]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حديث الى النفس

بواسطة: احمد سيد محمود  |  بتاريخ: 2015-05-15 ، الوقت: 15:57:30
  • تقييم المقالة:

في وقت متأخر من الليل فتحت صفحتي الافتراضية القابلة لإعادة الكتابة .. وأرسلت أصابعي تنقر على هذه اللوحة المعدنية الباردة .. لست أدري ما الذي حملني على فعل هذا !لا أحب الحديث بكثرة عن نفسي .. وماذا يهم الآخرين في القراءة لشخص لا يكتب إلا عن نفسه ؟! لكن فِعل الكتابة هذا هو أصعب تحدٍّ أواجهه .. وأعتى خصم أقارعه في حالة ضعف أمر بها كثيراً ..
هل الكتابة قناع نحجب به مواطن ضعفنا .. أم مخدّر ينسينا لبعض الوقت من نحن في الحقيقة .. هل الكتابة شماعة نعلق عليها أخطاءنا أم مصباح نضيء به أظلم الزوايا في نفوسنا ؟
إذاً هي إثم نقترفه ! عندما يصبح ما نكتبه مجرد أخطاء مقنّعة .. ومجرد أحوال نفسية منحطّة ننفخ فيها من أساليب البلاغة ما يجعلها ترتفع محلقة في السماء .. فيظنها الجاهل مناطيد بوسعها أن تحمله بعيداً عن هذه الأرض الشائكة التي لم يعد فيها متسع لحزنه وجموحه .. وطغيانه …
أحمد الله أن منحني هذه القدرة على صفّ الكلمات .. إنها وسيلتي الوحيدة للتفريغ عما يعتمل في داخلي .. ولولاها لخشيت على نفسي من الجنون .. أو من الانحراف …
تيه .. ضياع .. تشتت .. كآبة .. كلها مشاعر سلبية استولت على نفسي خلال الفترة الأخيرة .. ولا أعرف هل فِعل الكتابة هذا سيكون جراحة ناجحة للتخفيف من آلامها أم أنه سيكون - كما قرأت لأحدهم سابقاً - أشبه بتجميع الأشعة وتسليطها على القلب في شعاع مركّز حارق !
أحس أحياناً أن عقلي يدور بسرعة أعلى مما يجب ! لا أكتفي أبداً بالآراء العامة .. والأحكام القاطعة .. وظواهر الأمور .. والمفاهيم المسبقة .. تلقائياً أجد نفسي أغوص وأغوص في كل شيء .. في كل فكرة .. أعيد التفكير في كل المسلّمات والبديهيات .. متجاوزاً كل حدود الانتماءات.. تمر في مخيلتي وجوه عدة .. تزدحم في أذني صرخات عالية .. أشعر بدوار وصداع .. وفي رأسي تعيش ألف علامة استفهام .. وألف علامة تعجب .. وألف نص مخفي !
لولا الاسلام ماذا كان سيحصل لعقلي ؟!
دينيَ الإسلام، ومذهبي السنة والجماعة، وليس لي بعد ذلك في الدين والفكر أي انتماء... ذلك أن بعض الانتماء عندي كأي مخدّر للعقل، فيه إثم كبير ومنافع،
وإثمه أكبر…
أشعر بالخوف عندما أجد نفسي قادراً على إقناع نفسي بكل حالة .. دائماً أجدني أفكر وأكتب عن كليّات الأشياء وشمولياتها بعيداً عن الحيثيات والتفاصيل .. موضوعية .. بل حيادية مفرطة أفقدتني عدداً كبيراً من أجهزة الشعور .. صرت قادراً على الربط بين العقل والقلب .. على جعل المشاعر والأحاسيس أرقاماً وبيانات .. على حساب الاحتمالات حتى فيما يتعلق بالأحوال النفسية والقلبية .. على التفكير بجميع العقول .. والتكلم بجميع الألسنة .. واستيعاب كل الأفكار .. والشعور بكل الأحاسيس .. صرت أضع نفسي خارج التيارات والانتماءات الفرعية .. وأتأمل كيف يتضارب الكبار فيما بين أفكارهم .. وكيف يستقون أدبياتهم من مصادرهم .. وكيف يفسرونها فقط بحسب ما تمليه عليهم أهدافهم .. ثم يتحدث كل واحد منهم وكأن بحوزته مفاتيح الجنة !
نظرة كبيرة .. شاملة .. لكن جانب الاحساس فيها مدمّر والأضرار جسيمة .. بتّ أستطيع أحياناً أن أجادل في الشيء فأقنع وأجادل في ضدّه فأقنع أيضاً ! تناقض مهول ! لكن وسائل الاقناع الخاصة بجميع الأفكار لم تعد صعبة الايجاد على كل حال ! زلزال ما أصاب الحاجز بين قلبي وعقلي فامتزجا معاً .. وأصبحا واحداً ! لم أعد أميز بينهما في دوران عقلي اللانهائي ..
لا يطمئن قلبي إلا لما وافق عقلي .. ولا يوافق عقلي إلا على ما اطمأن إليه قلبي .. حالة صعبة مثل هذه وإن بدت قوية إلا أنها أفقر ما تكون لعناية الله وتوفيقه وسداده .. فكرة واحدة قد تدخلك الجنة وقد تهوي بك في النار .. فكيف يفتخر مفتخر بعقله ؟
عذراً أيها القلم العظيم فقد أسأنا إليك وظلمناك حقك .. واستبدلنا رقصك الرشيق على الورقة الصغيرة بنقرات على هذه الآلة الصمّاء ..
وعذراً أيتها الورقة الحنون فلم نجعلك في حياتنا سوى شيئاً تافهاً يسهل استبداله .. حبسناك في الآلات الطابعة ومارسنا عليك هناك أنواع التعذيب قبل أن تخرجي منها مرهقة ملطخة بحروف كتبها قلم مزيّف !
إنها جريمة نكراء أن نحول بين الحبيب وحبيبه …


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق