]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الإسلاميون وإشكالية الدولة الحديثة!

بواسطة: صابر النفزاوي  |  بتاريخ: 2015-03-20 ، الوقت: 02:11:53
  • تقييم المقالة:

قبل كلّ شيء تجدر الإشارة إلى أنّ الفكر السياسي الإسلامي يقول بالأصل الديني للدولة ولا يعتدّ بالنظريات الغربية التي تتحدّث عن العقد الاجتماعي والتطور التاريخي ونظرية القوة والغلبة إلى آخره…،فالإسلاميون يربطون بين النبوّة في مرحلتها المدنيّة وبين مأسسة فكرة الدولة،غير أنّ “الدولة”هي مصطلح مستجدّ لم يستخدمه القرآن الكريم بصيغته الحالية ولم يستعمله الرسول صلى الله عليه وسلم كما لا نجد له أثرا بمعناه المعاصر في تراثنا الفقهي،حيث دأب الفقهاء على استخدام مصطلحيْن قرآنيين هما مصطلحيْ:”حكم”و”أمر”؛نقطة اخرى خليقة بالإشارة وهو أنّ ما يميّز الدولة من المنظور الإسلامي هو موازنتها بين الفردي والجماعي على عكس الطرحيْن الليبرالي والماركسي؛وإذا أردنا تعريف “الدولة” من المنظور السياسي الإسلامي ربّما صحّ لنا القول إنّها إقليم وشعب مع سلطة تمارس سيادتها عليهما عبر نظام سياسي وقانوني يحتكم إلى أحكام الشريعة الإسلامية .. ولئن كانت الدولة كما يراها الإسلاميون دينيّة التشريع فانّها في المقابل مدنيّة السلطة بمعنى أنّ الإمام يجب أن يكون من اختيار الأمّة ببيْعة بما هي عقد مرضاة واختيار لا يدخله إكراه ولا إجبار كما يقول “الماوردي”.. على كلّ حال موضوع “الدولة في الفكر الاسلامي “موضوع خلافي “مثير”وعلى قدْر كبير من التعقيد..ويحتاج إلى المزيد من التدقيق والتمحيص حيث لم يرتق الفكر السياسي الإسلامي المعاصر إلى صياغته في إطار فكرة ناظمة واضحة تستجيب لتعقيدات المناخ الدولي المعاصر دون مخالفة قطعيات الدين ومحكمات الشرع.. ومن أوْجه القصور في التفكير السياسي عند الإسلاميين تحريرهم وفهمهم “السطحي”لمفهوم”الدولة الحديثة”،فمعظم التيارات الإسلاميّة اعتقدت وتعتقد أنّ مجرد الوصول إلى السلطة فيها كفيل بأسلمتها وإخضاعها غير أنّ التجربة قد أثبتت زيف هذا الاعتقاد وأكّدت تعقّد هذا الكيان وصعوبة ترويضه،فالدولة ليست “الأمّة”كما نعرفها في الأدبيات الإسلامية،فالدولة في شكلها الحديث صنيعة غربية بامتياز توّجت سلسلة من التطورات التاريخية التي انتقلت بالبشرية من مفهوم الدولة-المعبد القائمة على الفلسفة الدينيّة مرورا بمفهوم الدولة-المدينة أو المدينة-الدولة وصولا إلى ما يسمى الدولة القومية التي تبلورت في القرن التاسع عشر ميلادي في أوروبا ليشهدها العالم الإسلامي في أغلب الأحيان بشكل ملفّق عبر الحملات الاستعمارية التي أنتجت حركات تحرر وطني إقليميّة،ومادام ذلك كذلك فمن الطبيعي تماما أن نلحظ ارتباكا في تعامل الإسلاميين مع هذا الكيان المستحدث الذي لا عهد لهم به من قبل ولا يوفّر تاريخهم وبالذات تاريخ السلف الصالح نموذجا يُقتدى به،فغياب المرجعية التراثية يجعل أمر فهم الدولة الحديثة بميكانيزماتها المعقّدة أمرا صعب المنال،فالسلطة السياسية لا تختزل الدولة والدولة ليست السلطة السياسية وحدها مثلما تختلف الدولة عن المجتمع وهي فروق معرفية يجب الوقوف عندها طويلا لنخلص إلى نتائج ضرورية من بينها أنّ الناس لم يعودوا على دين حكامهم مثلما كان عليه الأمر من قبل ،كما أنّ هيكلية الدولة الحديثة على قدر كبير من التعقيد والتركيب وفعل الأسلمة هو فعل “بسيط”يتوّج سيرورة متكاملة من التطورات والمخاضات العسيرة التي يجب أن تشمل الإدارة بتفرّعاتها الكبرى المدني منها والأمني والعسكري،علينا ببساطة أن نفهم ميكروفيزيائيّة الدولة حتى يمكننا تطويعها ومن ثمّ “أسلمتها”،ورغم التحفظات التي يمكن أن يثيرها البعض على فكرة “اسلمة الدولة”ذاتها بتعلة أنها كائن معنوي وأن الأفراد هم من تقع أسلمتهم فإنّنا نعتقد أنّ التجربة أقامت الدليل على أنّ وجود شعب مسلم لا يعني بالضرورة وجود مؤسسات دائمة تحكمها الشريعة الإسلامية لذلك نرى ضرورة التمييز بين أسلمة الدولة وأسلمة المجتمع ،ونسجّل هنا أنّنا لا نعني بأسلمة الدولة أكثر من أسلمة تشريعاتها. إذن واجه ويواجه الفكر السياسي الإسلامي معضلة استيعاب تعقيدات الدولة الحديثة إلى الحد الذي جعل حسن الترابي أحد أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة يقول :”دفعنا بأبنائنا لكي يأتوا بالدولة فإذا بالدولة تبتلعهم!”في تشخيص بليغ لما آل إليه حال معظم الإسلاميين الذين انخرطوا في دائرة مغلقة من المراجعات والنقد المستمر للمكتسبات مما جعلهم يتخلون من حيث لم يشعروا عن مشروعهم ليتكيّفوا مع آليات الدولة العلمانية ومقارباتها إلى حدّ الذوبان في تفاصيلها..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق