]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأفكار الصالحة لا تموت أبدا

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2015-05-21 ، الوقت: 11:47:34
  • تقييم المقالة:

ساق القرآن الكريم عشرات الآيات التي تدعو إلى إعمال العقل والتفكير والتدبر في آيات الله الكونية، وآيات الله القرآنية ، ولا يوجد دين ولا كتاب سماوي يحث أتباعه على التفكير وإعمال العقل والإبداع مثل دين الإسلام وكتابه


ويكفي أن نعرف عدد الآيات القرآنية التي وردت فيها مشتقات العقل ووظائفه والدعوة لاستخدامه حتى نتوصل إلى نتيجة حتمية حول أهمية التفكير في حياة الإنسان هي كالتالي:

آيات وردت فيها مشتقات العقل بالصيغة الفعلية : 49 آية

آيات تدعو إلى النظر : 129 آية

آيات تدعو إلى التبصر : 148 آية

آيات تدعو إلى التدبر : 4 آيات

آيات تدعو للتفكر : 16 آية

آيات تدعو إلى الاعتبار : 7 آيات

آيات تدعو إلى الفقه : 20 آية

آيات تدعو إلى التذكر : 269 آية

وقد جعل الله سبحانه وتعالى التفكير فريضة إسلامية فقال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ (آل عمران/190).

يقول العقاد:

"والإسلام لا يتقبل من الفرد أن يلغي عقله ليجري على سنة آباءه وأجداده ولا يقبل منه أن يلغي عقله خنوعا لمن يسخره في غير ما يرضى العقل والدين ولا يقبل أن يلغي عقله رهبة من بطش الأقوياء وطغيان الأشرار"

 

 

وقد خلق الله الإنسان واستعمره في هذا الكون وزوده بالعقل والقدرة على التفكير والإبداع من أجل تحقيق مراد الله من خلقه في هذا الكون، ومنحه القدرة على الاختيار وعاب عليه التقليد والاستسلام لموروثات الآباء والأجداد وعقائدهم البالية كما أمره الله عز وجل ألا يكون خانعا ذليلا لكل جبار أو طاغية مهما علا شأنه في الأرض ومهما كان أمره.

أدرك العقلاء قيمة العقل والفكر فمضوا في طريقهم يستخدمون نعمة الله في طاعة الله، فأعملوا عقولهم وقدحوا زناد أفكارهم وراحوا يبدعون وينتجون ويضحون في سبيل أفكارهم بكل غال ونفيس بل إن الكثيرين من أصحاب الأفكار والمبادئ بذلوا دماءهم رخيصة وتحملوا شتى أنواع المشاق في سبيل أفكارهم ولم يمنعهم شيء في المضي قدما بأفكارهم ومبادئهم  وهذا شأن أصحاب العقول المفكرة وأصحاب المبادئ في زمان ومكان.

يقول أحد الدعاة :

"إنما تنجح الفكرة إذا قوى الايمان بها وتوفر الإخلاص فى سبيلها وازدادت الحماسة لها ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها"

وأما الطغاة في كل زمان ومكان فهم يعتبرون التفكير وإعمال العقل جريمة نكراء يجب محاربتها والقضاء عليها والتخلص ممن يمارسونها، لا نهم يعرفون أن من يفكر ويعمل عقله لا يمكن أن يكون خاضعا أو تابعا لسلطانهم ،أو ساكتا عن حق يراه أو مزينا لباطل راق لهم ، كما إنهم يخافون من تأثير هذه الفئة ، فئة المفكرين  والمصلحين وأصحاب المبادئ، على عوام الناس الذين يسوقونهم سوق الأنعام بلا عقل ولا تفكير ، لاهمّ لهم إلا ملء بطونهم وإشباع شهواتهم.

وقد حفل التاريخ الإسلامي بالقصص التي تروي لنا المحاولات الحثيثة لتحجيم أهل الفكر والرأي والمصلحين وأصحاب المبادئ الذين لم يتعودا السير في الركاب والتصفيق والتهليل لكل طاغية وكيف أن الأفكار والمبادئ لا يمكن قتلها أو تحجيمها.

وقد بدأ الصراع بين هؤلاء وهؤلاء منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ونزول الوحي عليه ، فكان الإسلام فكرة جديدة ( من منظور أهل مكة) وكان محمد صلى الله عليه وسلم رجلا خرج على موروثاتهم وعقائدهم البالية وثار على أوضاعهم الجاهلية ، وبالتالي أصبح يمثل خطرا عليهم وعلى سلطانهم وخافوا أن يؤثر في عبيدهم وإمائهم بعذب حديثه وجميل بيانه ، فناصبوه العداء وهموا بقتله وإعدامه لولا حفظ الله له حتى اضطروه للخروج من بلده هو وأصحابه مهاجرا بدينه(بأفكاره كما يعتقدون).

باءت جميع محاولات قريش وغيرها من العرب في وأد دين محمد صلى الله عليه وسلم ، بل وخرج هذا الدين من الجزيرة العربية ليبدد ظلمات الكفر ويمحو كل رسوم الجاهلية.

وما جرى على محمد صلى الله عليه وسلم جرى على غيره من أتباعه من المصلحين والمفكرين وأصحاب المبادئ والدعاة، ولن تخمد هذه الحرب إلى أن تقوم القيامة ويرث الله الأرض ومن عليها.

حورب الإمام الجليل إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل واعتقل وعذب وجلد ظهره بالسياط ولكنه لم يتخلى عن قناعاته ورفض أن يقول بأن القرآن مخلوق، وتحمل رحمه الله في شجاعة ما نزل به وهلك جلادوه وعاش رأي أحمد رحمه الله ومات غيره من الأقوال الساقطة ، بل بقي رحمه الله أيضا رمزا حيا لمن يقول الحق ولا يخشى في الله أحدا مهما كانت العواقب وضرب أروع المثل للعلماء من بعده.

وأما ابن تيمية رحمه الله العلامة الفذ وشيخ الإسلام فقد لقي في عصره ما لقي من الدسائس والمؤامرات وظلم الطغاة ، فسجن وعذب وحرقت كتبه ، ولكن علمه وفكره لم يمت وهلك من عذبوه وسجنوه وذهبوا إلى مزابل التاريخ ، وما أجمل ما قال في ذلك:

"ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري؛ إن رحت فهي معي لا تفارقني, إنَّ حبسي خلوة, وقتلي شهادة, وإخراجي من بلدي سياحة"!

لقي ربه سجينا في سجن قلعة دمشق ، ومات ولكن علمه لم يمت وأنتشر في المشارق والمغارب وانتفع الناس بآرائه وأفكاره في كل بقعة من بقاع المعمورة.

وهذا الإمام السرخسي رحمه الله يفتي فتوى لا تروق لحاكم البلد الذي يسكن فيها فيسجنه في قعر جب خمسة عشرة سنة من عمره أملى فيها كتاب المبسوط في الفقه في خمسة عشر مجلدا وقد أملاه من خاطره من أوله إلى آخره

ها هو أبو بكر النابلسي عليه رحمه الله ذلك الزاهد الورع العالم يوم ملك الفاطميون الشيعة على مصر ، فعطلوا الصلوات وحاربوا أهل السنة وذبحوا من علماء السنة الكثير، واستدعى المعز أبا بكر النابلسي عليه رحمة الله فقال له: "بلغني عنك أنك قلت: لو أن معي عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت الفاطميين بسهم"، قال: "لا"، فظن أنه رجع عن قوله، قال: "كيف؟ قال: قلت: ينبغي رميكم أيها الفاطميون بتسعة ورمي الروم بالعاشر".

فأرغى وأزبد وأمر بضربه في اليوم الأول، ثم أمر بإشهاره في اليوم التالي، ثم أمر في اليوم الثالث بسلخه حياً، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن حتى أشفق عليه اليهودي، فلما وصل في سلخه إلى قلبه طعنه بالسكين ليلقى ربه فكان يسمى بالشهيد، علو في الحياة وفي الممات..

وهلك المعز وأعلى الله ذكر الشيخ بوقفته الشجاعة من أجل الدين ولم يبال بما يحدث له وما أفظع ما فعل به.

تالله ما الدَّعواتُ تُهزَمُ بالأذى أبداً *** وفي التاريخِ بِرُّ يميني
ضع في يديَّ القيدَ ألهِب أضلُعي *** بالسَّوطِ ضع عُنُقي على السكّينِ
لن تستطيعَ حصارَ فكريَ ساعةً *** أو نزعَ إيماني ونورَ يقيني
فالنورُ في قلبي وقلبي في يدَي *** ربّي وربّي حافظي ومُعيني
سأظلُّ مُعتصماً بحبلِ عقيدتي *** وأموتُ مُبتسِماً ليحيا ديني

 

إن الأفكار الصالحة لا تموت أبدا مهما حوربت ومهما وقف الطغاة في وجهها وحاولوا تحجيم أصحابها أو التنكيل بهم ، نعم قد تكون التضحيات جسيمة والخسائر فادحة والخطب جلل ولكن الغلبة في النهاية  تكون لأهل الحق وأرباب الصلاح ،وقد يرى الناس شيئا يظنونه شرا محضا وفيه خير كثير.

جهلان إسماعيل

  • عبد الله | 2015-12-29
    "إنما تنجح الفكرة إذا قوى الايمان بها وتوفر الإخلاص فى سبيلها وازدادت الحماسة لها ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها"
    مقال رائع

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق