]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

"تعلم من الوجود بلا حدود"

بواسطة: حنان سليمان محمد الحمادي  |  بتاريخ: 2015-05-06 ، الوقت: 11:12:25
  • تقييم المقالة:

في صباح كُل يومٍ تطلُع الشمسُ من مشرقها خجلى، تنشر أشعتها رويداً رويداً، تتهادى معها النّسمات وتتراقص معها الفراشات، تنشر خيوطها في كل الأنحاء لينعكس دفؤها من الأرض إلى السماء معلنةً بذلك يوماً جديداً وروحاً جديدة بُثت في المخلوقات، بأملٍ جديدٍ يُلملم شتات الأمسِ ويُطبب جروح الماضي بحنانٍ يتدفق في حنايا الأرض ويصل لكبد السماء ليشمل جميع المخلوقات من بشرٍ وكائناتٍ حيّةٍ ومظاهر طبيعيةٍ خُلقت في نظامٍ بيئيٍ فريدٍ يُكمل بعضه الآخر مهما صغر شأنه في هذا الوجود، خُلقت حولنا لتُعلمنا دُروساً في الحياة.


فها هي الغيوم تتحرك من شتى بقاع العالم لتتجمع في أحد الأماكن، تتآلف فيما بينها فتُنزِل ودقاً طاهراً تسقي به البلاد والعباد، على اختلافهم وتناقضاتهم لم تفرق يوماً بين غنيٍ وفقير أو عزيزٍ و ذليل فتُعلمنا التآلف والمحبة سعياً لخير ومنفعة الناس.

وها هي الجبالُ الشُمُ الراسيات تُعلمنا الصُمود في وجه المُتغيرات، تُعلّمنا أن تبقى نفوسنا شُمًا راسخةً أمام رياح التغيير فلا ضغوطاتُ التجويةِ تُغيّرنا ولا تعرية الزمن تُثبط عزائمنا، بل نتعايش معها بِكلّ شُموخٍ، بِكل عِزّةٍ، بِكل رِفعةٍ وبدلاً من أن تُحطمنا ندعها تصقلنا فنقوى، تُهذبنا فنرقى، وتُعلمنا دروساً شتى.

وانظر إلى النملة، فهي تسلُك المسالك وتردُ المهالك وتُواجه الصُعوبات وتتخطى العقبات وتقهر التحديات، لا تكل ولا تمل، لا تعرف طعم اليأس، وتعطينا دروساً في شدة البأس، فتضع هدفها نُصب عينيها وتُطوّع الظروف لتحقيقها، فبدلاً من التذمر والسخط اللامُنتهي من مواجهة العقبات، تحمل أثقالاً مُضاعفة لحجمها الصغير ولا يُثنيها عن هدفها أيُ عائق، فهي على أتم  الاستعداد لتغيير مسارها عدة مرات ومواجهة الظروف وتطويعها سعياً للوصول لهدفها، في حركةٍ مستمرةٍ وسعيٍ حثيثٍ وإرادةٍ فولاذية وإصرارٍ مُنقطع النظير لبلوغ الغاية، فتُعطينا درساً مفادُه أن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس وأننا مُتساوون في مواجهة الظروف لكننا مختلفون بردات الفعل، فإما إرادةٌ تتمخضُ عن نجاحٍ باهٍر أو استسلامٍ لهزيمةٍ نكراء.

وها هي الشمس تنشُر أشعتها الساطعة فتُنير لنا الكون بما فيه دون التعصب لشعبٍ دُون آخر أو لبلدٍ دُون أخرى، تُؤدي مُهمتها التي خُلقت لأجلها دون انقطاع، فهي تعلم أن نُورها ودفؤها حقٌ للجميع، للفقير وللغني، للصغير وللكبير، للإنسان والنبات والحيوان، لجميع البشر على اختلاف ألوانهم و أجناسهم و دياناتهم، تسطعُ يومياً كأمٍ حنون تحتضن جميع المخلوقات لتُشبعهم دفئاً وحباً وحناناً، لتُعطي بني البشر بذلك أروع درسٍ في المساواة والعدل في التعامل.

وها هو سرب الإوز المُهاجر شتاءً من نصف الكرة الشمالية باتجاه الجنوب بشكل حرف (V)يُعلمنا دُروساً شتى في العمل الجماعي، فكل طيرٍ عندما يضرب بجناحيه يُعطي دُفعةً إلى أعلى تستفيد منه الطيور اللاحقة مما يُسهل قطع مسافة إضافية بحوالي 75% من المسافة التي يقطعها طائر الإوز إن كان بمفرده، وفي حال انحراف أيُ طائرٍ عن السرب يتعرض لجهد إضافي على جناحيه بسبب مُقاومة الهواء مما يجعله يُسارع بالعودة إلى السِرب للاستفادة من قوة دفع جناحي الطائر الذي أمامه فيُعلمنا أن في الاتحاد قُوة وفي التفرق ضعف، كما لا يغيب عنا أن أكبر جُهدٍ يُبذل في السّرب هو جُهد الطائر الأول "القائد" فلا طائر قبله ليُخفف الضغط الذي يُواجهه، في درسٍ عمليٍ للتضحية من أجل الجماعة وفي حال تعب القائد يعود أدراجه في السرب ويتقدم آخر للقيادة والتضحية من أجلهم في صورة جميلة لتوحيد الجهود وتبادل الأدوار ومشاركة المسؤوليات لبلوغ الغاية و للحفاظ على الجماعة.

 

وفي النهاية، اعلم أنك لم تُخلق عبثاً وأن كلّ نفسٍ خُلقت لغاية وسخر الله لك الكون بما فيه لتحقيق هذه الغاية، فما حوى الكون من موارد وكائناتٍ حية إنما خُلقت لتكون لك عوناً للوصول لها وتحقيقها، فكُن حذِقاً ماهراً في تصيّد الدُروس والعِبر حولك واستفد من كل فرصة قد تتعلم منها لتُنمي مهاراتك وتعلم من الوجود بلا حدود واحجز لنفسك مقعداً في صفوف التفكر والتأمُل في مخلوقات الله فلا أروع من مدرسة الطبيعة في تلقين الدروس وتهذيب النفوس.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق