]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

هل ما زال الأمل موجوداّ؟

بواسطة: أسيل يعقوب  |  بتاريخ: 2015-06-19 ، الوقت: 21:34:06
  • تقييم المقالة:

 

هل ما زال الأمل موجوداّ؟

ظلت الأمة الاسلامية قرونا طويلة منذ القرن السابع الميلادي وحتى القرن التاسع عشر، وهي عزيزة منيعة، تتصدر قيادة الأمم والشعوب. وذاع صيط العرب منذ القدم بقوة ثقافتهم وحضارتهم، واشتهروا بهما على نطاق واسع في العالم أجمع. فكان الغرب يأتي للعرب لتعلم أشياء جديدة والاستفادة من أفكار واختراعات العرب آن ذلك. لقد اشتهر العرب بعلمائهم ومفكريهم ومخترعيهم في كافة المجالات العلمية والطبية والأدبية، كابن خلدون والرازي وابن هيثم والكثير الكثير غيرهم. وتابع العرب تقدمهم وازدهارهم والمضي في تعليمهم واختراعاتهم حتى اواخر عصر العثمانيين. الا انه ومنذ بواكير الثورة الصناعية في اوروبا في منتصف القرن السابع عشر وما يليه، فقد بدأ ميزان القوى الدولية بالتغير لصالح الغرب، وبدأ تراجع العرب والمسلمين بشكل متسارع في كافة الميادين حتى غزو الغرب واحتلالهم لاجزاء كبيرة من البلاد الاسلامية التي نجح بتفكيكها وتقطيع أواصرها.  وكردة فعل على جملة التراجعات وانخفاض مستوى النهضة والحضارة العربية – الاسلامية، ظهر العديد من المفكرين، ورأت النور الكثير من الدراسات التي تحاول التصدي لمشكلة النهضة العربية الاسلامية لوقف تدهور العالمين العربي والاسلامي من خلال تشخيص المشكلة النهضوية والحضارية، ومن جهة اخرى اقتراح الحلول والاليات والمنهجيات لوقف التدهور ومعاودة الاقلاع. 

 تحاول هذه الورقة تناول نهضة العرب والمسلمين وتراجعهم  اللاجابة على سؤال هل لا زال الامل موجودا لمعاودة النهوض والارتقاء الحضاري مجددا وذلك من خلال الاستناد الى استعراض ومناقشة افكار الكاتبتين: أحلام مستغنماني وفاطمة المرنيسي، للاستطراد تاليا بهدف توضيح وشرح وفحص فرضية مدى مسئولية الغرب عن اعاقة نهضة العرب وكبح صيرورتهم التاريخية وتشويه صورتهم واشغالهم بأمور تافهة تحت اسم أو راية الحضارة، واستمرار الغرب بالقيام بكل ما يلزم من اجل منع اية فرصة للعرب في النهوض. بعد ذلك سوف يقوم الكاتب بابداء رأيه الخاص بالواقع الراهن والوضع الحالي والمستقبلي للعرب وبيان ما اذا زال الأمل موجودا لازدهارهم ونهوضهم من جديد وتوضيح الشروط الموضوعية والذاتية التي ينبغي توفرها  حتى يعيد العرب سيرتهم الاولى فتبدأ حركة انتاج الافكار العلمية والعقلية الى البروز مجددا. ومن الجدير ذكره بان اختيار الكاتبتين قد جاء على ضوء قراءتي المتعمقة لبعض ادبياتهما خلال دراستي في هذا الفصل الذي اتاح لي فرصة التعمق في بعض الجوانب لموضوع النهضة الاشكالي الذي لا يزال مفتوحا للبحث والجدل في طول البلاد وعرضها.

ربما يكون من المناسب تقديم خلفية نظرية سريعة حول مفهوم النهضة والحضارة وذلك حتى لا يكون النقاش بعيدا عن هذا المفهوم. فالنهضة، في المعاجم العربية، تعني الرقي والارتفاع والسمو. فالشخص الناهض او الامة الناهضة يعني الذي يحتل مكانة مرتفعة وعالية بين اقرانه ونظرائه.كما ويطلق لفظ النهضة ومشتقاته على أفعال حركية، فالنهضة كلمةدالة على الطاقة والقوة. وأنهضه: قواه علىالنهوض". أما من ناحية الاصطلاح فلفظ النهضة ليست له دلالة محددة، فهو يدل على إنجاز حراك ثقافي ومجتمعي حسب المرجعيةالفكرية (اجابات جوغل على الانترنيت مثلاhttp://ejabat.google.com)

 وهذه النقطة تحديدا، بدأ المفكرون والمعنيون بمحاولة تحديد مضمون هذا الارتقاء والسمو، هل هو الارتقاء الاقتصادي ام المادي ام الاخلاقي ام الروحي ام الفكري، او هو الارتفاع في اكثر من واحدة من تلك الانواع والميادين. كما وجدت أبحاث تميز بين ارتقاء ونهضة الفرد ومدى التشابه والاختلاف بين نهضة الفرد ونهضة الامة والدول والشعوب (تقي الدين النبهاني، نداء حار الى المسلمين، 1962). الا ان الامر الاهم فيما يخص مصطلح النهضة فانه يتعلق بمفهوم التغيير، اي تحول وتغيير يطرأ على الانسان والدول والامم لنقلهم من حالة هابطة متدنية الى حالة اخرى راقية وسامية ومرتفعة. فالنهضة تعني التغيير الى الاحسن بشكل عام.

وبهدف تقديم اجابة سريعة حول الموضوع، ينبغي لفت النظر الى ان اختلاف الاجابة في تحديد مضمون النهضة ربما يرجع الى اختلاف العقيدة والايدولوجيا التي ينطلق منها المفكر الذي يريد الاجابة. فمثلا المدرسة الاسلامية وكل من ينتمي اليها، يحددون ان الاسلام الذي كان رسالة النبي محمد عليه السلام هو المسئول عن تغيير حياة العرب ونقلهم النقلة النوعية التي ادت الى ارتقائهم ونهوضهم. فبعد ان كان العرب في الجاهلية يتقاتلون على فوز ناقة او بعير في سباق، وكانوا لا يحبون الاناث من المواليد فيلجأون الى وأد كل مولود انثى، وبعد ان كانوا تابعين وملحقين الى احدى المعسكرين (الفرس او الروم)، جاء النبي محمد عليه السلام، ونقلهم في حركة انعطافة كبيرة ونقطة تحول جعلتهم اصحاب رسالة تفيض على جميع الكون بعد ان تغيرت حياة العرب في كافة الميادين الاقتصادية والثقافية والعلمية والاجتماعية والسياسية. لذلك، ربما يحق لكل من يتبع المدرسة الاسلامية ان يحدد بان النهضة الاساسية هي النهضة الفكرية التي تؤثر في العقول فيتم تغيير السلوك مصداقا لقولاه تعالى: "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". فالنهضة هي الثورة الفكرية (عبد الرحمن بغدادي، عصر النهضة الاسلامية، 1996). فالافكار الجديدة، او تبني الفكر خصوصا اذا كان عقيدة عقلية هو الذي يحدث التغيير والرقي والسمو. لذلك يمكن تقديم اجابة اولية عن سؤال اشكالي كبير حول النهضة العربية بانها كانت نتيجة ملازمة وطبيعية لدخول الاسلام الى ميدان الحياة واقرار الشعوب بافكاره وتبنيهم له وتكييف اعمالهم وسلوكهم طبقا لما جاء به. ومن هذه النقطة تحديدا يمكن المضي الى امام والاجابة عن سؤال التخلف والانحطاط للعرب والمسلمين اليوم والذي ابتدأ منذ اواخر الدولة العثمانية والمسارعة في القول بان سبب الانحطاط هو في التخلي عن الاسلام وعدم فهمه وعدم التقيد بتشريعاته. اما العلاقة بين الماضي والحاضر فهو علاقة واضحة، بمعنى ان اي امكانية للنهوض والاقلاع من جديد لهذه الامة مرتبط تلازميا بمدى فهم الاسلام وتطبيقه للفرد وللجماعة وللدولة على حد سواء.

ان المدرسة الاسلامية التي تنادي بهذا التشخيص والتوصيف، تذهب الى ان الفكر اي الاسلام اي العقيدة الاسلامية والتشريع الاسلامي هو اساس سائر النهضات والارتفاعات. فالارتقاء العلمي والتكنولوجي والطبي والزراعي والاقتصادي انما هو تابع للنهضة الفكرية العقائدية. وهذا التحليل يشترك فيه الكثير من المفكرين الاسلاميين امثال سيد قطب وتقي الدين النبهاني ومحمد باقر الصدر ومالك بن نبي وعلى شريعتي وابو الاعلى المودودي (عبد الرحمن بغدادي، عصر النهضة الاسلامية، 1996).

اما حول السؤال الحتمي الذي يفرض نفسه وبقوة والذي مؤداه: لماذا اذن تخلى العرب والمسلمين عن اسلامهم؟ وهل الاسباب وراء عدم فهم الاسلام والتغشية على تلك الافكار العقائدية والتشريعية تعود الى اسباب داخلية (اهمال اللغة العربية، اقفال باب الاجتهاد، دخول افكار غير اسلامية في الحكم والتشريع، ...) ام الى اسباب خارجية (دور الغرب في هجومه الفكري والسياسي والتبشيري والعسكري ووجود عملاء للغرب سياسيين وفكريين) فانه نقاش اخر كبير ايضا لم يتوقف الى الان.

اما المدرسة الماركسية الاشتراكية، فإنها ترى بان الوضع الاقتصادي وادوات الانتاج هي الاساس المقرر والحاسم، والانتقال من تشكيلة اقتصادية الى اخرى هو النهضة والارتفاع. فمثلا الانتقال من العصر العبودي الى العصر الاقطاعي في اوروبا كان تحولا وتغييرا باتجاه النهضة، بالضبط مثل الانتقال من نمط الانتاج الاقطاعي الى الرأسمالي هو نهضة وتقدم. اما نهاية وغاية التطور والتحول فهو وصول كافة المجتمعات الى نمط الانتاج الشيوعي وهو غاية ونهاية التاريخ بالنسبة الى المدرسة الماركسية حيث يتم القضاء نهائيا على الملكية الخاصة واجهزة الدولة ويحل العلم مكان الدين. ولا تتوقف المدرسة الماركسية هنا بل انها تزيد الكثير على مهاجمة الاسلام والاحتلال الغربي للعالم العربي باعتبارهما المسئولين عن التخلف وعدم النهوض لان التحرر من الهيمنة الغربية والافكار القديمة البائدة هو اهم عنصر كشرط اجباري للوصول الى المجتمع الشيوعي (غانم عبده، نقض الاشتراكية الماركسية، 1980).

ولا يمكن اقفال هذا البحث الا بالتعريج على المدرسة الليبرالية الغربية التي تنطلق من ضرورة استنساخ النموذج الحديث للدولة (السلطات الثلاث، والحريات، والديمقراطية، والقانون) كشرط للنهوض. وطالما ان دول العالم الثالث برمتها (الاسلامية والعربية والافريقية والامركو- لاتينية) هي دول قمعية بدون تبني الحداثة فلا امل للمسلمين والعرب وغيرهم بمعاودة الانطلاق مجددا في كافة الميادين. ويجدر التنويه الى انه برغم وضوح اطروحات هذه المدارس الثلاثة فلا شك ان هناك من قام بالتوليف بين بعضها البعض.

في القرنين التاسع عشر والعشرين، استمر ظهور مفكرين باحثين لتحليل وتشخيص النهضة العربية الاسلامية: اسبابها وشروطها، واسباب الضعف وعوامل الانهيار ومظاهره، والفرص والامكانيات والامال في تحقيق نهضة جديدة وشروطها ومظاهرها. وقد جاءت تلك التحليلات والمحاولات على دراسة العلاقة بين الشرق والغرب، وتحليل الاستعمار ودوره ايضا.  

"ان الحضارة الغربية نشأت من اتصال الغرب بالحضارة الاسلامية عن طريق المعاهد العربية في الأندلس و الأقطار الاسلامية الأخرى."(الدكتور مصطفى السباعي, 4) من روائع حضارتنا .لقد استخدم الغرب كل الوسائل الممكنة لضرب نهضة العرب وكسر حضارتهم والقيام بتفكيكهم بعد أن استغلوا ونهبوا العرب، وتأكدوا أنهم أوصلوهم الى الحضيض. أتى الغرب بعد هذه الحرب بما يدعى بالاستعمار مدعيين أنهم يريدون المبادرة للمساعدة الانسانية تحت مسمى "رسالة الرجل الابيض"، مستخدمين ومطورين ما تعلموه من العرب ولكن بطريقة ذات حدين، طبعا مع التركيز على اعطاء الحد السيئ للعرب. وما بات العرب الا وان أقبلوا على ما أحضر الغرب من حضارة وهمية تحت ما أسموه الحضارة الغربية وقام الغرب بطبع هذه الحضارة وطمس الحضارة الاسلامية العربية العريقة. أما الآن فبعض المفتونين بأي شيئ غربي أو أجنبي ينظرون الى نمو التطور والثورة الصناعية وكل ما له علاقة بذلك من تقدم الحياة وتعقدها المادي والاقتصادي والمهني نظرة اعجاب وانبهار معتقدين أن ما يجري في تلك البلاد الأمس أو اليوم هو المعيار للحضارة والتقدم. ولكن هل حقا استطاع الغرب غسل عقول جميع العرب؟ وهل بقي هنالك مفكر عربي ومتعلم قادر على احداث أي تغيير في العالم العربي؟ هل ما زال هنالك أمل للتطور الفكري العربي بعد هذا السبات العميق الطويل قليلا في هذا العصر؟ هل مازال الأمل موجودا لنهوض حضارة العرب وازدهارهم من جديد؟

ان فاطمة المرنيسي كاتبة وعالمة اجتماع مغربية الأصل ولدت عام  1940 ب , ذات كتابات نسوية عديدة ترجمت للعديد من اللغات العالمية. تهتم كتاباتها بالإسلام والمرأة وتحليل تطور الفكر الإسلامي والتطورات الحديثة. هي أيضا ناشطة في قيادة الكفاح في مجال المجتمع المدني من أجل المساواة وحقوق النساء. حصلت على جائزة الأدب من طرف أمير أستورايس مناصفة مع سوزان سونتاغ (ويكيبيديا). وسيتم تناول احدى مقالات هذه الشخصية اللامعة وهي مقالة شهرزاد ترحل للغرب او فصل من كتاب بعنوان بالاجنحه المنكسرة والصادر عام ==== وذلك لتسليط الضوء على تحليل المشكلة قيد البحث. ففي انتباهة خلاقة، تحلل المرنيسي علاقة الشرق مع الغرب من خلال استعراض "قصة" احد الادباء الغربيين الذي ترجم قصة شهرزاد.

تتحدث  المرنيسي بأسلوب قوي ومشوق ولاذع بنفس الوقت موضحة خفايا لموضوع لم يتنبه له كثيرون في عالمنا العربي أو حتى الغربي. فاكدت المرنيسي واثبتت في قمه الذكاء قدرة المرأة وأهمية العقل مشيرة الى أن الغرب يعمل جاهدا على تشويه صورة العرب ونفي صفة الذكاء عنهم لأنهم يعتبرون تلك الصفة خطرا عليهم، تقول مرنيسي: "لقد قتل ادجر الن بو شهرزاد في قصته "ألف ليلة وليلتين" قائلا أنه حين أخبرت شهرزاد الملك شهريار عن آخر الاكتشافات العلمية في الغرب كالتلسكوب والتلغراف وآلة التصوير، لم يصدق شهريار الأشياء والمعلومات والمعطيات التي أوردتها شهرزاد واتهمها بالكذب وقال لها: "توقفي لا أحتمل ما تقولين ولا أريده. لقد أحدثت الي أكاذيبك صداعا مريرا...هل تعتقدين بأني أبله؟ ولذلك فانك تستحقين الشنق"(98) تقول المرنيسي وتحلل: "يبرر رد الفعل هذا الذي صدر عن جاهل في مواجهة العلم، العنوان الفرعي للقصة: "الحقيقة أغرب من الخيال"، كان يستطيع ادجر الن بو ان يجعل شهرزاد تقوم بمساعدة شهريار من خلال اطّلاعها العلمي على التقدم التكنولوجي، وكان يمكن لشهريار لو استمع الى زوجته الشابة على أن يتفادى بذلك استعمار الشرق. وفي هذه الحالة، كان ادجر الن بو سيضفي على شهرزاد دور البطلة والمقاومة التي ستحول عن طريق معرفتها وذكائها دون احتلال البلدان الشرقية" (المرنيسي, 98)

 اضافة الى ذلك، لقد قام الغرب بتشويه صورة شهرزاد وسلخ عنها صفة المراوغة والذكاء وكل شيء جميل أو جيد كان قد ميزها بالحكاية الشرقية، انها كانت ذكية، مثقفة، وملمة بأمور الحياة. لقد استطاعت أن تغير فكر هذا الملك عن طريق سردها لقصص مثيرة ومؤثرة. ان حبكة هذه القصص تتعلق بالخيانات على مستوى البشر وحتى الجن: "ان تحويل غرائز مجرم يستعد لقتلك عن طريق الحكايه انتصار رائع". لقد اوقفت طغيانه وجبروته بذكائها ووسع مخيلتها لا عن طريق السلاح أو الهرب. لقد تمتعت شهرزاد بمعرفة واسعة، والقدرة على خلق التشويق، والهدوء، والقدرة بالتحكم بخوفها حيث قامت شهرزاد بالمواجهة و التكتيك والصمود والانتصار. ان شهرزاد تمثل قدرة الانسان على قلب الموازين لا بالحرب والأسلحة بل باستخدام العقل و اللسان. تؤسس الأديبة المرنيسي للخلوص باستنتاج كبير مفاده ان الغرب  لم يستطع الوقوف أو البقاء متماسكين أو قويين مع علمهم بوجود امرأة ولو بالخيال تتمتع بهذه الصفات،  لهذا اعتبر الغرب شهرزاد الشرقية تهديدا، وحاربوا الخيال بالخيال، وقاموا بتحريف وتشويه صورتها ومسح هوية الذكاء وطمس العقل عنها. فباتت شهرزاد بالنسبه للغرب عبارة عن امرأة شرقية تتحلى بجسد جميل وحلي وجواهر ثمينة ليس الاّ.ّ تقول مرنيسي: "جردت شهرزاد من ذكائها حين غادرت الشرق وعبرت الحدود الى الغرب, اذ ما وطأت قدماها أرضه حتى جردتها الجمارك الأوروبية من جواز سفرها، أي من كل ما يشكل هويتها متمثلا بالأساس بذكائها. والواقع أن الغربيين لم يأبهوا الا بمشاهدة المغامرة والغرام في ألف ليلة وليلة الذي انحصر هو الاخر في الزينة ولغة الجسد" (المرنيسي، 81).

ويمكن الاستنتاج بان ما قامت به المرنيسي رائع وعميق ويحمل الكثير من المغازي في تحديد العلاقة بين الشرق والغرب على صعيد الحرب الفكرية والادبية والانطباعية من خلال توظيفها لهذه القصة وتحليلها الذي قدمته. وهي تقترب من ادوارد سعيد الذي يعتبر المؤسس لعلم الاستشراق والعلاقة بين الثقافة والامبريالية. فهي تسعى الى الكشف عن العقلية الغربية التي لم تنفك تحارب الشرق حتى في الخيال والادب من خلال تشويه الصور وتثبيت صورة نمطية للمرأة الشرقية بعد نزع كافة الصفات الحميدة والمميزة عنها، وهو فعل اقرب الى "اغتيال" شهرزاد الشرقية بعد ترجمتها وعبورها الحدود الغربية.

اما الكاتبة الثانية في الاديبة الجزائرية أحلام مستغانمي؛ ولدت في 13 ابريل 1953، من مواليد تونس. شارك والدها محمد  الشريف في الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي حيث عرف السجون الفرنسيةبسبب مشاركته في مظاهرات 8 ماي 1945. وبعد أن أطلق سراحه سنة 1947 كان قد فقد عمله بالبلدية، ومع ذلك فإنه يعتبر محظوظاً إذ لم يلق حتفه مع من مات آنذاك (45 ألف شهيد سقطوا خلال تلك المظاهرات) وأصبح ملاحقًا من قبل الشرطة الفرنسية بسبب نشاطه السياسي بعد حلّ حزب الشعب الجزائريالذي أدّى إلى ولادة حزب جبهة التحرير الوطني FLN. عملت الاديبة مستغانمي في الإذاعة الوطنية مما خلق لها شهرة واسعة كشاعرة، ثم انتقلت إلى فرنسافي سبعينات القرن الماضي، وقد تزوجت هناك من صحفي لبناني. وفي الثمانينات نالت شهادة الدكتوراة من جامعة السوربون، وهي تقطن حاليا في بيروت. ونتيجة لالمعيتها، حازت على جائزة نجيب محفوظللعام 1998عن روايتها "ذاكرة الجسد".  (ويكيبيديا)

في عملها الادبي " خسرنا العلماء وربحنا السيليكون"، ، تثير أحلام مستغنماني موضوع قوي وحساس بنفس الوقت، نعلم جميعا بوجوده ولكن ربما لم يتم التوقف عنده للتفكير به مليا. فعلى الأغلب أننا جميعا نتابع ونشاهد التلفاز ونقوم بمدح أحد الممثلين والمغنيين وذم الأخر، والتحدث عن هذا البرنامج أو ذلك. الا أننا  لم نتوقف ولو للحظة لاعطاء نفس أو ربع هذا الوقت للتفكير بأحد العلماء أو المخترعين أو المفكرين السابقين، بل ومن المرجح أننا قد لا نعلم بوجود العلماء والمخترعين الحاليين تماما كما قالت أحلام مستغنماني في "خسرنا العلماء وربحنا السيليكون: "ما عادت مأساة في كون مؤخرة روبي تغني العرب وتشغلهم أكثر من مقدمة ابن خلدون، بل في كون اللحم الرخيص المعروض للفرجة على الفضائيات، أية قطعة فيه من السيليكون أغلى من أي عقل من العقول العربية المهددة اليوم بالابادة" (مستغنماني،) تبين مستغنماني أن الأطفال اليوم يميليون لأن يغدون ممثلين ومغنيين مشهورين وليس علماء أو مخترعين، الا وأن هنالك القليل القليل منهم من يود أن يغدو مخترعا. وهي بهذا تنقد المجتمع العربي بشكل حاد رغم انه تعرية لما هو كائن وقائم وليس تزويرا للحقائق والوقائع. في إشارة إلى مدى الانحدار العربي والتخلف الموجود الذي يطبع حياتنا.

أما بالنسبة للمخترعين والعلماء العرب فانهم لا يلقون أي ترحيب أو دعم من بلدانهم بل ان بقاءهم في بلدانهم قد يعرضهم للمشاكل او ربما خطر الابادة. تقول أحلام مستغنماني: "كثير من العلماء فضلوا الهجرة بعد أن وجدوا أنفسهم في مواجهة (الموساد) التي راحت تصطادهم حسب الأغنية العراقية "صيد الحمام" (مستغنماني،) .ونستطيع الاثبات من خلال الأرقام أن الدول العربية تبذر الكثير من المال للمهرجانات والحفلات الموسيقية ولا تهتم لحماية علمائها العرب. أما بالنسبة للدول الأجنبية فقد و ضعت ميزانية كبيرة جدا لصيد العلماء العرب والاستفادة منهم واخراج أفضل ما فيهم لمصلحة هذه الدولة الأجنبية. فقد استغنى العرب عن علمائهم ومفكريهم. تشير مستغنماني أن العرب انقادوا خلف ما صدرته الدول الغربية، وباتوا منشغلين بهذه الأغراض والبضائع والسلع ولم يعودوا يفكرون بمستقبل مفيد لهم أو لبلادهم، وتؤكد  بان الدول العربية عموما انقادت خلف برامج التلفاز والحفلات الموسيقية ولم تعد تهتم لعلمائها ومفكريها، بل استغنت عنهم ولم تحميهم من التغريب لأجل البقاء. تقول مستغنماني: "فما توقع عمر رضي الله عنه أن يأتي يوم ننكل فيه بعلمائنا ونسلمهم فريسة سهلة لأعدائنا، ولا تحرق مكتبات علمية بالعراق أثناء انهماكنا بمتابعة تلفزيون الواقع" (مستغنماني)

لقد نجحت الكاتبة الجزائرية في كشف الواقع وتصوير الوضع العربي المنهار بقوة وبلا رتوش  وبصراحة ووضوح كبيرين. وبرغم ان انتقادها وتحليلها للواقع العربي القائم يعكس ازمة هذا المجتمع ونخبه ومثقفيه، ويبين درجة الانحطاط الذي يعيشه، لتلك الدرجة التي يمكن ان يرى فيها القاريء بان الامل للنهوض مجددا يكاد يكون مستحيلا، الا ان هذا النقد كان مهما ليساهم في تأسيس تشخيص المشكلة العربية وتحديد المعيقات التي تواجه الانطلاق.

بعد عرض جملة من افكار الكاتبتين، ارى أن توقف العرب عن التقدم، وعدم القدرة على معاودة النهوض مجددا ادى الى بقاء العرب والمسلمين في دائرة التيه والفراغ، وقد ادت عملية التخلف وتقليد الغرب وسطحية المجتمع العربي الى استمرار التأخر علميا وفكريا عن باقي الدول التي حظيت بالعلم واستفادت منه. كما تتضح العلاقة التنافسية بين الشرق والغرب، فالاخير يهتم باستمرار ديمومة تخلف الشرق حتى يستفيد من هذا التأخر والتخلف الشرقي. الا أن هنالك مجالا واسعا وكبيرا لمواكبة هذه الدول المتقدمة علميا في حالة الاصرار على التقدم وامتلاك عنصر الارادة ووجود النزعة الداخلية لاحداث هذه النهضة لا سيما وان الافكار لا تزال بين ايدينا.

الا أن هذه النزعة الداخلية وقوة الإرادة  لن تأتي من فراغ، بل على البعض تحريض البعض الأخر من اجل تفعيلها. ومن حسن الحظ هنالك الكثير من العوامل التي قد تساعد على ايقاد هذه النزعة واشعال الشرارة الاولى مع اهمية التنويه بوجود عوامل أخرى مضادة تعمل على اخمادها، ومع الانتباه الى ان كل شيء بوضعنا الحالي قد يكون سلاحا ذو حدين. لكن الحذر من الوقوع فريسة للحد السيء الهادف لاصطياد الحمقى أو عديمي التفكير, بل على الشخص التفكير وايجاد الحد الجيد المفيد له و المضر بأعدائه، فغالبا ما يكون التغير صعبا، لكونه مختلفا عن الذي يعرفه الناس. ومع ذلك، فالتغيير الى الافضل لا يزال فرصة موجودة ومتاحا، وربما لا يشكل مجرد خيار للمجتمع العربي بل هو فرض وواجب.

فالتلفاز مثلا مليء بالبرامج والمسلسلات المختلفة منها الممتعة والمثيرة والمشوقة. ويوجد معه أداة التحكم عن بعد التي تمكننا من اختيار ما نريد متابعته وكيفما نريد. المسيطر هو من يمسك أداة التحكم وليس من صمم وأنتج هذه البرامج أو الشخصيات والممثلين. ان المشاهد هو المسيطر لانه هو من يتحكم بما يراه فلا يدع ما يراه يتحكم به. ولا توجد قوى خفية تتحكم بالمرء أو تمنعه أو تحثه على مزاولة أمر ما، وكل من يسمح بالخيال أو الخوف ان يسيطر عليه فهو غير عاقل ليس الا. الآن باليد جهاز التحكم والعقل يفكر ويبحث عن القناة التي سوف يشاهدها، هل هي قناة للأفلام أم قناة دينية أو ربما تكون قناة للغنى والرقص أم قناة للبحوث العلمية. يوجد الكثير من الخيارات ولكن المفكر الذي يريد التعلم والافادة سوف يختار القناة المطلوبة والمتوفرة لكن بشرط التفكير أثناء مشاهدتها، ونقدها اثناء التعلم منها، والبحث علن طريقة للافادة القصوى بما يشاهد. ان الاستطراد في هذا المثال انما جاء للخروج بنتيجة اجدها حاسمة وهي ان العقل والتفكير والنقد واستمرار البحث والتفكير والارتقاء بالذوق هو الشرط الضروري لعملية التغيير والنهوض وذلك من خلال قياس الافكار على مرجعية ثابتة.

هي افكار يتناقش فيها كثيرون غيري لم يعبروا عنها ولكن أبقوها طي الكتمان، مجرد فكرة في عقولهم ربما يمحوها الزمن. فعلى الراغبين باحداث أي نوع من التغيير عدم المرور على أي قضية دون التوقف والتفكير بأصغر فكرة قد تمر برؤسهم لأن كل الانجازات في هذه الدنيا كان في أحد الأيام مجرد فكرة صغيرة، تطورت الى ان اصبح الحلم حقيقة واقعية. كثيرون قالوا أن التلفاز غير مناسب للأطفال الصغار لأنه قد يبذر في أنفسهم مبادئ أو مفاهيم خاطئة، ونرى أن البرامج الكرتونية فعلا لها تأثير قوي في بناء شخصية وطريقة تفكير الاطفال،  ولكن المسئولية ملقاة على كاهل الأهل و المربيين لايجاد البرامج الكرتونية المناسبة لهذا الطفل والابتعاد عن تلك التي تحتوي على عنف أو أي شيء آخر غير مرغوب. فتحمل المسئولية، واهتمام الاهل ومتابعتهم لشئون الاطفال والعمل  على تنشئتهم حتى يكبروا في بيئة سليمة مثقفة، هو واجب وامر ضروري وعامل حاسم للنهضة والتغيير المجتمعي. وعلى سبيل المثال، يوجد هنالك بعض البرامج الكرتونية ك "دكستر المخترع الصغير" تجعل الكثير من الأطفال، أو متابعيه عموما، يميلون الى الرغبة بالاختراع و ابتكار أشياء جديدة وصنع أشياء غريبة في مختبر خاص بهم، قد يتخيلوه في أحد زوايا المنزل.  

الشيء المهم في الموضوع هو ضرورة التأمل، والتفكير، واعمال العقل بمحاولة تحليل بعض الأمور والقضايا التي تثير الحيرة. ومن المقومات التي قد تفتح العقل وتسمح له بالازدهار هي التفكير والبحث والتأمل في الطبيعة ومخلوقات الله ما سوف يصفي الذهن وينعش الروح. بيد ان التأمل والتفكير وحدهما ليسا بكافيين للانتفاع الحقيقي من هذه التأملات والمشاهدات، فهي قد تكون نافعة أكثر اذا ما صاحبتها دراسة لعلوم الطبيعة، وفنون التشريح والطب والنبات، وما الى ذلك. طبعا الالمام بكل هذه المعلومات ليس سهلا من المرة الأولى، لكن بالتدريج لا شيء مستحيل. أما في حال معرفتنا لهذه الأمور فهو انجاز يدل على الغوص العميق في أسرار الكون وعجائبه، وفي حال القدرة على الابداع في استخدام هذه المعرفة، فبلا شك سوف يرفع المتعلم اسم بلاده و العرب عموما.

"ان التغير ضروري للحياة,. لان ركود الحياة و الاستسلام للاقدار من أخطر الافات التي تجعل الشعوب والامم تنقرض و تندثر مع الأيام والأحداث، لذلك كان العمل للتغير من أهم أنواع العمل، لان العمل للتغير لا يستسيغه الخاملون و لايقبله الكسالى ولا يقدم عليه الجبناء, لان ثمن التغير باهظ (يوسف السباتين، 13 ).

لم ينف الكاتب وجود متعلمين ملمين بكل هذه الأمور, أو يعرفون بعض من المعلومات عنها, وهذا يدل أن هنالك بريق أمل موجود من هؤلاء المتعلمين. العلم هو المعرفة, وتطبيق الافادة يعني التطور. هنالك الكثير من العلماء العرب الذين لم يحظوا بالفرصة المناسبة في بلدانهم للافادة بعلمهم, فذهبوا بحثا عن لقمة العيش في مجالات أو بلدان أخرى. أي للأسف فالعالم عند العرب قد لا يحظى بالاهتمام الملائم له كما يحظى بالاهتمام الكثير من المغنيين و الفنانين, مع العلم بأن العالم قد يستطيع اظهار ابداعاته وعرضها من خلال طرق أخرى. فيستطيع أن  يقوم برسم بياني وشرح لأحد اختراعاته على ورق وأخذ حقوق ملكية الفكرة أو الاختراع و يوجد الكثير من المواقع على الانترنت لدعم هذه الأفكار والمساعدة على تطويرها. قد تكون هذه احدى الوسائل المتاحة للقاء الدعم و الشهرة اللازمين لجعل العالم أو المخترع المتابعة في احداث التقدم. ليس على المرء أن يكون عالما أو مخترعا . بل قد يكون مبدعا في أي مجال من المجالات الأخرى, كأن يكون كاتبا ويرفع اسم بلده من خلال كتاباته. أو رياضيا محترفا يرفع علم بلاده لدى كل انتصار يحققه, أو عبقري كومبيوتر يصمم برامج و مواقع ترفع من شأن العرب و تساعد على تغيير وجة نظرة العالم للعرب للأفضل. في وقتنا الحالي يوجد الكثير الكثير من المبدعين ولكن البعض منهم لا يعمل على اظهار أفضل ما لديه محاولا رفع اسم العرب من جديد على شكل يمثل الأخلاق و القيم الاسلامية العريقة. على هؤلاء المبدعين التميز و الحلي بالاخلاق و القيم العريقة بالاضافة للعلم مما سوف يرفعهم بالدنيا و الآخرة.  

لكن على العلماء و المفكيرين الرياضيين والمبدعين الحذر, فمن الناس من يتظاهر بالغنى والمعرفة, ويدعو الناس الى مشروعات كبيرة, ويطلب منهم أن يشاركوا فيها, فينخدع به البعض, ويضع ماله أو ابداعاته الذي عمل عليها باجتهاده موضعا للسرقة, رغبة منهم بالكسب.

ان القرآن الكريم اشاد بأهمية العلم, ورفع مستوى العلماء, دعى الناس الى الاقبال على العلم والتزود منه,  لانه يعلي شأنهم و يهذف الخلق, ويطهر النفس. وينهض الأمم . هنالك عدد صغير من العباقرة الصغار الذين تميزوا عن رفاقهم و ليس رفاقهم فحسب بل على معلميهم أيضا. أصبحوا محط اهتمام العديد من الناس وو سائل الاعلام لفترة من الزمن. بالجيل الحالي و القادم انشاء الله العديد من المبدعين والعباقرة الذين يأكدون أن هنالك أمل لنهضة العرب وتقدمهم العلمي من جديد."تحيا الأمة الأمة أو تموت, وتعلو أو تسفل, و تسعد أو تشقى" (جمهورية أفلاطون,5) فآن الأوان ليبزغ فجر جديد.       

 

 

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق