]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التراث الفقهي وتجديد المنهج لدى الدكتور عبد المجيد الصغير

بواسطة: Saida Seddika  |  بتاريخ: 2015-07-15 ، الوقت: 19:39:57
  • تقييم المقالة:

1- إشكالية السلطة السياسية والسلطة المعرفية 

نقف هنا عند مقاربة الدكتور عبد المجيد الصغير في كتابه "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية.. قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة"، والذي يدور محوره حول العلاقة بين السلطة السياسية والسلطة المعرفية في الإسلام، والتداخل بينهما، ويفرق بين الممارسة السياسية للقوة وبين مفهوم السلطة، فالمعرفة في حد ذاتها قوة وسلطة مؤثرة ومنافسة لسلطة رجل السياسة، في حين أن السياسة تدبير، والقوة عكس التدبير، وتستوجب العنف.

فنحن هنا أمام معالجة فلسفية لموضوعات شرعية اعتاد الفقهاء أن يقدموها بشكل تعليمي مدرسي حريص على الوصف التاريخي عمي في كثير من جوانبه عن طرح الإشكالات ويعتمد أحدث المناهج الفلسفية الإبستمولوجية لإثارة الإشكالات بل والشكوك، وهو من هذه الجهة، مع صدقه ونزاهته العلمية، يمكن أن يشكل محركا للباحثين لإعادة النظر في كثير من قضايا تراثهم وبخاصة التراث الفقهي، التراث الأصيل لهذه الأمة.

يفتتح الكاتب حديثه عن طموح الفيلسوف العالم نحو امتلاك السلطة دون رجل السياسة باعتباره صاحب المعرفة العلمية. وعلى هذا الأساس تأتي صورة رجل العلم والقلم مضادة لصورة رجل السيف؛ فالأول ينقد اختيارات الثاني، والثاني يحاول شراء ذمة الأول فيما يعرف بـفقهاء السلاطين كوسائل لتجميل مجالس الملك.

ويؤكد الدكتور عبد المجيد الصغير على أن إشكالية السلطة والمعرفة في الإسلام تزداد وضوحًا في الفترات الحرجة، وهي فترات الفتن التي تتضح عبرها مسئولية رجل العلم في الفهم والفتوى والبيان وعملية الإنقاذ من هذا التراجع والانحلال. وقتها يصبح العالِم، كما يطلق عليه ابن القيم، حكمًا على الخلائق، ومكلفًا بمسئولية التوقيع عن رب العالمين.[1]

لكن العكس هو الحاصل بحسب رأي المؤلف، فهو يحيلنا إلى ما اصطلح عليه باسم فقهاء العصر أو مفتي العصر، وهم نوع من رجال العلم أصبحت جل أعمالهم منحسرة في مجرد كيفية أداء العبادات والمعاملات واستصدار الفتاوى الغريبة. من ناحية أخرى يشرح الكتاب كيف اضطلع علم أصول الفقه بالتحديد - كأخطر علوم الإسلام فيما يعتبره المؤلف - بإشكالية السلطة والشرعية بين رجلي العلم والسياسة. ويدعو خلال استعراضه للأعمال التقويمية للفكر الأصولي إلى إعادة النظر في هذا العلم منذ مراحل النشأة الأولى وضرورة ربطه بالعوامل المجتمعية والفكرية والسياسية المحيطة به.

يوضح المؤلف أبعاد الصراع بين رجل العلم ورجل السياسة على إثبات الشرعية. حتى المتصوفة الذين نظن فيهم الزهد، يسعون نحو امتلاك سلطة تنازع سلطة الفقيه أو العالم. وهذا الأخير مشكلته أنه لا يستطيع اتخاذ موقف الحياد من السلطة حتى لو رغب في ذلك، فهو مطالب دائمًا بتحديد ولائه من السلطة.[2]

بخصوص موقف التراث الفقهي والفكر الأصولي من هذا الصراع، يشرح الأستاذ الصغير أن دراسات الباحثين الغربيين والمستشرقين في هذا المجال لم تستطع تقويم الفكر الأصولي تقويمًا شاملًا يزاوج بين التنظيرات والمواقف العملية. وذلك راجع، في نظر المؤلف، إلى قصور المناهج التي ورثها الاستشراق عن القرن التاسع عشر، وقيامها على أيديولوجية غزو الشرق المريض، فيما آمن بعض المستشرقين بعدم ارتباط الإسلام بأي نظام سياسي من الأساس! وفريق ثالث قطع بـعقم علم الأصول منذ لحظة تأسيسه مع الإمام الشافعي.

وفي مؤلفه "الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام" يطرح الدكتور الصغير العلاقة المتوترة التي جمعت السلطة العلمية بالسلطة السياسية عبر التاريخ الإسلامي ليربط نشأة علم الأصول ثم علم المقاصد بالإرادتين إرادة المعرفة ولكن أيضا إرادة سياسية أو إرادة ذات مقاصد إديلوجية قبل أن يغوص بنا إلى عمق أعمال جليلة هي عمل الشافعي في "الرسالة" وعمل الجويني الموسوم بـ"غيات الأمم والتياث الظلم" ثم عمل الشاطبي "الموافقات" وقبل أن يربط عمل الشاطبي "الاعتصام" بالمقاصد. ونظرا لعمق الدراسة التي قام بها الأستاذ الصغير لكتاب الجويني "الغياثي" والجدة التي ميزت مقاربته فقد تميز بعمق طرحه وجدته بحيث اعتبر فيه الجويني شيخ أهل المقاصد بدون منازع.[3]

يدافع عن رؤية منهجية لا ترى فصلا بين تاريخ العلم وتاريخ السياسة في الإسلام لأن الوعي بتاريخ أصول الفقه ظل غائبا. وانتهاج الأستاذ الصغير لمنهج إبستمولوجي لمقاربة مادة أصولية فقهية بقيت حكرا في التاريخ الفكري الإسلامي على المشتغلين بالأصول والفقه أعطى بعدا عميقا للمنهجية الإبستمعية المعرفية الفلسفية الممارسة في نصوص كان يتعامل معها بمنطق تقليدي كلاسيكي لا يتجاوز مستوى تخريج الأحكام وإعمال القياس في المسائل العبادية والمجتمعية المحدودة في الزمن. وحضور منهجيته الإبستمية تظهر من خلال استعماله لمفاهيم مأخوذة من الحقل الابستملوجي من مثل "إعادة التأسيس" "العوائق"، القيمة المعرفية والعلمية والتطبيقية، والمنهجية.

فنجد البحث مثلا عن قيمة مفهوم المباح، والبحث عن القيمة المعرفية للإستقراء، وكذا عن القيمة المعرفية والعلمية للمآلات في الخطاب الشرعي، وكذا الحديث عن قيمة السلطة المعرفية لرجل العلم في الإسلام، ومفهوم "الرؤية التأسيسية" البادية على مشروع المقاصد عند الشاطبي.

يبدو توظيف المنهج الابستمولوجي في أجلى صوره عند توصيف نشأة علم المقاصد والحديث عنها خاصة مع الشاطبي، لقد وصل الخطاب الفقهي إلى نوع من أزمة الأسس فلم يعد الخطاب الفقهي في بعده الفروعي والأصولي قادرا على الاستجابة لظروف العصر المستجدة فظهر علم القاصد لتوحيد السلطة العلمية إنقاذا للوضع المتردي الذي أصاب المجتمع، فما هي مبادئ هذا العلم وأسسه من القواعد والأصول الكلية، ومفاهيمه وافتراضاته؟ إن الشاطبي أعاد تأسيس مشكلة المصالح ذاتها، إذ أصبح الناس يتهافتون على جلب المصالح دون ضابط شرعي وعقلي، كما أعاد تأسيس مشكلة الطاعة والأمر والأحكام بإعادة طرح مشكلة التكليف من الأساس لأن المنهجية الأصولية القديمة أصبحت عاجزة عن أن توصل إلى "التعريف بأسرار التكليف".[4]

كما أن من شروط تأسيس القول في المقاصد انتهاج الاستقراء واعتماد الاستقراء والمبادئ العقلية المحصورة والمضبوطة لإضفاء طابع القطع على أصول وقواعد الشريعة وهو ما أغفله الفقهاء حيث أغفلوا استقراء أدلة الشريعة التفصيلية فغفلوا بذلك عن "روح المسالة" بتعبير الشاطبي وعن "نفس الشرع" بتعبير العز بن عبد السلام. كما يبحث الابستمولوجي عن عوائق المعرفة العلمية وهي هنا الاعتناء الزائد بالمسائل، وكذا الإسقاطات ذات المصدر الباطني الإسماعيلي، وكذا التعصب المذهبي، والبدعة كعائق معرفي وعملي في ذات الوقت، وغير ذلك من العوائق التي يحرص الأستاذ الصغير على تصيدها لإبراز كيف شكل تجاوزها تأسيسا لعلم جديد.[5]

فقد كان المقصد الأكبر للشاطبي هو إعادة تأسيس صرح الشريعة، وكان يكتب بهاجس التأسيس لأرضية الاتفاق والتوفيق. سمح بالمقاربة الإبستمولوجية اعتقاد الباحث أن الجويني والشاطبي قاما معا بتأسيس علم جديد تجاوز المعرفة العلمية السابقة وهو علم المقاصد وأن هذا العلم قام على أسس جديدة وعلى إعادة تأسيس مفاهيم تأسيسا جديدا، وتحررا من عوائق وحققا ضربا من القطيعة.

فكتاب "الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام" الذي يجلي هموم السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، هو قراءة للتاريخ الإسلامي من جهة نظر ثقافية وقراءة للثقافة الإسلامية في بعدها الفقهي من جهة نظر سياسية. وهو فضلا عن ذلك موسوعة في أدب الفقه السياسي، حيث يرصد في جزء كبير منه تطور الممارسة السياسة في الإسلام من خلال أدبيات الفقه السياسي وانعكاس ذلك على الخطاب الفقهي، وكان الأستاذ مهموما بالبحث عن الهم الاجتماعي والتاريخي في أعمال الفقهاء الأصولية والمقاصدية، وقد تمخض همه هذا عن إعادة الاعتبار في الفكر الفقهي المغربي إلى أعمال فقهية متميزة لم ينبه عليها من قبل من مثل كتاب "الغياثي" الذي فصل القول فيه كثيرا حتى إنه ليخيل إلينا أن مشروع الجويني هو مشروع معاصر لنا.[6]

لا يندرج المؤلف ضمن تاريخ التشريع الذي "احتكر" لوحده الحديث عن المسار الفقهي والتشريعي من النشأة إلى الحاضر، والمؤلف نفسه يعلن تميزه عن هذا التاريخ الذي كتبه من الأقدمين ابن خلدون الذي اقتصر في إبراز تاريخية علم الكلام ولم ير في مبحث الدلالات سوى مجرد رغبة في "إصلاح ملكة اللسان"، في حين أن المقصود الأكبر لدى الفقيه الأصولي في نظر الصغير هو تقييد السلطان لا تقييد اللسان، ومن المحدثين مصطفى عبد الرزاق والحجوي ومن المعاصرين الخضري، فالأستاذ الصغير واع بأن منهجه في التأريخ لعلم الأصول هو منهج يختلف عن منهج من سبقه من الأقدمين ، "وعوض التساؤل التقليدي كيف تطورت فكرة الأصول ونشأ منطق التشريع حتى وقت نضجه مع الشافعي"

التساؤل عن دلالة ومقاصد الخطاب الأصولي خاصة في صورته التأسيسية عند الشافعي.."إن الأمر لا يتعلق بوصف أو توصيف وإنما بقراءة، أي بإثارة تساؤلات حول دلالات النشأة الأصولية". ويجد الصغير في تاريخ الفلسفة ما يضيء له بعضا من هذه النشأة؛ فهذا أفلاطون الذي ما أن أعلن طلاقه للعمل السياسي حتى عاد يكتب في صلب السياسة راغبا في تقنينها والتنظير لمفاهيمها من خلال خطاب جديد كان هو الخطاب الفلسفي، كذلك صنع الشافعي الذي قام بإعادة التأسيس للمفاهيم الشرعية بذاكرة محفورة بتاريخ محن قريبة العهد به بل مسه أحيانا من لهيب السلطة حرها القوي.

لقد خشي الشافعي أمام تدهور العلاقة بين القرآن والسلطان أن يمتد طموح السلطة السياسية إلى الكتاب للاستئثار بتأويله وتوظيفه فقرر إنقاذا للوضع ضرورة إعادة تأصيل المفاهيم الشرعية وتوحيدها وتقنين وتحديد فهم مقاصدها، فدور الفقيه بهذه الجهة من النظر ليس ممارسة السلطة السياسية وإنما تقنينها والتنظير لها. واستلهام الأستاذ الصغير بتمييز أفلاطون بين الفيلسوف الأصيل والفيلسوف الزائف ليمز به بين صنفين من الفقهاء، لمن الدلالات الكبرى على حرص الرجل على جعل كتابه ضمن تاريخ الفلسفة والتفكير في إشكالات المجتمع الإسلامي الاجتماعية والسياسية والمعرفية بخلفية فلسفية.

كذلك يجد الصغير نسبا بين ما صنعه الشافعي وما صنعه أرسطو غير النسب الذي وجده الرازي؛ فإذا كان الرازي قد جعل أصول الشافعي في منزلة منطق أرسطو فإن الصغير نظر إلى العلاقة من جهة أخرى، فإذا كان المعلم الأول اعتزل الناس فاستخرج من عزلته علم المنطق فإن الشافعي اعتزل الناس أيضا لكن ليستخرج علم الأصول.

 إن الشافعي لا يقدم وصفا تقليديا لقضايا أصول الفقه، إنه يوظف المفاهيم الأصولية لخدمة أطروحته المنافحة عن تفسير المعرفي بالسياسي. فمشكلة الطاعة هاجس أساسي في رسالة الشافعي، إذ لا يمكن حسب الأستاذ الصغير، إعطاء معاني الاستدلال والقياس والاجتهاد دلالاتها وأبعادها المشروعة إلا بالنظر إلى رفض التفويض المطلق في ممارسة سلطة الأمر والإيجاب. فالقصد المهيمن على رسالة الشافعي يستفاد من خلال الجواب عن السؤال الأساس :"لمن تكون الطاعة؟".

فالمفاهيم الأصوليه من مثل الاستحسان والرأي والأمر والمعروف وغيرها من المفاهيم تم النظر إليها من زاوية معرفية ولم يتم الانتباه إلى مستلزماتها السياسية.

الأستاذ الصغير وهو يقدم لنا في تحليل رائع عمل الجويني في "الغياثي" يكاد يقدم لنا هذا الفقيه في إهاب فيلسوف لأننا نجد العقل الفقهي عند الجويني يشتغل على ثلاثة مستويات :مستوى التخييل ومستوى التنظير ومستوى الاستنباط، وفي ذلك تحرير للعقل الفقهي وفتح لآفاق له. فعلى مستوى التخيل يقول الجويني : "إني تخيلت انحلال الشريعة.." فيقدم الجويني افتراضات غريبة أهمها الافتراض الكبير عن حتمية انحلال الزمان وتراجعه وافتقاد المرجعية الشرعية فيه وافتراض خلو الزمان عن أصول الشريعة بل وعن مقاصدها، فالجويني يفترض الأسوأ مستقبلا لكن ينظر لطرائق في التعامل مع هذا الواقع الأسوأ، ويشتغل على النصوص وعلى النظر في الحال والمآل ليستنبط ما يراه صالحا من قواعد تضيء "ليل المعرفة".

أما على مستوى التنظير فنحن بإزاء تصور شامل محكم لما ينبغي أن يصنع عند خلو الزمان من المجتهد بل ومن الشريعة أصلا، أما على مستوى الاستنباط، فنحن أمام طرائق غنية في استخراج الأحكام من النص والواقع تدل على براعة عقلية الجويني. كما وظف الأستاذ الصغير المنهج الجدلي في تحليله، ويكفي للتدليل على ذلك كثرة توظيفه لمفهوم "العلاقة الجدلية" لإبراز التفاعلات والتوترات سواء بين المفاهيم ذاتها أو بين الوقائع الاجتماعية أو بين المفاهيم والوقائع الاجتماعية.

بل إنه في مرة واحدة وظف مفهوم التحول من الكم إلى الكيف لإبراز خصوصية الشروط الموضوعية التي تساهم في تحويل التراكم المعرفي إلى تغير كمي، كما يفكر الأستاذ الصغير في موضوعه بخلفية العلوم الإنسانية المعاصرة، فوظف علم اجتماع المعرفة في قراءته لنشأة علم الأصول، فسبب هذه النشأة عنده ترجع إلى إنقاذ النص المؤسس للشرعية في الإسلام من محاولات التوظيف التي ظهرت باسم المصلحة.

كما وظف كثيرا من المفاهيم السيكلوجية التي تنتمي إلى التحليل النفسي من مثل مفهوم اللاشعور والمكبوت السياسي.

فطرح مفهوم "إشكالية السلطة العلمية"، واختيار مفهوم "الإشكالية" ينم عن الطابع المفارق لعمل الأستاذ الصغير. فنحن لسنا هنا أمام عرض مدرسي للمعطيات والمعلومات وإنما نحن أمام إرادة تروم إبراز مفارقات، هذه المفارقات مرتبطة بمفهوم السلطة، لكن ليس السلطة السياسية بل السلطة العلمية بالمعنى المعاصر الذي اختاره الصغير كما يقول "للتنبيه إلى تلك المنزلة التي احتلها "رجال العلم" في مجتمع الإسلام وما تولد عن تلك المنزلة من "نفوذ" معنوي بين جماهيره". يذر قرن الإشكالية وتتولد عند إرادة رجل العلم "القيام بدور المشرع للدولة مع كونه لا يشارك عمليا في تسيير وتدبير شؤون الدولة".

فما يطرحه الأستاذ الصغير عبر أطروحته الصدامية، هو الوقوف عند ما أسماه ب"الزائفة" ويعني المغالاة في الفصل بين "العلمي" و"السياسي" في تاريخ الفكر الإسلامي، ومن هنا فقد حاد عن ذلك النهج الزائف وعمد إلى الربط بين الفكر الإسلامي وأبعاده السياسية معتمدا المنهجية التاريخية والابستمولوجية لدراسة نشأة العلم ومنطق العلم.

وبذلك يوظف منهجيته النسبية على الفكر الإسلامي في بعده الكلامي وفي بعده الأصولي والمقاصدي، وتجاوز القداسة ورفعها عن الأشخاص والأفكار وجعل كل شيء محل مراجعة ومساءلة. ونلمس هذا الامر من مقدمة الكتاب وصنيعه  مع علم الكلام، فالفقهاء، في تقديره، لم يفهموا الأبعاد السياسية الواضحة التي أطرت المواقف الكلامية وأعطتها معانيها الأولى ومن هنا فهو يموضع علم الكلام كفكر أنتجته الفتن التي توالت على المؤسسة السياسية للخلافة لا كترف فكري كما يذهب إلى ذلك ولكنه" كلام في السياسة وفي الكبائر السياسية خاصة."[7]

وموضع الأستاذ الصغير "الرسالة" للشافعي من منطلقه عدم المغالاة الفصل بين العلمي والسياسي في علوم الأصول والفقه، واعتبر "الرسالة" للشافعي بيانا يمس الموضوع الرئيس للسياسة السلطانية : موضوع الأمر والطاعة والشرعية، مؤكدا أن معجم "الرسالة" عبارة عن قاموس في المصطلحات السياسية وأن علم أصول الفقه يعكس في لحظة الميلاد والتأسيس الهموم الأخلاقية والسياسية التي كانت موضوع تجربة "رجل العلم" مع المؤسسة السياسية للحكم العاض والجبري.

ومن هنا فالعمل العلمي للشافعي المتمثل في ضوابط الجمع بين المختلفات من خلال أصول الفقه لا يخفي المقاصد الأساسية : ضبط وتقنين كل عمل وضمنه العمل السياسي. فسر اهتمام الشافعي بضبط صور بيان النص وطرق استنباط معانيه والفقه فيها هو تقنين المواقف العملية وتنظيمها، هذا التقنين يتم في ضوء النص الذي يجب ضبط بيانه ومعانيه ودلالاته اللغوية وإنقاذها من كل عبث من يريد توظيفها ذاتيا باسم الاستحسان أو المصلحة. وعندما سيصبح علم أصول الفقه قاصرا عن الوفاء بالغرض سيظهر علم المقاصد لتوحيد السلطة العلمية إنقاذا للوضع المتردي الذي أصاب المجتمع. وفي هذا الباب عمد إلى ربط مفهوم مقاصد الشريعة بالمشكل السياسي والاجتماعي وبخاصة من خلال وقوفه الجاد وتحليله القيم لكتاب الجويني الموسوم بـ"الغياثي" والذي أبرز فيه ضرورة الربط بين المقاصد الشرعية الكلية "اليقينية" وبين كل محاولة للخروج من هوة الانحدار. وهناك بين كيف أن مشروع الموافقات يحركه هاجس وحدة الأمة ونفي التدابر والتباغض والاختلاف، بمعنى أنه يحركه هاجس سياسي واجتماعي أكثر منه تأصيلي وفقهي.

فهو في مقاربته للسلطة العلمية والتجربة السياسية في الإسلام يبرز تفاعل رجل العلم في الإسلام مع محيطه المجتمعي والسياسي إيجابا وسلبا، وقام بتحليل الخطاب السلطاني كما تمثل في دولة الواقع التاريخي، نتيجة هذا الفصل الوقوف على مبلغ وعي رجل السلطة بالاختلاف بين دعوة القرآن ودعوة السلطان وإصراره على الاستئثار بالنهي والأمر. كمأ وقف فيه على بعض المبررات التي قادت الفقيه ورجل العلم في الإسلام إلى إثبات شرعية سلطته المعرفية، وأبرز أبعاد مشكلة التوظيف السياسي للدين من طرف رجل السلطة. وبين كيفية "الانحطاط وإشكالية القول بـ"علم" مقاصد الشريعة باسطا القول حول معالم ضغوط التكيف وضروراته التاريخية.

ويذهب الأستاذ في مقاربته للمقاصد كممارسة تحليليلية مفاهيمية فهي تستنبط من الخطاب الشرعي وتستقرأ من جزئياته بل تستنبط مقاصد من ظروف الحياة المعيشة ومن جزئيات عاداتها المستقرأة. ويبني مقاربته المفاهيمية في مقاربته لعلوم الأصول من منظور فلسفي في تحليل المفاهيم متجاوزا التشويش الفقهي وما أسماه ب"الالتباس المعرفي" الذي يلحق بكثير من المفاهيم، إرادة منه الوضوح في جميع مستويات التحليل والمقاربة عبر ثنايا الكتاب.

ويظهر الأمر واضحا في مقاربته  لمشروع الشاطبي الذي وظف فيه التصحيح الفقهي  الممرر عبر التصحيح المفاهيمي، وقد قام بتصحيح مفهومي الطاعة والإجماع لدفع كل محاولة لتوظيف واستغلال سلطوي لمثل هذه المفاهيم. وقد عمل الأستاذ على تخليص المفاهيم من التشويش الصوفي والسلفي بضبطه المفاهيمي لمفهوم "الإجماع". ويمر هذا الوضوح المفاهيمي بإثارة الإشكالات داخل المفاهيم نفسها كما صنع الأستاذ مع مفهوم التكليف. ولما كان مفهوم المصالح والمقاصد المحور الذي يدور حوله مشروع الشاطبي كله فقد حرص الأستاذ على الاشتغال فلسفيا على مفهوم المصالح بحقله الدلالي الكبير المتكون من الاستحسان وفتح الذرائع وسدها ومراعاة العرف، وغير ذلك من المفاهيم لتوضيحها وإبراز مستوياتها وقيمتها وإيضاحها وإزالة اللبس عنها.

التوضيح المفاهيمي ليس مقصودا في ذاته، فضبط المصطلحات وتوضيح المفاهيم الأصولية القصد منه ضبط فهم "النص" ومحاولة تفويت الفرصة على كل من يريد "اديلوجيا" تأويله ليشهد لصالح اختياراته ومواقفه العملية. فربط الأستاذ بين المستوى النظري والعملي البراكماتي للمفاهيم الأصولية دفعه للتجديد والاجتهاد في المنظور السائد لدى مؤرخي التشريع مباحث في علم الأصول. ففي وقوفه عند المفاهيم الأصولية ومضامينها ركز الأستاذ الصغير على البعد المعرفي ولم ينتبه إلى مستلزماتها العملية والسياسية.

 وأبرز ان علم الأصول يعكس منذ لحظة الميلاد والتأسيس الهموم الأخلاقية والسياسية التي كانت موضوع تجربة "رجل العلم" مع دولة ما أسمي بالخلافة.
وهنا يسير المؤلف على ما سار عليه ابن خلدون من التفريق بين نظام الخلافة والممارسة السياسية في عهد النبوة والخلفاء الراشدين وبين بداية تشكل الدولة الأموية التي قامت على العصبية.

لكنه يعتبر أن مراسم الخلافة التي استمرت حتى الجزء الأول من قيام الدولة العباسية، تراجعت عما كان يعمل به في دولة الخلافة الراشدة المبكرة، التي كان لسلطان القلم والكتاب فيها نفوذ عن سلطان العصبية والسيف. وينتهي المؤلف إلى وصف التجربة السياسية التي نمت في ظل ما يسمى بدولة الخلافة أو إمارات التغلب بتجربة دولة سلطانية مستأثرة، حتى صار الخلفاء في ذلك الوقت أشبه بالسلاطين، يعتقدون بأنهم يؤسسون لـملك طبيعي، وصار السلطان يساوي نفسه بالإله، يشاركه في أكبر تجليات نفوذه وهي الطاعة والخضوع.[8]

وينبه المؤلف كيفية استغلال السلطان ليمارس عبر التاريخ الإسلامي التسلط والبطش باسم الدين، كأن تتعرض النصوص الدينية إلى الاستغلال والتوظيف والإسقاط والتلاعب والشحن بدلالات سياسية محدودة الأهداف. وحينها تتقابل مفاهيم مثل الحكم والفصل مع مفهوم الجبروت، ويتم تحميل مصطلحات دينية بحتة كالهدي والصراط بدلالات سياسية سافرة. ويحدث نفس الشيء مع المفاهيم الأصولية، التي تقع ضحية لتأويلات التوظيف السياسي لأفعال الطاعة والبيعة والإجماع. وهي نفسها المفاهيم المسؤولة عن صورة رجل السلطة المنطبعة في المخيلة العربية والإسلامية، والتي جعلته مرادفًا لمعاني الاختلاف والغرابة وعدم المس والعصمة والقداسة.[9]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] - محمد بركة، تقديم لمؤلف الدكتور عبد المجيد الصغير "المعرفة والسلكة في التجربة الإسلامية..قراءة في نشأة علم أصول ومقاصد الشريعة"، نوافذ، 14/10/2010.

 

[2] - محمد بركة، تقديم لمؤلف الدكتور عبد المجيد الصغير "المعرفة والسلكة في التجربة الإسلامية..قراءة في نشأة علم أصول ومقاصد الشريعة"، نوافذ، 14/10/2010.

 

[3] - نقلا عن إبراهيم عبد الله قراءة في كتاب : "الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام" للدكتور عبد المجيد الصغير، 13/9/2008.

[4] - نقلا عن إبراهيم عبد الله قراءة في كتاب : "الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام" للدكتور عبد المجيد الصغير، 13/9/2008.

 

[5] - نقلا عن إبراهيم عبد الله قراءة في كتاب : "الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام" للدكتور عبد المجيد الصغير، 13/9/2008.

 

[6] - نقلا عن إبراهيم عبد الله قراءة في كتاب : "الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام" للدكتور عبد المجيد الصغير، 13/9/2008.

 

 

[7] - الدكتور عبد المجيد الصغير، ص،44.

[8] - محمد بركة، تقديم لمؤلف الدكتور عبد المجيد الصغير "المعرفة والسلكة في التجربة الإسلامية..قراءة في نشأة علم أصول ومقاصد الشريعة"، نوافذ، 14/10/2010.

 

[9] - محمد بركة، تقديم لمؤلف الدكتور عبد المجيد الصغير "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية..قراءة في نشأة علم أصول ومقاصد الشريعة"، نوافذ، 14/10/2010.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق