]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حدود بلا حدود

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-07-05 ، الوقت: 13:19:29
  • تقييم المقالة:

حدود بلا حدود

 

محمد الحداد /العراق

قبل أيام كنتُ أقلبُ ببصري مجموعة من الصور الجميلة التي كانت تمثلُ حدوداً رمزية جداً بين بعض الدول الأوربيةوالتي لا تتعدى كونها مجردَ علاماتٍ بسيطة تشيرُ إلى انتهاءِ إدارةِ دولةٍ ما وابتداءها لدولةٍ مجاورة..كانت الصورُدليلاً عملياً واضحاً عمّا يعدّهُ الجغرافيون أفضلَ أشكال الحدود السياسية في العالم بسبب ندرة المشاكل الحدوديةالتي تحدث فيها..

الصورة الأولى التي لفتتني كانت تمثلُ حدودَ ثلاثِ دولٍ دفعة واحدة هي ألمانيا وبلجيكا وهولندا تلتقي في نقطةٍ مشتركة واحدة تمثلها شجرة جميلة..شجرة فحسب..

تصوروا ألمانيا الهتلرية التي كادتْ في يومٍ ما أن تلتهمَ العالم كلهُ تتقاسمُ اليوم حدودها بسلامٍ تام مع النمسا والتشيك وملتقى هذه الدول الثلاث ليس أكثر من شجرة !

في أوربا على وجهِ الخصوص ثمة نماذج أخرى مشابهة لهذهِ الحالة الفريدة تملكتني الدهشة حقاً وأنا أوالي مشاهدتها في تلك المجموعة الرائعة من الصور التي كانت السمة المشتركة البارزة فيها أنَّ الحدودَ الفاصلة بين دولتين تكون غائبة تماماً ولا تكادُ تشعرُ بوجودها لولا خطوط مستقيمة بسيطة مرسومة على أسفلتِ شارعٍ أو بلاطاتِ رصيفٍ مُزينة بألوانٍ جذابة ليميّزها كلُّ مَن يمرُّ من أمامها..

ثمة صورة أخرى مُلفتة جداً كانت تظهِرُ دولتين تشتركان في شارعٍ رئيسيٍّ واحد لمرور السيارات يمثلُ حدوداً تفصلُ فرنسا عن سويسرا ولا تكادُ تميّز ذلك إلا من خلال طريقة تعبيد كلّ دولةٍ لحصتها من ذلك الشارع فعند نهاية الحدود الفرنسية تتغيرُ طريقة تعبيد الأسفلت بشكلٍ مقصود لتنبيهِ المارّة على بداية الحدود السويسرية..لكن أكثر هذه الحالات غرابة كانت بين الحدود البلجيكية الهولندية والتي عبّرتْ عنها أكثر من صورة..في الأولى : كانت الخطوط الحدودية الدولية تشطرُ مقهى واحداً إلى نصفين ينتسبُ نصفهُ الأيمن إلى بلجيكا ونصفهُ الأيسر إلى هولندا..وتمرُّ نفس هذه الخطوط في صورةٍ ثانية من منتصفِ سوقٍ ضيقٍ يمينهُ لبلجيكا ويسارهُ لهولندا..

أما الصورة الثالثة للحدود البلجيكية الهولندية فكانت من أغرب الصور على الإطلاق لأنها توضحُ منزلاً جميلاً يتبعُ البلدين معاً في وقتٍ واحد وتبدو الخطوط الحدودية الدولية في الصورة بشكلٍ واضحٍ وهي تدخلُ ذلك المنزل من منتصفهِ تماماً..الغريب أنَّ هذا المنزل لهُ جرسان..جرسٌ بلجيكي وآخر هولندي ولهُ رقمان أيضاًفهو يحمل الرقم 2 في الجانب البلجيكي والرقم 19 في الجانب الهولندي ويقولُ مالكُ المنزل أنهُ يسددُ فاتورتي كهرباء لتلكما الدولتين معاً وكلُّ دولةٍ مُلزمة بإضاءةِ نصف منزلهِ وهو ملزمٌ إزاءَ ذلك بدفعِ ضرائبَ متعددة لكلا الدولتين أيضاً..وأظن أنَّ هذا المنزل البلجيكي الهولندي هو المنزل الوحيد في العالم الذي تقدمُ لهُ دولتان خدماتهما في وقتٍ واحد إذا استثنينا طبعاً المنزل المهجور للمواطن عبد الودود "دريد لحام" في فيلم الحدود الذي شيّدهُ في المنتصفِ تماماً بين حدود شرقستان وغربستان مع الفارق الكارثي بين الحالتين لأن أياً من تلكما الدولتين الوهميتين لم تمنحاهُ وهو "الميّت الحي" هوية يثبتُ بها وجودهُ كمواطن بعد ضياعِ جواز سفرهِ بين حدوديهما بل إنهُ لم يفلح حتى في الحصولِ منهما على تصريحٍ بالعبور من أو إلى إيٍّ من الدولتين فبقيَ عالقاً هناك واضطرَّ أن يظلَّ حبيسَ ذلك المنزل المهجور.

السؤال الذي تبادرَ تلقائياً إلى ذهنيوأنا أقلبُ بعيني كلّ تلك الصورالمدهشة هو كيف تمكن هذا الغرب الذي مزقتهُ حربان عالميتان طاحنتانراحَ ضحيتهما مئات الملايين من البشرأن يصحوَ فجأة من كابوسِ الموت الذي تلبّسهُ عقوداً طويلة ويجنحَ نحو السلام والتعايش مع أعداءٍ تقاسمَ معهم تفاصيلَ الموت لسنواتٍ طويلة؟ كيف تمكنتْ تلك الدول الأوربية التي فرّقتها الحروبُ وطغتْ على شعوبها لغة الكراهيةِ والعنف أن تضعَ التاريخَ وراءَ ظهورها وتولي اهتماماً أكبر بالجغرافيا وتبدأ عصراً جديداً تتصالحُ فيهِ مع واقعٍ مختلف تماماً فرضَ تفاصيلهُ بعد أن وضعتْ الحروبُ الكارثية أوزارهاوطوتْ إلى الأبد صفحاتٍ مظلمةٍ من كتاب الموتِ والخراب؟

بعد ذلك سرحتُ بفكري قليلاً وقدحَ في رأسي فوراً خاطرٌ غريب:ماذا لو تغيرتْ حدودنا العربية نحن أيضاً ولم يعدْ لوجودها أية أهميةٍ تذكر على أرضِ الواقع؟ أعني ماذا لو أنَّ هذه التخوم الجغرافية سواء الطبيعية منها أو المصطنعة والتي طالما سفكنا بسببها بحاراً من الدماءِ من أجل ذرةِ ترابٍ هنا أو قطرةِ ماءٍ هناك..ماذا لو خفتَ بريقها وانتهى دورها إلى الأبد؟ هل يمكنُ لنا أن نتخيلَ حقاً أنَّ هذه الحدود المرعبة التي كانت على الدوام بواباتٍ بشعةٍ شكلتْ حواجزَ مريعة أمعنتْ في عزلنا عن بعضنا وفصلتْ بشكلٍ صارخ بين بلادنا وأبرزتْ كلَّ تناقضاتنا وصراعاتنا واختلافاتنا وعدم تقبلنا للآخر..هل يمكن أن نتخيلَ أنها ستذوبُ من الوجودِ تماماً ولن تكونَ دالة نهائية صريحة على بدايةِ هذه الدولة أو نهاية تلك الدولة؟هل يمكن لنا حقاً أن نمتلكَ يوماً ما إرادةً واعية تكفي لأن نتصالحَ مع أنفسنا وواقعنا ونصلَ مرحلة متقدمة من الرقي الحضاري والشعور العالي بالمسؤولية بحيث نشعرُ أننا شعبٌ واحدٌ بحق ولنا مصالحُ وتطلعات وأحلام واحدة كما فعلَ الغرب قبلنا؟وما الذي ينقصنا حقاً لنصلَ إلى ذلك؟

بالنسبة إلينا الأمر أكبر من مجردِ حنينٍ إلى ماضٍ بعيد وإلا كنا أحقَّ الأممِ ممن يجدرُ بهم أن يعتدّوا بماضٍ عريق كنا فيهِ أمة عظيمة ينبضُ وجودها في قلبِ العالم كله..نحن في ذلك لا نشكو من خواءٍ أبداً..الماضي والمجد كانا صنوانِ لا ينفصلان ..لو جلسنا نستحضرُ مجدنا التليد فلن يفوتنا أبداً أن نفخرَ بأنناسجّلنا يوماً ما في امتدادنا الجغرافي والحضاري حدوداً مترامية الأطراف..إذا أشرقتْ عليها شمسٌ في نهر السِند لا تغربُ إلا في مياهِ المحيط الأطلسي وإذا أبحرَ قاربها من بحرِ طبرستان شمالاً لا ينكسُ شراعهُ إلا في منابع النيل جنوباً..لكننا بعد كلِّ ذلك نعترفُ أنناأضعنا هذا المجد بأيدينا أكثر بكثير مما ألحقت بنا أيادي أعدائنا على كثرةِ من تربصَ بنا من أممٍ قعدتْ لنا وسط الطريق.

التاريخُ بالفعل لم يغمطنا حقنا أبداً..وهذهِ الأرض التي نعيشُ عليها لن تجرأ أن تكذّبهُ أبداً لأنها ابنة التاريخ وأمّ الجغرافيا..لكنَّ تلك التركة الكبيرة التي ورثناها كانت بالفعل أثقلَ مما تحتملهُ ظهورنا..وتركة ثقيلة مثلُ هذهِ إذا أورثها الأجدادُ للأحفادِ ولم يرعَوها حقَّ رعايتها فستغدو حينئذٍ مجردَ ترفٍ تاريخيٍّ محض تلوكهُ ألسنتهم بالفخر وتجترُّ آياتِ المديح فحسب لذا أعتقدُ جازماً أنَّ أعسرَ أحلامنا على الإطلاق وأبهظها ثمناً هو أن نستعيدَ من جديد ذلك الماضي التليد ما دمنا غير قادرين على أن نفصلَ ذلك التاريخ البعيد عن جغرافيا اليوم ثم نتصالحَ مع أنفسنا ونبدأ عصراً جديداً مثلما فعلتْ قبلنا شعوبُ الغرب حينماتركوا كلَّ جحيم التاريخ وراءَ ظهورهم وتفرغوا لصنعِ جنتهم على ذاتِ الجغرافيا التي كانت شاهداً على ذلك الجحيم..ألا تكفينا تلك الصور الرائعة كشاهدٍ على ذلك؟

الأمرُ يبدو بالفعل أصعب بكثير..فالتاريخ والجغرافيا توأمان سياميان لا يطيقُ أحدهما فراقَ الآخر ولا نزالُ غير قادرين حتى اليوم أن نتكلمَ عن أحدهما بغياب الأخر.

نحن أمة لا تخشى على نفسها كثيراً من عدوها الذي يتربصُ بها خلف الحدود قدر خشيتها مِمن يستوطنها من داخلها..جراحنا مستبطنة فينا وتلك أكبر مآسينا..مثخنون نحن بطعناتِ أيدينا وكلما حاولنا أن ننهضَ بطعنةِ الأمس باغتتْ ظهورنا طعنة أخرى..فلمَ كل هذا الخوف من عدوٍّ مجهولٍ وراء الحدود؟ ألم نعي بعد أننا أمة لم تهزَمْ طوال التاريخ من خارجها أبداً بقدرِ ما هُزمتْ من داخلها؟ هذا ما كان يُقالُ عنا دائماً لذا هي مقولة تشبهُ بديهية لا نقاش فيها وكأنها دالة تشيرُ إلينا دائماً حدَّ التصاقها بجلودنا.

خلاصة القول أنَّ حدوداً مرعبة كالتي تفصلُ فيما بيننا اليوم ما وجدتْ إلا لتبقى أبداً لذا لا يحقُّ لنا أبداً أن نُحلّق بأفكارنا بعيداً نحو أرض الأحلام المستحيلة طمعاً بأن نصحوَ على واقعٍ مغاير نرى فيهِ تلك الحدود وقد زالتْ نهائياً من الوجود الجغرافي الحقيقي على الأرضكما تتكلمُ بهِ تلك الصور الأوربية الجميلة..هي محضُ أحلامٍ بلهاء ستظلُّ هكذا تطيرُ في مدنِ الخيال دون أن تجدَ لها في يومٍ من الأيام موطئاً لتحط فيهِ بسلام على أرضِ الواقع.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق