]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تفنى الأعمار وتبقى الآثار

بواسطة: جهلان إسماعيل  |  بتاريخ: 2015-04-10 ، الوقت: 14:04:57
  • تقييم المقالة:

الموت من الحقائق القليلة التي يتفق عليها الناس مهما اختلفت عقائدهم وأفكارهم ، فهم جميعا متفقون على أن الحياة على ظهر الأرض حياة مؤقتة ولم يخلد عليها أحد مهما علا شأنه أو سمت مكانته، فقد مات الأنبياء والرسل والملوك والأمراء والرؤساء  ورجال الفكر والساسة فضلا عمن دونهم من الناس باختلاف الأعراق والألوان والأجناس.

اتفقت البشرية بأكملها على الموت وحتميته ولكنهم اختلفوا فيما بعد الموت ، فأنكرت طوائف منهم الحياة بعد الموت والبعث والنشور ، وقد حكى الله سبحانه وتعالى قولهم في القرآن الكريم " إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَاوَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ" المؤمنون

"وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَاوَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ" الجاثية

إن عدم الإيمان بما بعد الموت من بعث ونشور وحساب وليد عدم الإيمان بالله عز وجل والجهل بقدرته على بعث هذه الأجساد الفانية وإعادتها إلى حالتها الأولى، وقد حفل القرآن الكريم بالردود على هؤلاء المنكرين للبعث:

"زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" التغابن

"قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" الجاثية

وبين القرآن الكريم بجلاء ووضوح أن الله لم يخلق الناس عبثا حتى يميتهم ولا يحييهم وإنما خلقهم لغاية وهدف وأنه عز وجل سائلهم عما خلقهم من أجله .

"أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًاوَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ" المؤمنون

إن الموت ليست نهاية المطاف، وإنما هو بداية رحلة الحياة الحقيقة والسعادة الأبدية و الخلود إما في الجنان أو النيران.

ولو أنا إذا متنا تُركنا  لكانَ المَوْتُ راحَة كُلِّ حَيِّ

ولكنا إذا متنا بُعثنا     ونُسأل بعد ذا عن كل شي

بل والأكثر من ذلك أن الإنسان منا لا يحاسب فقط على ما قدم من أعمال وطاعات قبل  موته ، بل يحاسب أيضا على آثاره التي تركها خلفه بعد مماته.

"إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ"

قال السعدي في تفسيره لقوله تعالى " وآثارهم "

"وهي آثار الخير وآثار الشر، التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم وبعد وفاتهم، وتلك الأعمال التي نشأت من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، فكل خير عمل به أحد من الناس، بسبب علم العبد وتعليمه ونصحه، أو أمره بالمعروف، أو نهيه عن المنكر، أو علم أودعه عند المتعلمين، أو في كتب ينتفع بها في حياته وبعد موته، أو عمل خيرا، من صلاة أو زكاة أو صدقة أو إحسان، فاقتدى به غيره، أو عمل مسجدا، أو محلا من المحال التي يرتفق بها الناس، وما أشبه ذلك، فإنها من آثاره التي تكتب له، وكذلك عمل الشر"

 

إن الأجساد تبلى والأعمار تفنى  ولا تبقى إلا آثار الخير أو الشر شاهدة على صاحبها بعد موته منبئة عن حاله مع ربه.

عاش أناس أعمارا مديدة ولم يتركوا آثارا ولا وضعوا بصمة ولاخدموا الدين ولا تميزوا في الدنيا ، خرجوا من الدنيا أصفارا كما عاشوا فيها أصفارا ، وعاش أناس فترات وجيزة تجاوزت آثارهم حدود الزمان والمكان.

يقول ابن عطاء السكندري رحمه الله:

"رُبَّ عُمُرٍ اتَّسَعَتْ آمادُهُ وَقَلَّتْ أمْدادُهُ، وَرُبَّ عُمُرٍ قَليلَةٌ آمادُهُ كَثيرَةٌ أمْدادُهُ. فمَنْ بُورِكَ لَهُ في عُمُرِهِ أدْرَكَ في يَسيرٍ مِنَ الزَّمَنِ مِنْ مِنَنِ اللهِ تَعالى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ دَوائِرِ العِبارَةِ وَلا تَلْحَقُهُ الإشارَةِ."

من الصحابة من عاش حتى الثلاثين أو الأربعين فقط لا غير، ولكنه ترك أثرًا واسعًا في الإسلام، وحقق في سنين قليلة الكثير والكثير، فمصعب بن عمير رضي الله عنه مات شابًا، ولكنه فتح يثرب فتح دعوة قبل هجرة الرسول إليها، وترك في تاريخ الإسلام أبلغ الأثر، وسعد بن معاذ عاش في الإسلام سبع سنين فقط ولكنه لما مات اهتز عرش الرحمن لموته وصلى عليه سبعون الف ملك، وأبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان خليفة على المسلمين ثلاث سنوات فقط، ولكن الله عز وجل حفظ به الإسلام، وهكذا.

ومن أئمة الإسلام من لم يتجاوز الستين من عمره، ولكنه ترك عشرات الكتب الهامة ومئات التلاميذ النابغين وعلما موروثا ملأ الأرض من بعدهم إلى يومنا هذا، كالإمام الشافعي والإمام الغزالي والإمام ابن القيم، وغيرهم.

جهلان إسماعيل علي

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق