]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عامٌ في الظلام

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-06-14 ، الوقت: 16:01:35
  • تقييم المقالة:

عامٌ في الظلام

 

محمد الحداد/العراق

أن يكونَ عدوكَ واضحاً حدَّ الإبهام ومكشوفاً لدرجةِ التماهي..أن يكونَ زئبقياً يحرصُ أن يتفلتَ من بين يديكَ رغم أنك تراهُ بعينيك..أن تعرفهُ حتى كأنك تجهلُ عنهُ كلَّ شيء لكن كلّ ما يمكنك الوثوق منهُ أنهُ يتوعدكَ أيّاً ما كنتَ بموتٍ حتميٍّ وما عليكَ إلا أن تنتظرَ قدومهُ إليكَ في أيِّ وقت.. أن يكونَ عدوكَ كلّ ذلك دفعة واحدة فاعلم أنهُ عدوٌّ غير تقليديٍّ أبداً وأنَّ الغباءَ كلهُ في أن تدفنَ رأسكَ في رمالِ السلامة وتدَّعي نقيضَ ذلك ثم تطمع من الجميع أن يُصدّقك..

شخصياً لا أجدُ حكمة يمكنُ أن نجنيها إن نحنُ أوهمنا أنفسنا بخلاف تلك الحقيقة..مثلما لا مصلحة لأحدٍ أن يوهمَ نفسهُ أن عدواً كهذا يقترفُ كلَّ تلك المجازر لوحدهِ من دونِ أن يمدهُ بأسبابِ البقاءِ أحد ولا أن يكون حصادَ أرباحهِ وقفاً عليه لوحدهِ كذلك.

"إعرف عدوّك" هو أولُ وأهمُ ما ينبغي معرفتهُ من فنونِ الحربِ والحياةِ على السواء..أيُّ فخرٍ أن تتباهى بأنكَ صرعتَ عدواً أضعف منك؟ وأيُّ لومٍ سيقعُ عليكَ إن كان عدوكَ أقوى منكَ فنازلتهُ فصَرَعك؟

عن نكسةِ حزيران الجديدة أتحدث..كارثة سقوط مدينة الموصل بيد تنظيم داعش المتطرف, فقبلَ عامٍ من اليوم ومن دون مقدماتٍ واضحة وجدنا أنفسنا نصحو على صباحٍ أسود كانت الحياةُ على وسعها تترنحُ فيهِ من وقعِ ضرباتِ الموت الموجعة..كان صباحاً شاحباً بدت المدنُ فيهِ على وشكِ أن تتساقط واحدة تلوَ الأخرى بين يَدي عدوٍ بربريّ ملغومٌ بكلِّ عُقد التاريخومُدججٌ بترساناتٍ هائلةٍ من العنفِ وكراهيةِ الآخر..تسندهُ أيديولوجية إبليسية لا تمتُّ بصلةٍ لأيِّ دينٍ أو منطقٍ أو عقلٍ إنما يغترفها منآبارٍقيمية ملوثة ويقينياتٍ مشوهة بشكلٍ غير مسبوق..كأنهُ انتبهَ فجأة من رقدةٍ عُمرها مئة ألفِ عامٍ وأزاحَ صخرة الزمن من أمامِ كهفهِ المظلم وانسلَّ إلينا من أجلِ أن يؤدّيَ مناسكَ الموتِ فوقَ أشلاءنا ويتقربَ إلى الشيطانِ بدمائنا. 

بعد عامٍ كاملٍ على وقوعِ تلك الكارثة الإنسانية المروعة هل لنا أن نسألَ اليوم عن حقيقة ما حدث؟كيف صُنعَ هذا التنظيم ولماذا؟كيف استثمرَ لصالحهِ كلَّ الظروف الاستثنائية المُربكة التي يمرّ بها العالم بأجمعهِ؟.. كيف التهمَ الحدودَ وجاوزَ التخومَ وأوشكَ أن يكون قابَ قوسينِ من الأبواب ؟ ربما هي صنابير هائلة من الأسئلةِ ستظلُّ مفتوحة أمامنا عن ماهيةِ هذا التنظيم وعن حجمهِ الحقيقي وهول إمكانياتهِ وأسرار الدعم المريب الذي يقفُ وراءهُ وتعدد مصادره...

لكن للإجابةِ على بعض هذه الأسئلةِ المربكة لا بد لنا من عودةٍ سريعة إلى الوراء..فبعدإسقاط بعض أنظمةِ الاستبدادفي منطقتنا العربية قبل بضعة سنوات طفحتْ إلى السطحِ أمورٌ كثيرة كانت تحملُ في طياتها من الغرابةِ ما يدعو للخوفِ بشكلٍ أكبر من كلِّ ما صاحبَ تلك الثورات نفسها من قتلٍ ودمارٍ وقمعٍ وتهجير..كانت ثمة أحداثٌ كبرى أخرى تجري في الخفاءو تسيرُ بوتائر تبدو في ظاهرها وكأنها تتسقُتماماً معماأملتهُ تقسيماتٌقسرية جديدة أرّختْ لعهدٍ جديدٍ من الفوضى والخراب والتي كانت تقفُ ورائها بلا شك أيادٍ خفية تكشفتْ لنا ظلالها فيما بعد لكن جُلَّ ما حدث في المنطقةِ كانبلا شك صنيعة حساباتٍ دوليةوإقليميةقديمة أنجبتْ كلَّ هذا العنف من رحمٍ صُنعَ لنا خصيصاً ضمنحلقاتٍ طويلة من مسلسلِ صراعِ  ثأرٍ حضاري أمميمُحتقن..تلك أسرارٌ بدأتْ خيوطُ بعضها تتكشف لنا رويداً رويداً ولميعدْ من المستساغ أن نصمَّ آذاننا عنها ونولّي برؤوسنا بعيداً عن حقيقتها حتى بعد أن أعترفَ بعضُ عرّابيها بذلك.

تداعياتُ تلك الأحداث التي عصفتْ بدولِ المنطقة جرّاء ما سميَ بثورات الربيع العربي أوجدتْ تصدّعاً صارخاً في الهيكلية الأساسية التي كانت تتحصنُ وراءهُ تلك الدول التي ضربتْها زلازل التغيير وبالتالي تركتْ فراغاً مؤسساتياً مهولاً..وبالتالي قدّمتْ تلكَ الأوضاع الاستثنائية هداياها النفيسة على طبقٍ من ذهب لجميع التنظيماتِ المتطرفة في العالم والتي كانت متربصة بالمشهدِ كلهِ تتحينُ فرصتها التاريخية التي حلمتْ بها طويلاً بانتظارِ ساعةِ الصفر السوداءللانقضاض على وليمةِ الولائم..

وكان لتنظيم داعش في رسم هذه الصورةِ القاتمة نصيبٌ ظاهرٌ إذ بدأ مبكراً في سوريا تحديداً بإتباع استراتيجيةٍ شيطانية ماكرة تعاملتْ مع الحدثِ كلهِ بحسب ثمن القيمة المفقودة التي يُراد انتزاعها..ابتدأ تنظيم داعش أولاً بإدخالِ مقاتليهِ من كلِّ حدبٍ وصوب إلى داخل سوريا بشكلٍ خاصمستغلاً الغياب الواضح لسيطرةِ الحكومة المركزية على مناطق شاسعة بدأت تتساقط بالتتابع..وكان التنظيم حريصاًعلى الانقضاض أولاً على المناطق البعيدة التي كان النظام السوري يشعرُ بصعوبةِ المحافظة عليها وفي نفس الوقت يوهمُ نفسهُ بعدم أهميتها قياساً إلى العاصمة دمشق أوما حولها من محافظاتٍ قريبة مما مَكّن التنظيم من اقتناصِ ثغراتٍ مهمة اقتطعها من جسد الخارطة السورية وأصبحتْ ولا تزال بؤر مركزية للتنظيم ومنطلقاً إلى باقي المحافظات والمدن السورية الأخرى التي بسط نفوذه عليها بمساندةٍ مهمة من تنظيمات متطرفة أخرى كان لها وزنها على الساحةِ آنذاك كجبهةِ النصرة وأنصار الشام وأحرار الشام وغيرها من التنظيمات التي كانت تتصدرُ قائمة اللاعبين الكبار في ساحاتِ القتال والتي بدأ تنظيم داعش فيما بعد بمقاتلتها جميعاً وإزاحتها من طريقهِ طمعاً بالإنفراد بالمكاسب واستئثاراً بالنفوذ..

ذاتُ المشهدِ السوري هذا تكررَ في العراق أيضاً مع اختلافٍ في التفاصيل لكنَّ النتائج كانت متشابهة إذ تحققتْ لهُ على الأرضِ سريعاً بعضُ المكاسبِ المهمة واستيقظ العالمُ على مشهدٍ كارثيٍّ مُحيّر: مدنٌ كبرى بدأتْ تتساقط بزمنٍ قياسي وأحياناً من دون قتال حقيقي..نفوذٌ بدأ يتسعُ شيئاً فشيئاً بشكلٍ مرعب وسط دهشة الجميع..وهنا فتحَهذا التنظيم أخطرَ صفحاتهِ على الإطلاق حينما باشرَ تدويلَ وجودهِ المُريبإذ أعلنَ للعالمِ أجمع عن تأسيس إمارته الشيطانيةفي العراق والشام قبل أن يُعلنَ لاحقاً وهو في ذروةِ نشوةِ غرورهِ أن دولتهُ الكبرى ستظلُّ على اتساعٍ مضطرد وأنَّ أحداً لن يقفَ في وجهِ تمددها أبداً وأنَّ أقدامَ مقاتليهِ ستطأ الأرض كلها قريباً.. كان ذلك إعلاناً صريحاً ببسطِ سلطانِ موتٍ مُتوج يهددُ بنسفِ الحياةِ بمَن فيها ولا يستثني منهم أحداً.

اليوم وبعد عامٍ كاملٍ من تلك النكسةِ الموجعة لا بدَّ من الاعتراف بأننا إزاء عدوّ قوي على نحوٍ واضح وتلك بديهية لا ينبغي أبداً الخجل من الإفصاح بها إذ لا مصلحة ولا حكمة لأحدٍ في إخفاءِ حقيقة ما يملكهُ هذا التنظيم من عناصر قوةٍ ومكرٍ ودهاء..لذا لا يمكنني أن أفهم في هذا السياق معنى أن يتمَّ تداول توصيفهم إعلامياً أو شعبياً بالجرذانِ مثلاً أو الجبناءِ ساكني الجحور وما إلى ذلك لأنَّ فيهِ تسطيحاً ساذجاً لقضيةٍ كبرى وتعويماً لما نفتقدهُ من حقائق إذ كيف يمكنُ لتلك التوصيفات التي تصِمُ هذا التنظيم أن تستقيمَ مع الواقع الفعلي بعد أن ابتلعَ حتى الآن أكثر من نصف سوريا وحوالي ثلث العراق وأجزاء متفرقة من ليبيا ويوشكُ أن يُثبتَ لهُ موطئ قدم في مصر وبقية دول أفريقيا أيضاً؟وهنا تحديداً بودي أن أسألَ خبراءَ الحروب وضباط الجيوش في العالم أجمع هل يمكن لأيِّ قوةٍ في العالم أن تحتلَ مدينة كبيرة مثل الموصل بكاملِ تشكيلاتها القتالية المختلفة بلا غطاءٍ جوي وبأعدادٍ مقاتلة قليلة نسبياً وبفترةٍ قياسيةٍ لا تتعدى الساعات ومن دون قتالٍ حقيقي يتناسبُ مع حدثٍ بهذا الحجم؟

اليوم نحن بحاجةٍ ماسةٍ لمحاولاتٍ جادة تصلنا لمقاربةٍ واقعيةٍ صائبةٍ نقرأُ بها هذا العدو جيداً ونعرفُ حجمهُ وحدود إمكانياتهِ كما هي ونفكك منظومة أسرارهِ من أجل رسم صورةٍ حقيقية لهُ علنا نفهمُ ما حدث ولا يزال يحدثُ هنا وهناك وإلا سنزدادُ تخبطاً وارتباكاً وستظلُّ فرصُ الخلاص من هذا العدو أحلاماً بعيدة المنال..ولو بقينا هكذا نراوحُ داخلَ دائرةِ الوهم الخانقةِ التي نحشرُ أنفسنا فيها فستكون هذهِ أبهظ دروسنا على الإطلاق, تلك التي لا نزالُ حتى الآن نُفرطُ كثيراً في قراءتها وسنبدو جميعاً وكأننا سائرون بخدرٍ نحو نهايةٍ كارثية حتمية لن ينجوَ من دّخَنِها أحد.

لا أحبذ إطلاقاً لغة جلدِ الذات كما لا أحبُّ أن أركنَ كثيراً لنظريةِ المؤامرة "رغم اعترافي بوجودها أحياناً" لكن ليس كشماعةٍ جاهزة تعودنا أن نُعلقُ عليها عجزنا وكثرة أخطائنا طوال الوقت..لكني بين هذهِ وتلك أجدني وأنا أعيدُ قراءة كل هذا الذي كتبتهُ هنا بعد عامٍ من هذا الظلام الذي بسطَ ظلالهُ فوقَ رؤوسنا أجدني أتأملُ طويلاً مقولة الإمام محمد الغزالي لأني ألمحُ فيها فائضَ حكمةٍ يمكنها أن تسعَ الجميع بلا استثناء وتستحق أن نختمَ بها كلَّ كلام..إنَّ هزائمنا تجئُ من داخلنا..نحن الذين نصنعها..لا غير.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق