]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

العيش في مجتمع غير عقلاني!.

بواسطة: احمد متولى  |  بتاريخ: 2015-05-07 ، الوقت: 18:14:44
  • تقييم المقالة:

يعد ألبرت إليس (Albert Ellis) أحد أهم علماء النفس المعاصرين، فالكاتب الأميركي الذي ولد عام 1913 وفارقنا في عام 2007، كان له فضل كبير في تبصيرنا بخطورة الأفكار اللاعقلانية في حياة الإنسان، وكيف يمكن أن يؤمن المرء منا بفكرة لا منطقية، ويدافع عنها بحرارة كبيرة، لا لشيء إلا لأنه قد تمركز حولها، وساعدت البيئة أو التربية أو وسائل الإعلام على ترسيخها ومن ثم تسويقها على أنها أفكار عادية، ومقبولة!. ويقصد بالأفكار اللاعقلانية تلك التصورات اللامنطقية، التي يحكم من خلالها المرء على الغالب الأعم من الأحداث التي تمر به، والتي تورثه حالة دائمة من السلبية أو التواكل أو التشاؤم. ووفق نظريته في العلاج النفسي فقد أكد "إليس" إلى أن البشر ينقسمون إلى نوعين، أشخاص عقلانية تستخدم نمط تفكير علمي ومنطقي وواعي، وأشخاص غير عقلانية تنتهج أسلوب غير منطقي، يتجه إلى تحليل الأمور وفق معتقدات تخالف وتضاد أبجديات العقل السليم ومبادئ التفكير العلمي. فعلى سبيل المثال يرى "إليس" أن مجموعة كبيرة من البشر تتجنب مواجهة المشكلات، لاعتقادهم ـ اللاعقلاني ـ أن تجنب المشكلة هو أقرب الطرق إلى الراحة، وذلك لأن المواجهة تفرز معارك والمعارك غير مأمونة الجانب، وبالتالي الانسحاب وتجنب الدخول في المعترك هو الحل، يرى كذلك أن المثالية الزائدة التي يعيش فيها البعض خطر ، ففكرة مثل "يجب أن أنجز أعمالي بلا أي أخطاء، أو يجب أن أكون محبوب من كل الناس" هي أفكار لا منطقية ولا يمكن تحقيقها وبالتالي محاولة الوصول إليها يعد أمراً مستحيلاً. والخطورة تتأتى من أن تبني مثل هذه الأفكار تُسلم أصحابها في الأخير إلى فكرة الانهزامية، ويسحق لديهم نوازع الهمة والتحدي، وقد يدفعهم إلى قبول الظلم، والتكيف معه، وربما أكثر من ذلك، كتبريره والدفاع عنه!. وبالرغم من أن نظرية "ألبرت إليس" موجه إلى علاج الأفراد في أصلها، إلا أننا نحتاج إلى استدعائها لتفسر لنا جزء كبير مما نحن فيه، فبنظرة تأمل بسيطة يمكننا أن نعزو كثير من أزمات مجتمعاتنا العربية ـ والمصرية على وجه الخصوص ـ إلى مجموعة الأفكار اللاعقلانية التي تتبناها تلك المجتمعات وتعمل عملها في هدم ثقتها بأنفسها، وتسلمها إلى حالة الذهول عن وضعها المتردي الذي تعاني منه منذ قرون!. وأقصد هنا مجموعة الأفكار التي تَرسخ في العقل الجمعي، وتؤثر على رؤية المجتمع لذاته، وتصيبه بحالة من الدونية، والرضى بالذل، والخنوع، كفكرة أن الشعوب العربية غير قابلة للتجارب الديمقراطية، وأن العرب قوم لا يجدي معهم إلا سوط الجلاد، وأحكام الطاغية العادل!. ولأن الأفكار اللاعقلانية تحتاج إلى دعائم تشد من أزرها وتعطيها لوناً من القابلية، دأب أجدادنا إلى ترديد أمثال وحِكم شعبية ترسخ لتلك الأفكار، فنسمع من يقول في لهجة الحكيم بأن "المساواة في الظلم عدل"، وآخر ينصحك بالمداهنة وقبول الذل بحجة "إن كان لك عند الكلب حاجة قل له يا سيدي"، أو التي تجنح بك إلى الطاعة العمياء حتى وإن خالف سلوكك ما تؤمن به لأن عليك أن "تربط الحمار كما ما يحب صاحبه". عد إلى تراثنا الشعبي واستحضر عقلك وأخبرني عن المنطق الذي أخرج الحكمة العبقرية التي تحذرنا من أن "القانون لا يحمي المغفلين!"، فلماذا وضع القانون إذن؟، وما دوره إن كان الطيب أو حسن النية أو حتى المغفل ليس له في دنيا الناس حق ولا يحميه قانون؟!. وتمتد الحكم والأمثال الداعمة للفكر اللاعقلاني لتحاصر كل من أراد التمرد على واقعنا المتردي، أو بحث عن طريق مختلف أو دعا بغير ما يدعو به الناس، فنجد من ينصحه بأن "يمد لحافه على أد رجليه"، وأن يتسلح بالسلامة لأن "الباب اللي ييجي منه الريح سده واستريح"!. وتالله، إن مجتمعاً يدافع عن خموله وسلبيته بحجة أن الحياة عشوائية مؤكداً ذلك بأنها "تعطي الحلق للي بلا ودان"، وأن "رزق الهبل على المجانين"، لهو مجتمع يحتاج إلى صدمات من المنطق، وجلسات مكثفة من الوعي، وإعادة جادة للبنى المعرفية التي تحكمه وتتحكم فيه. وهذا هو عين ما يؤكده "ألبرت إليس" وهو يصف روشتة العلاج للأفكار اللاعقلانية بتأكيده على وجوب تحدي هذه الأفكار، مؤكداً أن العمل على دحضها هو السبيل الأول لتغيير البنية المعرفية للأشخاص ومن ثم المجتمعات، وأكد كذلك على أهمية الحوار السقراطي الجدلي، فكرة أن تصدم المعلومة الخاطئة بأختها الصحيحة في محاولة جادة وعنيفة إن اقتضى الأمر كي تكشف زيفها واعوجاج منطقها. وبقعة الضوء التي يمكن أن ننطلق منها إلى معركة الوعي هم الشباب، ذلك التيار الهادر المتمرد، الذي يشعر بعدم راحة تجاه الموروث اللاعقلاني الذي يطاردهم، ويحاول جاهداً أن يزرع شجرة الوعي في أرض جرفتها عقود من التجهيل المتعمد. نعم، إذا كان المرض الذي يشل حركة المجتمع هو تمكن هذه الأفكار اللاعقلانية من السيطرة علينا، فإن العلاج يكمن في ذلك الجيل الرافض لهيمنة تلك المعتقدات على حاضره ومستقبله. الجيل الصامد في موجهة شراسة اللامنطق، المتجهز لمحاربة جنون الباطل وثورته، والذي يقينا لن يؤمن بأمثال وحكم تتعارض مع نقاء مبادئه، كما أنه لن يعترف أبداً بسياسة الأمر الواقع، وأن من "يتزوج أمي .. يجب أن أقول له يا عمي!!".
.
كتابة : أحمد متولى 
تصحيح : دار مقالاتى للكتابة والنشر
....
جميع الحقوق محفوظة © 2015 موقع مقالاتي للكتابة والنشر


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق