]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

في ممر السكن الجامعي

بواسطة: عبدالرؤوف المسعودي  |  بتاريخ: 2015-04-25 ، الوقت: 17:44:27
  • تقييم المقالة:

هناك في العالم ما يزيد عن 45 مليون كفيف ( فاقد البصر ) ، عندما نتأمل في كيفية معاملة مجتمعاتنا لهؤلاء المكفوفين نرى أنها تقوم على التفرقة بينهم وبين غيرهم ، وللمجتمع في ذلك نظرتين ينظر بهما للمكفوف

النظرة الأولى أو النوع الأول من الناس من يرى أن الكفيف عاجز يحتاج للرحمة ويد العون ، وهو عبارة عن كائن بشري ناقص يحتاج دوماً للمساعدة ، وبالمقابل النوع الثاني من الناس يرى بأن المكفوفين لهم قدرات حسية ومعنوية عالية جداً ، لا نستطيع نحن المبصرين الوصول إليها.

بينما الحقيقة تكمن في أن المكفوفين بشر مثلنا لا يحتاجون جرعات دائمة ومُركزة من تلك الرحمة والشفقة التي أصبحت تضايقهم ، وبنفس الوقت هم أناس طبيعيون يحملون قدرات بشرية عادية .. وإنما يتمتعون بنوع من توظيف بقية حواسهم لتعويض النقص الحاصل نتيجة فقدان البصر ، ولا زلت أتذكر ذلك الموقف الذي غير نظرتي تجاه المكفوفين بشكل عام.

ففي ذات ليلة كنت أمشي أنا وأحد زملائي في الجامعة ( وهو كفيف فاقد البصر ) كنا نمشي في ممر السكن الجامعي و كان متمسك بيدي لأوصله إلى غرفته في نهاية الممر الطويل ، كنت على يقين بقدرتي على إيصاله إلى غرفته طبعاً لأني (مبصر) والممر مليئ بالإضاءات التي جعلتني حقاً أشعر بالتفضل عليه لأنني أرى وهو لا يرى.

لم نكمل أولى الخطوات حتى انفصل التيار الكهربائي عن كامل المبنى عندها توقفت مرتبكاً باحثاً عن هاتفي لأضيئ به ، أثناء انهماكي في البحث عن الهاتف في حقيبتي ، تفاجأت بأن صديقي أمسك بيدي وبدأ يسير في الظلام ، وصرت أنا أتمسك بيده خائفاً من الاصطدام بأي شيئ وكلي اعتماد عليه ؛ قال لي : أنا متعود ، أنا كل يوم أمشي في هذا الممر عشرات المرات بدون مساعدة أحد.

 

بعد عودتي إلى البيت جعلت أفكر في لحظة انطفاء الكهرباء ، عندما تعطلت جميع حواسي وجعل صديقي هو من يقودني ، جعلت أفكر

 - من هم هؤلاء المكفوفين؟

- هل هم حقاً لا يرون ؟ أم نحن من أصابنا الكبر والغرور حتى أصبحنا لا نرى.

أيقنت حقاً بأن الكثير من الـ 45 مليون مكفوف في العالم يعانون من فقدان البصر

عذراً .. أيقنت أننا نحن من فقدنا البصر ، وهم الذين لا يزالون يتمتعون بالبصيرة.

 

قال تعالى : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) البقرة18 المراد هنا بالآية هم الأناس الأصحاء ولكنهم ((صمٌ لا يسمعون من يدعوهم إلى الخير ، وكالخرس لا يتكلمون بما ينفع ، وكالعمي لا يبصرون)) التفسيرالواضح الميسر

كُنا سوياً في طريق الحياة أنا وصديقي ، وكنت انا من أقوده في لحظات معينه بكل ثقة ، ولكن عندما واجهتني صعوبات الحياة وعثرات الطريق توقفت ، وجعل صديقي هو من يشدني ويسحبني للأمام.

جعلني هذا أغير نظرتي وتعاملي مع من هم من ذوي الاحتياجات الخاصة ، هم حقا لا يحتاجون للرحمة ، هم يحتاجون فقط للحب والمعاملة المساوية لغيرهم ، هم يحتاجون بأن نكون مرآة تنير لهم حياتهم كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ( المؤمن مرآة أخيه).

هم بشر مثلنا يأكلون ويشربون ، يقرأو ويكتبون ( بطريقة Braille) ، يستخدموا التقنية الحديثة ، ويتعلموا كثيراً ، وكذلك يكملوا نصف دينهم ؛ أظهرت الدراسات بأن 43% من المكفوفين يعملون رسمياً ، ومع تزايد المعاقين في العالم بشكل ملحوظ وكبير خاصة في الآونة الأخيرة في عصرنا الحديث وبعد حدوث الكثير من التغيرات الديموغرافية في الحياة بدأ الإهتمام بهم نسبياً.

رسالتي هنا لتغيير النظرة السلبية تجاه ذوي الإحتياجات الخاصة ، وقبل ذلك تغيير تلك النظرة عن أنفسنا ،  فالنثق بربنا ونجدد الأمل ، ولنغير الروتين الذي أصبح يقتلنا دون أن نشعر ، ولنُفيق كل يوم بأمل يغلب كل ألم ، نتعلم ونكتسب ، فأمتنا بأمس الحاجة لشباب يصنعون أملاً جديداً ومستقبلاً أفضل

أتمنى أخيراً أن أرى ذوي الإحتياجات الخاصة  قد أصبحوا فاعلين في مجتمعاتنا ، وأتمنى أن أرى حكومات الدول العربية تهتم بالمكفوفين وتوفر الخدمات المساعده لهم.

 

عبدالرؤوف سالم المسعودي / باحث وكاتب اجتماعي

 

       

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق