]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

علم الدلالة الأصولي ( (Usulic Semantics ) الحلقة الثانية (حقيقة وضع اللفظ للمعنى )

بواسطة: د انور غني الموسوي  |  بتاريخ: 2015-06-28 ، الوقت: 18:19:40
  • تقييم المقالة:

 

د أنور غني الموسوي

 

 الخلاصة

 

 

  ان الفهم العلاماتي لعلاقة اللفظ بالمعنى انما هو واحد من مجموعة من المدركات و التصورات الاصولية عن تلك العلاقة ، فبجانب الفهم العلاماتي الذي يكون الدال متميزا و موازيا للمدلول و لا يحقق حضورا للمعنى الا بواسطة الانتقال الى عالم المعنى ، فهناك الفهم التنزيلي التجسيدي الاتحادي الذي يكون اللفظة عبارة عن احضار مباشر حقيقي للمعنى الى عالم الاستعمال و التوصيل ، وهنا يتحد الدال و المدلول ، وهو فهم اخر للدلالة ، و ايضا هناك التصور الاسمي العنواني لعلاقة اللفظ بالمعنى بحيث يكون اللفظ اسما و عنوانا للمعنى ، و يكون حضورا مباشرا اعتباريا له في عالم الاستعمال و التوصيل ، و ايضا لدينا الفهم الوجهي المرآتي بحيث يكون اللفظ مرآتا للفظ وهو احضار مباشر انعكاسي لا يستوجب الانتقال . من هنا فان التصورات الاصولية بخصوص وضع اللفظ للمعنى اضافة الى افقها الواسع فانها  توجه اشكال حقيقيا للفهم السيميائي لعلاقة اللفظ بالمعنى المقتصر على الفهم العلاماتي   .

 

 

تمهيد

 

قال الحكيم (حيث كان تشخيص الظهورات متفرعا على دلالة اللفظ على المعنى، كان المناسب التعرض لبعض المباحث اللغوية الدخلية في الدلالة والمناسبة لها مقدمة للكلام في هذا المقام، لمسيس الحاجة لذلك، ولا سيما بعد عدم استيفاء البحث عنها في العلوم الادبية، - الى ان قال-  من الظاهر أن دلالة اللفظ على المعنى تارة: تبتني على أداء اللفظ له بنفسه بحيث يكون قالبا له. واخرى: تبتني على قرينة خارجة عنه لمناسبة صححت ذلك عرفا. والاستعمال في الثاني مجازي أو نحوه مما قد يجري عليه أهل الاستعمال، وليس هو فعلا محل الكلام. أما في الاول فهو حقيقي، وهو متفرع على علاقة خاصة بين اللفظ والمعنى ونحو من الملازمة الذهنية بينهما، بحيث يكون اللفط قالبا للمعنى، ويكون سماعه موجبا للانتقال إليه، حتى يصح عرفا أن ينسب أحدهما للاخر، فيقال: هذا معنى اللفظ، وهذا اللفظ لهذا المعنى.  )

 

نفي الدلالة الذاتية

قال الصدر ( في كل لغة تقوم علاقات بين مجموعة من الالفاظ ومجموعة من المعاني، ويرتبط كل لفظ بمعنى خاص إرتباطا يجعلنا كلما تصورنا اللفظ إنتقل ذهننا فورا إلى تصور المعنى وهذا الاقتران بين تصور اللفظ وتصور المعنى وإنتقال الذهن من أحدهما إلى الآخر هو ما نطلق عليه إسم " الدلالة " فحين نقول: " كلمة الماء تدل على السائل الخاص " نريد بذلك أن تصور كلمة الماء يؤدي إلى تصور ذلك السائل الخاص، ويسمى اللفظ " دالا " والمعنى " مدلولا " )

 وقال القمي (  لا ينبغي الريب - بعد التأمل القليل في كيفية حكاية الألفاظ المستعملة عن معانيها - في أن الألفاظ مرايا محضة لمعانيها، وتكون المعاني كأنها الملقاة الى المخاطب، والألفاظ مغفول عنها بالمرة إلا من حيث كونها أدوات تفهيم المعاني المقصود إلقاؤها، فدلالة الألفاظ على المعاني بهذه الكيفية. فهذا الربط الشديد بين اللفظ والمعنى نعبر عنه بأن اللفظ اسم للمعنى. ولا ينبغي الشك أيضا في أن هذا الربط إنما حصل عقيب وضع اللفظ للمعنى، بداهة أن احتمال دلالة الألفاظ بنفسها على معانيها مما لا يصلح الإلتفات إليها، بل إنما هي بالوضع. )

  و قال المظفر ( و لاشك ان دلالة الالفاظ على معانيها في أية لغة كانت ليست ذاتية ، كذاتية دلالة الدخان مثلا على وجود النار ، وان توهم ذلك بعضهم ، لان لازم هذا الزعم ان يشترك جميع البشر في هذه الدلالة ... وهذا واضح وعليه ، فليست دلالة الالفاظ على معانيها الا بالجعل والتخصيص من واضع تلك الالفاظ لمعانيها . ولذا تدخل الدلالة اللفظية هذه في الدلالة الوضعية)

 

في بيان حقيقة الوضع

و قيل في حقيقة وضع اللفظ للمعنى ثلاثة اقول رئيسية :-

الاول : انه حقيقة اعتبارية

الثاني : انه حقيقة تنزيلية

الثالث : انه حقيقة تعهدية

الاول :   الحقيقة الاعتبارية

  وهي الاقرب للوجدان و الظاهر من العرف في الوضع و ابرز اطراحاته ما يلي

الاولى :  الاسمية

قيل (حقيقة الوضع عبارة عن جعل اللفظ للمعنى وتعيينه للدلالة عليه ، وما يرى في كلمات المحققين من التعبير بالاختصاص او التعهد ، فهو من آثار الوضع ونتائجه ، لا نفسه واما ما اقيم ،عليه من البرهان من انه لايعقل جعل العلاقة بين امرين لاعلاقة بينهما وانما المعقول هو تعهد الواضع والتزامه بانه متى اراد افهام المعنى الفلانى تكلم بلفظ كذا ، فهو حق لو كان الوضع ايجاد العلاقة التكوينية ، واما على ما حققناه من انه تعيين اللفظ للمعنى فهو بمكان من الامكان . )

 و قال القمي ( ان حقيقة الوضع إنما هو جعل اللفظ اسما للمعنى ونتيجته: أن من علم بوضعه هذا يتبعه ويستعمل اللفظ اسما على المعنى. هذا هو حقيقة الوضع، وهو واضح لمن تأمل عمل نفسه عند تسميته ولده أو من فوض إليه تسميته. )  .

و في بيان سببية انتقال الذهن الى المعنى بمجرد سماع اللفظ قال الصدر ( أن علاقة السببية التي تقوم في اللغة بين اللفظ والمعنى توجد وفقا لقانون عام من قوانين الذهن البشري. والقانون العام هو أن كل شيئين إذا إقترن تصور أحدهما مع تصور الآخر في ذهن الانسان مرارا عديدة ولو على سبيل الصدفة قامت بينهما علاقة وأصبح أحد التصورين سببا لانتقال الذهن إلى تصور الآخر.)

 

 

الثانية:  العلاماتية

قيل ان (للوضع نحوان من الوجود : الحقيقي كوضع العلم على رأس الفرسخ لينتقل من النظر إليه ، ان هذا رأس الفرسخ ، والاعتباري ، بمعنى ان الوضع يعتبر وضع لفظ خاص على معنى مخصوص .) و  اشكل  صاحب الزبدة على ذلك   انه في باب الوضع الحقيقي لا دلالة حقيقية ، بل هي فيه ايضا تابعة للجعل والبناء فباب الوضع الخارجي اجنبي عن باب الدلالة ، وان كان قد يتصادقان في مورد واحد  وعليه فحقيقة الوضع ليست اعتبار مفهوم الوضع على حد الوضع الخارجي ، مع انه ينافى ذلك ما يصرح به القائل في مبحث استعمال اللفظ في اكثر من معنى ، من ان اللفظ ليس علامة للمعنى بل يكون وجودا تنزيليا للمعنى .و اضيف ايضا ان (في الوضع الحقيقي ، المكان المخصوص موضوع عليه ، وكونه رأس الفرسخ ، موضوعا له ومدلولا ، وفي المقام الموضوع له والموضوع عليه شيء واحد )

و قيل  أن القائل به ( اي علاماتية الوضع)  لا يريد إلا التشبيه من حيث إن اللفظ أينما ومهما تحقق فهو كعلامة ينتقل منه الى المعنى، وليس التشبيه من الجهات الاخر. لكنه يرد عليه: أن الربط الموجود بين اللفظ والمعنى أشد من ربط العلائم المنصوبة بالمعنى الذي هي علائم عليه، فإن الألفاظ - كما عرفت - مجرد أدوات لا يلتفت إليها استقلالا بحيث يكون المتكلم كأنه يلقي المعاني ابتداء والمخاطب يتلقاها كذلك، فهذا الارتباط الأكيد أمر شديد لا مجال للتغافل عنه، بل حينئذ هو حقيقة دلالة الألفاظ على المعاني، وهو حصيل عمل الواضع وتسمية المعنى باللفظ.

 

 

 

الثاني :  الحقيقة التنزيلية

 

  ان الوضع (اعتبار كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى . فيكون وجود اللفظ وجود اللمعنى في عالم التنزيل . ) و اشكل عليه ان نتيجة الوضع ، الانتقال من اللفظ الى المعنى وكان المعنى هو الملقى الى المخاطب ويحكم عليه بما يشاء ، لا ترتيب آثار المعنى على

اللفظ كى يصح هذا التنزيل وان شئت قلت ان التنزيل الادعائي انما يكون بلحاظ ترتيب آثار المنزل عليه على المنزل ومن الواضح انه في باب الوضع ليس كذلك ، إذ الواضع لا يريد بالوضع ترتيب آثار المعنى على اللفظ .)

 

 

الثالث :  الحقيقة التعهدية

 بان حقيقة الوضع هو (التعهد بذكر اللفظ عند تعلق قصد المتكلم

بتفهيم المعنى وابزاره ، ويكون متعلق هذا الالتزام النفساني امرا اختياريا ، وهو المتكلم بلفظ مخصوص عند ارادة ابراز معنى خاص ، والارتباط لا حقيقة له ، وانما ينتزع من ذلك .) و اشكل عليه    ان التعهد المزبور ، ان كان راجعا الى النطق باللفظ الخاص الذى هو مرآة للمعنى الخاص عند ارادة ذلك ، فيرد عليه : ان ذلك يتوقف

على مرآتية اللفظ للمعنى في رتبة سابقة ، وهى يتوقف على الوضع وبعده يكون التعهد لغوا . و اجيب ان التعهد المزبور لا يتوقف على المرآتية الفعلية ، بل يتوقف على القابلية لذلك ، والمرآتية الفعلية ، انما تتحقق بنفس هذا التعهد ، وما يتوقف على المرآتية الفعلية

انما هو الاستعمال . و ايضا استشكل ان التعهد لابد وان يتعلق بامر اختياري ، فالواضع متعهد لاستعمال نفس اللفظ المخصوص عند ارادة معنى خاص ، واما استعمال غيره ، فلا يكون مما تعهده

الواضع . وعليه ، فالامر يدور بين الالتزام بان من وضع لفظا لمعنى خاص يكون بعد ذلك كل فرد من الافراد المستعملين له فيه واضعا مستقلا ، وبين يكون استعمال غيره مجازا وبغير الوضع ، وكلاهما كما ترى . فيستكشف من ذلك عدم تمامية ذلك .  و اجيب ان بناء العقلاء -لاحتياجهم الى ابراز مقاصدهم بالالفاظ - يكون على متابعة وضع من له الوضع في هذا التعهد ، وهم ايضا يتعهدون لذلك تبعا له ، فكل فرد من الافراد يكون متعهدا ، ولكن يستند الوضع الى الجاعل الاول ، لسبقه ، وصيرورة وضعه ، داعيا لوضع غيره . ويترتب على

ما ذكرناه ان كل مستعمل واضع حقيقة . ) اقول وهذا خلاف الوجدان بان كل مستعمل واضع . حيث قيل  عنه انه (يرجع الى تفسير الوضع بأنه تعهد من الواضع، بل ومن المستعملين بأنه وأنهم متى أرادوا تفهيم المعنى الكذائي تلفظوا بلفظ مخصوص، بل في ما نقل عن قائله: إن كلا من المستعملين واضعون  . ويكفي في رد هذا القول مراجعة الوجدان، فإن كل أحد يرى من نفسه أنه يجعل لفظ كذا اسما للمعنى الذي يسميه، من دون التفات بدوي الى الالتزام والتعهد المذكور، بل ربما كان الواضع ممن يعلم بأنه لا يستعمل - ولو مرة - هذا اللفظ في هذا الموضوع له .

 

و ايضا قيل انه  ربما يكون الواضع غافلا عن هذا التعهد كما يتفق ان يكون الواضع غير المستعمل بان يضع اللفظ لاجل ان يستعمله الغير.

 

 

ايضاح

 

اقول من خلال ما تقدم يتضح ان الفهم العلاماتي لعلاقة اللفظ بالمعنى انما هو واحد من مجموعة من المدركات و التصورات الاصولية عن تلك العلاقة ، فبجانب الفهم العلاماتي الذي يكون الدال متميزا و موازيا للمدلول و لا يحقق حضورا للمعنى الا بواسطة الانتقال الى عالم المعنى ، فهناك الفهم التنزيلي التجسيدي الاتحادي الذي يكون اللفظة عبارة عن احضار مباشر حقيقي للمعنى الى عالم الاستعمال و التوصيل ، وهنا يتحد الدال و المدلول ، وهو فهم اخر للدلالة ، و ايضا هناك التصور الاسمي العنواني لعلاقة اللفظ بالمعنى بحيث يكون اللفظ اسما و عنوانا للمعنى ، و يكون حضورا مباشرا اعتباريا له في عالم الاستعمال و التوصيل ، و ايضا لدينا الفهم الوجهي المرآتي بحيث يكون اللفظ مرآتا للفظ وهو احضار مباشر انعكاسي لا يستوجب الانتقال . من هنا فان التصورات الاصولية بخصوص وضع اللفظ للمعنى اضافة الى افقها الواسع فانها  توجه اشكال حقيقيا للفهم السيميائي لعلاقة اللفظ بالمعنى المقتصر على الفهم العلاماتي كما لا يخفى .


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق