]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الورطة

بواسطة: حافظ الشجيفي  |  بتاريخ: 2015-06-29 ، الوقت: 23:18:32
  • تقييم المقالة:

ومنذ ذلك الحين مازال جرح “طعنة الغدر ” المسمومة النجلاء التي أدمت القلب المتورم بأوجاع الزمن ” ينزف بلا توقف قيحاً واوساخاً على إمتداد الطريق التي أبتدأت منها هذه الرواية

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الجزء الأول

 

تزوجتها حين لم اكن انتوي الزواج منها أو من سواها قبل سبع سنوات من افتراقنا الذي مضى عليه قرابة سبع سنوات اخرى من تاريخ زواجنا كله حتى الان.وانما كنت في مدينة الحديدة اعمل مديراً في احدى الشركات الصناعية الكبيرة عندما أتى من يبشرني ويخبرني حينها بأن الوالد – الذي انتقل الى رحمة الله بعد زواجي منها بعام واحد فقط – بانه قد اختطبها لي من اهلها دون ان يأخذ رأيي في ذلك ….كنتُ وبحكم دواعِ الجوار والاحتكاك التي ربطت بين قريتنا وقريتهم في منطقة واحدة على معرفة سابقة ولكنها غير حميمة باهلها .. ولم اسمع عنهم مايسئ لسمعتهم ابداً ..وعرفتها اسرة محترمة كبقية الاسر..لا يمكن ان تقول عنها إلا خيراً..لم املك حق الإعتراض عما اقدم عليه وانفرد به الوالد دون علمي ،، فلو كنت امتلك هذا الحق لما أقدم على تلك الخطوة من اساسها دون علمي ..وعوضاً عن ذلك فقد التزمت الصمت لعدة شهور قبل ان اتلقى اتصالاً هاتفياً ممن اخبرني خلاله بأن الوالد قد تعرض لجلطة دماغية واسعف على إثرها الى مستشفى صابر في عدن ولم استغرق من الوقت بعد ذلك إلا بقدر مااستغرقته مني المسافة الفاصلة بين عدن والحديدة فقط حتى كنت في ذلك المستشفى على مقربة من سرير الوالد فيه ..
وعندما وصلت الى هناك كانت صحته قد اخذت تتحسن شيئاً فشيئاً ويوماً بعد يوم حتى فاق من غيبوبته وتماثل للشفاء بعد عدة ايام وعاد له وعيه فتحدث معي حينها عن موضوع الخطوبة وطلب مني ان اسافر الى القرية كي ازورهم واتعرف “عليها ” قبل ان ارتبط بها لكي لا احملهم المسؤلية عن اي نتائج قد تترتب على ذلك مستقبلاً…ورغم ذلك فلم اشعر ان هذا الرأي كان كافياً لتحقيق رغبتي او لإحساسي بحريتي …خاصة وانني قد فهمت من حديث الوالد معي عنهم بأنه متمسك بهم …فرديت عليه بقولي له إن الامرلا يحتاج البتة ان اذهب لهذا الغرض اليهم بعدك .. فما يرضيك لا شك يرضيني وما اخترته لي فهو خياري..وعندما تماثل للشفاء تماما وغادر المستشفى بعد اكثر من اسبوعين لم يكن امامي سوى العودة فوراً لمتابعة عملي في الحديدة. ومكثتُ هناك شهرين قبل ان أُسافر للقرية بغتة إثر علمي بوفاة شقيقتي الكبرى المباغت . وبعد ان انتهت ايام العزاء طلب مني الوالد ان أذهب لزيارتهم كي اتعرف عليهم عن قرب واصافح الخطيبة وانظر اليها .. فذهبتُ في اليوم التالي دون إقتناع مني بذلك حاملاً الهدايا مع بعض الاهل الذين رافقوني في هذه الزيارة وتناولنا القات معهم في بيتهم حتى حل علينا المساء فاخذنا الإذن منهم بالإنصراف وانصرفنا دون ان تتاح لي الفرصة لرؤيتها ليس فقط بسبب الحياء الذي أنتابني وأنتابها عندما حاولوا ان يدفعونا لذلك قبل ان ننصرف…بل ولأنني ايضاً لم أكُن في الأصل متحمساً لهذه الفكرة لأن الأمر لن يغير بالنسبة لي من الواقع شيئاً سواء رأيتها او إنني لم اراها وفضلت ان لا اراها ؟ ….ثم عدت بعد ذلك الى الحديدة وبقيت فيها شهر ونصف أو شهرين أُخريين تقريبا قبل ان أسافر الى القرية مجدداً بحلول وقفة عيد الفطر المبارك الذي كانوا قد عزموا على ان يجعلوا منه موعداً ومناسبة لعقد قراننا وإشهار زواجنا الشرعي فيه إلا إنني لم اكن مستعداً او مهيئاً لذلك فتذرعت لهم بان الشركة لم تمنحني إجازة اكثر من ثلاثة أيام قبل ان اعود اليها بعدذلك وبانها قد تتخذ إجراءً بفصلي ان لم أعُد لمزاولة عملي فيها رابع العيد .واضطريت العودة الى الحديدة رابع ايام العيد في حين لم تكن إجازة العيد قد انتهت…..
قبل ان التحق بالعمل في هذه الشركة عملت لمدة عام كامل او يزيد كمتعهد أعمال مطبعية ودعائية تجارية وكنتُ في بحبوحة من العيش قياساً على الراتب الذي حصلت عليه من الشركة عندما انتقلتُ للعمل اليها بعد ذلك على غرار المعرفة التي تمت بيني وبين صاحبها وابناءه من خلال قيامي في تلك الفترة بتنفيذ عدد من العروض والاعمال المطبعية للمجموعة التجارية التي يمتلكها الرجل والتي كانت تطلبها مني بشكل دوري بين فترة وأخرى عند الحاجة ، حتى أتصلوا بي في آخر مرة يطلبون مني ان أطبع لهم دورة مستنديّة كاملة لمصنع الحديد الذي سيتم إفتتاحه قريباً وفي نفس الموعد الذي اتفقنا عليه لإنجاز تلك الكمية الكبيرة من هذه المطبوعات المطلوبة ذهبت بها الى ادارة المجموعة في مدينة الحديدة لتسليمها اليهم قبل موعد افتتاح هذا المصنع الضخم بثلاثة ايام وهناك صادفت صاحب المجموعة ذاته الذي اصطحبني معه بالمطبوعات في سيارته الى المصنع الذي يقع خارج الحديدة وبالتحديد في “كيلو١٨ ” الذي يبعد عن مركز المدينة ب١٨كلم، على طريق تعز الحديدة وفي طريقنا الى هناك عرض عليَّ العمل معه في هذا المصنع .. فقبلت العرض بعد ان وعدني براتب شهري مُجزي. على ان يُعينَّي مديراً لحركة الالات والمعدات والمركبات فيه .وبدأت بمباشرة العمل فيه اعتباراً من ذلك اليوم…كان الرجل قبيلي وغير متعلم ولكنه كان مثقف ومنفتح ومتمدن وشهم؛ وبالإضافة الى ذلك فقد كان ايضاً رجل ورِع وملتزم دينياً وكريم.. ولعلني لم اجد تاجراً ورجل أعمال بشهامتهِ وكرمهِ وطيب معشرِه…ولديه من الاولاد أثنين فقط تعرفت عليهما في وقت لاحق ؛ كان الاصغر منهما لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره بعد في ذلك الوقت , وقد تميز بذكأ شديد وتركيز عالي فضلاً عن جرأته وسرعة البديهة لديه الى جانب ادبه الرفيع و اخلاقه السامية بينما كان أخيه الأكبر في العشرين من عمرهِ إلا انه كان منطوياً وخجولاً ولا يحتك بالناس كثيراً بعكس أخيه الاصغر الذي كان متوثباً.
وكلاهما كانا يتحصلان على تعليمهما منذ المرحلة الابتدائية في ماليزيا ويجيدان اللغة الانجليزية بطلاقة الى جانب اللغة الماليزية والعربية.كما كان ابيهما يتبنى فضلاً عنهما شاب في سن الاكبر منهما وشقيقته التي تكبرهما بفارق قليل من السنوات. والشاب يدرس في ماليزيا ايضاً معهما ويمتلك سيارة كالتي يمتلكها كل واحد منهما وهو يعتبر اخيهما بالتبني إذ رباه ابيه مع اخته منذ طفولتهما بعد ان توفي ابيهما الحقيقي الذي كان يعمل ،” وناشاً” معه في الايام الخوالي إثر تعرضه لإصابة عمل قضت عليه في الحال بينما كان يؤدي عمله معه في الميناء ..تعرفت ايضاً على هذا الشاب مع ابناءه وارتبطنا سوية بعلاقة حميمة تجاوزت في اواصرها حدود العمل الذي امضيت عامين وثمانية اشهر كاملة من المثابرة فيه بهذا المصنع منذ ان تم افتتاحه بحضور رئيس مجلس الوزراء انذاك قبل ان يأتيني ” بشير خطوبتي ” التي تمت على النحو الذي ذكرناه سلفاً..وخلال هذه الفترة كان صاحب المصنع لا يزورنا إلا على رأس كل شهر او شهرين بالكثير إلا إنه لم يكن ينقطع عن التواصل معنا ابداً عبر الهاتف اثنا فترة غيابه عنا التي كان يمضيها اما في صنعاء واما في سفرياته العملية خارج البلاد وكان كلما زارنا لا يغادر مدينة الحديدة حتى يتحدث معي بشكل او بآخر في موضوع الزواج طالباً مني في كل مرة ان اترك هذا الموضوع عليه وان لا احمل هماً بشأنه وانه ينتظر مني إشارة فقط كي يقدم لي المساعدة التي احتاجها .. لم اكُن أحمل الامر على محمل الجدية منه وكثيراً مااعتبرتها دعابة منه او انها مجرد وعود تقتضيها مصلحته مني وانا في ذلك الموقع الوظيفي الذي وضعني فيه او انها ما ظننت ويالسؤ ظني فيها انها الوعود التي تستوجبها منه متطلبات التحفيز العملي التي قد يفي أو قد لايفي بها عندما يحين واجب الوفاء بها…بل إنني عندما حملتها على محمل الجد واقتنعت بها في مرة من المرات فقد أسأت تفسيرها واعتقدت تماماً ان الامر يقتصر على ما يستطيع ان يقدمه لي من المساعدة في الجانب المادي فقط ولم يذهب بي الاعتقاد الى ابعد من ذلك إلا بعد ان بدأت تتبين لي صورة الحقيقة بكل وضوح عندما عدت من القرية الى الحديدة خلال إجازة عيد الفطر قبل ان تنتهي هذه الاجازة والتي كانوا قد قرروا ان يجعلوها مناسبة لزفافنا من غير موعدٍ او تمهيدٍ مسبق لولأ إنني كنت قد تذرعت لهم بان الشركة التي أعمل لديها لم تمنحني إجازة كافية للقيام بذلك على نحو ماذكرناه آنفاً .وعندما وصلت في نفس اليوم الى المصنع الذي كنت أسكن فيه انا وحدي طبعاً من بين الجميع ماعدى الحُراس , نظراً لطبيعة العمل الذي اشغله فيه كما كنت اعتقد او كما كان يقال لي اتصل بي على هاتف المصنع من صنعاء الابن الاصغر لصاحبه بعد ان اخبروه الحراس بنبأ عودتي المفاجئة بالنسبة اليه واليهم للحديدة قبل ان تنتهي الإجازة الممنوحة لي في فترة العيد وسألني عن السبب فأخبرته بقصة ماجرى لي وأظن ان الحراس قد اخبروه بذلك قبلي عندما تواصلوا معه …فقال لي وهل كنت ستتزوج دون ان تخبرنا ؛ ألم يطلب منك الوالد – علماً بأنه غالباً مايضع على لسانه عندما يتحدث عن ابيه بدلاً عن الوالد صفة ” الحاج ” للإشارة اليه ولا يقول الوالد إلا نادراً – أفلم يطلب منك الحاج مراراً ان تخبره عندما تقرر الزواج او الخطوبة ….
قلت له فأما الخطوبة فأن ابوك لم يتحدث معي بشأنها ابداً ومع ذلك فقد خطب لي الوالد دون ان يستشيرني او يخبرني بذلك إلا في وقت لاحق…واما الزواج فها انذا قد عدت من القرية قبل ان تنتهي الاجازة لكي لايتم هذا الامر ,, وعند هذه العبارة توقف حديثنا حول هذا الموضوع واستودعني الله بعد ان بارك لي وهنأني على الخطوبة واوصاني ببعض المهمات…وهنا بدأت اشعر وأتبين حقيقة ماكنت اجهله قبل ذلك …
في اليوم التالي اتصل بي في وقت متأخر من الليل. وعندما رنَّ الهاتف رفعت السماعة فإذا به وقبل ان أرد عليه يقول لي دون مقدمات ” كيف عريس الغفلة ” فتفاجئت من حديثه غير المعتاد معي بهذه اللهجة الغريبة..فقلت له وما الذي ازعجك انت في ذلك ؟..وكنت احاول بهذا السؤال الذي طرحته عليه ان اهتدي معه الى نتيجة تخرجني من متاهات وغياهب الحيرة التي ادخلني فيها منذ الليلة الماضية بعد الاتصال الذي اجراه معي فيها ..ولكنه لم يجب على هذا السؤال وحاول ان يتهرب من الاجابة عنه بسؤال آخر طرحه عليّ عن المهمات التي كلفني بها في الليلة الماضية هل انجزتها ام لا….
فقلت له. طبعاً انجزت البعض منها وانفقت عليها من جيبي ومن حسابي الشخصي والان لم يعد بحوزتي ما انفقه …ولكنه لم يرد ايضاً .وإنما قفز بحديثه معي الى موضوع اخر حاول ان يوحي لي عن طريقه بانه وليد تلك اللحظة..قائلاً لي ان ” علي ” وهو بالطبع يقصد اخيه بالتبني ، وكلاهما يحملان الاسم نفسه، ان (علي زعلان منك ” قوي” ) على حد وصفهِ،
قلت له إن ما أعرفه أن عليٍ في ماليزيا فلماذا قد ” يزعل” مني ..فليس بيني وبينه مايوجب “الزعل “
قال لي ” بل لقد عاد في العيد الى صنعاء واليوم اخبرته بخبر عودتك من القرية .فابدى انزعاجه من ذلك لانك لم تتصل به …
قلت له ليس من عادتي ان اتصل به كما انني لا اعلم بانه قد عاد من ماليزيا..
قال لي حاول ان تتواصل معه الان لكي ترضيه ورُد لي خبر بعد ذلك…
قُلتُ له: وماذا عن “المصروف ” فجيبي كما اخبرتك اصبح فارغاً الان .
قال : سنتفاهم حول هذا الامر بعد ان تتصل بِ ” الصنو علي” وانهى المكالمة.
وبعد هنيهة من التفكير لم اجد امامي إلا ان اطلب رقم اخيه بالتبني “علي” وفي المحاولة الخامسة تقريباً سمعت صوتاً أنثويًا رقيقاًً هو الذي يرد على الاتصال قائلاً لي بعد ان سألتها عن علي :
من معي؟
قلت لها انا وذكرت لها اسمي.
قالت لي “انا اخته “وعلي في ماليزيا ولم يعد هذه السنة لأن لديه امتحانات….
كان هذا الجواب الذي نزل على مسامعي كالصاعقة كافياً لإن يجعلني اغلق السماعة وانهي المكالمة معها بعد ان ابديت اعتذاري لها…دون ان اذكر لها مااخبرني به اخيها الاخر بخصوص اخيها الذي كنت اسألها عنه…
فعدت لإطلب رقم اخيها بالتبني ولكن عبثاً , فاظنني قد انتهيت من المحاولة العشرون ولكن دون جدوى ،،،
وفي اليوم التالي كررت عليه المحاولات ولم افلح..
هذا هو “علي” الإبن المدلل الاصغر لأبيه الذي مضى عليه ثمانية اشهر كاملة منذ ان انقطع بشكل مؤقت عن الإنتظام في دراسته الثانوية بماليزيا وعاد الى اليمن ليدير هذا المصنع الى جانب المهندس الهندي الذي كان يديره قبل ان يخلعه خلال شهر واحد فقط من عودته ليأتي بخبير عراقي آخر بدلاً عنه لم يستمر غير فترة وجيزةَ معه في هذا المنصب قبل ان يستغني عن خدماته هو الآخر ليستأثر بإدارة المصنع الذي تفوق عليهم في إدارته بمفردة بصورة تبعث على الاعجاب مع صغر سنه وقلة خبراته ومستواه العلمي إلا انه لم يكن يقدٍم على اي خطوة حتى يستعين برأيي فيها..
وعندما عاد اوصاني الحاج ” ابيه ” بان اساعده قدرما استطيع في المذاكرة ومراجعة الدروس التي يحتاج الى من يراجعها له في اللغة العربية وبالتحديد قواعد النحو العربي فيها…ولذلك فلم تكن تمر علينا جُمعة من جُمع راحتنا الاسبوعية دون ان يأتي فيها قبيل صلاة الجمعة من مدينة الحديدة حيث يقيم في” الفيلا” الفارهة التي يمتلكونها بالحي التجاري الراقي القريب من الكورنيش ، الى المصنع ليأخذني معه الى المسجد قبل ان يذهب بي الى الفيلا للغداء وتناول القات فيها،،
استمرينا على هذا المنوال الى عيد الفطر هذا الذي تحول بالنسبة لي الى مأتم ومناسبة للذكريات المؤلمة والمنعطفات السيئة في حياتي …
بعد ان حاولت الاتصال به في تلك الليلة ونهارها التالي دون جدوى تجاهلت الامر وانصرفت بنفسي عنوة عنه …واستعنت بالحراسة على تغطية نفقاتي اليومية حتى انتهت اجازة العيد وبدأ العمال والموظفين يعودون لمزاولة اعمالهم بالمصنع….بعد ذلك مضت اسبوعين قبل ان يعود هو الى الحديدة ولاحظت خلالها بانه قد همشني من إتصالاته تماماً في حين كثّر من إتصالاته بالاخرين ممن كان لايتواصل معهم على الاطلاق قبل ذلك وخصوصاً موظف كان يعلم بخصومتي الشديدة معه بل كان هو ايضاً لايطيقه كما افصح لي عن ذلك في مناسبات عديدة….
وعندما وصل قادماً من صنعاء الى الحديدة علمت بوصوله عن طريق الاخرين ، وفي صباح اليوم التالي حضر الى المصنع وزار جميع الموظفين في مكاتبهم إلا المكتب الذي كنت فيه وتعمد ان يمر من امامه داخلاً وخارجاً دون ان يعيرني اي إنتباه
… كان يُخَيّل لي ويدور في خلدي على الدوام بانني قد اصبحت منه في منزلة لم يعد بإمكانه فيها ان يستغني عني لا بإعتباري موظف لديه ولا بإعتباري صديق وفيٌ له ولإخوانه على حدٍ سواء إلا لإمرٍ جلل . ولم ادرك بأنني قد اغدوا بين عشية وضحاها كالمنبوذ في المصنع ان لم اكن قد اصبحت منبوذاً بالفعل دون ان اقترف اي جناية …بعد ان تجاهل وجودي فيه وراح يقرِّب اليه ويقترب من الموظفين الاخرين دوني بل وصل به التمادي في تهميشي الى ذلك الحد الذي جعله يجردني من بعض مهام عملي في المصنع ويكلف بها ويسندها لخصومي وغيرهم من قبيل النكاية بي…ولم اعد احظى بالحفاوة التي كنت احظى بها منه ومن الجميع فيما مضى من الوقت …. حتى انه بدأ يضايقني في النوم ، ويراقبني في مواعيد الدوام ،،
وتوالت الايام دراكاً يوماً تتبعها أخرى وكل طرف منا قد اخذ موقفاً متزمتاً من الآخر ومعانداً له ، وبمرور الايام بدأت مناسبة عيد الأضحى التي كنت اتهيبها تحسُباً لموعدي مع القدر المصيري المجهول فيها تتسارع بقدومها المهيب بوتيرة تساوي في سرعتها نبضات قلبي التي كانت تتزايد بقدومها …..
..
وفي حالة نقيضة لها كانت تتلبسني في الوقت نفسه فقد كنت اترقبها بلهفة واعدد اللحظات والثواني بشغف الانتظار لموعد قدومها كي اضع ” علي وابيه ” امام الامر الواقع مني الذي لطالما حثاني بأن اشير عليهما به عندما يحين موعده فينفذانه لي بإشارة واحدة مني دون تردد من قبلهما كما كانا يزعمان بخصوص قرار زواجي ….
ولما حان الموعد الشهري الذي تزامن في ذلك العام مع الموعد السنوي للزيارة التي يقوم بها عادة في مثل هذا التوقيت من كل عام الى المصنع في الحديدة قبل ان يغادر منها الى المملكة لإداء مناسك الحج لم يأتي هذه المرة في هذا الموعد وسمعت من يخبرني في وقت لاحق بانه قد غادر اليها لهذا الغرض من صنعاء رأساً..
فأعتقدت في بداية الامر ان ذلك قد يتم في هذا العام لإن ابنه “علي” المدير العام للمصنع كان متواجداً فيه هذه المرة بخلاف الاعوام السابقة التي لم يكن متواجداً خلالها فيه إلا ان الحقيقة التي كشفتها لي الايام القليلة اللاحقة اكدت لي بأن لا علاقة لها بهذا الاعتقاد الذي ساورني البتة .
الان كان قد وصل بنا الزمن الى المحطة التي لم يبقى امامنا ونحن نقف فيها من الايام القادمة على عيد الاضحى سوى اسبوع واحد فقط ..لذلك فقد رأيت ان اقدم طلباً مكتوباً للمدير العام لإخبره فيه بما كانا يطلبان مني ان اخبرهما به قبل إقدامي عليه … وفي المساء حررت له هذاالطلب الذي قلت له فيه ما معناه ( ها انذا ونزولاً عند رغبتكم الملحة اطلعكم على موعد زواجي القسري الذي تقرر ان يكون اثناء إجازة عيد الاضحى القادم وننتظر ماانتم فاعلوه حياله بشأني معه…)
ولم اكن اطمع من خلال هذا الطلب الى المساعدة منهم على الزواج بقدر ماكنت اتطلع من وراه الى معرفة ماالذي يريدانه مني على وجه الدقة والوضوح….
وفي صباح اليوم التالي سلمته الى ” سكرتيرته ” قبيل وصوله للمصنع..ثم انتظرت رده عليه الى ان انصرف من المصنع كعادته في ظهيرة ذلك اليوم دون ان اتسلم الرد عليه فحملت نفسي وغادرت المصنع انا ايضاً مع باص الموظفين الى مدينة الحديدة التي لم اعد منها اليه إلا قبيل ” المغرب” وما كادت تمر سوى بضع دقائق منذ ان دخلت الى مكتبي فيه حتى اتصلت بي سكرتيرته تسألني : هل عدت ؟ قلت لها: نعم.
قالت لي لقد اتصل بك ” علي” عدة مرات وحولته الى مكتبك ولم تكن متواجداً فيه وكان ساخطاً كما بدا لي عليك…
وهي طبعاً تقصد بعلي شقيق المدير العام الذي كان في ماليزيا…
قلت لها : ومن اين اتصل بي؟
قالت : من صنعاء
قلت لها : ومتى عاد الى صنعاء ؟
قالت لا اعلم,
قلت لها ولماذا كان ساخطا عليّ ،
فنفت علمها بذلك ايضاً , و قالت لي : بأنه طلب مني ان اوصله بك عندما تعود وشدد على ذلك ..
قلت لها :وما اخبار الطلب الذي سلمته اليك في الصباح لتعرضيه على المديرالعام.؟
قالت : مازال بحوزتي ولم يتسنى ليّ بعد تسليمه اليه ، وشرحت لي اسباب ذلك، ثم وعدتني بان تسلمه اليه في تلك الاثناء ،، واردفت تقول : أما الان فأذن لي ان اوصلك بعلي .
قلت لها : فاليكن…ولم تمر سوى بضع لحظات حتى كنت اتحدث معه عبر الهاتف وفي البداية رحبتُ به وسألته عن موعد وصوله اليمن ،فأفادني بانه تم ليلة البارحة..
قلت له : الحمد لله على وصولك بالسلامة ..
وسألته عن صحته وعن اخبار الدراسة والامتحانات ،،
كان في البداية يرد على اسئلتي ويتحدث معي بكل هدؤ ولطف كعادته..
الى ان سألني هذا السؤال الذي قال لي فيه:
هل صحيح انك اتصلت الى البيت تسأل عني في عيد الفطر ؟.
قلت له : نعم حدث ذلك بالفعل.
قال لي : وماذا كنت تريدني ؟ هل كان هناك موضوع مهم ،،؟
قلت له : لا ،وإنما كنت اسأل عليك فحسب ،،
قال لي : كيف تتصل الى البيت تسأل عني وانت تعلم تماما بانني غائباً عنه خارج البلاد .؟ ماالذي تريده ..عيب عليك هذه الاساليب نحن نحترمك ونعزك وووو..الخ
قلت له: انما اعتقدت انك قد عدت في العيد..
فأحببت ان اطمئن عليك واهنئك بالعيد.
قال لي : لنفترض انك اتصلت بحكم هذا الاعتقاد حقاً ، فلماذا قمت بذلك في تلك الساعة المتأخرة من الليل ، ما الذي اجبرك على ذلك بماذا تفسرذلك, ألم تجد وقت مناسب آخر لتتصل بي وتهنئني فيه، ومن متى كنت تتصل بي او تتواصل معي اصلاً..؟
ما الذي تريده منا …افصح عن نواياك ومكنون نفسك ،، فهذه الاساليب لاتليق بك ولا تليق بنا هل تريدني ان اخبر الوالد بما فعلته …كان يقول عن ابيه بالتبني ” الوالد” ولا يقول ” الحاج”
ثم اردف يقول وهو يؤنبني بنبرة توحي بالندم : هل هذه آخر عشرتنا معك والعيش والملح ونهاية احترامنا وتقديرنا لك ، وثقنا فيك وفتحنا لك قلوبنا وبيوتنا واعتبرناك واحداً منا وعاملناك كفرد في اسرتنا ولم نقصر معك او نبخل عليك بطلب .أهذه نهايتنا معك…لابد ان اخبر الوالد بما تفعله من خلفنا….هل تريدني ان اخبر الوالد ….
قلت له : انا لم ارتكب جريمة، فإن شئت ان تخبره فإخبره او لا تخبره , فأنت حُر . ولكن ما المطلوب مني على كل حال ،،..
قال: المطلوب منك ان تكف عن هذه الافعال المشينة وان تحافظ على وجودك معنا واحترامك لدينا واحترامنا لديك وان كان في رأسك شئ فعليك ان تخبرنا به وان تأتينا من الباب فنحن لا نقبل بهذه الاساليب والتصرفات .هذا كل ما نطلبه منك وهذه هي نصيحتنا الاخيرة اليك، فكر في الامر ولا تخسرنا ولاتجعلنا نستفيد من خسارتك لنا ، ثم اغلق السماعة بعنف في وجهي .ليخلفني منشدهاً بما سمعته منه…غير إنني لم استاء او انزعج منه ولا بما سمعته منه. وإن كنت قد تظاهرت بذلك.، بل إنه في الواقع قد سرني واسعدني لانه حمل لي الحقيقة التي كنت ابحث عنها كاملة دون نقصان واخرجني من سراديب الحيرة وأُقبية الهواجس التي مافتئت تستبد بي منذ ان اتصل بي اخيه الاصغر في آخر مكالمة هاتفية جرت بيننا وذكرناها هنا،
لم اشأ ان اخبر احد ” العليين ” بما سمعته او بما فعله بي الاخر منهما وعوضاً عن ذلك فقد استحسنت الظهور امامهما كمن لم يسمع شئ وكمن لايهمه امرهما في شئ ايضاً ، ليس فقط لانني كنت قد علمت الان اكثر من اي وقت مضى بانهما قد اتفقا على تدبير هذه المكيدة واشتركا في تنفيذها ضدي ،بل ولحسابات أخرى لم يدركاها ولا شك بانها قد تسببت بإثارة استفزازهما مني في وقت لاحق…
في صبيحة اليوم التالي أُعيد لي الطلب الذي قدمته في اليوم السابق بواسطة سكرتيرته اليه مذيلاً برده وتوقيعه عليه والذي قال لي فيه مامعناه ( ليس بوسعنا ان نقدم لك اي مساعدة في الوقت الراهن نظراَ لأن ” الحاج ” الذي وعدك بذلك خارج البلاد كما تعلم وبإمكانك إن شئت ان تؤجل موعد زواجك وتنتطر عودته من الحج )
لقد توقعت هذا الرد منه تماماً بعد ذلك الاتصال ،بل إنه في الواقع كان هو الرد المطلوب عينه الذي لطالما انتظرته بفارغ الصبر منه على طلبي له مقابل خشيتي من اي رد آخر عليه كان من الممكن ان يغير تلك الحقيقة التي مالبثتُ ان اصل اليها واتيقن بها عما يريدونه مني بالضبط..وينسف كل الانطباعات التي تكونت في ذهني عنها.
فأخفيت عنهم مقدار سعادتي به خلف مقدار ماابديته لهم من الاستياء منه …
. ولكي ابلغ بيقيني حول هذه الحقيقة الى منتهاه فقد رأيت ان من الاهمية بمكان ان اعود اليه مجدداَ والحال كذلك من خلال طلب مكتوب آخر اقدمه اليه بخصوص مااستحقه من إجازة الزواج التي لن يكون بمقدوره ان يتعلل باي سبب لرفضها إلا بفعل الاهمية التي يمثلها اليه هذا الامر..فحررت له الطلب وقدمته اليه عبر سكرتيرته ايضاً في نفس الوقت ، وبعد مُضي ساعة تقربباً اتصل بي طالباً مني الصعودالى مكتبه…فلما دخلت عليه قال لي هذا ليس وقتاً ملائماً للإجازات وطلب الإجازات كما إنه ظرف غير مناسب للزواج ايضاً … فبعد العيد لدينا عمل وسوف تصل شحنة المواد الخام الى الميناء ووجودك في هذه الحالة ضروري …عليك ان تؤجل موعد زواجك هذا الى وقت آخر يتفق وإن يكون الحاج حاضراً فيه كي يدعمك الدعم اللائق بك….فتذهب للزواج وانت مرفوع الرأس…
قلت له اعذرني فالامر ليس بيدي …ولن استطيع هذه المرة ان افلت منه …
قال عليك ان تقنع الوالد بما اقوله لك ..وان تؤكد له باننا سنتحمل بدلاً عنه كل تكاليف زواجك ، انها لاتساوي شيئا لدينا….
قلت له الموضوع لم يعد قابلاً للنقاش بالنسبة لوالدي ..كما هو ايضاً بالنسبة لاهل ” الخطيبة” الذين لابد وان يكون الوالد قدد حدد لهم موعده… قال إذن ابقى هنا ولاتسافر ..
قلت له ان الوالد مصاب بضغط الدم وبجلطة دماغية ومن المحتمل ان تتكرر عليه في اي لحظة فانا اخشى عليه من ذلك وهو يخشى عليَّ من ذلك ايضاً ولا يخشى على نفسه….
قال اذن فانني أقترح عليك ان تنتظر مني رداً في صباح الغد بعد ان اتواصل مع الحاج ، فمن المتوقع ان يتصل بي هذه الليلة من مكة وخلال ذلك سوف اطرح عليه طلبك السابق واللاحق فانتظرني الى الغد ريثما اتواصل معه … قلت له وهل املك ان لا افعل ذلك وعسى ان يكون خيراً،، فخرجت من مكتبه على هذا الاتفاق…
وفي اليوم التالي عندما سألته عن النتيجة ، قال لي:
للأسف الشديد فإن “الحاج” كان غاضباً منك ” قوي” فما كدت ان أطرح عليه موضوعك واذكر له اسمك …حتى زجرني وصرخ في وجهي ولم يسمح لي بالكلام عنك إطلاقاً ولم يترك لي فرصة حتى للإستفسار عن سبب ذلك فقد اخافني …وتغاضيت عن الموضوع حتى يهدأ ….
فقلت له بصريح العبارة : وكأنكم عندما حان الجد بُتُّم تبحثون عن مبرر للهروب من تلك ” الإشارة” التي كنتم تنتظرونها من أصبع يدي ..فها انتم تحاولون كسر يدي من رسغها وليس اصبعي فقط بعد ان رفعتها…
قال بل مازلنا بإنتظار إشارتك حتى الان … فأنت اشَّرت بإصبع قدمك ، وضحك ، فنحن لا نفهم مثل هذه الاشارات…
قلت له: ساتحدث معك من الاخير حسماً لهذا الجدل..
انني مسافر مع بقية الناس الذين يسافرون في مثل هذه المناسبات لزيارة اهاليهم وذويهم في كل الحالات والظروف سواء أمنحتني إجازة ام لم تمنحني ، واعدك بان اعمل خلالها بنصيحتك التي تفضلت بإسدائها لي لإقناع الوالد بتأجيل مشروع الزواج الى اجل مناسب ..
وبعد إلحاح مني وإصرار على ذلك فقد وافق اخيراً على ان يمنحني إجازة لاتزيد عن عشرة ايام فقط.
ثم صرف لي ماتبقى من راتبي ومبلغ مثله قال انه مساعدة شخصية منه …إلا انه اضافه وقيَّده بعد ان تم الزواج على حسابي للشركة….
بعد انصرافي من المصنع في آخر يوم من الدوام تناوشتني عواصف التوجس والحيرة التي عبثت بتفكيري بين خيارين لاثالث لهما اما البقاء في الحديدة بما قد يسببه لي هذا الخيار من المشاكل مع الاهل وعلى رأسهم الوالد من جهة ، وبما قد يسببه لهم من المشاكل والإحراجات مع اهل الخطيبة ومع بقية الناس من جهة مقابلة وبين خيار السفر الى القرية بما سيترتتب عليه من النتائج والتبعات التي قد اندم عليها وقد اندم منها لبقية حياتي ،، وبعد ان عقدتُ مقارنة سريعة بين كل الاحتمالات التي وردت في رأسي عن النتائج التي يمكن ان تتمخض في كل حالة على حِده من الحالتين فلم اجد مناصاً امامي من حتمية السفر الى القرية : فغادرت الحديدة ليلاً بقدمٍ تدفعني الى الامام وأخرى تجذبني الى الخلف. .وفي طريقي الى القرية مررت بتعز ومكثت فيها نهاراً كاملاً ثم مررت بعدن التي وصلت اليها منتصف الليل وغادرت منها مساء اليوم التالي، وهذا يعني بأنني لم اصل الى القرية إلا بعد يومين خلت من عمر تلك الإجازة ولم يتبقى منها سوى اسبوع واحد فقط. فيما كان اليوم الثالث منها هو اول ايام عيد الاضحى اللا مبارك..
سمعتهم بعد وصولي الى البيت وهم يتحدثون عن موعد الزواج ويناقشونه …قبل ان انسحب من جلستهم تلك واعتزلهم متعللاً بحاجتي الى الراحة والنوم بعد يومين من مشقة السفر . والحقيقة انني لم اكن مستعداً لسماعهم وهم يتحدثون في هذا الموضوع الذي تعمدوا ان يخوضوا حديثهم فيه امامي ….فعلمت منه ان الامر اصبح اجلاً مقضيا وامراً مفعولاً ولامحيص منه..ولاجدوى من محاولة النقاش فيه…
في نهار اليوم التالي التي كانت اول ايام العيد إذ يسألني شخص من افراد الاسرة بينما كنا في جلسة قات يرأسها الوالد فيقول لي .كم ادخرت من المال..بكم استعديت للزواج لتساعد ابيك في تحمل تكاليفها…اكيد ان الشركة قد ” بونتك ” هذه المرة..
استنتجت من طبيعة السائل ان الوالد هو الذي حرضه على ان يطرح لي هذا السؤال ليعرف من خلال اجابتي عنه ماإذا كنت متحمساً للزواج ام لا.
فرديت عليه قائلاً له:
لقد اشتريت كل مستلزمات واغراض الزواج التي تخصني وتخص الخطيبة وتبقى في حوزتي مبلغ لايزيد عن ثلاثون الف ريال هذا كل شئ.اما الشركة فانها رفضت ان تمنحني إجازة او تقدم لي اي مساعدة بحجة ان لديهم عمل مهم بعد اجازة العيد مباشرة ولهذا السبب فقد كنتُ ساقضي إجازة العيد هناك في الحديدة…
قال الوالد ولماذا لم تقضها هناك ؟..
فلم ارد عليه …ثم استدرك يقول: لقد تحدد ان يكون يوم غداً هو يوم زواجك وكل شئ جاهز…
قلت له بعدك،، ،،

 

: ثم توقف حديثهم حول هذا الموضوع ليتشعب بهم عني في مشاعب شتى بينما ظل الشرود يسترقني بين فينة ومثلها لينفرد بي في مشاعب اخرى عنهم بالكاد كنت اعود منها الى مشاعبهم مع سؤال يباغتني به احدهم او دعاء يطرق مسامعي منهم فاتظاهر بانني منهمك بحديثهم حتى مضى ماتبقى من النهار فانفض مجلسهم بعد ان كانت الشمس قد انسحبت من السماء وتوارت خلف الجبال المحيطة بالقرية معلنة حلول ميقات صلاة المغرب التي ارتفع صوت الداعي اليها في تلك الاثناء من مسجد القرية،،،
فصعدت على سطح “الدار” حيث اعتدت الجلوس بمفردي على مكان أُعد للجلوس تحت السماء في اعلى ركن من اركانه وبقيت هناك حتى اسدل الليل سترة الظلام ولف بها كل ارجاء القرية واطبق عليها بالسكون فدعوني لتناول العشاء الذي كان قد حان موعد تناوله،،،،
وماكدنا نفرغ من تناول وجلة العشاء حتى عدت مجدداً لمتابعة شرودي على السطح ،كان الطقس بالنسبة لإهل القرية بارداً قياساً على درجة حرارته العالية فيها بفصل الصيف الا انني لم اكن اشعر بالبرد فيها حتى بالقياس على درجة حرارة الطقس الشديدة في الحديدة اثنا فصل الصيف ايضاَ ..فمر من الوقت ساعة زمنية واحدة تقريباً او اكثر وانا جالس في مكاني على السطح قبل ان انتبه الى صوت جهوري غير مميز يناديني من فنا الدار فتبينته حتى تعرفت على صاحبه قبل ان اجيب عليه،،فطلب مني الهبوط…فهبطت اليه وبصحبته شاب آخر من طلاب الثانوية فصافحتهما بالمناسبة ،، وبعدها أخبروني ان الشباب الذين ارسلوهم في طلبي لمشاركتهم “السمرة” -وذكروا البعض منهم بالاسم – ينتظروني في المكان ذاته الذي اعتدنا ان نحيي “سمراتنا الليلية الشبابية ” الطويلة فيه منذ صبانا ..الا انني وجدت نفسي في المزاج الذي جعلني اعتذر لهم عن ذلك .غير انهم لم يقبلوا اعتذاري لهم واكدوا لي بانهم لن يبرحوا المكان ولن يتركوني اعود من عندهم دون ان اذهب معهم الى هناك.. ومازلنا في اخذ ورد حتى اقنعوني اخيراً او قل بدلاً عن ذلك، انهم اجبروني بصورة او باخرى على مرافقتهم عنوة الى هناك…
فلما وصلت برفقتهم الى المكان الذي دعوني اليه في بطن احد الشعوب القريبة من البيت حيث سطرنا فيه اجمل ذكريات العمر التي جمعتنا كثيراً هناك في الليالي الخالية من صبانا والشباب ، كانت ثلة الحاضرين كبيرة جداً فسلمت على البعض منهم ممن لم اكن قد التقيت بهم بعد حتى تلك الساعة سلام العيد المعتاد اما البقية فكنت قد التقيت بهم في الصباح ..ثم سألوني على لسان احدهم : لماذا لم تأتي في الموعد الذي لطالما كنت السباق بحضورك فيه على الدوام الى هنا فيما فات من العمر ؟
فلم اجد جواباً دقيقا ومقنعا للردً على هذا السؤال لتبرير موقفي لهم فتركت المجال مفتوحاً امامهم ليجيبوا عليه ويتقولوا عني بما خطر لهم من الاقوال ، وفيما كان بعضهم يفسرون الامر بقولهم أن الغرور قد داخلني ولم اعد اعبأ بهم او اكترث بشأنهم .فقد كان اخرون يردون عليهم بالقول بل لقد تكبر علينا ونسينا ونسي ما كان بيننا وقال غيرهم بل ان فرحته بالزواج جعلته يلغي وجودنا من رأسه ووووو وكثيرا مما تقولوا به عني من هذا القبيل…وكنت في تلك الاثناء استمع اليهم بصمت ولا ادري مااقوله لهم …حتى انتهوا من كلامهم قلت لهم ياجماعة لاشئ من هذا الذي سقتموه ورميتموني به كان صائباو صحيحاًً …وكل مافي الامر هو انني اشعر ببعض القلق والتعب وبحالة من الاكتئاب وان ذلك قد تكون ناتج عن الارق والسهر وقلة النوم اللائي تعرضت لهما خلال الايام الاخيرة بفعل عناء السفر الذي تظافر مع تأثير مفعول القات فجعلاني في مزاج سئ ومعكر ولايسمح لي بالسهر معكم ..
فقالوا انما دعوناك لنشهد آخر سمراتنا معك ولنقيم لك حفلة توديع حياة العزوبية التي ستغادرها غداً..والتي لم اودعها ولم اغادرها بعد حتى الان… لذلك فقد كانوا جاهزين ” بمسجل ” ضخم احضروه معهم لهذا الغرض ففتحوه على آخره واقاموا لي حفلاً فنياً صاخباً اخرجني لبرهة من الزمن من حالة الشرود والقلق التي تتلبسني على نحو جعلني اميل للوحدة والانعزال واعادني للاندماج معهم قبل ان اعود ادراجي الى البيت كي آخذ قسطاً كافياً من النوم استعداداً لليوم المقبل ..وربما كانت ومازالت هذه الحفلة حتى الان اجمل واهم بالنسبة لي من الحفلة التي اقيمت لي فيما بعد بمناسبة مراسيم الزفاف،،،
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

 

الجزء الثـــــــــــاني

 

تم عقد قِرٱننا قبل يوم واحد من الزفاف الذى جرى في مناخات هادئة كما أُعِد له بعد ان تغير موعده الى اليوم التالي لإسباب تتعلق بهم (اهل الزوجة)..وانقضت فترة الإجازة الممنوحة لي من العمل وأضفت عليها اسبوع آخر او يزيد قليلاً من الغياب عنه .كانت حالتي النفسية التي تعرضت للتدهور قبل الزواج قد اخذت في التحسُن التدريجي خلالها بشكل كبير عما كانت عليه قبل ذلك .ربما لأن الامر المهم الذي كان يشغلني ويقلقني ويستحوذ على معاقد روحي وشرودي واستغراقي كله قد حُسِم ولم يعد الانشغال به مفيداً او مجدياً الان ، او لانني تجاوزت ذلك الحاجز النفسي الذي كنت اتهيبه من الزواج.. إذ لم يعد هناك مايقلقني او يستولي على تفكيري الان سوى العمل والإجازة والغياب عنه وشحنة المواد الخام التي لاشك بانها قد وصلت الى الميناء ..ولم يكن بوسعي خلال هذه الفترة التصريح بعزيمتي على العودة للحديدة لو عزمت على العودة اليها تحت تلك الضغوط والمخاوف حرصاً مني على مشاعر الزوجة التي كنت قد مهدتُ للامر لديها عندما
تحدثت “معها” حول هذه المنغصات منذ البداية وشرحت لها موقف الشركة السابق مني ومصيري معها في حالة ما لو لم التزم بالمواعيد والقرارات الادارية وبمسؤلياتي وبمهام عملي المحددة فيها خصوصاً وانني قد وعدتهم بالعودة اليها غب انتها الاجازة التي منحوها لي في العيد… فلم تبدي إعتراضها على سفري ولكنها رأت بانهم في الشركة سوف يتفهمون موقفي وسيقدرون اسباب غيابي لو غبت عنهم لعدة اسابيع اخرى ثم عدت اليهم بعد ذلك واخبرتهم باني قد تزوجت …وهذا رأي منطقيي ونصيحة وجيهة من شخص لا يعلم شئ عن طبيعة العلاقة التي تربط هذا الموظف بعمله في الشركة او بمرؤسيه فيها وان هذه العلاقة قد توترت وأهترأت معهم كثيراً وباتوا يترصدون له هفوة بسيطة لتبرير تخلصهم منه بسبب فكرة الزواج التي طرحها عليهم مجرد طرح على نحو ماجرى ،فكيف لو علموا بانه قد تزوج فعلاً.!!..لذا ولان هذا الرأي الذي اشارت به عليَّ كان مقنعاً لي وسديداً بالنسبة اليها ومن وجهة نظرها فقد كان المطلوب مني كي اقنعها بمخاوفي تلك من نتائج الغياب عن الشركة ان اصارحها بالحقيقة وان اكشف لها السر الذي لايصح ان اكشفه لها نظراً لما قد يسببه لها من الانزعاج وكثيراً من الامتعاض والشكوك.. وقد يعرضني في الوقت نفسه لمشاكل انا اصلاً في غنى عنها …لذلك فلم اكرر حديثي معها او مع الاخرين في موضوع السفر مجدداً حتى اليوم العاشر من الزواج تقريباً الذي قررت فيه – بعد ان كان قد بلغ بي القلق اوَجّهُ – ان افاتح الوالدة بذلك لإعرف ردها ورأيها فيه..وما كدت افاتحها بالامر واصارحها بنيتي على العودة للحديدة حتى قابلتني برفضها واعتراضها الشديد لهذا الرأي .مبررة ذلك بما اشارت اليه من انني ان فعلت ذلك في هذا الوقت غير المناسب فإنني سأوفر الفرصة التي سيقتنصها الناس لإشاعة الخبر بينهم بانني لا أريد الزوجة وسأقدم لهم الذريعة الكافية التي لم يكونوا ينتظرونها لتحقيق رغبتهم في التناجي بها في اوساطهم ولن يصدقوا بان الشركة لم تمنحك اجازة بل حتى لو صدقوا ذلك واقتنعوا به…فهم يبحثون عن المبرر فقط الذي يقيمون عليه حجتهم لنشر الشائعة بينهم وخصوصاً النسوة منهم اللائي لابد وان يستثمرنها للتأثير على مشاعر ونفسية زوجتك واهلها..وقد يتوافق ذلك مع الاثر السلبي الذي لاشك ان سفرك قد يتركه لديها في طوايا نفسها وما قد يضيف عليه الشيطان ويلقيه في صدرها من ” الوساوس” …فنصحتني بتأجيل السفر بضعٌ اخرى من الايام …
في اليوم الرابع عشر كان هو الموعد الذي قرر واحد من اشقائي ان يغادر القرية فيه الى عدن التي سينطلق منها بعد يومين الى ارض الرافدين لمواصلة دراسته الجامعية العلياء فيها . ورغم ان الوالد لم يكن راضياً عن ذلك في قرارة نفسه إلا انه لم يقف حائلاً في طريقه . واعطاه الخيار ليتخذ قراره بنفسه ،،
كان هذا هو الشقيق الاصغر من اربعة اشقاء قبله والاكبر مني بثلاثة اشقاء آخرين بعده قبلي..وهذا هو قوام اشقائي جميعهم….وكان في تلك الفترة اكثرهم قرباَ مني والتصاقاً بي وتفهماً لي…وهو الذي تولى مهمة التحضيرات السابقة واللاحقة للزواج بتكليف مني ومن الوالد…فلما سافر الى عدن قبل يومين من سفره للعراق كنت معه .. على ان اعود بعد ان اودعه من المطار الى القرية فوراً …وكنت قبل ذلك قد علقت لهم في البيت قرار عودتي او عدم عودتي اليهم من عدن مباشرة بالنتيجة التي سوف اصل اليها مع مدير المصنع من خلال قيامي بالاتصال به منها فإن وافق على ان يمدد لي الاجازة فسوف اعود وان لم يوافق على ذلك فانني في هذه الحالة سأكون مضطر لمواصلة سفري الى الحديدة .. وجعلتهم يرجحون ان احتمال عودتي اليهم من عدن هو احتمال ضعيف جداً..
مكثنا يومين في عدن استضافنا خلالها شخص على قرابة وثيقة بنا عن طريق قرابته بأمنا شقيقة ابيه …وكانت تلك اول واخر مرة بعد زواجي التي اتناول فيها الكحول الذي عزمنا عليه الرجل ولسبع سنوات لاحقة قبل ان نفترق بعد ذلك…ونظراً للعلاقة الاستثنائية التي الَّفت بيني وبين هذا الشخص لسنوات طويلة عشناها معاً فضلاً عن صلة القرابة تلك فقد كنت بل ومازلت احتفظ له بمنزلة في شغاف القلب لاينالها إلا أمثاله من الناس على قلتهم ..لذلك فقد كان له ان يسألني في احدى تلك الليلتين عن رأيي بصدق في الزوجة من الناحية الشكلية ” الجمالية” وهل كانت في المستوى الذي كنت انتطره او احلم به …وقد اجبته بالجواب الذي لم يكن ينتظره مني..
اوردت هذه الرواية هنا لانني اشعر بان الكثير من القراء والمتابعين لاحداث هذه القصة ينتظرون مني ان يعرفوا هذه الحقيقة ضمن كثير مما ينتظروا بلهفة ان يعرفونه فيها مما احاط بها من الحقائق والاحداث لإعتبارات عديدة ترتبط في جملتها بطبيعة المشكلة التي نشبت بيني وبينها بعد سبع سنوات من الزواج…ورأيت ان اخبرهم واؤكد لهم هنا ان الحالة النفسية التي اعترتني قبل الزواج لا علاقة لها على الاطلاق بهذا الموضوع واستيآئي من الزواج الذي اشرت اليه في هذه القصة لا صلة له بشخص الزوجة وهيئتها ابداً …لانني لا أؤمن كثيراً بجمال المظهر كايماني العميق بجمال الجوهر،،،،،

 

في الساعة الثانية عشرة منتصف الليلة التالية كنا بالمطار في وداعه قبل ان يدخل الى صالة المغادرة لنقفل نحن بدورنا عائدين الى ” الشيخ عثمان ” ..فطلبت من الرجل الذي كان يقود السيارة التي وصلنا بها الى المطار ان يوصلني في تلك الاثنأ على طريقه الى ” فرزة الحديدة” بالشيخ عثمان ..لم يكن الامر بالنسبة لي قابل للتفاوض على تأجيل السفر الى الصباح كما طلب مني ذلك . فاقنعته به قبل ان يقنعني برأيه فانطلق بي الى اقرب نقطة من ” الفرزة” وودعته وانصرف ..
منذ البدء فلم اكن ازمع في سريرة نفسي الاتصال ” بالمدير” حقاً كي اطلب منه ان يمدد لي الاجازة قبل ان اعود الى الحديدة كما اخبرتهم بذلك في القرية لانني كنت اعرف اجابته على ذلك سلفاً واخشى من سماعها منه عبر الهاتف ورأيت ان التواصل معه عبر الهاتف سيسهل الطريق امامه لاستغناءه عني بعد ان تغيبت عن العمل كل ذلك الوقت. كما كنت ادرك بانه قد قد علم بخبر زواجي عن طريق عدد من شباب القرية الذين شغَّلتهم في المصنع والذين حضروا ” العُرس” قبل ان يعودوا للحديدة ،، فلا شك بانه قد سألهم عني فأخبروه بالامر…….ان لم يتطوعوا هم بتوصيل البشارة اليه قبل ان يسألهم ….كان مجموعهم يزيد عن ستة اشخاص وسابعهم كنت قد شغلته مدير لحركة الالات والمعدات والمركبات بدلاً عني عندما عينوني مديراً للمخازن والمبيعات في المصنع في وقت سابق…
انطلق البيجوت من محطة الانطلاق بالشيخ عثمان متجهاً صوب الحديدة حالما اكتملت حمولته بالعدد المطلوب من الركاب بعد اقل من حوالي ساعة على وجه التحديد ..
وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً كنت قد. وصلت المصنع .. وما لبثت غير وقت قصير منذ ان وصلت اليه حتى شعرت بتيار من الحيوية ينساب في عروقي وبموجة من الارتياح تدب في اوصالي وتسري في احشائي حالما اخبرني بعض الموظفين الذين التقيت بهم في “المقصف ” عن عدم وصول شحنة المواد الخام التي لطالما اقضت مضجعي واشغلت بالي وعكرت مزاجي وافسدت بهجتي بالزواج واثقلت كاهلي بحملٍ كبيرٍ من الهم المصحوب بالقلق والتوتر والخوف معاً خلال الفترة الماضية على نفسي من المصير الذي كان يتهدد مستقبلي العملي مع الشركة بالتوقف في حالة ما لو انها كانت قد وصلت الى الميناء فعلاً في الموعد الذي سبق وان اكده لي المدير العام او في حالة ما لو انها وصلت الى المصنع في اي موعد آخر دونه او اثناء فترة غيابي عنه او قبل عودتي اليه بعد ان طلب مني ان اكون حاضراً فيه لاستقبالها وحذرني من عاقبة عدم التقيد بذلك او التساهل فيه تحت اي عذر كان….فتنفست الصُعداء إثر علمي بهذا الخبر السعيد…ولعلني لم اكن اخشى على نفسي من هذه العاقبة لانني فقط كنتُ على علم بانهم الان باتوا يتصيدون لي سبباً واحداً ولو بسيطاً لتبرير استغنائهم عني وعن خدماتي لديهم في المصنع الذي يستطيعون ان يستغنون عن خدماتي فيه دون إبدا السبب الذي يبررون به ذلك ان هم عقدوا النية الكاملة على الإستغناء عني بأي طريقة كانت، فما ظني بشأني معهم وقد توفر لهم السبب الكافي الذي يبرر لهم ذلك ويمنحهم الشرعية الكاملة لفعله بلا تردد.. وانما اكثر خشيتي على نفسي كانت نابعة من النتائج العملية الوخيمة التي لا شك بانها ستترتب على غيابي أثناء عملية نقل هذه المواد التي تستمر لعدة اسابيع متواصلة من الميناء وتفريغها في مخازن المصنع بعد مطابقة اوزانها ومقاييسها واحجامها وكمياتها التي تحتاج الى تركيز شديد ونباهة متناهية وفحص عملي دقيق يتطابق مع واقع البيانات التي يتضمنها ” الباكنجلس” المرسل معهاً من بلد الاستيراد وفقاً للمواصفات المطلوبة قبل إستلامها …وهذا عمل لم يكن يتقنه البقية في المصنع ..لذلك فقد كانوا يعتمدون علي كل الاعتماد دون سواي في القيام بهذه المهمة مع فريق كبير من العمال وأُمنا المخازن والمحاسبين الذين يساعدوني في إنجازها اولاً بأول على الوجه المأمول…
الموظفين الذين زفوا لي هذه البشرى عند وصولي للمصنع هم انفسهم الذين اخبروني في الوقت ذاته بأن المدير العام – الذي رأيت سيارته بعد ذلك تقف في موقفها المعتاد بفناء المصنع – قد عاد الى الحديدة قبل بضعة ايام وبصحبته ” اخيه بالتبني علي “
ولم احاول إستفسارهم بالإستفسار الذي كان يدور برأسي في تلك الاثناء عما إذا كان قد افتقدني وسأل عني او ذكرني او تحدثت معهم عن غيابي منذ ان عاد للحديدة لأنني إستنتجت من عدم تطرقهم بالحديث معي في هذا الموضوع بالذات ما اغناني عن توجيه مثل هذا السؤال اليهم واعفاهم في الوقت نفسه من مشقة المبادرة التلقائية في الاجابة عنه دون ان اطرحه عليهم …ولو ان شيئاً من هذا القبيل كان قد حدث بالفعل امامهم فما كانوا لينتظروني حتى اسألهم عن ذلك قبل ان يبادروا هم بالاجابة عليه من تلقاء أنفسهم ….
إلا ان احدهم قال لي : لقد سمعت ” علي” – ويقصد به اخيه بالتبني – يسأل عنك احد الموظفين ويستفسر منه عن اسباب غيابك وتأخرك ، فعلمنا منه بأنك قد تزوجت ..
فأوقعني وقع هذا الخبر على مسامعي مجدداً في موقع الريبة التي اخذت تداهمني وتحرك في نفسي – التي مالبثت تتعافى وتتحرر من حالة القلق والمخاوف التي انتابتها بسبب شحنة المواد الخام – اسئلة ومخاوف جديدة فيها عما يعنيه هذا الامر وما يعنيه علمه بخبر الزواج ..وعن مناسبة واسباب زيارته الحديدة ..
ثم كان لي بعد ذلك ان انسحب من بينهم واتوجه الى الحجرة التي اسكن فيها بإحد المباني القصية في الباحة الشاسعة التي تحيط بالمصنع ، فصادفت وانا في طريقي التي تمر امام إحدى صالات الانتاج الى هناك المدير العام بينما كان يهم بالخروج منها بعد الجولة التفقدية المعتادة التي يقوم بها صباح كل يوم يوم فور وصوله الى المصنع في جميع الصالات قبل ان يصعد الى مكتبه …فتفاجأ من رؤيتي على مقربة منه هناك وابتسم في وجهي ورحب بي وهو يقول لي” مش معقول” لا يعقل انك عدت بهذه السرعة .. اكيد انك لم تتزوج ..مع اني بحثت خلال هذه الفترة عن كل وسيلة ممكنةرللتواصل معك كي امنحك الاجازة التي طلبتها مني قبل اجازة العيد للزواج بعد ان علمنا بان شحنة المواد الخام سوف تتأخر عن الوصول الى الميناء في موعدها المفترض لعدة اسابيع اخرى فتعثرت جهودي في العثور على وسيلة للتواصل بواسطتها معك ، لذلك فقد اتصلت بفرع الشركة في عدن وطلبت منهم ان يبحثوا عن اي وسيلة ممكنة للتواصل معك او في حالة ما لو انك مررت عليهم ليخبروك بذلك كما انني توقعت ايضاً بل كنت متأكداً بانك ستتصل بي قبل قدومك الى هنا ….
فقلت له بلسان المزح والمداعبة: لقد نغصت بهجتنا بالزواج وحرمتنا من نعمة الاستمتاع بها وافسدت علينا فرحتنا بالعيد وفرحتنا بالزواج معاً وعيشتنا تحت رحمة القلق والخوف طوال هذه الفترة ..
قال ..هذا يعني انك تزوجت فعلاً ..طيب لماذا عدت بهذه السرعة ولماذا لم تتصل بي من عدن طالما وقد تزوجت كي امدد لك الاجازة ….
وكيف طاوعتك نفسك ان تترك زوجتك قبل ان ينتهي شهر عسلكما وتعود الى الحديدة بهذه السرعة …
قلت له : كل ذلك لانك لم تمنحني الاجازة الكافية التي طلبتها منك للزواج وتوعدتني بما لايسرني ان انا لم اعُد للدوام في الموعد الذي حددته لي ..وفضلاً عن ذلك فقد خشيت من ان تصل شحنة المواد الخام اثناء فترة غيابي وما قد يؤدي اليه ذلك من النتائج الوخيمة في عملية استلامها..فحرصت مااستطعت على ان اتدارك ذلك قبل ان لايكون في الوسع تداركه ..فهل انا مقصر في واجبي برأيك..
قال . لا بل انت تستحق الشكر والثناء على هذا الاهتمام وهذا الحرص ….ثم سالني بصوت خافت قائلاً لي : هل انت فعلاً قمت في تلك الليلة بالاتصال ” بالاخ علي” على تلفون البيت !؟….
قلت له : ألم تطلب انت مني ذلك…
قال بلى ..ولكني كنت امزح معك وظننت بانك لم تصدقني ولم تأخذ الامر بجدية عندما قلت لك بانه قد عاد من ماليزيا ..واستبعدت تماماً ان تفكر في الاتصال به في ذلك الوقت المتأخر من الليل…ام انك قد انتهزها فرصة لتتصل على رقم البيت رغم ذلك…
قلت له معاذ الله ان اكون كذلك ..وكأنك نسيت بانك انت الذي ارغمتني على ذلك وابيت إلا ان اتصل به في ذلك الوقت قبل ان ارد اليك خبراً عن النتيجة التي سأتوصل اليها معه…
قال عموماً…فإن الاخ علي متواجداً حاليا في الحديدة وسيكون بعد ظهيرة هذه اليوم متواجداً هنا في المصنع ..فإذا سألك عن الموضوع فلا تخبره بانني انا الذي طلبت منك الاتصال به ليلتها ..فهو قد تحدث مع الوالد بهذا الشأن قبل ان يتحدث معي فيه لذلك فقد كان الحاج ساخطاً عليك قبل العيد ، ولكني دافعت عنك امامهم الاثنين واكدت لهما بان مثل هذه الاعمال والتصرفات لا يمكن ان تصدر منك وانك انسان مخلق ومؤدب وفوق ذلك فقد بينت لهم ايضاً واقنعتهم في الوقت نفسه بأنك حين اتصلت الى هناك انما اتصلت تبحث عني قبل ان تجدني في الاتصال الذي زعمتُ لهم بانك قد اجريته معي بعد ذلك مباشرة واخبرتني فيه بانك قد اتصلت اليهم عن طريق الخطأ بحثاً عني لتخبرني عن إنجاز المهام التي كنت قد كلفتك بها في اليوم السابق وطلبت منك ان توافيني بما انجزته منها..
فإياك ثم إياك ان تزل بلسانك زللاً يخالف هذا الكلام الذي قلته لك الان وانت تتحدث معه في هذا الموضوع فتكشف له ما أخفيته منه عنه لكيلا تفسد المودة وتزرع بذور الفتنة بيني وبينه بما كنت اسعى من وراه لما فيه مصلحتك ومستقبل حياتك…
فقلت له: إطمئن ولا تقلق من هذه الناحية ..ولا توصيني بما كنت قد فعلته انا اصلاً من سابق معه بمحض ارادتي ومن تلقاء نفسي عندما اتصل بي تلفونياً بعد وصوله من ماليزيا الى صنعاء مباشرة قبيل اجازة العيد ، ولم اخبره بذلك رغم قسوة التوبيخ وحدة التأنيب اللذان تعرضت لهما على لسانه ،ولم اذكر له إسمك لانني اعتبرت ان ذلك التصرف الذي بدر منك وعرضني للمشاكل والاهانات معه بسببك كان تصرف طائش ولايصدر عن عاقل ، فعلمت بانني كنت قد ارتكبت خطأً فادحاً يستحق اكثر مما تعرضت له بسببه عندما وثقت فيك وتعاملت معك باعتبارك شاب ناضج ومسؤل عن افعاله ويزن الامور ويدرك ابعادها ونتائجها فاتضح مالم يكن في الحسبان…
قال : هل انت فعلاً تعني ماتقول..هل هو تواصل معك حقاً بشأن هذا الموضوع …
قلت له :
وكأنك لا تعلم بذلك …
قال : انا فعلاً لم اعلم بذلك إلا من لسانك الان …
قلت له : هل يعقل ان يتحدث اليك بشأن هذا الموضوع دون ان يخبرك بخبر اتصاله بي …
قال : هو لم يتحدث البتة معي في هذا الموضوع برمته قبل ان يحدثني الوالد فيه بعد ان عاد من الحج وسألته عن سبب إنزعاجه منك ..فاخبرني بالخبر ..ثم تكلمت بعد علمي به مع علي فيه ، ولكنه لم يحدثني عن قصة إتصاله بك مطلقاً …. ولم اعلم بها ابداً حتى هذه الساعة التي اخبرتني انت فيها بحقيقة ذلك ….
قال لي : طيب لماذا لم تخبرني بانه قد اتصل بك في حينه.؟
قلت له : لانني كنت استبعد تماماً بانه لن يخبرك بالموضوع ، بل كنت اشعر بانك كنت على علم مسبق به ، لذلك فقد انتظرت ان تكون انت السباق لتفاتحني فيه ولكنك لم تفعل وهذا مازادني يقيناً بانك قد علمت به ، ولم اشاء ان اكون انا صاحب المبادرة بالحديث معك فيه لكيلا اضعك في موضع الاحراج الذي اعتقدت إنك تتحاشى الوقوع فيه عن طريق مابدا لي من سكوتك عن الحديث معي حوله وتجاهلك له …
دار بنا الحديث حول كل هذه التفاصيل خلال ربع ساعة فقط من الوقت الذي امضيناه واقفين في العراء على اقدامنا بنفس المكان الذي التقينا وتعانقنا فيه تحت وقيد اشعة الشمس اللافحة التي تسبق ساعات الاصيل .
ثم استأنفنا السير على الطريق كلٌ الى وجهته بعد ان عزمني على وجبة الغداء التي اصر على ان اعود اليه عندما يحين الوقت لنذهب لتناولها معاً في الحديدة..
اظهر لي من الاهتمام المبتذل ومن الكرم المصطنع ومن وحفاوة الاستقبال ماجعلني استنفر حذري منه واتجنب الإحتكاك به كثيراً بعد ذلك ….ومنذ ذلك اليوم تغيرت طبيعة تعامله معي كثيرا! وبالغ في إعتناءه بي على نحو مريب ويبعث في النفس على الغرابة والتوجس معاً..
كانت وجبة الغداء التي اصر على دعوتي اليها دسمة وفاخرة ، ولعلني لم آكل مثلها من قبل ومن بعد ايضاً حتى الان ..وكان ونحن في طريقنا الى هناك قد اعتذر وعبر لي عن اسفه مما صدر منه في وقت سابق تجاهي ..\
ــــــــــــــــــــــ
*كاتب واديب يمني

 


http://www.alnaked-aliraqi.net/article/27998.php


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق