]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

تاريخٌ تكتبهُ الجغرافيا

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-03-25 ، الوقت: 21:42:05
  • تقييم المقالة:

تاريخٌ تكتبهُ الجغرافيا

 

محمد الحداد /العراق

بوصلةُ البلادِ كلها تبَعٌ لبوصلةِ مصر شئنا ذلك أم أبينا..هكذا لقنتنا دروسنا المصيرية الكبرى وهكذا عودتنا مصر أن نراها..هي عمقنا القومي الضارب بجذورهِ في صميم ضميرنا الواحد..هي بؤرةٌ مركزية لبلادنا العربية كلها وقِبلتنا المشتركة التي تهفو إليها القلوب وتطيرُ صوبَ فنائها لتطوفَ حولهاما شاءَ لنا حبها وشاءت..

هذهِ هي مصر دائماً وستبقى هكذا,عافيتنا من عافيتها وخرابنا من خرابها ولا شيء آخر يُصنعُ حيالَ تلك الحقيقة إلا التسليم بها..ومَن لا يرى مصر هكذا لم يعرفها كما ينبغي لها أن تُعرفَ وسيظلمها لا محالة..كأنهُ أمرٌ قدريٌّ أن تكونَ مصرُ قدرنا الذي يضعنا كلنا في المقدمةِ إذا تعافتْ وتصدرتْ صفوفنا ويهوي بنا أسفلَ وادٍ سحيق إذا ضعفتْ وأنهكتْ جسدها الجراح.

في السياسة..أنا لا أؤمنُ بالصُدفِ أبداً..لا أحبها أساساً لأنها ببساطةٍ لا يمكن أن يعوّلَ عليها أو الوثوقَ بها لمن يُخطط أن يلعبَ مع الكبار أو يرومَ الوصولَ لمصافهم..

الصُدفُ فقاعاتٌ مؤقتة لن تصمدَ طويلاً ولا يصحُّ لها مطلقاً أن تحلَّ بديلاً لخطط مدروسة وبرامج مُعدّة سلفاً لأنها لن تفضي لاحقاً إلى انجازاتٍ حقيقية تراها العين على أرض الواقع..ثم أنَّ الصُدفَ هذهِ لا تصنعُ دولاً متقدمة..هل سمعتم يوماً بصُدفةٍ تاريخية أقامتْ إمبراطورية أو أنشأتْ حضارةً أو صنعتْ مجداً؟ كلُّ الشعوبِ العظيمة لم تبنِ حضاراتها ولم تُسجلْ أسماؤها في سجلِ الإنجازات بمحضِ الصُدفة..

في مصر..ثمة خطواتٌ واثقة تُرسمُ اليومَ فوق ترابِ أرض الكنانة.. السيسي يريدُ أن يتركَ بصمتهُ الفارقة على كلِّ شبرٍ في مصرواضعاً

صوبَ عينيهِ طموحاً بحجم مصر..بثقلِ تاريخها الطويل ودورها الحيوي الذي يأبى إلا أن تظلَّ مصرُ منتصبة وسط خارطة العالم..التركة التي أورثها التغيير في مصر كانت ثقيلة جداً..أثقل مما يحتملهُ الظهرُ المصري المعروف بقوتهِ وشدةِ تحمله..فن الممكنِ لم يعدْ يجدي نفعاً..لذا يحاولُ السيسي أن يُجربَ ترويضَ المستحيل..كلُّ حركاتهِ وسكناتهِ تقولُ ذلك.. الحفرُ والنقشُ في صخورٍ صمّاءَ ليس جديداً على المصريين..من هنا يمكنُ أن نفهمَ إصرار السيسي على التحركِ ضمن محورين أحدهما أهمُّ من الآخر لكنهما يوصلان إلى غايةٍ واحدة هي " قوة مصر"..المحور الأول عسكري ويتصدرُ أهمّ بنودهِ ضربُ الإرهاب وإعادةُ تسليح الجيش المصري, والمحور الثاني اقتصادي ويكفينا للدلالةِ عليهِ أن نسلط الضوءَ على أهمِّ خطوتين انتهجتهما مصرُ مؤخراً من أجل إنعاش اقتصادها وهما مشروع حفر قناة السويس الجديدة والمؤتمر الاقتصادي العالمي.

في المحور العسكري..السيسي يُغري بوتين ويدخلهُ أرضَ الكنانة..ضربة واحدةٌ تُسجّلُ هدفاً غالياً يُحسَبُ للطرفين معاً في وقتٍ واحد..لمصر السيسي ولروسيا البوتينية..

آثارُ خطواتِ قدميّ بوتين على رمالِ مصر سجّلها التاريخُ بالتأكيد وسيحفظها للأجيالِ القادمة وهي بالمناسبة حركة مقصودةٌ جداً وملعوبة بذكاءٍ مصريّ فريد لكنهُ ليس غريباً أبداً على المصريين..هو دخول أول للتاريخ من بوابةِ الجغرافيا وأكررُ من جديد: لا صُدف في السياسة..

هو ذاتُ السببِ الذي دفعَ عبد الناصر الستينيات لمصافحةِ الدبّ الروسي لكن أين؟ هناك في موسكو بعد أن خذلتهُ وعودٌ أمريكية متكررة على حساب المُدللة الدائمة إسرائيل..والسيسي يفهمُ كلَّ ذلك ويدركُ ماذا يفعل..يقرأ التاريخَ ويحفظهُ جيداً ويعرف أنهُ بالإمكانِ جداً تطويعهُ اليوم كي يُعيدَ نفسهُ من جديد حتى لو تغيرتْ أهمُّ ثلاثة مجاهيل تُكتبُ بها دائماً مفرداتُ التاريخ : الأشخاصُ والأماكنُ والأزمان..

وهي التي لا تزالُ تعني في عالم السياسة الكثير..وما يعنيني هنا هو إعادة ربط تلك المجاهيل الثلاثة مع بعضها ولو بشكلٍّ مُغايرٍ من أجلِ إعادةِ تصوير نفس المشهد القديم في عام 1967 ولذاتِ السببِ المعروف بداهة ولم يتغير حتى اليوم ولكم أن تضعوا تحتهُ نفسَ العنوان القديم : خذلانٌ أمريكي بامتياز..

ويبدو أنَّ السيسي لا يُحبُّ الأبوابَ المغلقة دائماً ولا الأبوابَ المواربة دائماً وفوق ذلك هو يجيدُ اختيارَ أبوابهُ الخاصة بهِ والتي تصلهُ مباشرةً إلى ما يُريد لذا فقد قالها للأمريكيين مُبكراً وبصراحةِالعسكريّ الصارم الذي يعرفُ طريقهُ حتى وسط الظلام..قالها السيسي لهم في لقاءهِ بصحيفة واشنطن بوست في آب 2013: " أدرتم ظهركم للمصريين ولن ينسَوا لكم ذلك ".

من جانبها أيضاً تبرعُ روسيا "البوتينية" في استغلالِ التغيرات الجوهرية الحاصلة في الخريطةِ السياسية لعالم اليوم..والمصالحُ رأسُ مالِ السياسة وموقفُ روسيا في هذا الاتجاه مفهومٌ أيضاً لأنهُ واضحٌ وصريحٌ جداً..وهي اليوم (بمعيةِ إيران) أكثر مَن يستفيدُ من الضعفِ الأمريكي..روسيا تدركُ تماماً أنَّ الفرصَ الشحيحة التي تمنحها السياسة قد لا يتسنى الظفر بها في أيِّ وقتٍ كما تجودُ بها الآن لذا هي لا تريدُ أن تفوّتَ على نفسها استثمار تلك الفرص الثمينة التي يمنحهُ لها ضعفٌ غير مسبوقٍ يمرُّ بهِ غريمها التقليديوهيتبدو حريصة جداً في هذه الأوقاتِ بالذات أن يعكسَ جمالُ وسحرُ ثلوج قطبها البارد للعالمِ بأسرهِ قبحَ صورةِ القطبِ المنافس لها من جديد! الصورةُ ساحرةٌ بحق وتغري العالم أن يُملي عيونهُ من بهاءِ تلكَ الصورةِ ويصفقُ طويلاً..

ثم أنَّ روسيا لم تنسَ أبداً زهو طاووسها العسكري والسياسي القديم ولا تريدُ أن يغادرَ مخيالها هيبة تلك الأيام السالفة..أيامَ كان المجدُ العالمي يتبخترُ أمامَ العالمِ أجمع بمعطفِ فروٍّ سوفيتي الصنع .

أما في ما يخصُّ إعادة تسليح الجيش المصري فسياسة مصر إزاء هذا الملف هي نفسها لم تتغير منذ سنوات عبد الناصر فهي تؤمنُ بتعددِ مصادر تسليح جيشها..وصفقتا تسليحها الجديدة هما الأغلى في تاريخ مصر..مع روسيا ب .5)3) مليار دولار ومع فرنسا ب (5.7) مليار دولار والأخيرة لشراء 24 طائرة مقاتلة هي الأغلى في العالم ويبدو لي أنَّجزءً مهماً مما يدورُ في أذهانِ فرنسا "زيادة على أن تضيفَ لأسواقها زبوناً جديداً تُوردُ لهُ المزيد من سلاحها " هو أن تضمنَ لنفسها كذلك حليفاً يقاتلُ معها عدواً مشتركاً في جغرافيةٍ بعيدة ومتقدمة ولن تجدَ فرنسا أفضل من مصر للقيام بهذهِ المهمة فعليها تقعُ اليوم مهمة قتال أعداء أوربا بخطِ دفاعٍ أولي آمنٍ يبدأ أفريقياً من مصر تحديداً..ثم أنها تريدُ في الوقتِ ذاتهِ أن تُطمئنَ الفرنسيين ومن خلالهم الأوربيين بالتأكيد إلى أنها تضعُ سلاحها المتطور هذا بأيدٍ تثقُ بها جيداً ومن أجلِ مصلحةٍ كبرى مشتركة هي أمن أوربا كلها..واستكمالاً لوضوحِ تلك الصورة الجديدة وبغية تسويق هذهِ الفكرة للعالمِ كلهِ وإعطائها تبريراً مقنعاً أيضاً جاء تأكيد رئيس الوزراء الفرنسي بأنَّ داعش تقفُ اليوم على أعتابِ أوربا..وعلى وفقِ هذهِ الإيقاعات المتناغمة كان الردُّ المصري على حادثةِ ذبح المصريين في ليبيا على يد تنظيم داعش سريعاً جداً ربما أسرع حتى من الطائرات التي أغارتْ داخل العمقِ الليبي لتؤذنَ ببدايةِ فتح جبهةٍ جديدة على الإرهاب من مصر باتجاهِ ليبيا هذه المرة وهو بالضبط ما تنتظرهُ أوربا كلها من مصر.

أما في ما يخصُّ المحور الاقتصادي فقد تمكن السيسي في المؤتمر الاقتصادي الذي أختتم أعمالهُ في مصر مؤخراً بذكائهِ وحنكتهِ من تحويلِ هذا التجمع من مؤتمرٍ تقليديٍّ للمانحين إلى مؤتمرٍ عالميٍّ كبير لجلبِ الاستثمارات لمصر بوسائل استقطابٍ وجذبٍ لأكثر من مئةِ دولةٍ من جميع دولِ العالم المتقدم..ومن أهم ثمار هذا المؤتمر بناء مصر حديثة ومتطورة بوسائطفاعلة عمادها الأكبر جذب الشركات العالمية وأصحاب الأموال للاستثمار والبناء داخل مصر..وقبل هذا المؤتمر بدأتْ المباشرة بالمشروع الكبير لشق قناة السويس الجديدة والتي تمثلُ انجازاً بحجمِ معجزةٍ اقتصاديةٍ حقيقية ستتركُ بصمة جديدة أخرى على ترابِ الجغرافية بقيمةٍ تقديرية تبلغ ثمانية مليارات دولار تُجمعُ بطريقةِ التمويل الربحي لأسهم يشاركُ بها المصريون حصراً بطريقةِ فتحِ أبوابِ الاستكتاب المباشر وهو ما يفسرُ إصرارَ السيسي على أن يكونَ المشروعُ إنجازاً مصرياً خالصاً..واللافت أنَّ فكرة المشروع قديمة وليستْ وليدة اليوم إذ كانت مُعدة للانجاز منذ عهد حسني مبارك وفي عهد مرسي أيضاً لكنَّ المهم أنَّ بصمة هذا الإنجاز ستسجلُ للسيسي صائد الفرص وصائغها أيضاً..وفي اللحظةِ التي سيتمُّ فيها انجاز تلك القناة وتدخلُ فعلياً حيّزَ العمل سيدخلُ السيسي التاريخ أيضاً من نفسِ هذهِ القناة أي من بوابةِ الجغرافيا أيضاً..

يدٌ تستحقُ التقبيل فعلاً تلك التي تحترفُ قراءة الحدثِ بذكاءٍ قبلَ أن تبرعَ في صياغةِ حلولٍ واقعيةٍ ناجعة..ولعلَّ تلك الخطواتِ العمليةِ المدروسة بعنايةٍ وذكاءٍ يمكنُ لها أن تمحي الصورة النمطية المتوارثة عمّنلا يكلُّ ولا يملُّ أبداً من أن يصنعَ لهُ تاريخاً يعنيهِ هو وحدهُ من أجلِ أن يعيدَ من خلالهِ تجميلَ بشاعتهِ وترميمَ خرابهِ..على أملِ أن نألفَ بدلاً عنها صورة أخرى مُغايرة تماماً يبدو فيها مَن يطوّعُ أسمهُ ويسخّرهُ ليصنعَ منهُ أمة متقدمة يعتدُّ بقوتها..وهو بلا شك إنجازٌ لم نألفهُ في بلداننا من قبل يشبهُ نحتاً ماهراً في الصخر لكنهُ من نوعٍ جديد وحريٌّ بعملٍ مُتقنٍ كهذا أن يُخلدهُ التاريخُ ليبقى إلى الأبد. 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق