]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

زليخة تتحدي العالم باللقيطة

بواسطة: ياسمين حمدي  |  بتاريخ: 2015-05-02 ، الوقت: 14:48:48
  • تقييم المقالة:

(إن كل ما نطلبه نحن الأرمن هو الاعتراف بخسارتنا وألمنا، الذي يعتبر المطلب الأساسي كي تزدهر العلاقات الإنسانية الأصيلة، هذا ما نقوله للأتراك، انظري، إننا حزينون منذ قرابة قرن لأننا فقدنا أحباءنا، فقد طردنا من بيوتنا، وأبعدنا عن أرضنا، كنّا نعامل مثل الحيوانات وذُبحنا كالخراف،حتى إننا حرمنا من موتٍ لائق، حتى الألم الذي نزل بأجدادنا ليس مؤلمًا مثل النكران المنهجي الذي أعقبه).

هكذا يتحدث واحد من شخصيات الرواية الثانوية “البارون باغدارسيان” عن مأساة الأرمن الحالية بإيجاز، ولكن “إليف شافاق” لم تشأ أن تجعل من تلك “المأساة” حادثًا تاريخيًا عارضًا مر بتاريخ أبطال قصتها، ولكنها أرادت -بذكاء واحتراف شديدين- أن تنقل القارئ إلى المأساة كاملة ليعيشها بتفاصيلها القاسية، ولم تكن الكلمات السابقة إلا واحدة من “التمهيدات” التي وضعتها لحكاية القصة كاملة، وهي التي ترد في الفصل 12 من الرواية بعنوانٍ دال جدًا هو “حب الرمان”؛ حيث تعود الكاتبة بالتاريخ إلى أحداث تهجير الأرمن عام 1905 من خلال شخصية الكاتب “أوهانيس ستامبوليان“، حيث يكتب آخر فصول روايته التي يكتبها للأطفال بعنوان “الحمامة الصغيرة الضائعة والبلد السعيد”، وأثناء كتابته يأتي جنود الجيش العثماني ليطردوهم، وهو الذي لم يكن يتخيل أن يحدث هذا بهم لاسيما وهو كاتب وشاعر مشهور، وكان يعتقد أن يبقى هو والعثمانيون (الأتراك) على هذه الأرض معًا، ولم يستمع إلى نصيحة صديقه الذي قال له: “لم يعد هناك شيء اسمه معًا، فعندما تنكسر الرمانة فإن كل حباتها تنفرط وتتبعثر في جميع الاتجاهات”. وهكذا أخذه الجنود وتشردت أسرته وذاقوا ويلات الجوع والموت في الشتات، تلك الأسرة التي كان منها ابنته “شوشان” التي نجت من الموت بأعجوبة ثم صادف أن رآها جارهم التركي “رضا سليم” فيما بعد وتزوجها كنوع من رد الجميل لمعلمه، ولكن ما لبث أن عاد إليها أخوها واصطحبها معه إلى سان فرانسيسكو حيث عاشت هناك، ولم تكن “شوشان” تلك إلا جدة “آرمانوش” التي عادت بعد سنوات إلى بيت رضا سليم قازنجي.


منذ السطور الأولى في الرواية، تواجهنا الفتاة “زليخة“، ذات الـ 19 عامًا، والتي تبدو -على الرغم من صغر سنها- تشن حربًا على العالم، ونفاجأ بأنها “حامل“، وقد ذهبت لتجري عملية “الإجهاض“؛ إلا أن الطبيب لا يتمكن من إجراء العملية، فتقرر “زليخة” أن تتحدى العالم مرة أخرى وتحتفظ بابنتها، تلك “اللقيطة” التي لن نعرف من هو أبوها إلا في نهاية الرواية. نلاحظ أن الحياة لا تسير على “هوى” الشخصيات، وأن “الرياح تأتي دائمًا بما لا تشتهيه السفن” ولا أصحابها، وأنه مهما حاول الناس أن يهربوا من مصائرهم فإنها تواجههم في النهاية!

تتناول الروائية التركية “أليف شافاق” في هذه الرواية سيرة طويلة لعائلتين مختلفتين جمع بينهما القدر بطريقة استثنائية، وتفرقا كذلك بطريقة عجيبة: العائلة الأولى هي عائلة “رضا قازنجي” التركية، التي تنتمي لها البطلة “آسيا“، اللقيطة ابنة “زليخة“، والتي عاشت وتربت مع خالاتها “بانو” و”فريدة” و”شكرية” وجدتها “كلثوم” والجدة “الهيفاء”؛ والذين سافر ابنهم “مصطفى” منذ بلوغه سن الشباب (في الـ 20 من عمره) إلى أمريكا، هربًا من لعنة وفاة الذكور من عائلة “قازنجي” عند بلوغهم الـ 40، ويتزوج هناك ولا تعرف عنه عائلته شيئًا.

 

العائلة الثانية هي عائلة “كمامشجيان” الأرمنية، التي تنتمي إليها الابنة “آرمانوش“، ابنة “بارسام كمامشجيان”، الذي يتزوج الأمريكية “روز” ولكن زواجهما لا يستمر طويلًا، فتتركه لضيقها بعائلته وعدم انسجامها معها، ويصادف أن تتزوج بعده من التركي “مصطفى قازنجي“، وفي محاولة منها للبحث عن أصول عائلتها الأرمنية؛ تسافر “آرمانوش” بدون أن تخبر أباها أو أمها إلى عائلة زوج أمها في “تركيا“، فتتعرف على “آسيا قازنجي” وخالاتها، وتحدث المفاجأة بوفاة جدتها الأرمنية “شوشان“، التي نعرف أنها كانت زوجة “رضا قازنجي“، جد “آسيا“، ولكنها تركته وعادت مع أخيها إلى “أمريكا”، فيعرف أبوها أنها عند أهل زوج أمها في “تركيا“، وتسافر أمها ومصطفى فجأة إلى تركيا لكي يحضروا ابنتهم، ويفاجأ القارئ هنا بأن “مصطفى” هو الذي كان قد اغتصب أخته “زليخة“، وأن آسيا ابنته، ولكن خالة آسيا تواجهه بتلك الحقيقة وتضطره لأن ينتحر، فيموت “مصطفى“.

هكذا تدور الرواية، وهكذا تدور حياة أبطالها وتتقاطع مصائرهم؛ فالفتاة التي كانت تهرب من ماضيها تفاجأ به ماثلًا أمامها في شخصية خالها الغائب الذي تفاجأ أنه (أبوها)! وحتى هذا الرجل، الذي هرب من مصيره، يضطر للعودة لمنزل أسرته ويواجه موته المحتوم!

وفي المقابل تسعى “آرمانوش” للتعرف على ماضيها وتاريخ جدتها، ولكنها رغم هذه الرحلة الطويلة التي خاضتها لا تحصل في النهاية على ما تريد أن تعرفه!

 

المأساة الأرمنية

فرقتهم السياسة.. وجمعهم الطعام!

في مشهد شديد التأثير: يكتشف أفراد أسرة “قازنجي” الأتراك، أن ضيفتهم تتعرف على أنواع الأكل الذي يضعونه لها، وفي غمرة سعادتهم بمعرفتها بمكونات “المطبخ التركي” تفاجئهم “آرمانوش” بأن أصولها الأرمنية هي التي جعلتها تتعرف على تلك الأطباق!

يحضر “المطبخ” والأكلات المختلفة، بل فلا يقتصر الأمر على مكونات “طبق العاشوراء” (وهي حلوى تركية تصنع في يوم العاشر من محرم احتفالًا باليوم الذي نجى الله فيه موسى، ونكتشف في الرواية أن مكوناتها تختلف عن “العاشوراء” المصرية التي تصنع بالدقيق والقمح والنشا فحسب) التي سمت بها الكاتبة عناوين الفصول، وهو أسلوب مختلف يستفز حاسة التذوق عند القارئ من ناحية ويثير فضوله إلى التعرف على هذه الأطعمة من ناحية (لاسيما الأطعمة التي يدور الجدال حولها بشأن السمنة أو تغيير رائحة الفم) وهو من جهة أخرى مكوِّن له بعد دلالي إنساني عميق يجمع هؤلاء “الناس” على اختلاف مشاربهم ودياناتهم وتوجهاتهم، أنه مهما فرقت الناس الديانات أو السياسات إلا أن هذا الطعام ربما يجمعهم، بل وتعطي بعدًا آخر للأكلة التي شاع استخدامها للدلالة على الاستقرار حينما تضع فيها أحد بطلات الرواية “الخالة بانو” سمًا لأخيها المجرم في “طبق العاشوراء” الذي يحبه!

شخصيات ثانوية مؤثرة

لم يقتصر الأمر -بطبيعة الحال- على القصة الأساس وما يتفرع عنها، ولا على رصد المأساة الأرمنية وتوثيقها باحتراف شديد، ولكن تعدى الأمر ذلك إلى تلك الشخصيات الثانوية التي لا يخرج القارئ من الرواية إلا ويشعر أنه مر بها وعايشها لحظة بلحظة، وذلك أن “إليف” لا تترك شخصية في الرواية إلا وتوليها حقها وترسمها بدقة شديدة، من هؤلاء مثلًا (رسام الكاريكاتير المدمن) صديق البطلة والذي سنكتشف فيما بعد أنه يحبها، ذلك الرجل الذي يمثل الفوضوية والعبث والذي يعكس طبيعة شريحة مهمة في داخل المجتمع التركي، لاسيما في الحوارات التي يديرها مع رواد (مقهى كونديرا) حينما يقول لهم مثلًا:

“لقد علقنا، علقنا بين الشرق الغرب، بين الماضي والمستقبل، فمن ناحية تجد أن العلمانيين العصريين يفتخرون بالنظام الذي أقاموه، ولا تستطيع أن تنتقدهم بكلمة واحدة، لأن الجيش ونصف الدولة يقف إلى جانبهم. ومن الناحية الأخرى هناك التقليديون المتمسكون بالتقاليد المفتونين بالماضي العثماني، ولا يمكنك أن تنتقدهم بكلمة واحدة، لأن عامة الناس والنصف الآخر من الدولة يقفون إلى جانبهم، فما الذي تبقى لنا؟!”.

تلك الكلمات التي تعكس الوضع التركي وانقسام المجتمع هناك بجلاء، وهو ما نراه منعكسًا إلى حدٍ كبير لدى الكثير من الدول العربية أيضًا، وهي نجدها معبرة إلى حدٍ كبير عن حقيقة الصراع الدائر طوال الوقت في الرواية، إذ إننا نلاحظ على الدوام ذلك الصراع الخفي بين “الماضي” و”الحاضر” بين “آسيا” الفتاة التي تتهرب من ماضيها وتود أن تعيش بدون ذكريات (وللمفارقة فإن الماضي يحضر أمامها بقوة) وبين “آرمانوش” التي تسعى لمعرفة المزيد عن ماضيها وماضي عائلتها فتحدث لها كل تلك المفارقات!

كذلك شخصية مثل (البارون باغدارسيان) صديق آرمانوش الافتراضي على موقع الإنترنت، والذي مثل -كما رأينا سابقًا- وجهة النظر الأرمنية بطبيعتها وصدقها، وكان عاملًا مؤثرًا في شخصية آرمانوش تنتظر تعليقاته على أحداث زيارتها.

بالإضافة إلى شخصيات الخالات الأربع “بانو“، وفريدة وشكرية التي وصفتهم “آرمانوش” بأنهم كأنهم شخصيات من رواية لماركيز بعوالمهم الغريبة المتباينة.

وفي النهاية تأتي شخصية “آرام” ذلك الرجل الرومانسي الفريد من نوعه، على حد وصف “آسيا” الذي تحبه أمها “زليخة” ويبدو أنها ستبدأ حياتها الجديدة معه، بعد أن تخلصت من هم الماضي وأثقاله! والذي كان أرمنيًا ولكنه متمسك ببقائه في “إسطنبول” لأنه يعتبرها مدينته!

وهكذا يمكن اعتبار رواية “لقيطة إسطنبول” وجبة ثقافية ومعرفية وأدبية ممتعة بحق، استطاعت أن تجمع فيها الكاتبة بين سرد حقائق التاريخ وتوثيقها، وبين رصد تحولات المجتمعين التركي والأرمني على اختلاف أماكنهم بل ومضت إلى حياة الأتراك المغتربين أيضًا، وبين تقديم رواية أدبية شيقة بتفاصيل عديدة ما إن يمسكها القارئ حتى تجذبه لعالمها البانورامي الثري؛ فلا يتخلص منها حتى بعد أن ينهي صفحاتها التي تتجاوز الـ 400 صفحة!

تجدر الإشارة -في النهاية- إلى أن “إليف شافاق” قد تعرضت للتهديد بالسجن بتهمة (تشويه سمعة تركيا) بسبب ما أوردته في هذه الرواية على لسان أبطالها، إلا أن التهمة أسقطت!

ولا يفوتنا أن نشكر المترجم القدير “خالد الجبيلي” الذي أجاد في نقل النص إلى العربية للحد الذي يجعل القارئ ينسى أن الأصل مكتوب بلغة مختلفة!

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق