن تطور العمل السينمائي الذي يخدم القضية الفلسطينية مرهون بكثافة وقوة النقد السينمائي الفلسطيني فقد مثل الضمانة الوحيدة لظهور سينما فلسطينية واعية ومسؤولة خصوصا إذا كان النقد يقدر أن يختزل التجربة الماضية ويحيكها ضمن الحاضر ويطورها فيصبح للتجرب السينمائية قوتها نظرا لحضور الذاكرة في الفعل السنيمائي وفي النقد السنمائي المواز له وذلك ذروة في العمق والنظر.

وفي العام 1982م، قدم المخرج العراقي الكبير قيس الزبيدي فيلمه الشهير "فلسطين سجل شعب"، مدته 110 دقائق، وفيه قراءة وتسجيل فريد من نوعه للقضية الفلسطينية تمتد منذ أوائل القرن العشرين حتى منتصف السبعينيات، منه اتكاء على وثائق بصرية نادرة، مأخوذة من أرشيفات عالمية، مسبوكة في سياق سيناريو بصري محكم الصنعة.

في هذا الفيلم ثمة كشف لأول مرة عن العديد من الصورة السينمائية لمدينة القدس، منذ مطلع القرن العشرين، والتي تبين أن القدس كانت مأهولة بأهلها من الفلسطينيين دائمًا، وبما يدحض ادعاء الصهاينة بأن "فلسطين أرض بلا شعب".

في صدد بناء تصور جديد للسينما في خدمة القضية يقدم المخرج ناظم الشريدي فيلمه "مسلسل صيف فلسطيني حار" عام 1988م، المكون من خمسة أجزاء تعالج مختلف القضايا والمشكلات التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني تحت الاحتلال.

فيتناول الجزء المعنون "ما بين الحلم والذاكرة"، حكاية عن عائلة من قرية "لفتا" على مدخل القدس، فقدت بيتها ومعظم أراضيها سنة 1948م، فأعادت تأسيس نفسها على ما تبقى لها من أراض على جبل الزيتون، حتى جاء احتلال 1967م، ليأتي على ما تبقى ويترك بيت العائلة معاصرًا بالمستوطنات الإسرائيلية.

في هذا الأمر نورد مقالة المخرجة الفلسطينية (مي مصري) في بيروت والتي قالت حينها: "الآن بإمكاني أن أدور العالم وأدعي صادقة أن هناك سينما فلسطينية لقد استطاع بشار إبراهيم أن يوسع من آفاق معارفنا ويغني تجربتنا النظرية التي وكلما اتسعت، كلما كانت التجربة العملية أصعب بل وأخصب عطاء وأوسع آفاقاً. لقد عرف بشار إبراهيم أن يرفع إسم بلادنا عالياً وأن يضعها في مصاف المدارس السينمائية. ذلك بعد أن عرف كيف يجرحها ويداويها، لقد انتصرت روحه الناقدة، والإرادة الطيبة البناءة لا بد لها من الانتصار ولا بد للتصميم الواعي من تحقيق رغباته ومحتواه الخير بشار ابراهيم الذي يعرف أهمية توثيق الذاكرة الفلسطينية يؤكد في كل ندوة أو محاضرة بأننا حراس حضارة، وتلك مسؤوليتنا ومهمة المبدعين فينا.

فقضية فلسطين ليست قضية اللحظة الحاضرة وتطوراتها وتداعياتها بل هي عمل الذاكرة الذي يلزم إحياؤه حتى لا تنسى الأجيال التي تتعاقب في الزمن عبر تداعي التاريخ والزمن. يلزم أن ترتبط بالماضي بعد أن محيت آثاره المكانية الجغرافية التي اغتصبها العدو ودمرت معالم حضارته وبنيت فوقها مستوطنات. وكانت بذلك إرادة المحتل أن يمحي  ذاكرة الإنسان الفلسطيني الذي أصبح يعيش في الملجأ في المخيمات أو في إحدى البلاد المجاورة مقتلعا من هويته وكينونته وترابه وشجره وسماءه وريح الأرض وكادت تنمحي من ذاكرته صورة الأرض والسماء والشجر والمعمار، كادت تختفي صورة بلدته وقريته ومدينته ومدرسته والساحة التي يلعب بها بل حتى اللعب انمحى من ذاكرته فهو مجاهد يحمل السلاح منذ الصغر. بتر الانتماء المكاني لدى الإنسان الفلسطيني الذي هجر منه بالقوة والسلاح والتآمر الدولي العالمي وتخاذل الحكام العرب وضعف فعل الذاكرة في تكوين شخصه. وهذا ما يلزم التركيز عليه في العمل الإبداعي في جميع مستوياته وفي الصورة يكون أقوى لأنها تركيبة من مكونات بصرية وسمعية فيكون فعلها أقوى في النفس في ذلك التوحد والتجمع الداخلي للصورة التي تبهر البصر وتثير المخيال. ودورها فعال وأساسي لأنها تقدر أن تربط الإنسان بمخزون الذاكرة وتعيد فعل الذاكرة التي تقوم بدورها عبر الصورة والمشهد والموسيقى واللحظة واللغة والكلمة فهي أقوى في التعبير ثم الشعر ثم القصة ثم المسرح وكل الأساليب التي تخدم القضية.

وفي رصد آخر للسينما الفلسطينية التي تخدم القضية نورد دراسة نقدية جد متميزة للناقد السينمائي بشار تحت عنوان "ثلاث علامات في السينما الفلسطينية" وهي تقارب التجارب المميزة لكل من المخرجين ميشيل خليفي ورشيد مشهراوي وإيليا سليمان، الذين قدموا خصوصية النضال الفلسطيني في أفلامهم وحصدوا جوائز سينمائية بارزة. ونرى كيف استطاعت السينما الفلسطينية أن تفرض نفسها وتتجاور الحواجز الخطرة للتواصل مع المشاهدين العرب والأجانب وتعبر عن  الحقائق المغيبة، وترصد الأحداث والصراعات الساخنة على الأرض بلغة فنية عالية، يمكن أن نكتشفها في أعمال عشرات السينمائيين الفلسطينيين من أجيال مختلفة ويمكن أن نكتشف فرادة هذه التجربة وقوتها في أعمال ثلاثة من أهم المخرجين الفلسطينيين بتنويعات مختلفة.[6]‏

 

 

 

 

 

[1]- بشار إبراهيم، السينما الفلسطينية في القرن العشرين، منشورات وزارة الثقافة السورية، ص، 9.

[2]- بشار إبراهيم، نفسه، 7/8.

[3]- بشار إبراهيم، نفس المرجع، ص، 57.

[4]- بشار إبراهيم، نفسه، ص، 14.

[5]- صالح موسى، ملحق ثقافي يوليوز 2005.

[6]- صالح موسى، ملحق ثقافي يوليوز 2005.

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق