]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قطيع الحمير يسير وفق التخمين...!!!

بواسطة: wilden  |  بتاريخ: 2011-12-13 ، الوقت: 13:43:08
  • تقييم المقالة:


قطيع الحمير يسير وفق التخمين...!!!!

بقلم: ولدان

نصبت الخيام وقدم الواردون من كل حدب وصوب ترقبا لحضور (الزردة) المنتظرة منذ عام، بعدما تمكن القائمون على التحضير من التأكد أن كل شيءٍ يسير كما خطط له: فرقة البندير والدف ومجموعة من الشبان اليافعين المنتمينَ إلى زاوية من الزوايا المنتشرة في المدينة والتي يتتبع مريدوهاَ طريقة من الطرق الصوفية المتعددة، حيث تعلموا عن طريق الخبرة أو بسبب الفاقة كيف يبتلعون الزجاج ويغرزون السيوف في أجسادهم من دون أن يتأذوا وهم شبه غائبين عن الوعي تتراقص أجسادهم على وقعِ إيقاعِ البندير الذي يثير صوته في نفسك رهبة ورجفة تحس فيها أن ضرباته المتتالية والقوية باتت تسكن داخل أضلعك وتحاول مزاحمة  نبض قلبك....

  أعدت الموائد ووزعت مختلف الأطباق على الحاضرين وأكل الجميع من خير المتبرعين الغافلين الطامعين في إنجاح )الزردة(وما سيتأتى لهم من ورائها من أماني محققة أو شبه محققة، بعدما التمسوا لأنفسهم بركات من تولت هذه السنة مهمة تدبير تحضير ما اعتادوا عليه في بيتها الفسيح.......

 كانت < نوشة > كما يحب أن يسميها بعض المقربين لها، امرأة ذات شخصية قوية تستطيع التأثير في كل من يقابلها: رجلا كان أو امرأة، شيخا كان أو كهلا، شابا مثقفا كان أو متخلف، كانت تجيد جيدا لعب دورها كامرأة مباركة تستطيع بفعل ما تمتلكه من مواهب كشف المستور والتكهن بما سيجود بهِ المستقبل من أحداث سعيدة أو مؤلمة، كنت حينها لا أزال فتاة صغيرة لا تفهم في شؤون الكبار الشيء الكثير، لكنني وبما عرفته عن نفسي منذ الأزل، هو أنني لم أرتح قط لها ولا لزوجها ولا لأولادها، خاصة بعدما استطاعت التأثير في أمي وأقنعتها  بتركي لوحدي ببيتها، ومما زاد من حنقي وغضبي هو استسلامُ أمي التي خلفتني وراءها باكية من دون أدنى مناقشة، حبست دمعتي في حلقي وجررت أذيال خيبة أملي في العودة الى البيت وتعلمت أن أصبر لأول مرة، سكنت ببيتها وتعلمت الطبخ على موقدها وتقاسمت فراش النوم مع بناتها، ومن يومها وأنا أخوض مع الخائضين عند كل تدفقٍ لجموعِ الزائرينَ لها اِلتماسا للبركة والنصيحة وتعلمت منها بالرغم من حداثة سني، أن الإنسان يستطيع أن يبدأ التمثيل ويحترفه إلى درجة انه لن يستطيع بعد ذلك تبين حقيقة ذاته، وبالرغم من أن < نوشة > لم تكن تنتمي إلى النوع الكلاسيكي من المتبصرين الذين نعرفهم أو نسمع عنهم، إلا أنها وببساطة هيئتها وشدة انفتاحها على العالم وما تحوزه من معارف استطاعت أن تخدر الجميع بكلامها المعسول تارة وبخفة دمها المبالغ فيها تارة أخرى، مما كان يدفع بالمنصت إليها في ذلك الوقت بالإدلاء بكل ما في جعبته من كلام يخصه ويخص أقاربه وشلة معارفه، وتقوم هي بعد ذلك باستغلال ما سمعته منه بعدما تقوم بقولبته بما يتفق وحالة الشخص الموالي الذي سيقصدها، لتثبت له بالدلائل والبراهين أن حياته صفحة مفتوحة أمامها تستطيع الإطلاع عليها متى شاءت، لكنني إلى الان لا زلت لا افهم ما الشيء الذي كان يدفع بالناس وعلى اختلاف مستوياتهم وعلو مناصبهم وتفتح عقولهم من السماح لها بالتحكم في تفاصيل حياتهم والاستيلاء على ممتلكاتهم بكل بساطة وبدون مقاومة؟؟؟؟؟

ولفترة وجيزة استطاعت < نوشة> بالتعاون مع زوجها وأطفالها الذين علمتهم تقنيات وأساليب النهب الشرعي من جني ثروة لا بأس بها على عاتق المغفلين والحمير البشرية التي انساقت خلفها في قوافل جماعية بإرادة ذاتية بغية التطلع إلى ما يوجد في عالم الغيب، وكسب رهان التكهن والتخمين، إلا أنني لم أكن احزن كثيرا على حالة ضحاياها وما يصيبهم جراء خداعها، وكنت اعتبره قصاصا الاهيا لكل من تسول له نفسه بمحاولة التدخل في عالم الغيب الذي لا يعلم اسراره سوى الخالق، أما أنا وبعدما اكتفيت بما شاهدته وسمعته طيلة ثلاث سنوات قررت الابتعاد عن محيطها ومحاولة نسيان ما مررت به.

وبعد مرور عشر سنوات على آخر مرة سمعت فيها أخبار < نوشة > وما تفعله بسكان المدينة الضالين، وصلني أخيرا ما كنت أتمنى سماعه في سري، وهو أنها وبعد أن جمعت من المال ما رفعها وحقق لها ما تبتغيه من الدنيا أصيب ابنها الأوسط بالعمى وتزوجت بنتاها بعد فضائح لا ينبغي لها أن تسرد في هذا المقام ، كما أن زوجها الذي تواطأت معه لتنهب أموال الناس طلقها وتزوج غيرها بعد أن قام بطردها من البيت الكبير الذي شيدته، كما استولى على طاحونة القمح التي أسستها، وهاهي الان تجوب شوارع المدينة تبحث كل ليلة عن بيت يأويها فلا تجد ، لان الجميع الآن تخلى عنها بعد أن انكشفت هويتها واستفاق الجميع من حقنة التخدير التي كانت تجيد استعمالها.   

 

 

  • wilden | 2012-01-20

    فعلا ذلك مصير كل طلام للعبيد

     

     

     

  • wilden | 2012-01-20

    فعلا ذلك مصير كل طلام للعبيد

     

     

     

  • الملك الحزين | 2012-01-09
    فعلا، ذلك مصير كل ظلام للعبيد، متسترا بالخير، جبارا و عنيدا، مكارا و عتيدا. و كم عدد هذا النوع من البشر في تزايد مستمر. و ما مصيرهم إلا مماثلا ل "نوشة".
    • wilden | 2012-01-12

      بوركت  أخي على مرورك وبالفعل تلك هي نهاية كل ظالم.......ان الله  يمهل ولا يهمل....حتى ولو طال الامد، ونسي الظالم ما اقترفته يداه.......سيدور عليه الدور ويشرب من نفس الكأس......تحياتي  ولدان

        

  • نورالدين عفان | 2011-12-16
    الاخت الفاضلة ولدان .......أعتقد اني اكثر من فهم واحس بما كتبتي ربما لاني من الجزائر وأعرف البيئة التي تحدثتي عنها جيدا ....إنها بيئة ظاهرها صوفيا وباطنها عفنا مقيتا ......تكاد تكون هذه البيئة مأوى أو لنقل مقبرة لكل من فشل في الحياة ولم يحقق شيئا لا مع الله ولا مع دنياه فينساق وراء تلك الاباطيل والغيبيات ليدفن فيها فشله ويعطي لنفسه فسحة من الامل الخادع بأن ما حدث له من فشل ليس بسببه هو ولكن لاسباب غيبية مجهولة ......أما عن نوشة وأفعالها فلن أقول اكثر من دعي البئر بغطاه فهناك من الشرور والاثام التي يرتكبها هؤولاء من أصحاب الطرق والزوايا الحاليين والسابقين ما يجعلهم يدخلون في زمرة المغضوب عليهم والعياذ بالله .....الى الان لازالت الثقافة والحداثة والعلم والتنوير وحتى الدين الصحيح عاجزين عن اسقاط عرش القائمين على مملكة الزردة باسم الدين .....
    • wilden | 2011-12-16
      استاذ نور الدين......شكرا على تعليقك الذي تتقاسم به معي عبء فداحة ما يجري داخل مجتمعاتنا الاسلامية التي تدّعي التنوٌّر وهي لا تزال تزحف نحو ظلمات التخلف وتجر معها ما تبقى من بقايا اجيال لن تستطيع حتى مقاومة تيارات هجينة اخفت داخلها مزيجا غير متناسقا من التدين تارة  والدجل تارة اخرى.....  
  • روهيت | 2011-12-15
    اختي ولدان اختيار موفق لطرح مثل هذا النص الجميل..
    والذي يمتمد لمراحل لم نكن لنصلهآ بشتىء الوسائل..لكنكـ اختصرتي علينآ كل هذا..
    وهذا يدل على انكـ  كاتبة فريدة عن الاخرين لها نوع سحري جميل ..   لايكتب هذا النص إا كاتب كبير
    وكاتب يملكـ ثقافة وذاكرة عالية..وفكــر جديد..شكرآآ من الاعمآق...وكل ماقالته امي طيف اتفق معآهآ..
    لآنهآ تكتب بأسلوب واعي...وجميل...تحياتي..(ســجين الذكريـآت المُـره..)..
  • wilden | 2011-12-14
    تعلمنا ونحن نهرول في مسارات الحياة ان كل شيء يحصل فيها يحمل داخله قيمة يجب علينا الوقوف امامها و محاولة تحليلها او حتى اعادة سردها، لا لشيء سوى لان كل ما يمر في هذه الحياة يحكي عن تجارب متشابهة ومتشابكة، قد تختلف في التفاصيل ، لكن تتشابه في المغزى،......لك كل احترامي لمرورك وتتبعك الدائم ... 
  • سمير | 2011-12-14
    أضم  صوتي لصوت  طيف ، و أشكرك ولدان على هذا المقال الذي يأكد مرة أخرى مدى قدرتك على  تناول شتى المواضيع حتى العادية منها بطريقة مشوقة ,
    • wilden | 2011-12-16
      بساطة المواضيع الحياتية تشكل بالنسبة لنا نبعا لا ينضب من التجارب الحياتية المختلفة تستحق ان نتوقف عند كل واحدة منها لنصنع منها حكايا مشوقة تجعلنا نعيد عيش تلك اللحظات وكأنها الآن.... اقدر متابعتك كثيرا ويسعدني تذوقك الراقي

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق