]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عاصمتان بلا دولة !

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-04-11 ، الوقت: 17:37:44
  • تقييم المقالة:

 

عاصمتان بلا دولة !

 

محمد الحداد /العراق

 لا تفتأ ترنُّ في أذنِ البداهة السياسية مقولة الراحل رفيق الحريري "لا أحد أكبر من بلده"..ورغم عمق تلك الكلمات ورقيِّ معانيها لكنها تظلُّ  محض كلماتٍ يمكن تصنيفها ضمن أدبيات اليوتوبيا السياسية المفرطةِ في مثالياتها العالية التي لم يعدْ لها أيّ وجودٍ على أرض الواقع إلا في مخيالنا الشعوري المُتعطش لتلكِ الأحلام لذا نكتفي اليوم بحصرها داخل بروازٍ جميل لنعلقها على حائطِ صدقنا السياسي الضائع الذي انقرضَ منذ زمنٍ بعيد..

التاريخُ الإنساني لم يخلُ أبداً من أوطانٍ عظمى كانت تجاورُ النجوم لكنها ترنحتْ وانهارتْ وأفلَ بريقها ولم يتبق منها إلا أطلال دول..كم حدّثنا التاريخُ عن دولٍ لم يتجسد فيها مفهومَ الوطن أبداً..بمعنى أنها لم ترتقِ بوعيها لتفهم أنَّ الوطنَ انتماءٌ وجدانيّ مقدس..هو كينونة إنسانية وحضارية كبرى أوسع من مجردِ تجمعٍ بشريٍّ تلجئهُ ظروفٌ معينة لأن يسكنَ مكاناً محدداً..دولٌ كهذهِ لم ولن تُصبحَ في يومٍ من الأيام أوطاناً بحق..غيرَ أنَّ هذا التاريخ ذاتهُ حدّثنا أيضاً عن أوطانٍ حقيقية وجدتْ لتبقى لأنها أبتْ ابتداءً أن تكونَ مجردَ دول..لكنأية قيمةٍ ستظلُّ لهذا التاريخ كلهِ بثرائهِ وتراكماتهِ وغزارةِ تفاصيلهِ ما لم يسعفنا بدروسهِ وعبرهِ التي تمتلئ بها خزائنهُ النفيسة كلما لجئنا إليه؟ ما الذي سيبقى من نكهةِ ثمار التاريخ الطيبة هذهِ إن لم تُذكرنا نكهته القديمة بالرجوعِ إليهِ مرةً بعدَ مرة ؟

هذه المثاليات الحالمة التي تختصرها مقولة الحريري يمكنُ أن تنسفَ اليوم ببساطةٍ كما نُسفَ قائلها قبل عشرِ سنواتٍ على رصيفِ صدقهِ السياسي النادر..من السهلِ جداً أن تُنسفَ كلّ معانيها الراقية مع أولِ رشقةِ رشاشةٍ بيدٍ تستهترُ بوطنٍ تراهُ أصغرَ من أصغرِ رصاصةٍ تمرقُ من أمام وجهِ الوطن لترعبهُ بأزيزها لحظة طيشٍ وغرور.

نتحدثُ هنا عن يمنِ اليوم..لا يمن الأمس البعيد..لنحاولَ الآن أن ننسى أنها كانت يوماً ما عروسة البحار السعيدة التي تتقلبُ برخائها وتغفو على وسائد الأحلام قبل أن تُصبحَ أسيرة واقعٍ ظالمٍ فرضتهُ مشارط السياسة الاستعمارية التي نفضتْ عن أسمالِ اليمن الزاهية كلّ ما علقَ بها من عبقِ التاريخ وبهائهِ لتطوحَ بها في البحر وتتركها غارقة في الفقرِ والجهلِ والظلام حتى الساعة.

لليمنِ اليوم عاصمتان بلا دولة..ومشروعُ دولتين من دونِ وطن..وخارطة ضائعة بين الخارطتين..من منتصفِ خَصرها المائل النحيل يُغرزُ اليوم بعنفٍ مشرط أعمى أصدأتهُ السنين ليغورَ عميقاً بأيدي أهلها من أجلِ أن تقطعَ إلى نصفين..هي ولادة من الخاصرة بحق..يُرادُ لليمنِ من بعدها أن تنجبَ لنا دولتين لا نُبصرُ في أيٍّ منهما أية ملامحَ للوطن أيضاً.

حمى ساخنة تعتورُ جسدَ اليمنِ المُنهك..عليلة تترنحُ ذاتَ الجنوبِ وذاتَ الشمال وفي ذروةِ هذيانها لا ينسى لسانها أن يلهجَ بالانقسام إلى يمنين.. ولو وضعنا اليوم في فمها محراراً سياسياً وهي ترتعدُ جرّاءَ تلك الحمى التي تعتريها فلا نعرفُ حقاً ماذا يمكن أن يقرأ؟ وكيف سيصفُ لنا حالها؟

الصورة خادعة تماماً..مضللة ومضببة كعادتها دائماً..فلا صوت يعلو اليوم على أصواتِ الميليشيات وقرقعة أسلحتها الفتاكة..رجال وقبائل وأحزابٌ  وميليشيات أصبحوا بالفعل أكبر وأقوى وأهم من اليمن..هي قوى مُرعبة بحق لكنها للأسفِ فاعلة على أرضِ الواقع وهي على وشكِ أن ترسمَ هناك مصائرَ جديدة تغيّرَ الكثير من ثوابتِ خارطتنا العربية الحديثة.

بعد رحيل صالح عن السلطة وغياب هيبةِ الدولة المركزية لليمن كان يهيأ لنا أنَّ أسوأ ما يمكنُ توقعهُ هناك أن تندلعَ حرباً طائفية مفتوحة بين الحوثيين وتنظيم القاعدة من أجلِ إعادةِ ترسيم الخارطةِ السياسية من جديد وفقَ المتغيرات التي طرأتْ على البلاد..خاصة بعد أن تقاسما معاً الخرابَ بالفعل فوق ثلاثة أرباع اليمن تقريباً..كان متوقعاً لهذهِ الحرب أن تزيدَ من تمزيقِ النسيج اليمني المهلهل أساساً بسبب تراكماتٍ واحتقاناتٍ تاريخيةٍ وطائفيةٍ وسياسيةٍ وعرقيةٍ معروفة وكان من المُرجح أن يرتهنَ مستقبلُ يمن ما بعد علي عبد الله صالح وفق ما كانت ستفضي إليها تلك الحرب المتوقعة من نتائج..ذلك ما كنّا نتوقع حدوثهُ لكننا كنا واهمين تماماً إذ تبين لنا أنَّ الواقعَ اليمني أخطر من ذلك بكثير لأننا لم نكن نحسبُ أنَّ المنزلقَ الذي دخلت اليمنُ فيه سيوغلُ بأقدامها نحو طريقٍ سيصلها إلى خيارِ تقسيم اليمن نفسها ويعجّل من وقوعه..انقلبَ الحوثيون أولاً على شرعيةِ الدولة الجديدة ثم تجرؤوا على التحالف مع علي عبد الله صالح عدوهم القديم فأصبحوا بذلك تحالفاً يمثلُ القوة الأكبر في المعادلةِ اليمنية الجديدة مما أغراهم أن ينقضّوا على السلطةِ الجديدة المُنتخبة ويفرضوا سيناريوهات مغايرة..ولم يكن في الحسبانِ أبداً أن يبلغَ ضعف الدولة الجديدة حداً يجعلها تنهارُ ببساطةٍ بكل مؤسساتها أمام زحوف الحوثيين الذين تمددوا في البلاد شيئاً فشيئاً وابتلعوا مدنها من دون النظر إلى طبيعة النسيج اليمني المتعدد الأعراق والاتجاهات ومن دون أن يبالوا أيضاً لطبيعةِ توازنات المنطقة إقليمياً ودولياً..

مشكلة اليمنيين الكبرى أنهم تعاطوا مع سرطانهم القديم علي عبد الله صالح برُقيٍّ لا يستحقه..كأنهم خلعوهُ وما خلعوه..لم يقتلوهُ ولم يُرحّلوهُ ولم يُحاكموهُ وهم الذين كانوا بإمكانهم أن يتعاطوا معهُ وفق أي من هذه الخيارات الثلاث فلما أمِنَ العقابَ أساءَ الأدب..تجرأ وتفرعنَ من جديد وكانت تلك خطيئة اليمنيين التي لا تغتفر!

أما تنظيم القاعدة الذي كان قبل ذلك منكفئاً بشكلٍ تقليدي مرتاب داخل قواعدهِ المُحصّنة في شرق البلاد البعيد ووسطها أي في مأرب وأبين وشبوة والبيضاء ولحج وغيرها فقد رأى أنَّ زيادة حظوظ بقائهِ يحتمُ عليهِ أن يتعاطى بجديةٍ أكبر مع كلِّ هذه التحديات الحوثية الكبيرة التي أصبحتْ تهددُ وجودهم وهو الذي كان يستغلُ الطوبوغرافية الجبلية التي كان يعتبرها بيئة مثالية مكنتهُ سابقاً من تنفيذِ عملياتهِ القتالية بأسلوبِ المُباغتة والكرِّ والفرّ الذي يجيدُ تنفيذهُ تماماً..إذ أصبحوا ملزمين - بعد تحالف الحوثيين مع صالح وتمددهم في البلاد - على تغيير سيناريو قتالهم مع عدوهم القديم الجديد بشكلٍ جذري لذا عمدَ هذا التنظيم مرغماً إلى إتّباعِ تكتيك جديد يقضي بأن يخرجَ عَلناً ليمنعَ زحف الحوثيين ويقطع عليهم الطريق نحو ابتلاع المزيد من المحافظاتِ والمدن اليمنية خاصة تلك التي تقعُ ضمن مناطق نفوذ التنظيم..

في "الزوم" الأقرب لتلكَ الصورةِ المُربكة ما هو أوضح من ذلك..بل  وأخطر من مجرد تقسيم غنائم بين المتصارعين..فثمة حقيقة لن يختلفَ عليها أحد وهي أنَّ الجميعَ سيتقاسمون في الغد خرابَ اليمن نفسها لا سيادتها أو أمنها فلا حسم نهائي مُبرماً لأيّ طرفٍ من أطرافِ ذلك النزاع العقيم..لا لتحالف الحوثيين مع أنصار صالح ولا لتنظيم القاعدة ولا دعاة الانفصال أيضاً..وسيكتشفون لاحقاً أنها معركة عبثٍ يُعدُّ الجميعُ خاسراً فيها ولن يجدوا لاحقاً أيَّ شيءٍ ذا قيمةٍ يتقاسمونهُ مما سيتبقى من أطلال اليمن للظفرِ به فلا جغرافية اليمن ولا تاريخها ولا واقعها الديموغرافي القبلي يتيحُ لأيِّ طرفٍ منهما أن يستأثرَ لوحدهِ بكلِّ شيء خاصة وأنَّ الجميعَ يتناطحُ اليوم بضراوةٍ وهو مدججٌ بكلِّ الأسلحةِ المُعدة أساساً لتصفيةِ الآخر ونسفهِ من الوجود تماماًلذا سيطحنُ الجميعُ لا محالة بأضراسٍ أيديولوجيةٍ صارمة تعتنقُ عقيدة الموت لكلِّ مَن يغايرها عقائدياً أو مذهبياً أو سياسياً..وكلُّ ذلك ينسجمُ تماماً مع كلِّ حساباتِ التاريخ المتراكمة.

هذا الواقع المأساوي الذي تعيشهُ اليمن اليوم هو عالمٌ آخر يسيرُ بالتوازي مع تلك المثاليات الحالمة التي ذكّرتنا بها عبارة رفيق الحريري من دون أيِّ أملٍ بأن يلتقيا في يومٍ من الأيام..ومن المؤكد أنَّ فصلَ اليمن إلى يمنين أخطر من مجرد قفزةٍ طائشةٍ نحو تقسيمِ خريطةٍ واحدةٍ إلى خريطتين بسكينِ الانفصال لأنَّها خطوة تعني أيضاً في ما تعنيهِ محاولة مقصودة لاقتلاع اليمن التي نعرفها من جذورها الغائرة في أعماق التاريخ.

دولٌ بلا أوطانٍ أو أوطانٌ بلا دول..التاريخُ يكررُ نفسهُ دائماً لكن فيما يتعلقُ باليمن تحديداً يبدو أنَّ ثمة رغبة عاصفة بأن تصبحَ اليمنُ يمنين وأنَّ بقاءَ يمنٍ واحدٍ موحد يوشكُ أن يُصبحَ قريباً خياراً عاطفياً مهلهلاً لن يظلَّ صامداً لوقتٍ طويل أمام عواصف الخيارات التي ستمليها حقائقُ جديدة تشكُ أن تفرضَ وجودها قريباً على الواقع السياسي للبلاد بسبب سطوة تلك الخيارات وقوة حضورها بما تستمدهُ من أثقالٍ تاريخية وجغرافية وسياسية واقتصادية واجتماعية لذا من المرجح أن يكونَ إنقسامُ اليمن هي المشكلة القادمة التي يراها البعض أقربَ الحلولِ كما بدأ يلوحُ بوضوحٍ في الأفقِ القريب بعد أن تقصمَ الحربُ ظهرها وتستنزفَ قواها لتمهّدَ لتقسيمٍ يبدو أنهُ آتٍ لا محالة.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق