]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

تأثير الفقه الإسلامي عامة والفقه المالكي خاصة في البحر الأبيض المتوسط والقارتين الأوربية والأمريكية. واعتماده في سن القوانين المعمول بها

بواسطة: فوزية بن حورية  |  بتاريخ: 2015-05-05 ، الوقت: 22:46:07
  • تقييم المقالة:
تأثير الفقه الإسلامي عامة والفقه المالكي خاصة في البحر الأبيض المتوسط والقارتين الأوربية والأمريكية. واعتماده في سن القوانين المعمول بها حاليا في العالم

لا بد لكل مسلم وعربي ان يعرف حق المعرفة من اين استمد القانـون الفرنسي حتى لا يقول بان فرنسا منت علينا بالتقدم و الرقي وخاصة بقانونها الحضاري ولولاها لبقينا في عتمة الظلمات نحيا و نعيش.وحتى لا يعود ايضا الى مغالطة نفسه وغيره فيقول مجزما وهو في انفعال شديد مع ازدراء واحتقار لنفسه، باننا الامة الاسلامية جاهلة للقوانين المدنية الحديثة ولنور المعرفة واننا مدينون للغرب ولولاه ما عرفنا القوانين ونور المعاملات العامة و الخاصة و العدالة و الاحكام القانونية في الحياة المدنية وعرفها.

لذا اقول من الواجب عليه ان يعرف ممن اخذت فرنسا و اوروبا العلومو القوانين، ومدى تاثير وتغلغل المذهب المالكي في القانون الفرنسي وصحة عمق اقتباس القانون الفرنسي من المذهب المالكي.

كانما الناس كانت على افواهم اطباقا من القناطير المقنطرة من زبر الحديد والاغلال المقفلة لا تسمع منهم رايا في القانون التونسي ولا حتى تلميحا ولكن ما بعد الثورة الكــل تكلــم عن القانــون التونســــي و خاض فيه وادلى بدلوه مبديا رايه فهدر فمه بالكلام و النقد والاتهام و الاحتجاج فنزل كالشلال. وكثر اللغط و الحديث وتداول الكلام بين افراد الشعب التونسي صفوة و عامة و خاصة شيبا وشبابا، يمينا و يسارا منهم الشباب المعارض الذي يعد نفسه من المتعلمين و غيره والمثقفين ورجال القانون زاعقين بان القانون التونسي ومجلة الاحوال الشخصية لا يمتا للاسلام ولتونس بصلة البتة بل هو مستمد او مقتبس او منقول جله من القانون الفرنسي وذلك بحكم الاستعمار و ما ورثه لنا من سلبيات و ترهات. في حين ان ''مجلة الأحوال الشخصية''' و التي هي في الاصل مجموعة قوانين اجتماعية صدرت في تونس في 13 أوت سنة 1956 خلال فترة تولي الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة رحمه الله لرئاسة الحكومة قبيل العهد الجمهوري و تم فيها سن قوانين للأسرة تحوي تغيرات جوهرية من أهمها منع (تعدد الزوجات وليس تحريم) وسحب القوامة من الرجل وجعل (الطلاق) بيد المحكمة عوضاً عن الرجل. ولا زال يعمل بها حتى يومنا هذا.حيث ان المجلة تستمد روحها من القرآن استنادا الى سورتي البقرة و النساء على سبيل المثال و التي تبين فيها حقوق الانسان و المراة و الطفل و الارث و العقود و الدين وذلك بمعية الفقهاء و المشايخ الزيتونيين من بينهم الطاهر بن عاشور ورجال القانون  وأفكار عدد من  الزعماء الإصلاحيين التونسيين من بينهم الطاهر الحداد. و قد وجدت هذه الأفكار في شخصية بورقيبة القوية سندا قويا لتطبيقها على أرض الواقع.وأبرز ما احتوته المجلة فيما يخص حقوق المراة عند صدورها هو:

·         منع إكراه الفتاة على الزواج من قبل الولي عليها.

·         تحديد الحد الأدني للزواج بـ 17 سنة للفتاة و20 سنة للفتى.

·         منع الزواج العرفي وفرض الصيغة الرسمية للزواج وتجريم المخالف.

·         إقرار المساواة الكاملة بين الزوجين في كل ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءات الطلاق وآثار الطلاق.

·         منع تعدد الزوجات ومعاقبة كل من يخترق هذا المنع بعقوبة جزائية.

ولكن بعد البحث و التمحيص بين عديد المقالات و الكتب ككتاب الشيخ عبد الرحمان البوطي و بحوث عديد الباحثين مثل حسين حمودة محام باحث دكتوراهمصري وعدنان ابراهيم ود. نزيه قسيسو الشيخ فريد الباجي التونسي وغيرهم ثبت أن 90/100 من القانون الفرنسي المدني مأخوذ من الشريعة الاسلامية ومن الفقه المالكي خصوصا.

تبين ان اوروبا كانت ترزح في عتمة الظلمات وتحت نير الجهل.لقد كانت نسبة الاميين في اوروبا 99%مقابل  1%فقط من المتعلمين الذين يفكون الخط وذلك حين بدات النهضة في اوروبا.في حين كان في الاندلس وحدها17 جامعة و الجامعة في الاصل هي اختراع اسلامي بحت وهو من اعظم الاختراعات مثل الجامعات الحديثة. حيث ان جامعة قرطبة وحدها كان بها 11000 طالب و طالبة يدرسـون منهم 4000 اوروبيـــون من بينهم سلفستـر الثانـيصاحب الــدور الاساســي و الفعلي في نقل العلوم العربية بمختلف انواعها وابعادها الى اوروبا وتغييرنمط الحياة فيها خاصة من الناحية القانونية وذلك بنقله للفقه المالكي وادخاله كقانون روماني جديد.. ويقول الاوروبيون بكل ثقة ان ليس للعرب فضلا علينا ولا تاثيرا لهم في المجتمع الاوروبي في حين ان هؤلاء الذين درسوا في قرطبة هم الذين اشعلوا النهضة في اوروبا.

لقد كان البابا سلفستر الثاني جربرت (Pope Sylvester )،هذا الذي ولد في مدينة بيلياكBelliac في مقاطعة أورياكAurillac الفرنسية(940-1003م) باحثاً متعمقاً وأستاذاً وبابا مولعا و شغوفا بالعلوم العربية الاسلامية التي ازدهرت في عصره، وذاع صيتها حتى ملا الافاق وتجاز البحار . فأثار إعجاب جربرت بالعرب فغرف من مدارس الاندلس وجامعة القرويين بمدينة فاس بالمغرب وهي ثاني أقدم جامعة تم إنشائها في العالم بعد جامعة الزيتونة، ولكنها تعتبر الأولى حسب موسوعة غينيس للأرقام القياسيةو التي مكث فيها فترة من الوقت.واكتسب فيها أيضا معرفة واسعة من العلوم التي أحرز فيها تقدما عظيما لاحقا.

حيث ان البابا سلفستر الثاني هذا رحل الى الاندلس انذاك واسبانيا الحالية لتلقي العلم وهو في السابعة و العشرين من عمره ودرس على يد علماء عرب فيالمؤسسات التعليمية العربية في الأندلس آنذاك والتي كانت تسمى "المدارس"وذلك بقرطبة و قطلونيا  واشبيلية، لما كانت الاندلس في ذاك العصر منبع العلم ومنارته ومنهله الوحيد في العالم وعاصمة النور الوحيدة في اوروبا، يستمد منها نور المعرفة و الحداثة في حين كانت اوروبا ترزح تحت نير الجهل و الظلمات.  فنهل من مناهل المعارف العربية الغزيرة ما شاء له وطاب. وبفضل الأساتذة العرب في جامعة القرويين وفي الأندلس تعلّم سلفستر الثاني أشياء لم يكن أحد في أوروبا ليحلم بها أو يسمع عنهاعلى سبيل المثال لا الحصر الحساب، الرياضيات، والمعداد الذي ابتكره الخوارزمي وهو عبارة على جهاز حاسب،والنظام العشري للأعداد باستخدام الاعداد العربية والصفر والهندسة والميكانيكا والساعة ذات الميزانو الفلك وعلم التنجيم والاسطرلاب الذيقدمه الىاوروبا مع جملة العلوم التي تعلمها فجننها به لانه يقيس ابعاد الشمس و القمر بصفة مذهلة  و النجوم والمواقع العالمية بدقة متناهية ويحدد ابعاد الارض بدقة عجيبة. واصبحت الة لا يستغنى عنها في الملاحة و الفلك والمساحة، يسمونه جوهرة الرياضيات. وما عرفت اوروبا الاسطرلاب هذا الا بعد مائة سنة وذاك حين ادخله لها سلفستر الثاني. وقدمه كأعلى جهود ثمرات التقنية وهو ايضا أول من قدّم النظام العشري للأعداد باستخدام الاعداد و الارقام  العربية إلى اوروبا مع العلم ان اوروبا كانت تستعمل الارقام الرومانية.واهم ماقدم سلفستر الى اوروبا في ذلك الوقت هو الفقــه المالكي الـذي كان من اهم الانجازات و المقدمات الرئيسية في القرون الوسطى الاوروبية فكان لــه أثر واضح و جــلي الــى يومنا هـذا في التشريعات الغربيةو الذي سماه القانون الروماني الجديد. لذا يرجع الفضلاليه في إدخالكل هذه العلوم والفقه المالكي إلى فرنساومن ثم الى أوروبا.ثم الى العالم كله و الأمثلة عديدة تبلور تأثير الفقه الإسلامي عامة والفقه المالكي خاصة في البحر الأبيض المتوسط والقارتين الأوربية والأمريكية.          

 لقد درس سلفستر بقرطبة خاصة الفقه المالكي، الا وهو فقه مالك ابن انس الذي استرعى انتباهه وحاز اعجابه حتى استحوذ على كيانه حد السيطرة عليه. فاعتنى به عناية فائقة لها فعالية بلغت الحد الاقصى. وانكب على دراسته دراسة معمقة لسنوات عديدة. ولما عاد الى فرنسا لم يقدم لهم الاسطرلاب وما تعلم هناك من علوم فحسب بل قدم لهم ايضا كنزا ثمينا جدا لا يضاهيه كنز و نورا معرفيا منيرا لدروب مسالك الحياة المظلمة و الشائكة والمتشعبة في اوروبا المظلمة، اوروبا العصور الوسطى الا وهو الفقه المالكــي واصولـــه بما فيها من بيـــوعات و شــراءات و تعويضات و مبيعـــات و شروط...الخ. انه قانون عجيب و مخيف يعني قانونا كاملا متكاملا، مدونة قانونية متكاملة تضبط كل شروط الحياة بالعدل و الانصاف، على خط العدل و الصراط المستقيم. هذا روح الاسلام درسه البابا سلفستر الثاني تماما وتفقه في الفقه المالكي  جيدا، ولكنه كذب عليهم وقدمه لهم على انه القانون الروماني المبتكرالجديد و لم يفصح عن الحقيقة و يبين لهم جلية الامر ويقل لهم ان هذا القانون ما هو في الاصل الا فقه المسلمين، فقه رجل اسمه الامام مالك ابن انس. نعم كذب عليهم وقدمه اليهم على انه قانون روماني جديد. قائلا لهم هذا اسمه القانون الروماني الجديد و ضل يتنامى و يشتغل عليه الى ان انتهى بالقانون المعروف بقانون نابليون.

ان قانون فرنسا واوروبا او الفرنجة الجديد هذا الذي سوقه لنا الغرب عبرالاستعمار او ورثه لنا جله يتطابق مع الشريعة الاسلامية لانها باختصار شديد ابنة الشريعة، بضاعتنا ردت الينا. لكن الويل لنا ثم الويل ما دمنا مكبلين بعقدة النقص هذه التي تخنقنا، لو كان هؤلاء الاوروبيون او الفرنجة لديهم قوانين فعلا اصيلة من استنباط عقولهم او من قريحة فلاسفتهم وحكمائهم وبنات افكارهم متفردة لا علاقة لها بالقانون المستورد عندنا الان لدمرنا بالكامل و لا تخلينا عن كل شيئ جراء عقدة النقص اللعينة هذه. اننا نقلدهم في قوانينهم و نحمد الله ان معظم هذه القوانين تتطابق مع الشريعة الاسلامية لانها بنت الشريعة. بضاعتنا ردت الينا ويقولون قانون روماني جديد وبعد ذلك اصبح قانون نابليون.

ان سلفستر الثاني هذا هو صاحب الدور الاساسي في نقل العلوم العربية الى اوروبا وتغييرنمط الحياة فيها خاصة من الناحية القانونية وذلك بنقله للفقه المالكي وادخاله كقانون روماني جديد.وهو اول بابا روماني في العام الاخير من القرن العاشر للميلاد صار يحسب بالعربية.

كما تبين عدم صحة ما يروج له. و ما يقال الا عن جهــل محــض وبغايــة التقليــل و التصغير و التحقير من شاننا نحن العرب ومن اهمية القانون التونسي الذي تجري به الاحكام و يعمل به المشرع التونسي اما نكاية ونكالة في رجال الدين الزيتونيين اوفي الاصلاحيين التونسيين او في الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة و في بن علي او عن جهل بغيض.

لو اننا امعنا النظر و اعملنا الفكر و عدنا الى التاريخ الى عهود خلت وقرون مضت لعرفنا ان القانون السائد الذي كان حكام اوروبا يعملون به هو القانون الروماني الذي لا يمت اليوم بصلة الى القانون الفرنسي او الاجنبي عامة. لقد جرت العادة ان في الحروب و الاستعمار تتلاحق الحضارات وتتمازج احيانا وتتعارض احيانا اخرى. لذا سنعود الى الوراء قليلا الى عهد الفتوحات الاسلامية حيث أنه بفضلها انتشرت الشريعة الاسلامية و احكامها السمحة انتشارا واسعا حتــى اكتسحــت ربوعا اوروبيــة كانت ترتـع فيها عتمة الجهل و تعمها الفوضى ويعتمها الظلام لامكان للانسانية فيها البتة بل المكان للاقوى و الاقسى و الاشرس و الاشد.

كان الحكام المسلمون يرسلون الفقهاء والعلماء و القراء الى البلدان و الاقطار التي فتحوها  حتى يعلموا اهلها اصول الدين الاسلامي، فقهه و تشريعه و احكامه وذلك ابان الفتح الاسلامي . وحينما انتشر الإسلام في ربوع العالم وعبر القارات خاصة بعد فتح الاندلس بوابة اوروبا آن ذاك والتي تسمى اليوم باسبانيا،وأجزاء من الجزر والسواحل الأوروبية الواقعة على البحر الأبيض المتوسط خلال القرن السابع الميلادي عن طريق الفتوحات الإسلامية. في شبه الجزيرة الايبيرية (تتكون من إسبانيا والبرتغال وأندورا ومنطقة جبل طارق.) دول إسلامية في الأندلس وجنوب فرنساحيث اجتاح المسلمون على سبيل المثال لا الحصر مدينة أوزه، وفيين، وفالنسي، ووصلوا إلى مدينة ليون التي يسميها العرب "حصن لودون" و تولوز ، كذلك زحفوا على مدينة ماسون، وشالون، ووصلوا إلى مدينة "سانس" عاصمة إقليم "يوند" على بُعد ثلاثين كيلو مترًا فقط جنوبيّ (باريس). كانهذا الفتح بداية للتواجد الإسلامي وتغلغله اكثر فاكثر في قلب اوروبا، وبالبرتغال و بفرنسا وفي الأندلس الذي امتد فيها لنحو 800 عام تقريبًا كما كان له تاثيرا كبيرا في الحياة الاوروبية العامة و الخاصة واستمال الناس اليه فرسخ التشريع الاسلامي و اصول الفقه و تغلغل مذهب مالك ابن انس حتى اصبح القانون السائد و المعمول به هناك الى يومنا هذا.

وبعد فتح مدينة القسطنطينيَّة عاصمة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة (أو الرومانيَّة الشرقيَّة، أو الروم) وسقوطها  في يد المُسلمين مُمثلين بالدولة العُثمانيَّة،

شكَّل هذا الحدث (إضافةً إلى فتح منطقتين روميَّتين أُخريين لاحقًا) نهاية الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة، وإلى حدٍ أبعد الإمبراطوريَّة الرومانيَّة التي استمرَّت موجودةً بهيئةٍ روميَّة شرقيَّة، بعد أن صمدت طيلة 1,500 سنة تقريبًا كذلك شكَّل الفتح العُثماني للقسطنطينيَّة ضربةً موجعةً للعالم المسيحي والبابويَّة الكاثوليكيَّة لأنَّ المدينة كانت تُشكِّلُ عائقًا وحاجزًا أمام التوغل الإسلامي في أوروبا، ولمَّا سقطت أصبح بإمكان المسلمين المضي قُدمًا في فتوحاتهم دون التخوُّف من ضربةٍ خلفيَّة تُثنيهم عن أهدافهم.

بعد تمام الفتح، نقل السُلطان مُحمَّد الثاني عاصمة مُلكه من مدينة أدرنة (وهي إحدى مدن تركيا في أقليم تراقيا وتقع في أقصى الجهة الشمالية الغربية من الجزء الأوروبي للجمهورية التركية بالقرب من حدود بلغاريا واليونان حيث تبعد عن حدود اليونان 7 كم وبلغاريا 20 كم كما يمر بها نهر ماريتزا وكان اسمها قبل العثمانيين أدريانوپل)..إلى القسطنطينيَّة، وسُمِّيت «إسلامبول» أي «تخت الإسلام»، و التي تسمى اليوم اسطمبول  ولُقِّب السُلطان بالفاتح أو «أبو الفتح».وانتشر عددٌ كبيرٌ من العلماء والفقهاء المسلمين والمؤسسات التعليمية العربية والاطباء و الشعراء العرب. وبذلك زاد تغلغل الاسلام وتشريعه وفقهه و احكامه و قوانينه وذاع صيته و انتشر اكثر فاكثر باوروبا خاصة بعد سقوط العاصمة البيزنطية فاصبحالقانون السائد و المعمول به في تركيا و البرتغال و فرنسا و الاندلس التي بقيت تحت سيطرة المسلمين مدة 800 سنة تقريبا. زيادة على انتشار الثقافة العربية  و الاسلامية و العرف المعمول به.

لقد كان الحكام المسلمون يرسلون الفقهاء للبلاد التي من الله عليهم بفتحها ليعلموا كل من حظي بالدخول في الإسلام بأمور الدين الإسلامي الذي اعتنى بالأمور الحياتية الدنيوية حتى اصبح التشريع الاسلامي ومذهب مالك ابن انس  شريعة عالمية. وذلك راجع الى العلماء المسلمين دون ان ننسى دور علماء الأندلس الذين رحلوا إلى الحجاز ودرسوا على يد الإمام مالك، فنقلوا مذهبه إلى الأندلس، وفي مقدمتهم أبو عبد الله زياد بن عبد الرحمن اللخمي (ت: 204هـ أو قبلها) والملقب بـ (شبطون) الذي أدخل مذهب مالك إلى الأندلس، وأخذه عنه يحيى بن يحيى الليثي (عاقل الأندلس) كما لقبه الإمام مالك.فأقبل الأندلسيون على اعتناق مذهبه في عهد الأمير هشام، وشاع هذا المذهب في الأندلس بعد أن استهوى الأمير هشام ومن حوله من الفقهاء ورواد الحديث.

قد كانت المدينة المنورة مركز العلوم الدينية، وقد توج نضوج هذه العلوم وجود الإمام مالك بن أنس فيها (ت: 179هـ) صاحب كتاب الموطأ الذي يعني (السهل الواضح)، وقد ذاعت شهرة الإمام مالك في العالم الإسلامي.

 

ففى عام 200 من الهجرة دخل مذهب الإمام مالك بن أنس إلى الأندلس ( أسبانيا حالياً ) على يد العالم المالكي "زياد بن عبد الرحمن القرطبي" . وبذلك انتشر هذا المذهب في أوروبا كلها بما فيها فرنسا . خاصة وأن أوروبا كانت في ذاك العصر في أوج جهلها ترزح في الظلمات العامة و القانونية خاصة. إذ كانوا يبيعون الإقطاعية بما عليها ومن عليها وكان لا يتزوج عامل في إقطاعية بامرأة إلا بعد أن تمر على حاكم المدينة وكلما مكثت في منزله كلما زاد شرف الزوج.
وهكذا وفى هذه الأجواء المظلمة توجه الأوروبيون ومنهم الفرنسيون المتعطشون الى المعرفة إلى الأندلس التي اعتبروها منارة للعلم ليتعلمون فيها أسس الحياة الكريمة ومناهجها وقوانينها الاسلامية. ومن هنا انتشر مذهب الإمام مالك بن أنس انتشارا واسعا في العقود والمبايعات والأهلية وغيرها مما يشمل الحياة العامة و الخاصة حتى استقرت بين الأوروبيين كعرف أو ما يسمى بالعادة الشفوية . ما لبثت فيما بعد أن صبغت في صورة قوانين مقننة ومنها القانون الفرنسي الذى تم وضعه سنة 1805 ميلادية.
وكما هو معلوم أن التشريع الإسلامي عند انتشاره في أرجاء المعمورة أزاح القانون الروماني التعسفي و الضلالي عن الوجود وأضعف تأثيره اضعافا كليا وذلك لاتساق التشريع الإسلامي مع تطور حياة الناس وانسجامه مع الفكر المعرفي وحمايته لحقوق الانسان بما في ذلك الرجل و المراة و الطفل و الارث و العقود و الدين و العلم التجريبي (العلم التجريبي يجيب على السؤال " كيف؟ " و لا يجيب على السؤال " لماذا ؟)لقد وضع علماء المسلمين منهجية للبحث العلمي قبل علماء أوروبا، واستخدموها في اكتشافاتهم وابتكاراتهم العلمية.

الأمر الذي يعنى أن أصل القوانين الغربية وخاصة الفرنسية منها هو الشريعة الإسلامية المعتمدة على الفقه المالكي وليس القوانين الرومانية التعسفية الغائرة في الجهل  و الظلم كما يروج الغرب إنكارا لفضل الشريعة الإسلامية عليه وذلك لعدم الاعتراف بالحقيقة.

مدى وجود مذهب الإمام مالك ابن انس في قانون نابليون

الشريعة الإسلامية سيما مذهب مالك بن أنس رحمه الله دخلا فى التشريع الوضعى بأوروبا من المعروف أن مذهب (( الإمام مالك _رضى الله عنه _))هو الذى كان معمولا به فى بلدان شمال أفريقيا , ولا يزال الأمر كذلك حتى اليوم فى تلك البلاد, وقد انتقل مع العرب الفاتحين إلى الأندلس والأقطار التى فتحوها وأقاموا بها.ومن ذلك يكون من المسلم به أن جل الأحكام التشريعية تقريبا المأخوذة من هذا المذهب قد دخلت فى قانون نابليون بعد أن رسخت فى تلك البلاد  لمدة قرون, وتولد منها عادات وأعراف قانونية دخلت بهذا الوصف فى ذلك القانون...وهذا ما لا ينكره إلا من لا يعرف شيئا عن التاريخ الإسلامى. أو يعرف ولكنه مكابر ينكر الحق الذى يؤيده الواقع, والمقارنة بين التشريعين: الفرنسى والإسلامى المأخوذ من مذهب الإمام مالك بصفة خاصة.ولعل هذا مما يفسر عناية الفرنسيين , قديما بمذهب مالك بصفة خاصة , ونشر كثير من كتبه وترجمت  أخرى منها للفرنسية , وما تزال هذه العناية معروفة إلى يومنا هذا.
وهذا بحث عـــــــــــــــــــــــالم منصف:
وهذا رجل عالم من علماء الأزهر درس القانون بفرنساوهو الأستاذ "سيد عبد الله حسين,"فراعه التشابه الشديد بين كثير من احكامه فى الناحية المدنية وبين مذهب الإمام مالك ابن انس الذى درسه فى الأزهر , فكان أن عنى بوضع كتاب ضخم يقارن فيه بين التشريعين فى تفصيل, وهو كتاب لمن يريد البحث عنه(المقارانات التشريعية) والذى ظهرت طبعته الأولى بالقاهرة سنة 1947

يذكر فى مقدمة هذا الكتاب بعد أن استعرض تاريخ هذين التشريعين الإسلامى والفرنسى أنه من هذه الحوادث التاريخية القاطعة يتبين أنه كان للشريعة الإسلامية عموما ولمذهب مالك خصوصا دخل فى التشريع الوضعى بأوربا, فالحقيقة المخفية عندهم إجماعا هى ان مذهب الامام مالك مدون عندهم ومعمول به علما وعملا منذ قرون بلا نزاع, ولهم ان يقولوا : قانون العوائد أو غيره.

ثم بعد ان أشار إلى هذا (( المقارانات التشريعية) لذى يتقدم به, قال وهذا دليلى العلمى والعملى على ان القانون المدنى الفرنسى مأخوذ جله من مذهب مالك ابن انس وفى هذا الكتاب ما يغنى عن الجدل والله خير الشاهدين.

ولكم بعض الامثلة والمقارنات
فى هذه الأمثلة والمقارنات يكفى أن أشير إلى البعض منها ليظهر مبلغ ما فى هذين التشريعين من تشابه فى كثير من النواحى , وهو تشابه ينم عن اخذ الثانى من الأول الا وهو الفرنسي من مذهب مالك, فى شكل عادات وأعراف تأصلت فى فرنسا أيام خضوعها  و غيرها من الدول الاوروبية للحكم الاسلامي .

1  ) فى العقد مثلا نجد أن ما جاء فيه فى القانون الفرنسى من انعقاده يعني كتابة العقد ولزومه بالايجاب والقبول من المتعاقدين, وشرط صحة العقد بصفة عامة , عيوب العقد , وحرية المتعاقدين , وأن انتقال الملكية للموكل يتم بمجرد تعاقد الوكيل عنه....كل ذلك نجده فى فقه الإمام مالك بن أنس رضى الله عنه , وعلى غير ما هو معروف فى القانون الرومانى(تجنبا لفذلكة الملاحدة والعلمانيين)
ونجد هذا الاتفاق أيضا فى الحجر وأسبابه ونتائجه وعدم أهلية المحجور عليه وانتهاء هذا الحجر وأسبابه.

2
 ) كذلك الامر فى الملكية ودليلها وتثبيتها وحكم وضع اليد وشروطه ونتائجه, وأن وضع اليد على المنقول يعادل حجة الملكية , وجواز نزع الملكية للمنفعة العامة , واحكام الملكية المشتركة, وتحديد ملكية المناجم , وطرق نقل الملكية فى المنقول والعقار , وسقوط الحق بمضى المدة...

 3  ) ويتفقان ايضا فى عقد الإيجار وكثير من أحكامه مثل:
         - التزامات المؤجر...الخسارة فى العين المؤجرة ..ضمانها ..التنازل عن عقد الإيجار والخدمة ومدة الإيجار..

وما هذه الا قطرة من بحـــــــــــــــــــــــــــــــر فيما يتفق فيه التشريعان , وهناك نواح كثيرة أخرى هى موضع اتفاق بينهما فيما يخص التركة وتقسيمها بين الورثة, والوصية والهبة واحكام كل منهما, وفى غير ذلك كله مما يتناوله القانون المدنى من سائر العقود والتصرفات..
ان الفقه الإسلامى له مرجعيه الكبيرين المقدسين وهما : كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه واّله وسلم. وفيهما غُنية فى كل نواحى التشريع ولله الحمد والمنه.
ويجب أن نعرف جيدا أن فرنسا لم يكن لها فى زمن(نابليون) قانون خاص بها ينبع من الدين أو غيره من مقومات الأمة, فمن المعقول و المؤكد أن العلماء الذين وضعوا القانون المدنى الذى يقترن باسم نابليون قد ترجموا كتب التشريع الاسلامى الى لغتهم ونشروها بينهم ومن هذا الفعل و المنطلق يكون التشريع الفرنسى قد تخلى كليا عن القانون الروماني السائد انذاك ونقر مجزمين وفاخورين  بان التشريع الفرنسي قد استفاد استفادة جمة من التشريع الاسلامى احسن استفادة اى ان شريعة الله عز وجل دخلت فى القانون الوضعى الأوربى وإن لم يأخذوها كمنهج إيمانى فهم يأخذوها أو اغلبيتها كأفضل حل لهم حينما تنفذ طاقاتهم وقدراتهم.
وهذا يدل على انهم مهما بحثوا وابتكروا فلن يكون حل لهم إلا منهج الله عز وجل كما حدث وحرمت اوروبا الخمر فترات معينة ثم قننت بيوت الدعارة وأخيرا الأزمات الإقتصادية بسبب الربا والتورق وبيع الديون وبالديون ..فهى وإن حادت عن شريعة الله شكلا ولكنها ستعرف ان الله عز وجل قد وضع للإنسان في الدين الاسلامي تشريعات هى غاية الكمال المنشود صدق الله العظيم حين قال في سورة سيدنا يوسف عليه السلا م في الاية 21 (والله غالب على امره و لكن اكثر الناس لا يعلمون) "أي فعال لما يشاء" و لكن اكثر الناس "لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد"..

ان اعتماد القانون الفرنسي في واقعه على كثير من الاحكام الفقهية المدونة في مذهب الامام مالك ابن انس رحمه الله ، لم يحل دون اقتباسه والاخذ به و الاعجاب به لانه عندما ۥقدم الى العالم انما ۥقدم اليه على انه ابداع جديد فرض نفسه في اعقاب الثورة الفرنسية و لم ۥيقدم الى العالم على انه يحوي مجموعة كبيرة من الاحكام الفقهية الاسلامية في كثير من مسائل العقود و المعاملات المالية.

وبنظرة قانونية فاحصة وثاقبة يتبين بجلاء اتفاق ما يربوا على التسعين بالمائة من التشريعات الفرنسية مع ما يقابلها من مذهب الإمام مالك . وبالطبع ليس هذا من قبيل المصادفة.
وما نراه اليوم من نظريات فقهية منسوبة لفقهاء القانون الفرنسي كعدم الوقوف على ظاهر النصوص بل الأخذ في الحسبان المعاني المختزنة في النص وهو ما يعبر عنه بروح القانون.
كل هذه الأصول وغيرها مأخوذة من الفكر الفقهي الإسلامي الذي صاغه علماء الشريعة الإسلامية.
لذا لا يجدر بنا أن نقف موقف الخائف الحذر من هذه القوانين خاصة و ان أغلبها مجرد امتداد لشريعتنا . وعليه فقط أن نمحص الدخيل منها على عاداتنا وأخلاقنا وعلينا باخذ ما يتماشى و قواعد ديننا وعلينا أن نعمل في تقدير الفكر القانوني الإسلامي الذي كان يوماً منارة للعالم وظلاً وارفاً له.
وعليه فاقتباسنا للقوانين الفرنسية مفاده أن قوانيننا  ترد إلينا.

وما اصراري على ذكر مدة بقاء المسلمين بالأندلس لـمدة 800 سنة حشوا ولا بغاية التكرار،الا تاكيدا على مدى تجذر الفقه الاسلامي واصول الاحكام الاسلامية و العرف المعمول به وشدة عمق تغلغل المذهب المالكي فيه وشدة قوة تاثيره وفاعلياته في المعاملات العامة و الخاصة وحتى في السياسة و القضاء و التجارة و الاقتصاد فاخذوا منه كل ما يهم الامور الحياتية والدنيوية ويتماشى معهم وميولاتهم. خاصة في التجارة وحرصا مني على لفت انتباه القارئ ليدرك مدى عمق التاريخ الاسلامي و تلثيره في اوروبا والحقيقة المخفية عنه و مغالطة الغرب للعالم لذا اصررت على ذكر بعض المناطق الاوروبية على سبيل المثال لا الحصر التي فتحها الاسلام وخظعت لحكمه المادي و المعنوي.

الفقه المالكي في التشريعات الغربية

أثر الفقه المالكي في التشريعات الغربية

في عام 1937 أقر مؤتمر لاهاي ما قرره مؤتمر واشنطن عام 1935 من أن الشريعة الإسلامية مصدر للقانون مستقل عن مصادر اليونان والرومان


وقد أكد برنارد شو في كتابه"backto" بأن قلب التوجه العالمي سينتقل في القرون المقبلة من الغرب إلى الشرق وأكد أن الشريعة الإسلامية ستصبح المدونة الوحيدة للحياة قادرة على تجديد وجهة وضبط حياة الإنسان على الأرض في أي مسار مستقبلي.


ولذلك أمثلة عديدة تبلور تأثير الفقه الإسلامي عامة والفقه المالكي خاصة في البحر الأبيض المتوسط والقارتين الأوربية والأمريكية. 
فقد أعدت دراسات في الفقه المقارن تحلل تفاصيل وأبعاد أثر الفقه المالكي في بعض التشريعات الأجنبية خاصة مدونة الفقه المدني المعروفة بمدونة نابليون وقد اقتبس هذا الأخير الكثير خاصة في مادة الأحكام والعقود والالتزامات، وقد أشار الأمير شكيب أرسلان في: "حاضر العالم الإسلامي" إلى بعض ذلك وهو قل من كثر مما أثر في الفكر القانوني الحديث ابتداء من الحرب العالمية الأولى.

 
التأثير في الحقل الاقتصادي

 
ولا شك أن انبساط الحكم العثماني على بقاع شاسعة من العالم، كان له أعمق الأثر على القوانين في مختلف ميادين الحياة، وخاصة في الأقاليم الأوروبية التي خضعت للآستانة، ولا يزال على رجال القانون المقارن أن يسبروا أغوار هذه التأثيرات والمبادلات بين الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية فيما يسمى اليوم بالدول الاشتراكية التي كان معظمها تابعا للأتراك إلى حدود سيبيريا حيث يمتد ما يسمى بالجمهوريات الإسلامية السوفياتية. 


ومن مجالي هذا التأثير في الحقل الاقتصادي قضايا الشركات وقد ضمنها البنوك، وهي تقوم في العالم المعاصر بأجل الخدمات لتنشيط مختلف مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالشركة بصورة عامة في المذهب المالكي هي كما يقول ابن عرفة: "شركة بقدر متمول بين ملكين فأكثر ملكا فقط"، والشركة في القانون الفرنسي شبيهة بها بل تستعمل "المدونة الفرنسية" نفس التعابير التي وجدت في النصوص الفقهية القديمة بما يدل على أن التشريع الفرنسي اقتبس منها، وقد تأثر القانون المدني الإسباني بالفقه المالكي في الاستغناء عن عقود الزواج خارج الكنيسة، ولاحظ الأستاذ "أوكطاف بيل" في كتاب له حول الشركة والقسمة في المذهب المالكي، أن الشركات المالكية شركات تنبني على عقود أمانة، وهو ما يجري به العمل في فرنسا قديما. (ربما تحت تأثير الأندلس).

 
وأهم أنواع الشركات اليوم وخاصة في أبرز دولة اقتصادية بأوروبا هي ألمانيا الغربية الشركة المعروفة بالقراض. 
والقراض Commanditeأهم أنواع الشركات في المذهب المالكي لأنها لا تمس رأسمال المشارك فيها وإنما تقتصر مسؤوليته على حصته في الشركة أي أن أرباب المال ملزمون على قدر المال كما في القانون الفرنسي وغيره من القوانين الأوروبية وخاصة منها القانون الألماني الذي أصبحت العمليات المصرفية تجري اليوم في نطاقه على نسق البنوك بدون فائدة وهو مظهر لأثر الفقه الإسلامي في المجتمع الألماني اليوم. 


بصمات الفقه المالكي في أوروبا وأمريكا وحتى في المناطق التي استقلت قبل أن ينزاح الحكم العربي عن الأندلس بقرون ظل المسلمون يطبقون الشريعة الإسلامية مؤثرين في محيطهم بمنطقية ورصانة الأحكام الفقهية وقد أكد محمد بن عبد الرفيع الأندلسي الذي توفي عام (1052هـ ـ 1642م) بعد الجلاء الأخير عن الأندلس بخمس وثلاثين سنة في كتاب "الأنوار النبوية في آباء خير البرية" أنه بقي في طليطلة أناس يدينون بالإسلام في الباطن بعد أن زال عنها حكم الإسلام بخمسمائة عام. 


ولا شك أن للفقه المالكي خاصة بصمات تقوى وتضعف حسب الأقاليم التي تأثرت في أوروبا وأمريكا بالإشعاع القانوني الإسباني والبرتغالي مأخوذا من الأندلس التي استمرت فيها تطبيقات فقهية مالكية (فقه مالك ابن انس) إلى القرن الماضي. وقد نقل دوزي عن صاحب كتاب (لوس ـ وزار ايبس دوطوليد) أن بعض القرى الأندلسية بناحية بلنسية استعملت العربية إلى أوائل القرن التاسع عشر وقد جمع أحد أساتذة جامعة مدريد 1151 عقدا في موضوع البيوع محررا بالعربية كنموذج للعقود التي كان الإسبان يستعملونها في الأندلس. 


ونعطي مثالا آخر لهذا التأثير أيضا في مفهوم: الجنسية، في الفكر الإسلامي. فالجنسية في الحقيقة ميزة تتسم بها أمة بعينها وهي أيضا وصف لمن ينتسب لأمة من الأمم ولم يهتم الإسلام بالجنسية أو العنصر بقدر ما اهتم بالملة أو النحلة الدينية ولكن ليس معنى هذا أن أحكام هذا المفهوم لم تكن واضحة مضبوطة في الإسلام فقد قال النووي في تقريبه نقلا عن عبد الله بن المبارك وغيره أن من أقام في بلدة أربع سنين نسب إليها وقد تحدث المراكشي في إعلامه عن أمد الحصول على هذه الجنسية حسب الفقه الإسلامي (الإعلام :1/150). وقد اختارت مدونات قانونية أوروبية وأمريكية نفس المدة لإقرار جنسية الأجنبي المقيم في البلد، راجع "الجنسية في قوانين المغرب العربي الكبير" دراسة مقارنة 1971 مصفحة 861 لإبراهيم عبد الباقي، معهد الدراسات والبحوث العربية.

 
تأثير على القانون الكنسي والفقه اليهودي

 
وقد كان للفقه المالكي وخاصة بالمغرب والأندلس تأثير بليغ لا على القانون الكنسي بل على التلمود والفقه اليهودي منذ القرن العاشر بمدينة فاس وهو العصر الذي انتشر فيه المذهب المالكي بالمغرب بعد فترة ساد خلالها الفقه الحنفي والفقه الشافعي وفقه الأوزاعي. ومن أمثلة ذلك أن أبا سعيد بن يوسف الفيومي المعروف بالحاخام سعديا 942هـ الذي يعتبر واضع الفلسفة اليهودية في العصور الوسطى قد صنف ترجمة عربية للعهد القديم واستكمل قانون الميراث اليهودي مستعينا بالشريعة الإسلامية.

 
وهنالك عالم يهودي مغربي هو إسحاق بن يعقوب الكوهن الملقب بالفاسي الذي ولد عام 404هـ /1013م في قلعة بن أحمد، قرب فاس وتوفي بالوسينة بالأندلس عام 497هـ /1103م له شرح على التلمود في عشرين مجلدا يعتبر لحد الآن من أهم كتب التشريع التلمودي كما له ثلاثمائة وعشرون فتوى محررة كلها بالعربية، وهي مقتبسة من الفقه المالكي السائد بالأندلس والمغرب آنذاك، وهو الذي أسس بالوسينة هذه هي التي آوى إليها في فترة من حياته العلمية الإمام بن رشد الحفيد الذي جمع بين الفقه المالكي والفلسفة والطب والتف حوله طلبة يهود أندلسيون. 
تلك نظرة مركزة عن هذا الموضوع الذي نعني به اليوم للتعرف على أهمية مذهب الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة وحامل لواء السنة في المجالات الجديدة التي تواجهنا في اختياراتنا المستقبلية. 


مبادئ الأخلاق الدولية 


أما بخصوص المجالات الأخرى وخاصة منها التي تتصل من قريب أو بعيد بالفقه والقانون فقد كان للشريعة الإسلامية أثرها القوي في تكييف التقاليد الأوروبية وبلورة اختياراتها منذ القرن التاسع الميلادي، أي بعد مرور مدة قليلة على انتشار الدين الجديد الا وهو الدين الاسلامي في الاندلس اسبانيا الان وجنوب فرنسا وإيطاليا وبعض الجزر المتوسطية. 
وأبرز هذا العطاء الإسلامي الجديد هو مبادئ الأخلاق الدولية وقد صنف صديقي وزميلي "مارسيل بوازار" كتابا في هذا الصدد كان اسمه الأول "الإسلام والخلق الدولي" "L’Islam et la morale Internationale"، وقد عرض علي كتابه القيم في مسودته بجزئيه قبل طبعه للمشورة قبل أن ينشره في جزء واحد باسم جديد هو "إنسية الإسلام" "Humanisme de L’islame"، كما أهداني دراسة أخرى باللغة الإنجليزية حول التأثير المحتمل للإسلام في القانون العمومي والدولي الغربي. 


وقد أصبح اليوم من البديهي أن كثيرا من العناصر الحضارية الفلسفية والخلقية قد اندرجت في المدونات الأوروبية في مختلف مجالات الفكر التشريعي دبلوماسيا وعسكريا ومدنيا.

 
نعم إن الاتصالات بين الإسلام وأوروبا قد وصلت تدريجيا عن طريق الأندلس وصقلية كما تبلورت عن طريق مراسي البندقية وجنوة وبيزة وقد كان التجار الأوروبيون يقضون عدة شهور في الشرق في أوائل الخريف ونصف الربيع من كل عام. فكان ذلك أول اتصالهم بالأخلاق والعادات الإسلامية مما تمخض عن نواة القانون التجاري الدولي الذي برز أول ما برز من خلال انتشار مبدأ حرية البحار وذلك منذ القرن الثاني عشر الميلادي. وقد كان للموحدين دور فعال في ذلك حيث وضعوا المبادئ الأساسية لهذه القواعد وحاربوا القرصنة بإحداثهم ميليشية خاصة بتأمين البحار في الوقت الذي كانوا فيه سادة المتوسط مما حدا صلاح الدين الأيوبي إلى الاستنجاد بالأسطول المغربي ضد الصليبيين، وقد كان ـ كما يقول "أندري جوليان" في كتابه: "تاريخ الشمال الإفريقي" ـ أول أسطول في البحر المتوسط، والموحدون هم أول من لقن مصطلحات التجارة الدولية أيضا لأوروبا.

 
هذا وإن أول بادرة نتجت عن حرية التبادل التجاري بين الشرق والغرب خاصة في المتوسط هي ظهور عملاء تجاريين مهدوا للمبادلات الدبلوماسية فأصبحوا عبارة عن قناصلة أوروبيين على التراب الإسلامي بعد الحروب الصليبية وقد بادر الإيطاليون، والقطلانيون الإسبان، وتجار جنوب فرنسا، ناحية بروفانس، إلى إقامة هذه القنصليات في الشرق الإسلامي، فكان من لوازم هذا التأثير إدراج نص قانوني في دستور بلدية مرسيليا منذ القرن الثالث عشر حول احترام ملكية الأجانب ولو في إبان الحرب وذلك احتذاء بما كان يتمتع به التجار الفرنسيون على الشواطئ المصرية والسورية. ومعلوم أن حماية المسافرين والتجار الأجانب كانت تتسم منذ أوائل الإسلام بسمة الوجوب في دار الإسلام، وقد تبلور التأثير الإسلامي عمليا في التنصيص على هذه المبادئ فعلا في المعاهدات التجارية، مثال ذلك المعاهدة التي أمضيت عام 895هـ /1489 بين جمهورية فلورانسا والسلطان المملوكي "قايتباي" أمير القلعة بالقاهرة، وقد تم توقيعها بعد ثلاث سنوات من المفاوضات برزت خلالها أولا كمرسوم سلطاني لدوائره الإدارية بمصر وسوريا قبل أن تكون معاهدة مع تجار أوروبيين. وقد نص هذا المرسوم بالإضافة إلى حماية التجار وضمان حقوقهم على عدة بنود تتعلق برسوم الجمارك (14%)، والقواعد الإدارية المتبعة، وإقامة قنصلية بين التجار داخل فنادقهم، ووسائل تحويل القروض، بل نص المرسوم حتى على إمكان التحكيم على يد السلطان بين تجار فلورنسا وتجار أوروبيين آخرين على الأراضي أو المياه المملوكية كل ذلك انطلاقا من الشريعة والتقاليد الإسلامية.

 
وقد أدت المبادلات التجارية بين الشرق الإسلامي وأوروبا لا إلى إمضاء معاهدات دولية فحسب، بل إلى تطوير الأعراف الجمركية والقوانين الإدارية والبحرية والحربية مع أوروبا الغربية، وقد تأسست في الأندلس عام 741هـ/1340م قنصلية للبحر، كما وضعت مدونة للتقاليد والقواعد تجمعت فيها نصوص ظهرت منذ القرن الحادي عشر الميلادي أيام الموحدين، وقد تم ذلك أولا في برشلونة حيث نشرت مجموعة قواعد لتنظيم التجارة البحرية والنص على عدم المسؤولية الجماعية مما لم يعرف إلا خلال القرن التاسع عشر بعد حرب القرم وقد نص "ماس لاطري"، على ذلك من خلال معاهدة أبرمها الموحدون انطلاقا من الآية الشريفة: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) صدق الله العظيم، وقد قام اليهود بدور كبير في تسهيل نشر هذه المبادئ التي أدرجوا الكثير منها في تلمودهم دعما لنصوصه التشريعية.

 
القانون الدولي الحديث

 
وقد اقتبس ألفونس التاسع الحكيم ملك قشتالة وإمبراطور الغرب 1272م متأثرا بمعطيات الحضارة الإسلامية في النصف الثاني للقرن الثالث عشر من عدد كبير من المصادر العربية، وهو الذي جدد جامعة سالامانكا التي قامت بدور كبير في وضع ما أدى إلى القانون الدولي الحديث، وقد كتب ألفونس هذا أول مدونة قانونية في أوروبا سماها Las siete partidas(نشرت بتعاليق لاتينية من طرف Gregorie Lopez) في ثلاثة مجلدات /مدريد 1829، وقد استمدها خاصة من قانون الولايات في الأندلس المسلمة الراجع إلى عام 679هـ/1289م. 
فكان اقتباسا فعليا من الشريعة الإسلامية، ولا يخفى على المختصين الذين يحاولون التنظير بين فحوى النصوص وتاريخ صدور هذه النصوص، ما كان من أثر لهذا الكتاب اللاتيني في نشوء القانون الدولي الأوربي في العصر الحديث. 
وقد بدأ فريدريك الثاني، ملك صقلية وإمبراطور جرمانيا 1250م يستمد من التراث الإسلامي، وهو الذي أسس جامعة نابلس عام 1224 وجهزها بالمخطوطات العربية، وكان "طوماس الأكويني" ت 1274م من تلاميذها وقد اعتبر فريدريك هذا أول ملك مبدع وخلاق وضع الكثير انطلاقا من المناهج العربية، من ذلك وضعه للضرائب المباشرة وغير المباشرة، والهياكل العسكرية والرسوم الجمركية واحتكار الدولة للمعادن وبعض البضائع مما كان يعرف في الشريعة الإسلامية منذ القرنين التاسع والعاشر ولكنه أصبح نموذجا احتذته أوروبا كلها.

 
وقد كان الافرنج في فلسطين يتلقفون الآراء والنظريات الإسلامية لا فرق بين الماورائي والتكنولوجي منها خاصة في مجال الزراعة والتجارة وتنظيم الصحة العمومية، ومن مظاهر هذا التأثير بروز روح التسامح بدل العنف لدى الإفرنج الذين كانوا يحذون حذو المسلمين بفلسطين وسوريا في كل تصرفاتهم بل إن نظام الكثير من المؤسسات المسيحية مثل: Les templiers(أو فريسيو المعبد الذين تكونوا بفلسطين) وHospitaliersكان مستمدا منذ أوائل القرن الثاني عشر من التنظيمات الإسلامية خاصة منها نظام الرباط، وقد برزت الفلسفة الإسلامية آنذاك وربطت بصلة وثيقة بين القانون والأخلاق، وبين الفرد والحكومة، وظهر الإنسان في عمله الخلاق كشخصية مستقلة تحاول أن تخلق من خلال القانون الشروط الاجتماعية التي تبرز كرامة الإنسان ومسؤوليته، وقد ترجم الكثير من الدراسات الأكاديمية في القانون والإدارة بإيطاليا من النصوص العربية وراجت بأوروبا كلها على يد الأساتذة الذين كانوا يتنقلون حسب العادة من جامعة إلى أخرى، وقد كان لهذا الطابع الخلقي في الشريعة الإسلامية أثره الأسمى في أوروبا المتوسطية مما رقق الشعور والحاسة القانونية وكان هذا المظهر بدون شك الميزة المثلى في الآثار الإسلامية التي كيفت نظرية العدالة وتطبيقاتها الفعلية عند الغربيين، من ذلك اعتبار كل من تتجه إليه التهمة بريئا إلى أن يتحقق العكس، وهذا هو مبدأ براءة الأصل الذي جاء به الإسلام منذ البداية، ومعلوم أن لويس التاسع أو لويس القديس 1270م، ملك فرنسا الذي عاش بفلسطين وخالط علماء الكلام أمثال "طوماس الأكويني"، قد تأثر مباشرة بالإسلام في ينابيعه التطبيقية بأرض فلسطين، فظهر ذلك في إصلاحاته التشريعية وقد أشار إلى ذلك Joinvilleفي مذكراته Memoires، وكان قد صاحب لويس التاسع إلى مصر توفي عام 1317م (كما ذكر ذلك Charles Klehnفي كتابه لويس القديس ملك بين أقدام الفقراء باريس 1970م ص60). 

تأثير الإسلام في أوروبا قد شمل كل المجالات

 
وهكذا يمكن القول بأن تأثير الإسلام في أوروبا قد شمل كل المجالات سواء منها الدبلوماسي (بإحداث قنصليات) أم إقرار شمل مبدأ شخصية القانون وكرامة الأجنبي وضمان حقوقه وأساليب إعلان الحرب ووسائل تعويض العدو وحماية الاسرى والمرضى والعجزة واستعمال الشارات الضوئية خلال المعارك الليلية وحمام الزاجل في المواصلات وطريقة توزيع الغنائم ومبادئ الفروسية، وقد بلغت هذه التأثيرات الإنسانية حتى ملوك الجرمان الذين كان لرهبانهم أوثق الصلات ببلاط فريدريك الثاني بصقلية. 


على أن المغرب بالخصوص كان له بالإضافة إلى المبادرات الخلاقة في العصر الموحدي إبداعات أشار إليها الأستاذ كايي (Caillé) في الكتاب الذي وضعه حول المعاهدات والاتفاقيات والمراسيم في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله حيث أبرز طابع الخلق والإبداع لكثير من المبادئ التي اندرجت في مدونات القانون الدولي بأوروبا.
انتهى من كتاب: معلمة الفقه المالكي: ص41/48.

                                                              بحث بقلم الاديبة و الكاتبة و الناقدة و الشاعرة فوزية بن حورية


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق