]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المصالحة الوطنية المغشوشة بقلم عزالدين مبارك

بواسطة: عزالدين مبارك  |  بتاريخ: 2015-04-08 ، الوقت: 21:22:10
  • تقييم المقالة:
المصالحة الوطنية المغشوشة بقلم عزالدين مبارك  

كثر الحديث هذه الأيام عن المصالحة الوطنية دون تبيان ماهيتها وكيفية تحقيقها على أرض الواقع وهل فيها مصلحة وطنية أم هي مجرد التفاف على الإرادة الشعبية المطالبة بالتحقيق والمحاسبة ثم المصالحة وتجاوز لقانون العدالة الانتقالية.

ويذهب البعض القول بأن سياسة التوافق بين الحزبين الكبيرين النهضة والنداء تتجه نحو جر الجميع لتجاوز المرحلة السابقة بكل مآسيها وهمومها وتشعباتها وطي صفحة الماضي نهائيا والنظر إلى المستقبل وكأن شيئا لم يكن وفي ذلك هروبا من المحاسبة والتفصي من المسؤولية الجزائية والسياسية والتاريخية وفي هذا تكمن بالأساس مصلحة الزعامات والمتنفذين في الأحزاب الفاعلة.

كما يقول البعض الآخر بأن الدخول في المحاسبة الفعلية وكشف المستور سيؤدي إلى عدم الاستقرار والكثير من التجاذبات والعودة لمنطق وضع العصا في العجلة مما يؤثر سلبا على التنمية والانتاج والاستثمار ومحاربة خطر الارهاب بفاعلية.

لكن من ناحية أخرى لا يمكن حتى من الناحية التاريخية والمنطقية تجاوز الإرادة الشعبية المطالبة بالمحاسبة ولو من الناحية الرمزية حتى تعرف الحقيقة كاملة لتندمل الجروح وتهدأ النفوس ويتم البناء على قواعد واضحة وصحيحة بعد كشف المستور وانفاذ القانون على التجاوزات الخطيرة والمجرمين والفاسدين والمتآمرين.

فلا يمكن بأي حال من الأحوال التستر على الجرائم الفظيعة في حق البسطاء والمناضلين والوطنيين الصادقين كالتعذيب والقتل والنفي والقهر والاستحواذ على حقوق الغير بالحيلة والباطل بدعوى المصالحة الوطنية لأن في ذلك تبييض للمجرمين والفاسدين وتشريع عودتهم للحياة العامة ليواصلوا لعبتهم القذرة بما لهم من خبرة في العمل الضار والمال الفاسد وحذقهم في حبك الحيل والألاعيب الجهنمية.

ومن المصلحة الوطنية الشعبية أن تتم غربلة المرحلة السابقة ليقف كل واحد على ما له وما عليه بكل نزاهة وشفافية بعيدا عن التشفي والانتقام ليكون البناء على أسس صحيحة وليس على أنقاض فترة حالكة السواد لا نعرف عنها شيئا. فالفترة الماضية تعد من الناحية التاريخية حبلى بكل أشكال التجاوزات والمظالم وهي مثل القنبلة الموقوتة لأن الأحقاد الدفينة في الاعماق لا تندثر بسهولة كالثأر الجاهلي ويمكن أن تظهر في أي لحظة إذا لم يقع تفكيكها ورمي جمراتها لتبرد وتتفحم.

فالسياسيون المتربعون على الكراسي تنسيهم لحظة النشوة الزائفة وكذلك أصحاب المشاريع الحزبية والشخصية الضيقة وأهل المال والجاه والذين تحوم حولهم شبهات الفساد لا يريدون الخوض في هذه المسألة وكل همهم أن تدوم رحلتهم مع النعيم وأن تستقر الأوضاع حتى وإن كانت جد كارثية ومحبطة لغالبية الشعب لأن في ذلك كل الخير لهم ولذويهم.

أما الذين قد اكتووا بنار الفقر والبطالة والتهميش والتعذيب والظلم والحقد الأعمى لأنهم تفوهوا بكلمة ذات يوم لا تعجب النظام أو بعض الأشخاص أو لم يسايروا سياسة  فاسدة ومتحيلة أو وضعتهم الأقدار والصدفة ومكر الجغرافيا في قرية نائية لا زرع ولا ضرع فيها غير الحصرم والحنظل فلا يمكن لهم أن ينسوا ذلك أبدا وحتى وإن ماتوا فأولادهم تحمل همهم وغبنهم التاريخي إلى يوم يبعثون.

فالمسألة ليس بالبساطة التي ينظر إليها أهل الساسة الذين يريدون التجاوز والمغالبة ونسيان الماضي بجرة قلم بل الأمر أعمق من ذلك بكثير لأنه يتعلق بالوعي الشعبي المتجذر ولا يمكن المرور للمصالحة بدون المصارحة والمحاسبة. فبيع البضاعة الفاسدة للناس تقضي على قانون البيع والشراء والتجارة فيعم الخراب السوق ومن أقوم المسالك أن يحاسب صاحب السلعة الفاسدة حتى تعود الطمأنينة للناس فتزدهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

كما أنه من الأهمية بمكان أن يعرف كل من تسول له نفسه باتباع طريق الاجرام والفساد أن هناك محاسبة فعلية تطبق على جميع الناس تكون نافذة ولو بعد حين وفي هذا عبرة للمستقبل وردع لكل من يريد القيام بالأعمال الخسيسة في حق الناس والدولة. أما التفصي من المحاسبة لأي سبب من الأسباب ولو عن طريق المصالحة المغشوشة فهو أكبر مشجع على الجرائم الكبيرة والتجاوزات والتمادي في التغول مما يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه في نهاية الأمر ونعود إلى نقطة الصفر خاسرين ونادمين.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق