]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الاصول الفكرية والدينية للاستراتيجية الإسرائيلية

بواسطة: شجاع عدي الحمادي  |  بتاريخ: 2015-05-04 ، الوقت: 18:25:44
  • تقييم المقالة:
الاصول الفكرية والدينية للاستراتيجية الإسرائيلية

 

لابد من معرفة وفهم ماهية الاستراتيجية ؟ فهي كإصطلاح يعود إلى التعبير الإغريقي (استراتيجيوس) الذي ذكره الإغريقي (وليسند) في كتابهِ: (تعليمات عسكرية للقادة) الذي قصد به: (فن القائد), ولذا فإن نشأة هذه المصطلحات متفاعلة مع الأهمية التي مثلتها الحرب آنذاك في تقرير مصائر الأمم جعل من الاستراتيجية وصفاً للحرب في أذهان معظم من تصدى لمفهوم (الاستراتيجية) حتى يومنا هذا.

فقد عَرَفَ المفكر الألماني (كارل فون كلاوزفتز) الاستراتيجية: بأنّها " استخدام الاشتباك كوسيلة للوصول إلى هدف الحرب" .

فحقق (كلاوزفتز) بهذا التعريف: التواصل بين الوسائل والأهداف في نظرته إلى الاستراتيجية، إلا أنّه جعل الاستراتيجية حكراً على ميدان القتال بوسائلها وأهدافها .

أما الفرنسي (ليزيه) فقد ذهب في تعريفه لـ(لاستراتيجية) بكونها: فن إعداد خطة الحرب, وتوجيه الجيش في المناطق الحاسمة, والتعرف إلى النقاط التي يجب تحشيد أكبر عدد من القطاعات فيها لضمان النجاح في المعركة.

 فقد أغرق (ليزيه) الاستراتيجية في تفاصيل: الاستعداد للحرب, والخوض فيها لإدراك النصر فيها ، وبذلك ضّيق (ليزيه) مساحة الهدف الاستراتيجي بالمعركة دون الحرب ، كما لم يخرج (ليزيه) من بزّته العسكرية في نظرته للاستراتيجية .

وجاء (فون مولتكه)  المفكر العسكري الفرنسي بنقلة نوعية في تعريف الاستراتيجية التي عدّها: بأنّها " إجراء الملائمة العملية للوسائط الموضوعة تحت تصرف القائد لتحقيق الغرض المقصود" , إذ أنّه توصل إلى الصلة التكتيكية بين الوسائل والغايات, وأخرج الاستراتيجية من ميدانها الحربي ليضعها في خدمة القيادة السياسية ، وبذلك أطلق العنان للاستراتيجية بجعلها: توظف وسائلاً غير حربية لخدمة أغراض واسعة .

  والملاحظ: أن التطور في مفهوم (الاستراتيجية) وأبعادها يحاكي التطور في النظرة إلى الحرب التي بدأت منذ القرن التاسع عشر تطال المجتمعات بتأثيراتها ، بسبب التطور في أنظمة السلاح وإدارة الحروب واستعداداتها, فحصول الترابط بين الحرب من جهة ، وبين السياسة والمجتمع من جهة أخرى ، قد نقل مفهوم (الاستراتيجية) جزئياً من ميدان الحرب إلى ميدان السياسة .

 وقد عَرَفَ (ليدل هارت) الاستراتيجية بكونها: " فن توزيع واستخدام مختلف الوسائط العسكرية لتحقيق هدف السياسة".

أما (راؤول كاستيه) فقد عَرَفَ (الاستراتيجية) الشاملة بقولهِ: "هي فن السيطرة على المجموع الكلي لقوى الأمة في السلم وفي الحرب", فأعطى (كاستيه) الاستراتيجية بُعديْها: السلمي والحربي, وجعل الموارد وقوى الأمة تصب في خدمتها ، غير ان مصطلح (السيطرة) الذي ذكره (كاستيه) ينصرف في دلالته إلى: الاستمكان , وإبقاء الوضع الراهن ، أي يأخذ منحنى ثبوتي (ساكن)، في حين أن (الاستراتيجية) تنطوي على بُعد ديناميكي (حركي) يأخذ بالموارد المتاحة (عِبَرَ توظيفها واستثمارها) إلى خدمة الأهداف المتوخاة لا أن يقنع بالسيطرة عليها.

 

كما يعرف (منعم صاحي العمار) الاستراتيجية: بأنّها " إستخدام كل الوسائل والمعارف والموارد لتحقيق أهداف معينة , أي أن هناك تكامل وتداخل بين الأهداف والوسائل , وعلى قدر تسلسل الأهداف , واختيار أفضل الوسائل لتحقيقها , يكون تطور مستويات إتخاذ القرار "، فتنصرف الاستراتيجية من هذا المنظور إلى خطوط نظرية تصوغ استخدام الوسائل لتحقيق الأهداف قبل تطبيقها على أرض الواقع ، ففهم الاستراتيجية هنا صار بدلالة الخطة الشاملة ضمن الإطار النظري .

ولذلك تعتمد استراتيجية (إسرائيل) على مرتكزات واضحة ومرنة ومتجددة ، تخدم أهدافها بحسب المراحل الزمنية التي تمر بها ، ولغرض الوقوف على أبعاد هذه الاستراتيجية نرى أن من الضروري التعرف على جذورها ، لأن معرفة هذه الاستراتيجية وجذورها يُساعد على التنبؤ بمستقبلها، كما يُساعد إلى كشف الوسائل التي تستخدمها (إسرائيل) لتنفيذ سياستها , وتحديد أساليب مواجهتها .

 وإن كل إستراتيجية تعتمد على مجموعة مبادئ وأفكار خاصة بالدولة ، وبحسب طبيعتها الثقافية و الاجتماعية والحضارية ,فإنّ (إسرائيل) إعتمدت على شبكة كثيفة من الرموز والأساطير التي نسخها الصهاينة من التراث الديني اليهودي ، وأعطوها مضموناً (قومياًًٍ)

 

أولاً: الأصول الفكرية في الاستراتيجية (الإسرائيلية) :

تُعّد تسمية (إسرائيل الكبرى) بمثابة الشعار الرئيس للتوسع في التخطيط الاستراتيجي (الإسرائيلي) , وتستند بحسب ادعاءات اليهود إلى ذريعة عقيدية بالدرجة الأولى , وأيضاً حقاً قانونياً يمكنهم الاستيطان في فلسطين يتمثل بـ(وعد بلفور) الذي دعا  إلى إقامة (الوطن القومي اليهودي) ، وفي (صك الانتداب) البريطاني على فلسطين الذي أقره مجلس (عصبة الامم ) بتاريخ 24/7/1922, الذي تضمن في مقدمتهِ: إشارة صريحة إلى تنفيذ (وعد بلفور) , منافياً بذلك ميثاق عصبة الأمم ذاته الذي عَدَّ الانتداب على بعض الدول هو: مقدمة لتحقيق استقلالها , ومتجاوزاً حق الشعب الفلسطيني في التحرر , وتحقيق السيادة , وبناء دولته المستقلة .

ولذا عملت (إسرائيل) على تحويل العقيدة الدينية إلى نظرية سياسية فكرية تطالب بحق تاريخي ، وتستند إلى وعد إلهي ، وكان الدين اليهودي هو الأساس الذي ارتكزت العقيدة (الإسرائيلية) عليه في الدعوة إلى اغتصاب أرض فلسطين ، وأيضاً المناداة بالقومية اليهودية ، وتزعم (الصهيونية): انّهُ مثلما حفظ الدين اليهودي الشعب من الاندثار ، يستطيع الدين أنّ يُعيد جمع شمل الشعب فوق (أرض الميعاد) ، داخل إطار الدولة التي تربط بين تراث الماضي البعيد ، ومستجدات وحقائق الحاضر ، وأمنيات المستقبل .

 كما عارضت (الصهيونية) إندماج اليهود في أوطانهم الأصلية ، ودفعتهم للهجرة إلى فلسطين بزعم: أنّ لهم فيها حقوقاً تاريخية ودينية ، إذ تلاقت مطامع (إسرائيل) مع أهداف القوى الاستعمارية في إقامة دولة يهودية في فلسطين.

 فالعقيدة السياسية (الإسرائيلية) ناتجة عن: موروثات أوروبية متعددة ، ومركّبة ، ومتجذرة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي عاشه اليهود في أوروبا الشرقية بشكل خاص , والمجتمعات الأوروبية بشكل عام في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي ، وقد ارتبط بهذه الأيديولوجية العديد من الحركات السياسية (المحافظة واليسارية) , وجمع ما بين هذه الاتجاهات المتناظرة اعتقادها المشترك , بإنّ اليهود منذ تاريخهم القديم يشكلون (أُمة وشعب) , وذلك منحهم حقوقاً قومية ثابتة عِبَرَ الزمن ، ومن ثم جعل تلك الخصوصية من اليهود شعباً غير قابل للانصهار في الحضارات الأُخرى ، ومن أجل تحقيق ذلك قامت (إسرائيل) بتحفيز نمو الحركات القومية في أوروبا بالمشاعر والاتجاهات المعادية لليهودية التي ظهرت ومورست بشكل خاص في أوروبا الشرقية, وذلك لبلورة قناعة ووعي كافيين لإنضاج حالة تشكيل كيان يهودي مستقل على أرض فلسطين لدى كل الأوساط سواء أكانت المسيحية (الصهيونية) أم اليهودية (الصهيونية).

وتتميز (سياسة إسرائيل) عن بقية الدول الأُخرى: بتحويلها للمشكلة إلى مشكلة سياسية، ووضعت في سلم برنامج عملها الاهتمام بمسألة (التوازن الدولي) في تنفيذ مشروعها الاستعماري .

ولذا فقد استفادت (إسرائيل) مما تضمنته كتبهم الدينية ومن التاريخ اليهودي ، وما مر به اليهود من أحداث في أوروبا ، وحملة الاضطهادات التي عُرِفَت بـ (اللاسامية) ، وفي تحديد الكثير من أهداف وغايات استراتيجيتها ، مما يعني: أنّ (الإسرائيليين) يستندون إلى ما جاء في كتبهم الدينية ، وما حفل به التأريخ اليهودي من أحداث وحملات الاضطهاد التي عاناها اليهود في أوروبا ، وأيضاً ما تضمنه الفكر (الاسرائيلي) من أساسيات ، ويعدّون كل ذلك إطاراً مرجعياً للأهداف الاستراتيجية (الإسرائيلية) في المنطقة العربية.

وعِبَرَ هذا التصور, فإنّ (الصهيونية) كرّست مبدأ (الانفصام العنصري) بوصفه مبدأً أساسياً من الأفكار (الصهيونية) ، وأصبح من صلب عملها , ونتيجة منطقية لسياستها في محاربة أي اتجاه يدعو للاندماج أو تمثيل اليهود للمجتمعات التي يعيشون فيها.

و يمكن رصد عنصرية الفكر (الإسرائيلي) عِبَرَ كتابات منظّري (الحركة الصهيونية) الأوائل، إذ يُشير (ليوبنسكر) في مؤلفه التحرر الذاتي عن المفهوم ذاته إلى أنّ " اليهود أصلاً مشتركاً خالصاً وحيوية لا تقهر" ، ويعِبَرَ (موسس هيس) في مؤلفه (روما والقدس) ، وبشكل أكثر وضوحاً وصراحة عن ذلك قائلاً : " شعباً واحداً هو شعب (إسرائيل) الذي استطاع بفضل عبقريته العجيبة أنّ يتجلى آيات السنة الإلهية في تاريخ الإنسانية ، وأيضاً في المجالات العصرية للحياة".

لذا نرى ان منظّري الحركة (الصهيونية) صوروا: ان اليهود شعب متفوق يمتلك مميزات أخلاقية وذهنية وروحية لا يمكن أن تصل إليها البشرية بأجمعها, أي أن لهم مميزات يمتلكونها هم فقط وجميع البشر تحت مستواهم .

 

ثانياً : الأصول الدينية في للاستراتيجية (الإسرائيلية) :

الرغبات الاستعمارية في فلسطين غارقة بالقدم ، لأسباب عدة ، منها : الموقع والطبيعة الجغرافية وأسباب أخرى ، إذ تعرضت فلسطين إلى موجات غزو عدة ، منها الغزو الروماني والتتري والفارسي والصليبي وغيره ، وجوبهت جميع هذه الهجمات بمقاومة عربية شديدة أدت إلى اندحارها ، وأخيراً تعرضت إلى احتلال بريطاني أعقبه احتلال استعماري صهيوني ، واستخدمت (الصهيونية) مسوغات دينية في عملية غزو فلسطين.

 

 ولذا فإن من هذا الجانب بدأت (إسرائيل) تسعى إلى السيطرة على هذه الارض بحجة ما جاء في التوراة (شريعة موسى) ، وتفسيرات الشراح بخصوص هذه الارض , ولذلك يتميز التراث (الإسرائيلي) : بأنّه تراث شفوي غير مكتوب لشرح وتفسير التوراة على أيدي الحكماء ، ولم يتم تدوين هذه التعليقات إلاّ في حقبة لاحقة لتدمير (هيكل سليمان) ، وبداية الشتات ، وهي التي عرفت          بـ (التلمود) وللوقوف إزاء أهم الأساطير اليهودية التي قامت (الصهيونية) بالاستناد إليها في بناء استراتيجيتها ، نُشير إلى أسطورتي: (أرض الميعاد، والشعب المختار)، وكما يأتي:

 

 

1. أرض الميعاد :

تُعّد أُسطورة (أرض الميعاد) من أهم الأسلحة التي استخدمتها (إسرائيل) بالسيطرة والاستحواذ على أرض فلسطين ، إذ تُعّد فلسطين وهي الأرض التي أختارها الرب لشعب (إسرائيل) ، ومن هنا جاء ارتباطهم بهذه الأرض حتى انّ (إسرائيل) إتخذت من (جبل صهيون) في القدس اسماً وشعاراً لها.

كما أسبغت اليهودية على أرض فلسطين الكثير من الصفات الدينية ، فهي الأرض التي سيعود إليها اليهود تحت قيادة ( الماشيح) ، وهي الأرض التي يرعاها الله  ، والأرض المقدسة ، والأرض التي يسكنها الله ؛ ولذلك فهي (أرض الرب) ، وهي أيضاً (أرض الميعاد) ، والوعد الذي قطعه الرب لإبراهيم (عليه السلام) : بأنّ تكون (فلسطين) أرضاً له ولذريته من بعده كما تم الاشارة في كتبهم " في ذلك اليوم ظهر الرب وقطع مع إبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض".

كما أن هناك مواضيع أخرى ذُكِرت في سفر التكوين ، إذ آشار إلى (أرض الميعاد)، وهي   لا تقتصر على (أرض فلسطين) ، وإنّما تمتد من الفرات إلى النيل فقد آشار إلى: " لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات", وهذا الوعد لا يقتصر في جغرافية على (أرض فلسطين) ، وإنّما يضيف فسحة دينية لامتدادات إقليمية أُخرى بهدف: التوسع بالاستناد إلى دعوة الرب ، والذي أعطى شعبه اليهودي حقوقاً في التوسع , "وقال الرب لإبرام بعد اعتزال لوط عنه: ارفع عينيك وانظر في الموضع الذي أنت فيه شمالا وجنوباً شرقاً وغربا؛ً لأن جميع الأرض التي أنت ترى لك أعطها ولنسلك إلى الأبد ، واجعل نسلك كتراب الأرض..., ثم امش في الأرض طولها وعرضها؛ لأنّ لك أعطيتها".

كما أن هنالك العديد من المنظّرين (الإسرائيليين) يستغلون الدين اليهودي للإساءة إلى العرب عِبَرَ ترويج مفاهيم تدعو إلى: طردهم من أرض فلسطين ، وأيضاً: تحريم الانسحاب من المناطق التي يحتلها اليهود .

إذ نلحظ: أن الحاخام (زفي يهودا كوك) , وهو أول رئيس للحاخامية الأشكنازية في (إسرائيل) : بأنه يحرم الانسحاب من أرض فلسطين ، ويُشير إلى ذلك بقوله : " التوراة تحرم علينا أنّ نسلم ولو بوصة واحدة من أرضنا المحررة ، وليس هناك أي احتلال هنا، نحن نعود إلى وطننا , وإلى ميراث أسلافنا ليس هناك أي أرض عربية هنا"، وعلى هذا يُنظر إلى الوعد المعطى لليهود على أنّهُ إضفاء لشرعية الغزو (الإسرائيلي) لأرض فلسطين، وهو امتداد للسيادة (الإسرائيلية) في عهد داوود .

 كما يُنظر للتأريخ اليهودي بحسب التصورات الدينية اليهودية بوصفه (الارتباط بالأرض) ، وهو: تاريخ يلغي وجود اليهود التاريخي خارج فلسطين ، إلاّ ما كان منه حنيناً للأرض ، ونضالاً ، وانتظاراً للعودة، كما استغل (الإسرائيليون) ما ذُكر في (التوراة) من أسطورة (أرض الميعاد) ، لتحقيق أهداف سياسية ، ونشر آراء ومفاهيم خاطئة عن تاريخ العرب لتوسيع غزوهم لأرض فلسطين , وأيضاً هم لا يملكون القناعة الكافية حول حدود(الدولة) , فالقناعة بأهمية الحدود هي ذات بُعد دولي ، إذ تشترك بها جميع دول العالم، ولا يشذ عنها إلاالفكر (الإسرائيلي) الذي وقف بالضد من أي محاولة لتحديد حدود دائمة وثابتة للدولة اليهودية القائمة على الأرض الفلسطينية ، وهو في موقفه هذا يدّعي: بأن إقامة دولة (إسرائيل) ما هو إلاّ إعادة بعث للشعب اليهودي في أرضه بعد مرور (2000) عام من التشتيت ، وإن هذه العودة تستند في طياتها إلى: ادعاءات دينية مبنية على مجموعة من النصوص التوراتية والتلمودية التي تشير صراحةً أو ضمناً إلى الحدود الدينية الموعودة أو المعالم الأساسية فيها، وأيضاً على أُسس تاريخية مبينة على دراسة التاريخ اليهودي العام.

ومما تجدر الإشارة إليه: أن اليهود حين يتكلمون عن الحق التاريخي ، والحدود الدينية التاريخية (أرض الميعاد) ، فهم يقصدون بذلك: إعادة بعث مملكة (النبي داود والنبي سليمان) ، ومن ثم فإنالحدود الدينية – التاريخية في الفكر (الإسرائيلي) تعني : حدود مملكة (النبي داود , والنبي سليمان)، وإنْ كان البعض يُقسم مملكة (داود وسليمان) إلى قسمي :

 

أ.   الحدود التاريخية :وهي الحدود التي كانت تحت السيطرة المباشرة (لإسرائيل) خلال حكم (داود وسليمان) ، وتشتمل على: المنطقة المحصورة بين (صيدا) على البحر الأبيض , ومنها: حتى جنوب (دمشق) ، ثم في الشرق من جنوب دمشق (شرق الاردن، وشرق معان، وشرق العقبة) على خليج العقبة ، وفي الغرب الخط الواصل من جنوب (رأس النقب) على خليج العقبة ، وحتى شرق مدينة (العريش) .

 

ب.الحدود المثالية : وتشتمل على: (أرض كنعان) ، والمناطق الأخرى التي كان قد أخضعها (داود وسليمان) التي كان حاكماً عليها ، وتشمل: المنطقة من (الفرات) , وحتى وادي العريش.

وفي الإطار نفسه: حاول بعض الحاخامات إزالة ذلك التعارض والتناقض في مسألة تحديد حدود (أرض الميعاد) بالقول : " ان النصوص التي حددت ملك (إسرائيل) بفلسطين فقط تعدمنحة منخفضة من الله لبني (إسرائيل) ، ولكن هذا لا يعني : أن هذه الاراضي فقط هي حق (إسرائيل), فحقهم في الأرض هو أوسع من ذلك بكثير ، فالله قد وعد اليهود وعداً مشروطاً ووعود الله المشروطة لا تلغى أبداً ، بل يحتفظ بها لكي تتحقق في المستقبل" .

فعلى الرغم من الاختلاف بخصوص تحديد ماهية هذه الحدود ؟ إلاّ انّه يمكن القول : بأن هناك حد أدنى لهذه الحدود وحد أقصى ، والجدير بالذكر أن الانتقال من الحد الأدنى لهذه الحدود إلى الحد الأقصى يرتبط بعوامل دينية ومادية عدة تتوقف على: مدى طاعة اليهود لتعاليم الرب ، وتطور الموقف البشري لليهود ، وكذلك موقف السكان الأصليين الذين يسكنون الأرض المطلوب الاستيلاء عليها( ) , ولذلك كله: تحرص الدول جميعاً على تحديد حدودها بدقة ووضوح مع الدول المجاورة لها عِبَرَ إتفاقيات ومعاهدات دولية ، تجنباً لأي نزاع أو اقتتال .

 

2. الشعب المختار  :

تتركز الأيديولوجية (الإسرائيلية) في جوهرها على حقيقة العقيدة الدينية - للديانة اليهودية، وهي تتجلى في الأسطورة التي تتحدث عن الاعتقاد بالتفوق العرقي والعنصري ، واستثنائية اليهود بوصفهم: (شعب الله المختار), إذ آشارت الموسوعات اليهودية إلى (إسرائيل) : بأنّها ولدت وبدون شك في تربة التفوق العرقي.

ولذا فهم يعتقدون وبحسب الشرائع اليهودية : بأن الرب قد اصطفاهم دون غيرهم من بني البشر , وملكهم الارض بما فيها ومن فيها ومن عليها , ومكنهم على غيرهم من الأمم الأخرى , وكما جاء في التوراة , الكتاب المقدس لدى اليهود: " كل موضع تطؤه أخامص أقدامكم يكون لكم , من البريه ولبنان من النهر الكبير نهر الفرات البحر الاقصى يكون تخمكم , لا يقف انسان في وجوهكم , فأنّ الرب إلهكم يلقي ذعركم ورهبتكم على الارض التي تطؤونها كما وعدكم".

كما يستند الفكر الاستراتيجي (الإسرائيلي) إلى نصوص (العهد القديم) لإضفاء الشرعية على سمة التفوق ليهود العالم لإثارة عواطفهم ، واحتوت كتبهم مضامين وجذور العنصرية والتعصب ، وغرزوا في نفوسهم: بأنّهم (شعب الله المختار)، وأفضل شعوب الأرض قاطبة ، وانّ (يهوه) إله خاص بهم ، واحتكروه لأنفسهم ، وحرموا بقية شعوب بلدان العالم من الاتصال به ، وقال الرب :" اذهب من أرضك وعشيرتك , ومن بيت أبيك إلى الأرض التي اريك، فأجعلك أمة عظيمة ، وأباركك وأعظم اسمك ، وتكون بركة وأبارك مباركيك ، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض" , وتقوم (العقيدة الإسرائيلية) على ركيزة تنطوي في ثناياها على أنّ الشعب اليهودي دون بقية الشعوب اختاره الإله، واختصه بالمودة  والرعاية ، وعدّهُ (الشعب المختار) الذي ينبغي أنّ يسود ويسيطر ويتحكم ، وأن جميع الشعوب لم تخلق إلاّ لخدمتهِ ، والعمل تحت إمرته وسيطرته ، إنّهم: كالأنعام لا هدف من وجودهم إلاّ تحقيق منفعة وسعادة ذلك الشعب المميز والمختار.

ولذا يُشكل العامل الديني أحد أهم الركائز التي استند إليها اليهود في مطالبهم للاستيلاء على (أرض فلسطين) وقد ارتبطت هذه المطالب بما يسمى بـ (الوعود الإلهية) لهم في امتلاك الأرض المقدسة بوصفهم (الشعب المختار) الذي يستحقها , كما ان الحدود الدينية الموعودة هي : (تلك الحدود التي جاء ذكرها في الكتب الدينية المقدسة: كالتوراة والتلمود ، فضلاً عن تغييرات وإضافات حاخامات، ورجال الدين اليهودي عليها) .

وبالعودة إلى النصوص المذكورة في (التوراة) بخصوص (الوعود الإلهية) ,وبخصوص حدود الأرض نرى أن هناك اختلافات كبيرة ، وتباين واضح في حجمها؛ ولأن تخوم هذه الأرض تختلف من سفر إلى آخر ، فتارة تتسع إلى الشمال ، وتارة أخرى تتسع إلى الجنوب ، وثالثة تأتي غير محددة .

ولذا يمكن القول: أن النصوص التي حددت موقع هذه الأرض ، وهي: أرض كنعان (فلسطين) ، هي لم تحدد حدود هذه الأرض ، لذا فهي من هذا المنطلق تحاول أن تكوّن لها حدود مرنة ومتغيرة في كل وقت , كما ان هذه المنطقة ولدت فيها العديد من الحضارات  التي قدمت للفكر العالمي إنجازات كثيرة وخالدة, وليس غريباً على العابرين فيها: أن يأخذوا من هذه الثقافة, وأن يحدث ما حدث من اعتداء على التراث العربي القديم ليصبح كتاباً (لاهوتياً) هو من خرافات وأساطير المنطقة وموروثها الفكري والديني.

 

المصادر:

( 1) يُنظر في: عبد الوهاب المسيري, موسوعة المفاهيم و المصطلحات الصهيونية ,( القاهرة : مركز الدراسات السياسية و الاستراتيجية, 1995), ص 232.

( 2) احمد داود سليمان، نظريات الاستراتيجية العسكرية الحديثة , ( بغداد: دار الحرية للطباعة، 1988), ص17.

( 3) كلاوزفتز، فن الحرب، ترجمة , أكرم ديري والهيثم الأيوبي , ( القاهرة: دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، سنة الطبع (بلا) ) , الكتاب الثالث , ص218.

( 4) نقلا عن : كاظم هاشم نعمة، الوجيز في الاستراتيجية , ( بغداد : شركة أياد للطباعة الفنية , 1988) , ص88.

( 5) نقلا عن: عبدالناصر حريز، النظام السياسي الإرهابي الإسرائيلي , ( القاهرة : مكتبة مدبولي، 1997) , ص137.

 (6 ) International Encyclopedia Of Social Science, ( New York: The Macmillan Company, Inc. Vol 15 ,1958( P.282.

( 7) ليدل هارت، الاستراتيجية وتأريخها في العالم، ترجمة, الهيثم الأيوبي,( بيروت: دار الطليعة، 1967), ص 399.

 ( 8) منعم صاحي العمار , منازعات الذات ( هل بمقدور الديمقراطية ضبط العلاقة بين الاستراتيجية والتغيير ) " الولايات المتحدة الامريكية نموذجاً", ( بغداد , بلا , 2012 ), ص 23.

( 9) غازي إسماعيل ربايعة ، الاستراتيجية الإسرائيلية للفترة بين (1948-1967) , ( الزرقاء : مكتبة المنار ،  1983), ص17.

 ( 10) عدنان السيد حسين, التوسع في الاستراتيجية الاسرائيلي, ( بيروت: دار النفائس , 1989), ص ص 15 – 16.

(11 ) مجموعة باحثين، العسكرية الصهيونية ، العقيدة الاستراتيجية الحربية الإسرائيلية، ( القاهرة : مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية ، 1974) ، مجلد(2), ص244.

( 12) روجيه غارودي , محاكمة الصهيوني الإسرائيلي, ترجمة , حسين قبيسي , (بيروت, الفهرست , 1998) ,       ص 199.

 ( 13) نقلا عن: الآن تايلور، مدخل إلى إسرائيل، ترجمة, شكري محمود نديم ,( بيروت، مكتبة الحياة، 1969) ,ص19.

( 14) يُنظر في : مجدي حماد، نحو إستراتيجية وخطة عمل للصراع العربي الصهيوني , مجلة المستقبل العربي, مركز دراسات الوحدة العربية , بيروت , العدد (243) ، 1999، ص 56.

 ( 15) نقلا عن: سرمد زكي الجادر، الأصولية الفكرية السياسية للاستيطان الصهيوني , مجلة قضايا سياسية , كلية العلوم السياسية , جامعة النهرين , العدد (2)، 2000, ص89.

 (16) جواد الحمد(محرر),المدخل إلى القضية الفلسطينية، مجموعة مؤلفين , (عمان: مركز دراسات الشرق الاوسط، 1999) , ص105.

 (17) إبراهيم أبو لغد وآخرون ، العرب ومواجهة إسرائيل، احتمالات المستقبل ,( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 2000) , ص 356.

(18) حسين فوزي النجار , ارض الميعاد , (القاهرة : دار المعارف , ط2, 1985), ص73.

 (19) نقلا عن: عبدالوهاب المسيري، اليهودية والصهيونية وإسرائيل , ( بيروت : المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1975), ص 11.

 ( 20) هيثم الكيلاني، الاستراتيجية العسكرية للحروب العربية الإسرائيلية (1948-1988) , ( بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1991) ص27.

( 21) عادل محمود رياض ، الفكر الإسرائيلي وحدود الدولة ، معهد البحوث والدراسات العربية (القاهرة : المنظمة العربية للتربية والثقافة والفنون  ، 1977) ص 32.

 ( 22) بنيامين نتنياهو ، مكان تحت الشمس ، ترجمة , محمد عودة الدويري , (عمان , دار الجليل للنشر والابحاث الفلسطينية , 1995 ) , ص 84 .

(23 ) اسعد رزوق ، اسرائيل الكبرى -  دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني ، (بيروت : دار الحمراء للطباعة والنشر والتوثيق والتوزيع , ط4, 2003)، ص 261 .

(24 ) نقلا عن: منيب شبيب , نظرية الامن الإسرائيلي , ( بيروت: الباحث للدراسات , 2009) , ص 43.

( 25) موشيه برافر، حدود أرض اسرائيل في الماضي والحاضر والمستقبل - الجوانب السياسية والجغرافية ، ( عمان: دار الجليل للنشر والدراسات والابحاث الفلسطينية ، 1990) , ص 49 .


مني


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق