]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

آلهة الحرب

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-05-09 ، الوقت: 21:26:29
  • تقييم المقالة:

آلهة الحرب

 

محمد الحداد /العراق

لاشيء ينحرُ رقبة الأملِ مثل سكين الحقيقة..قاطعة وصادمة دائماً..سيّان عندها إن استوعبنا حكمتها أم لم نستوعبها..هي في ذلك لا تجاملُ أحداً ولا يعنيها من أمرنا شيء حتى لو أدارتْ ظهرها للتاريخ كلهِ لأنها معنية أكثر بأن تسجلَ تاريخها الخاص..وفوق هذا هي تُملي علينا ما تريد من دونِ أن يرفَّ لها جفنٌ أو يخفقَ لها عِرق..أما نحنُ فلا يسعنا إزاء سطوتها الملزمة هذهِ إلا الانقياد والتسليم.

الحربُ ابنة مدللة لتلكَ الحقيقة..إذا تكلمتْ الحربُ أنصتَ لصليلها كلُّ شيء..صوتها العالي لم تغيّرهُ الدهورُ والأزمانُ والأمكنة..هو ذاتهُ منذ فجرِ الدمِ الأول مؤثث دائماً بالخراب ومع ذلك يلجأ إليها الجميع ويقرعونَ طبولها من دونِ أن يجدوا لأنفسهم سنحة ضيقة تكفي لأن يوقضوا ضمائرهم بهذا السؤال : ما فائدة أن نربحَ حروبنا دائماً ونخسرَ السلام؟ وإذا بدت الحربُ لنا من بعيد مثل مُبيدٍ سام فهي تبدو للكثيرين فاكهة شهية تغريهم بقطافها..يعشقون طعمها اللاذع ويحبّونَ أن يأكلوها في كلِّ الفصول.

بالنسبةِ لي الحربُ تغريني بمتابعةِ أخبارها فحسب..لذا كعادتي كلَّ يوم فتحتُ التلفاز لأبحث فيهِ عن نكباتنا التي لا تريدُ أن تنتهي..هذهِ المرة كنتُ أفتشُ عن أخبار اليمن..أمسكتُ الريموت كونترول وقلّبتُ القنوات الفضائية : وزير حقوق الإنسان اليمني يدقُّ ناقوسَ الخطر في آذانٍ لا تريدُ أن تسمعَ أيَّ شيء..عدن وتعز والضالع مدنٌ منكوبة! وكأنَّ مدنَ اليمنِ الأخرى تنعمُ برخاءٍ مَخملي وتجرُّ ورائها أردية العافية..مشاهدُ مروعة في كلِّ مكان.. قصفٌ من السماء والأرض..حوثيون يعتلون صهواتِ دباباتهم ويهتفونَ لآلهةِ الحرب ويلوّحونَ بعلامةِ النصر وهم يمضغون القات..

الحربُ تتركُ بصماتها الآثمة في كلِّ مكان..أخذتُ كفايتي من الجراحِ التي منحتني إياها هذهِ القناة وانتقلتُ إلى اليمن أيضاً لكن من خلالِ قناةٍ أخرى : الحياةُ أصبحتْ محضَ طوابير فوضوية طويلة لكلِّ شيء للخبز والماء وقطعِ الثلج والقليلِ من متطلباتِ الحياةِ الأساسية..طوابيرُ طويلة أطول من امتدادِ الهمِّ اليمني الموغل في رحمِ هذه الأرض منذ فجرِ الخليقة..مقاتلون مناوئون للحوثيين يبتسمونَ لعدساتِ الكاميرات ويقفون فرحينَ حول بضعةِ جثثٍ ممددة ومتناثرة أمامهم على أرصفةِ الشوارع..كانوا يلوّحون بعلامةِ النصرِ تماماً مثل الفريق الأول ويمضغونَ القات ويهتفونَ لآلهةِ الحرب أيضاً..الجميعُ يقرعونَ طبولَ حربٍ حصيلتها حتى الآن أكثر من ستةِ آلافٍ يمني بين قتيلٍ وجريح..كلُّ هذهِ القرابين لا تشبعُ نهم آلهة الحرب أبداً..وفوق هذا كله جوع ونزوح وانتهاكات وبوادر كوارث بيئية وإنسانية..يا إلهي لمَ كلّ هذا؟ غريبٌ أمرَ هؤلاء البشر..حقاً ما أسهلَ لغة الحرب..كم تبدو اليوم سهلة وطيّعة ويفهمها الجميع بلا عناء..ربما لأنها تجيدُ ترجمة نفسها بنفسها على وقعِ مواجعنا وأنّاتِ فواجعنا..لكنَّ الأمرَ لا يحتاجُ من هؤلاءِ أو أولئكَ إلى كثيرٍ من فلسفةِ الحياةِ وبديهياتها ليعو أنَّ أرواحهم أغلى حتى من الترابِ الذي يتذابحون من أجلهِ طالما هم أبناءُ وطنٍ واحد..وعند النوائبِ والأزمات ووسطَ غبار الحروب يُفترضُ أن تصِلَ هذهِ المفاهيم بشكلٍ أوضح وأسرع لكنيوأنا أتأملُ هؤلاء الأخوة المتصارعون أشكُّ أنهم يفهمون كلّ تلك المعاني..

هل للحروبِ حقاً كلّ هذا السحر والغنج والجمال والفتنة إلى الحدِّ الذي يجعلهم يرونها مثل حسناء فاتنة ناضجة على الدوام؟

أنا أجهلُ لغة الحرب تماماً كما يجهلُ هؤلاء لغة السلام..لا أفهمُ لمَ يسفحونَ حياتهم رخيصة بسلاحِ إخوةٍ لهم في وطنٍ واحد ويوغلونَ بدماءِ بعضهم البعض..وأظنُّ أنهم بالمقابل لا يفهمون منطقي أيضاً لذا من البداهةِ ألا يستطيع أيٌّ منّا أن يُقايضَ الآخر منحَ الأعذار!

حروبُ أبناء الوطن الواحد هي موضة هذا العصر بعد انتهاءِ عصور الاستعمار التقليدي القديم..هي حروبُ الإنابةِ التي يُشعلها الكبارُ من وراءِ الستائر ليحترقَ بها الأغبياء الصغار..حروبٌ ستتناسلُ وتتكررُ وستطولُ كثيراً أيضاً لتكلفنا أكثر..ويبدو أنها ستظلُّ على الدوام أقرب إلينا ممّا سواها شئنا ذلك أم أبينا وكأنما كُتبَ علينا منذ الأزل أن نكونَ وقودَ حروبٍ نُطعمها أرواحنا لتبقى روحها مُتقدة..تماماً مثل نارٍ مجوسية أوهمتْ عشاقها بقداستها ولا مناصَ لهم إلا أن تظلَ مستعرة أمامهم إلى الأبد..

لا زلنا جميعاً نُصِرُّ على أن نربحَ حروبنا بامتيازٍ ونخسر السلام..كلنا.. الرابحُ منّا والخاسرُ على السواء..ذلك هو أملنا المنحور بسكين الحقيقة.. أملٌ يولدُ بين أيدينا ميتاً لا محالة..ألم نقلْ ذلك في البدء؟ لكن مَنْ بإمكانهِ أن يُطيحَ بسكين الحقيقة هذهِ ليمنحَ للأملِ حياة من جديد؟ مَنْ تُراهُ سيُنهي كلَّ هذا النحرَ إلى الأبد ويوقفَ النزيف؟ مَنْ؟

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق