]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإسلاميون ..سؤال الدولة وأسئلة الحكم!!

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2015-04-02 ، الوقت: 22:31:08
  • تقييم المقالة:
عندما برز “الإسلام السياسي”بمفهومه الحديث بُعيد انهيار الخلافة العثمانية عام 1924،وفي الوقت الذي انطلقت فيه كبرى الجماعات الإسلامية بدعوتها الأولى مع حسن البنا عام 1928 كان العالم يعيش فترة ما بين الحربين الموسومة بالانشغال بلملمة الجراح ،وبالانزواء لبناء القوة الاقتصادية-الولايات المتحدة-،وبترسيخ الأنظمة الدكتاتوريّة [في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا والاتحاد السوفياتي وحتى تركيا الكماليّة]،وبالتالي لم تكن التياراتالإسلامية هاجسا يشغل القوى الدولية وحتى الدول الاستعمارية[خاصة فرنسا وإنقلترا] فلم ينل الإسلاميون منها نصيبا من القمع أكبر مما نالته الحركات التحرّريّة العلمانية التي كان كثير منها يحمل فكرا مقاوما أكثر راديكاليّة من معظم الجماعات الدينية،ولما كان ذلك كذلك كانت الشعارات المرفوعة آنذاك محتفظة بأصالتها وزخمها .ولم تكن أسئلة المراجعة والتجديد مطروحة فيما كان سؤال النهضة طاغيا تماما كسؤال الهُويّة في مرحلة تاريخية لاحقة أي بعد إخفاق المشروع العَلماني بما آل إليه من توطيد أركان الاستبداد والفساد والتغريب عادت الحركات الإسلاميّة لتقترح البديل الذي يتماشى وهوية الشعوب وتاريخها غير أنّ موالاة الحكام العرب للقوى الكبرى عقّد موضوعة العمل السياسي الإسلامي لأن المواجهة بدت أكثر تعقيدا وأكثر تكلفة وهو ما ولّد سؤال المراجعات من أجل تعديل الخطاب وتصحيح المسار ووضع مقاربات للمشاركة السياسيّة وهو ما رأيناه مثلا مع حركة النهضة في تونس و الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر والإخوان المسلمين في مصر …،فلم يكن ارتفاع منسوب القمع الذي عصف بالإسلاميين بُعيد بناء دولة الاستقلال إلا نتاجا لدعم غربي غير مشروط لأنظمة شمولية تخدم مصالحها وتروّج لرؤاها الاستعماريّة،وتمرّ الأيام …لنشهد صعودا لافتا لما (يُسمّونه)”الإسلام السياسي”في دول الربيع العربي فقد منحت الثورات التي انطلقت شرارتها من تونس فرصة تاريخيّة للإسلاميين ليخوضوا تجربة الحكم بما تعنيه من صعوبات التّماس المباشر بواقع الممارسة السياسيّة،نشير هنا إلى أن التجربة التي خاضتها حماس في غزّة تُحفظ ولا يقاس عليها لخصوصيتها . غير أنّ الصعوبات التي واجهت حركة النهضة في تونس والإخوان في مصر قدحت أسئلة كبرى تتعلّق أساسا بالدولة والحكم إذ إنها كشفت مواطن خلل عديدة ثاوية في بنية الفكر السياسي الإسلاموي “المعتدل”وسنحاول في السطور اللاحقة الوقوف عند أبرزها تحليلا وتفكيكا ونقاشا: _ إشكاليّة الدولة الحديثة:
----------------------------
قبل كلّ شيء تجدر الإشارة إلى أنّ الفكر السياسي الإسلامي يقول بالأصل الديني للدولة ولا يعتدّ بالنظريات الغربية التي تتحدّث عن العقد الاجتماعي والتطور التاريخي ونظرية القوة والغلبة إلى غير ذلك…،فالإسلاميون يربطون بين النبوّة في مرحلتها المدنيّة وبين مأسسة فكرة الدولة،غير أنّ لفظ”الدولة”هو مصطلح مستجدّ لم يستخدمه القرآن الكريم بصيغته الحالية ولم يستعمله الرسول صلى الله عليه وسلم كما لا نجد له أثرا بمعناه المعاصر في تراثنا الفقهي،حيث دأب الفقهاء على استخدام مصطلحيْن قرآنيين هما مصطلحيْ:”حكم”و”أمر”؛نقطة اخرى خليقة بالإشارة وهو أنّ ما يميّز الدولة من المنظور الإسلامي هو موازنتها بين الفردي والجماعي على عكس الطرحيْن الليبرالي والماركسي؛وإذا أردنا تعريف “الدولة” من المنظور السياسي الإسلامي ربّما صحّ لنا القول إنّها إقليم وشعب مع سلطة تمارس سيادتها عليهما عبر نظام سياسي وقانوني يحتكم إلى أحكام الشريعة الإسلامية .. ولئن كانت الدولة كما يراها الإسلاميون دينيّة التشريع فانّها في المقابل مدنيّة السلطة بمعنى أنّ الإمام يجب أن يكون من اختيار الأمّة ببيْعة بما هي عقد مرضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار كما يقول “الماوردي”..
على كلّ حال موضوع “الدولة في الفكر الاسلامي “موضوع خلافي “مثير”وعلى قدْر كبير من التعقيد..ويحتاج إلى المزيد من التدقيق والتمحيص حيث لم يرتق الفكر السياسي الإسلامي المعاصر إلى صياغته في إطار فكرة ناظمة واضحة تستجيب لتعقيدات المناخ الدولي المعاصر دون مخالفة قطعيات الدين ومحكمات الشرع.. ومن أوْجه القصور في التفكير السياسي عند الإسلاميين تحريرهم وفهمهم “السطحي”لمفهوم”الدولة الحديثة”،فمعظم التيارات الإسلاميّة اعتقدت وتعتقد أنّ مجرد الوصول إلى السلطة فيها كفيل بأسلمتها وإخضاعها غير أنّ التجربة قد أثبتت زيْف هذا الاعتقاد وأكّدت تعقّد هذا الكيان وصعوبة ترويضه،فالدولة ليست “الأمّة”كما نعرفها في الأدبيات الإسلامية،فالدولة في شكلها الحديث صنيعة غربية بامتياز توّجت سلسلة من التطورات التاريخية التي انتقلت بالبشرية من مفهوم الدولة-المعبد القائمة على الفلسفة الدينيّة مرورا بمفهوم الدولة-المدينة أو المدينة-الدولة وصولا إلى ما يسمى الدولة القومية التي تبلورت في القرن التاسع عشر ميلادي في أوروبا ليشهدها العالم الإسلامي في أغلب الأحيان بشكل ملفّق عبر الحملات الاستعمارية التي أنتجت حركات تحرر وطني إقليميّة،ومادام ذلك كذلك فمن الطبيعي تماما أن نلحظ ارتباكا في تعامل الإسلاميين مع هذا الكيان المستحدث الذي لا عهد لهم به من قبل ولا يوفّر تاريخهم وبالذات تاريخ السلف الصالح نموذجا يُقتدى به،فغياب المرجعية التراثية يجعل أمر فهم الدولة الحديثة بميكانيزماتها المعقّدة أمرا صعب المنال،فالسلطة السياسية لا تختزل الدولة والدولة ليست السلطة السياسية وحدها مثلما تختلف الدولة عن المجتمع وهي فروق معرفية يجب الوقوف عندها طويلا لنخلص إلى نتائج ضرورية من بينها أنّ الناس لم يعودوا على دين حكامهم مثلما كان عليه الأمر من قبل ،كما أنّ هيكلية الدولة الحديثة على قدركبير من التعقيد والتركيب وفعل الأسلمة هو فعل “بسيط”يتوّج سيرورة متكاملة من التطورات والمخاضات العسيرة التي يجب أن تشمل الإدارة بتفرّعاتها الكبرى المدني منها والأمني والعسكري،علينا ببساطة أن نفهم ميكروفيزيائيّة الدولة حتى يمكننا تطويعها ومن ثمّ “أسلمتها”،ورغم التحفظات التي يمكن أن يثيرها البعض على فكرة “اسلمة الدولة”ذاتها بتعلة أنها كائن معنوي وأن الأفراد هم من تقع أسلمتهم فإنّنا نعتقد أنّ التجربة أقامت الدليل على أنّ وجود شعب مسلم لا يعني بالضرورة وجود مؤسسات دائمة تحكمها الشريعة الإسلامية لذلك نرى ضرورة التمييزبين أسلمة الدولة وأسلمة المجتمع ،ونسجّل هنا أنّنا لا نعني بأسلمة الدولة أكثر من أسلمة تشريعاتها. إذن واجه ويواجه الفكر السياسي الإسلامي معضلة استيعاب تعقيدات الدولة الحديثة إلى الحد الذي جعل حسن الترابي أحد أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة يقول :”دفعنا بأبنائنا لكي يأتوا بالدولة فإذا بالدولة تبتلعهم!”في تشخيص بليغ لما آلت إليه حال معظم الإسلاميين الذين انخرطوا في دائرة مغلقة من المراجعات والنقد المستمر للمكتسبات مما جعلهم يتخلون من حيث لم يشعروا عن مشروعهم ليتكيّفوا مع آليات الدولة العلمانية ومقارباتها إلى حدّ الذوبان في تفاصيلها.. _ التعاطي مع العامل الخارجي:
-----------------------------------
ما حصل في الجزائر في بداية التسعينيات لفت نظرنا إلى تجاهل الإسلاميين أو على الأقل استهانتهن بالعامل الخارجي وتأثيره في مجرى الأحداث الداخلية ،فقد تعاملت الجبهة الإسلامية للإنقاذ مع الجيش الجزائري كعدوّ وحيد غير أنّها فوجئت بدعم دولي رهيب له ،وبعد ثورة 25 جانفي في مصر اغترّت جماعة الأغخوان المسلمين بالإسناد الشعبي وأهملت تأثير العوامل الخارجية ما كان سببا من اسباب الانقلاب عليها يوم الثالث من جويلية 2013 ،فما ينبغي لإسلاميين التنبّه إليه هو ضرورة الوعي بالمصالح وتقاطعاتها بين القوى الداخلية والقوى الخارجية ،وإن كان لتجربة سقوط الإخوان من فضل فإنّه يكمن في لفت انظارنا إلى وجود لاعبين مؤثرين من خارج الدائرة الغربية يمثّلها الدور الخليجي قطر من جهة والسعودية والإمارات وباقي الدول الخليجية من جهة اخرى-،نخلص إذن من خلال ما تقدّم إلى فكرتين اساسيتين: أولا هي عدم الاغترار بالإسناد الشعبي الداخلي وثانيا عدم الاستهانة بالعامل الخارجي. _ منطق نظرية المؤامرة:
-----------------------
نحن وإن كنا لا ننكر أن الأمة الإسلامية يحاك لها من المؤامرات ما لا يُحصى عددا،فإننا بالمقابل ننعى على الإسلاميين المغالاة في اعتبار هذه النقطة والتذرع بها لتفسير عثراتنا ونكساتنا حتّى صرنا إزاء نسق تبريري لا ينتهي إلا لكي يبدأ من جديد،وهو نمط من التفكير ناتج عن عقدة المظلومية والشعور المرضي بالاضطهاد.
_ "هاجس" استهداف الإسلام عبر استهداف الإسلاميين:
----------------------------------------------------------------
إنّ فكرة استهداف الإسلام من خلال استهداف الإسلاميين فكرة في غاية الخطورة ووجب التفكير فيها طويلا وعميقا ،فنحن وإن كنا لا نستطيع أن ننكر أن أعداء الإسلام يجدون في الإسلاميين هدفا مثاليا لشنّ حملاتهم المقنّعة على الإسلام فإننا كذلك لا نستطيع ان نغلو في الحديث عن مؤامرة ضدّ الإسلام لأنّ ذلك سيعني ببساطة التغافل عن أخطائنا وزلاتنا وهو ما وقفنا عليه في الحالة المصرية حيث لاحظنا اصطفافا أعمى في صفذ جماعة الإخوان المسلمين وصار كل نقد لها هو استهداف للإسلام والمسلمين مامنع المراجعة والتراجع ليكون السقوط المدوي الذي بقينا بعده على موقفنا المتنطّع الأول القائم على المماهاة بين الإسلام والإخوان المسلمين!!!. _الإسلاميون والثورة الإيرانية :خطأ الاستدعاء وخطيئة النمذجة:
--------------------------------------------------------------------
شكّلت الثورة الشيعية في إيران عام 1979 نقطة تحوّل كبرى في الفكر السياسي الإسلامي في ما اعتُبر آنذاك صحوة إسلامية ستتوّج بثورات أخرى تنتهي بتحكيم الشريعة في نطاق خلافة جامعة ،غير أنّ ما غاب عن الكثيرين أنّ هناك مقدّمة أساسية أسهمت في نجاح الثورة الإيرانية ألا وهي فكرة “المرجعية الدينية الجامعة”الثاوية في العقل الجمعي الاثنى عشري القائم على الإمامة والمراجع المعصومة،وهو ما يفسر الالتفاف الشعبي الهائل حول شخصية “آية الله روح الله الخميني ،هذه المقدمة المذكوة آنفا لا وجود لها في الفكر السني ،كما أنّ هناك نقطة
تمايز مفصلية تتعلّق بالوازع القوميّ الحاضر بقوة في الحالة الإيرانية في حين أنّ حضورة محتشم في العالم العربي المتشظي حيث غدت الدول العربية "كيانات نفسية"على حد عبارة الكاتب المغربي محمد عابد الجابري[وهذا الفارق يمكن سحبه على الحالة التركية ايضا إذا ما رمنا الحديث عن نموذج حزب العدالة والتنمية] ،وبالتالي سيكون من السذاجة بمكان النظر إلى الثورة الخُمينية كنموذج قابل للتكرار خاصة مع فرادة التعاطي الخارجي معها .. إذ يبدو من اللا مفكّر فيه سياسيا أن تلقى ثورة إسلاميّة "سنية" دعما خارجيا كالذي لقيته الثورة الخمينيّة في إيران ،وذلك لعدة أسباب نذكر منها طبيعة المذهب الشيعي نفسه القائمة على أدبيّات جاذبة للغرب على غرار المرجعيّة العليا التي تتيح للقوى الغربيّة التواصل مع جهة واحدة وتسيطر على الجماهير أو على قطاع واسع منها عبْرها وهو ما رأيناه مع الغزو الأمريكي للعراق عندما تمّ تدجين الشيعة من خلال فتاوي الانبطاح التي أطلقها المرجع الشيعي آية الله السيستاني، كذلك علينا ألا نغفل عن مسألة مفصلية وهي العداء الشيعي المزدوج للعرب ولأهل السنة والجماعة من منظور شيعي-صفوي ومن منظور فارسي ،ولا ننسى في هذا السياق أنّ قطاعا واسعا من هؤلاء سنة وعربا متمركز في فضاء جغرافي يُعدّ نقطة تركّز للمصالح الجيو-استراتيجيّة الغربيّة حيث الثروة والموقع ،بما يعني أننا بصدد "أعداء مشتركين".. علاوة على ما تقدّم هناك مسألة مهمّة نرى ضرورة الإشارة إليها وهي تلك المتعلّقة بسعي الأمريكيين آنذاك إلى احتواء المد الثوري "الإسلامي"وقوْلبته بما يتماشى والمصلحة الغربية فضلا عن محاولة تسويق صورة الغرب المتصالح مع الشرق والصليب المتسامح مع الهلال،إضافة إلى رؤية -ثبت خطؤها- في ما بعد تدور حول امتصاص الزخم الإسلاموي واحتوائه في فترة اتّسمت ببوادر صعود للجماعات الجهادية ولاسيما في مصر من خلال بروز جماعة المسلمين ["التكفير والهجرة"] ،ربما نكون بهذا قد تعرّضنا إلى أهم أسباب إحجام إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر عن دعم الشاه في أواخر عام 1978 وانخراط أبرز وسائل الإعلام الغربيّة في تقديم الثوار الإسلاميين كمجموعة من "الديمقراطيين"المضطهدين يقودهم شيخ حكيم عانى من ضيْم المنافي وهو آية الله روح الله الخميني !.. في الحقيقة تتقاطع المصالح بشكل لافت بين الدولة الشيعية والولايات المتحدة الأمريكية وهذا التقاطع تعزّز وتكرّس بعد وفاة الخميني ، التي أصبحت فيما بعد ورقة مهمة في لعبة المقايضات الإقليميّة وشيئا فشيئا بدأ السياسيّ يطغى على الدينيّ ، وحتى سطوة رجال الدين على رجال السياسة هي في النهاية سطوة مسيّسة[بكسر الياء ونصبها]وليس أدلّ على ذلك من تصريحات المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي ،فعندما يقول المرجع الإيراني الأعلى:"أنا أؤيّد تمديد المحادثات النووية "يمكننا القول إننا إزاء تحوّل مُذهل في الموقف لأنّ خامنئي كان دائم الإشارة إلى حُرمة التّراجع عن البرنامج النووي قيْد أُنمُلة !!..،ونحن هنا لسنا أمام إعمال لمبدأ"التقيّة"الشهير بقدر ما نقف على تعاط سياسي بامتياز ،ويكفي أن يكون المرشد صاحب الحلّ والربط في الملف النووي الايراني لنتأكّد من طغيان السياسة على الدين خاصة إذا علمنا أنّ الإمام الأكبر الخميني كان يُعارض أيّ مشروع نوويّ من منطلق دينيّ مبدئي.. وكأنّ لسان حال الدوائر الاستخبارية الأمريكية وقتها استشعرت مع "بوكان"أنّ "الجمهورية الاسلامية في إيران ليست الا امتدادا للبهلوية التي ثارت عليها ولكن بعمامة وعباءة"!!!.. ولما كان ذلك كذلك لا يمكن النظر إلى الثورة الإيرانية كنموذج يُمكن النسج على منواله ،فطبيعة المذهب الشيعي ونزعة التمدّد الفارسي الثاوية في صدور الإيرانيين،فضلا عن المطامع الغربية في منطقة سنيّة-عربي بالأساس كلها عوامل تحول دون استنساخ نسخة إسلاميّة سنيّة من ملحمة شيعية فارسيّة .. _ استدعاء النموذج التركي:
------------------------------
من الأخطاء الكبرى التي وقعت فيها عدة احزاب إسلامية استحضار المثال التركي والتوق إلى تكراره في بلدانها رغم أن تجربة حزب العدالة و التنمية في تركيا لا تعد نموذجا يحتذى به بالنسبة إلى اليمين الإسلامي “المعتدل”..فمنذ قيام الجمهورية التركية على يد أتاتورك عام 1923 حمل الجيش على عاتقه مهمة حماية علمانية الدولة من حيث السياسة العامة للبلاد في كافة المجالات ..هذا الجيش “المتأترك” يضطلع بمهمة قومية “مقدسة” بما يعنيه ذلك من محاربة للإسلام عموما و لما يسمّى “بالإسلام السياسي” خصوصا ، فاليمين القومي [الطوراني]يكاد يكون اليمين الوحيد المعترف به في تركيا..في ظل هذا الإرث الثقيل الذي خلفه مصطفى كمال المعروف بأتاتورك [ابو الأتراك]لم يكن بوسع الأحزاب و الشخصيات ذات الميول الإسلامية غير المعلنة إلا الاقتراب من الإسلام دون الابتعاد عن العلمانية و هو وضع مربك انتهى بنجم الدين أربكان و حزبه إلى التصفية قانونيا و سياسيا و من قبله رئيس الوزراء عدنان مندريس الذي تمت تصفيته جسديا عقب انقلاب عام 1960 و في الانقلاب الأخير عام 1980 تمت الإطاحة بسليمان ديميريل ليعود إلى الحياة السياسية أوائل التسعينيات .. و منذ عام 2003 يتربّع حزب العدالة و التنمية
بقيادة رجب طيب أردوغان بفضل غالبية برلمانية مستقرة إلى حد بعيد ،هذا الحزب “الإسلامي”[بين ظفرين] أُسّس في رأينا لدوافع شخصية أكثر منها دينية فقادته و على رأسهم أردوغان و على إثر حل حزب “الفضيلة”[زعيمه أربكان]أسسوا حزبهم ليضمن لهم خوض حياة سياسية بلا متاعب مع الاحتفاظ ببقايا وازع ديني ،و الحقيقة هناك قرائن تؤكد هذه الرؤية فتأسيس حزب العدالة و التنمية تم عام 2001 بعد أحداث بارزة متسارعة، فمن تعرّض أردوغان للسجن و الحرمان من المشاركة السياسية إلى حظر حزبي الرفاه و الفضيلة لأربكان ،و كل ذلك تم في إطار حماية علمانية الدولة ،و لما كان ذلك كذلك فمن الطبيعي أن يسلك الحزب الحاكم في تركيا اليوم مسلكا “وسطا” يمارس وفقه الإسلام دون إزعاج العلمانية و بالتالي الجيش ،كما علينا ألا نغفل على أن العضوية في الاتحاد الأوروبي بما هي مطلب وطني وتقريبا محل إجماع بين مختلف دوائر الفعل في أنقرة و الالتفاف الشعبي حول حزب العدالة ذي المرجعية الإسلامية هما عاملان من شأنهما تخفيف القبضة العسكرية على الحياة السياسية التركية باعتبار تفاقم هاجس دمقرطة المؤسسات و صيانة مدنية الدولة قبل علمانيتها .. ولا يفوتنا أن نسجّل هنا نقطة مهمة تتعلق بالنموذجين الإيراني التركي ألا وهي نقطة “القومية”إذ علينا أن نتذكّر دائما أنّ هناك محركا قوميا في كلّ من تركيا وإيران وهو ما لا نجده في كياناتنا الإقليمية العربية وهذه نقطة تمايز مفصلية يجب أخذها بعين الاعتبار علاوة على ما تقدّم بسطه نرى ضرورة الإشارة إلى معضلة أخرى تواجه الإسلاميين وهي تعدّد المناطق الرمادية في الفكر السياسي الإسلامي نذكر من بينها :
- ضرورة الاتفاق الواسع حول الإطار النظري الذي يتنزّل تحته الشأن السياسي ..هل هو فرع من فروع الإيمان أم أصل من اصوله؟!!!. - ضرورة تحرير مفهوم الجهاد بالإحالة على واقع الممارسة[...]… _ العمل الحركيّ الإسلامي كما نراه:
-----------------------------------------
ليس هناك "تحريف أو متاجرة بشرف الحقيقة" في القول إنّ مسألة وصول حزب إسلامي "راديكالي"من طينة حزب التحرير إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع يبدو من اللامفكّر فيه سياسيا في ظلّ الظروف الإقليمية والدولية الحاليّة، لذلك أعتقد أنّ الطريق إلى الأسلمة هو "العلمنة"،أرجو ألا تفهموني خطأً ،أنا بطبيعة الحال لاعلماني بامتياز،لكني أردت ان أقول إنّه على الإسلاميين "المعتدلين"مرحليّا أن ينظروا إلى المشهد من فوق إلى حدّ مأسسة الديمقراطيّة وعدم الدخول في لعبة ادّعاء تمثيل "الإسلام السياسي"مع تقديم تنازلات تتحدّد نقيضا ومبادئ الدين، لأنّ في ذلك امتصاصا للوعي الشعبي الديني وهو الخطر الأكبر الذي يُهدّد حُلم إقامة الدولة الإسلامية،لأنّنا نراهن على اختيار الشعب المسلم تحكيم الشريعة في لحظة تاريخية ما ،لذلك من مصلحتنا عدم إيهام هذا الشعب بأنّ الإسلاميين يمكن أن يؤمنوا بالديمقراطية في شكلها الغربي ويمكن أن يتعايشوا مع علمانيين،ينبغي على التنظيمات الإسلاميّة إذا أرادت الانخراط في العمل السياسي أن تُصدع منذ البداية بثوابتها السياسيّة التي يجب أن تتقاطع وقطعياتِها الدينيّة .. هذا إذا فكّرنا من خلفيّة سلميّة تدرّجيّة طويلة النفس لكنْ إذا رُمنا تغييرا كوبرنيكيّا في فاصل زمني قصير فإنّ ذلك لن يجد طريقه إلى التطبيق إلا عبر "ثورة إسلاميّة"لكنّ المفارقة أنّ العمل الثوريّ نفسه يحتاج إلى عمل تدرّجي تراكميّ يُنضج الحالة الثوريّة ، وطبعا لا أمل في بلوغ الإسلاميين السلطة عبر انقلاب عسكري لأنّ بني علمان كما نعلم جميعا يسيطرون عل المؤسسة العسكرية من ألفها إلى يائها،لذلك ليس بيدنا سوى النأي بالنفس عن العملية السياسية برمّتها إذا كانت تقتضي منّا "تنازلات مبدئيّة"وهي الخطوة التي نراها نقطة البدء في بناء مزاج إسلامي عام .. ما نراه والله أعلم هو أنّ لنا في السنة النبويّة الشريفة وفي "مذهب الصحابيّ"وسيرة التابعين ما يبرّر القول بما يمكن أن نسميه"براغماتيّة اسلامية" تتحرّك في حدود المسموح به شرعا،ربّما ضاقت صدوركم بالمصطلح نظرا لأصوله الغربيّة وما يمكن أن تستثيره لديكم من معاني الانتهازيّة والكذب والنفاق ...،لكن حاولوا أن تتّصلوا ب"المفهوم" أيْ بما نريد قوله من "المصطلح"، فعندما قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أثناء عقد صُلح الحديْبيّة بكتابة:"باسمك اللهمّ بدلا من بسم الله الرحمان الرحيم ،كان في ذلك "براغماتيا" ،وعندما قال عليه الصلاة والسلام:"الحرب خدعة"[رواه البخاري ومسلم]كان "براغماتيا"؛والخليفة الراشد [الخامس] عمر بن عبد العزيز كان براغماتيا عندما قال -بعد أن سأله ابنه عن سبب عدم مسارعته إلى تطبيق الشريعة فور تولي السلطة- :" "لم آمَنْ أن يفتقوا علي فتقاً يكثر فيه الدماء"....،وهناك عدة قواعد فقهية تشي بضرورة التحلي بما نُسميه حديثا بالبراغماتيّة،على غرار"درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح" و"الضرورات تبيح المحظورات"،وأعتقد والله أعلم أنّ الله تعالى عندما يقول :"وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة"فإنّه جلّ جلاله يشير بشكل ما إلى إحدى أدوات هذه القوة وهي "البراغماتيّة"أيْ
التكيّف مع واقع ضاغط من أجل مصلحة راجحة.. صفوة القول..؛إنّنا نعتقد أن الثورات “العلمانيّة”مرحلة ضروريّة نحو الصحوة الإسلاميّة الشاملة ،ألم يكن الفتح الإسلامي يهدف أولا وقبل كلّ شيء إلى تخليص الشعوب من الطغاة حتى يكون بوسعها الاختيار الحر وبالتالي تيسير الدعوة إلى الإسلام؟؟؟..وبهذا المعنى على الإسلاميين تأييد أيّ حراك احتجاجي على الحكام الظالمين حتى لوْ كانت تنطلق من مرجعيات غير متعالية ،فالتغيير الحقيقي يجب أن ينبع من القاعدة ،لاشكّ أنّ غاية غايات التياراتالإسلاميّة هي “أسلمة الدولة”عبر تفكيكها
من أجل إعادة تشكيلها من جديد ،لكنّ ذلك يجب أن يكون مطلبا شعبيا لا فئويا من جماعات بعينها،ولن يكون ذلك دون رؤية وسطيّة تؤمن بالتدرّج في سلّم التغيير،رؤية نأمل أن تجتمع عليها القوى الإسلاميّة ليتحقّق الهدف المنشود ،وهذا فتحي يكن يشاطرني -أو أشاطره-الرأي إذ يقول في كتابه “أبجديات التصوّر الحركي للعمل الإسلامي”:”…التغيير الإسلامي المنشود يستلزم تضافر القوى الإسلاميّة جمعاء في مسيرة واحدة وضمن خطة واحدة..وتشرذم هذه القوى وعدم توحّدها من شأنه تعطيل هذه العمليّة ،وتأخير الانقلاب الإسلامي وبالتالي تمكين القوى الجاهليّة من الاستقرار والاسترسال في قيادة المسلمين بشرا واقطارا…”،ولمّا كان ذلك كذلك نرى ضرورة إحداث انعراجة فكريّة حقيقيّة في المنهج الإسلاموي لإكساء المشروع الإسلامي الواقعية والنجاعة المطلوبة،فنحن في عصر ما أسميه”التصنيم السياسي”حيث اكتسبت المفاهيم الليبراليّة قداسة المقدّس الذي تقدّم له “القابين السياسية والدينية”،ما يحمّلنا أولا وقبل كلّ شيء مسؤوليّة تحطيم تلك الأصنام من خلال خلق “مثقفين جماعيين”بمعنى غرامشي منقًّّى من شوائبه اليساريّة بطبيعة الحال حتى يمكننا صنع قيادة حكيمة “تنطلق من الجماهير لتعود إليها من جديد”أي مثقفين تكون لهم القدرة على صياغة فكرة ناظمة انطلاقا من الأفكار المبعثرة والمفككة التي يعتنقها العوامّ ومن ثمّ الرجوع إليهم لتفسيرها وتحشيد الجماهير حولها من اجل تفعيلها وتجسيدها في مرحلة لاحقة.ولا شكّ أنّ انتهاج هذا المنهج التدرّجي ضرورة متأكّدة لقطع الطريق على دعاة "إذارة التوحش"من "الدواعش"وغيرهم الذين يتبنّون فكرا استئصاليا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبني دولة إسلامية على منوال الخلافة الراشدة.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق