]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الآثار الاجتماعية والاقتصادية للعولمة.

بواسطة: الزبير بن عون  |  بتاريخ: 2015-03-15 ، الوقت: 20:28:32
  • تقييم المقالة:

 

الأثار الاجتماعية والاقتصادية للعولمة.

 

محاضرات مقدمة بغية الدعم البيداغوجي للطلبة

 

موجهة لطلبة السنة الثانية ماستر ديموغرافيا السكان والتنمية.

 

- اعداد : الزبير بن عون.

- أستاذ علم الاجتماع المساعد – جامعة الأغواط – الجزائر.

- zoubir.benaoun@gmail.com

-  نلف انتباه أعزائي الطلبة بأن الأفكار والآراء المطروحة في المحاضرات لا تمثل بأي حال من الأحوال رأي الأستاذ، لأنها أكثر موضوعية وحيادية، بعيداً عن تدخل النزعة الذاتية. 

- تمهيد:

   منذ نهاية القرن العشرين سيطرت الدول المتقدمة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بنظامها العالمي الجديد الذي سيطرت وهيمنت به على العالم بأسره، خاصة بعد تبنيه من قبل حلفاؤها وبالتالي أصبح نظاماً لا بد به سيما بعد سقوط النظام الاشتراكي. وبما أن الدول العربية والاسلامية جزء لا يتجزأ من العالم فهي تؤثر وتتأثر به في شتى مجالات الحياة، وبعد شيوع العولمة عن طريق وسائلها ومؤسساتها ومنظماتها أصبح العالم النامي والمتخلف تابع للدول المتقدمة وخاصة في المجال الاقتصادي والثقافي والسياسي، بحيث أن العولمة او الأمركة أثرت تأثيراً سواء ايجابيا أو سلبياً على الدول النامية والمتخلفة، ومن بين الآثار الأكثر تأثيراً نجد الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي سنفيض الحديث فيها بعد تفكيك المصطلحات في العناصر التالية.

أولاً:  الثورة الصناعية آثارها؛ التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية:

   امتدت الثورة الصناعية من الفترة ما بين 1750 الى 1850 حيث حدثت تغيرات في شتى مناحي الحياة حيث عملت على تفكيك اشكال النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي عاشت في ظلها البشرية من سنوات تاريخها السابق، بيد أنها اسهمت هذه الثورة في خلق العالم المعاصر. حدثت تغيرات في مجال الزراعة، التصنيع والتعدين، النقل، التكنولوجيا ...الخ. وكان لها تأثير عميق على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وحتى السياسية في بريطانيا، ثم انتشرت بعد ذلك إلى جميع أنحاء أوروبا الغربية، أمريكا الشمالية، اليابان، وأخيرا إلى بقية بلدان العالم.

01- الثورة الصناعية الأولى:

     بدأت الثورة الصناعية الأولى بـ بريطانيا في أواخر القرن الثامن العشر، مع دخول المكننة في صناعة النسيج، والتي ولد نتيجتها المصنع الأول في مغزلٍ للقطن، وما يميزها كذلك هو تحويل الاقتصاد الزراعي لاقتصاد صناعي. وبدأت السلع التقليدية التي كانت تنتج في البيوت والورش أخذت تنتج علي نطاق واسع في المصانع. ونمت الكفاءة الإنتاجية بشكل سريع من خلال التطبيق العلمي والمعرفي المنظم، وأدت الثورة الصناعية الى ظهور المدن الحضرية عندما هاجر القرويون ليعملوا في المصانع بحيث حدث هناك حراكاً اجتماعياً بفعل ما أدت به عملية التصنيع الى تشجيع نمو المدن على نحو لم يشهده التاريخ في الماضي على الاطلاق.وقد قدرت الدراسات أنه قبل القرن الـ 19 لم يكن يعيش في المدن حتى في أكثر المجتمعات تحضراً آنذاك أكثر من 10 بالمائة من السكان في المدن صغيرة أو كبيرة. فعلى سبيل المثال قدر عدد سكان لندن في القرن الـ  14 بحوالي 30 ألف نسمة، في حين قدر عدد سكانها في القرن الـ 20 بحوالي 900 ألف نسمة.

   الثورة الصناعية تمثل نقطة تحول رئيسة في التاريخ، وبلغ تأثيرها تقريبا كل جانب من جوانب الحياة اليومية قد أثرت بشكل ما، وأبرزها تأثيرها على متوسط ​​الدخل وعدد السكان بشكل دائم. كما ازداد متوسط دخل الفرد ​​في العالم أكثر من عشرة أضعاف، بينما ازداد عدد سكان العالم أكثر من ستة أضعاف. وبالإضافة الى هذا نورد مجموعة من الآثار والانعكاسات على حياة المجتمعات.

01-01- الآثار الاقتصادية:

    أدت الثورة الصناعية إلى قيام نظام اقتصادي رأسمالي يرتكز على حرية العمل والمبادلات. حيث برز دور المؤسسات الإنتاجية الكبرى في تنمية الاقتصاد وتحسنت الأوضاع المعيشية للسكان، وازدهرت حركة العمران، كما ازداد الإنتاج الصناعي بشكل كبير بفضل تطور المعدات والآلات واعتماد التقنيات الجديدة بفضل الاكتشافات والاختراعات التي اسفرتها الابحاث العلمية. فانخفضت كلفة الإنتاج وظهرت صناعات جديدة واتسع الاستثمار في الزراعة. فقد أدى الاستعمال المكثف للآلات والأسمدة إلى تحول الإنتاج الزراعي من إنتاج معيشي مخصص أساسا لاستهلاك المزارع وعائلته؛ إلى إنتاج تجاري موجه          إلى السوق. لذلك تحولت الزراعة إلى عنصر فعَّال في تطور القطاع الصناعي بعد أن وفرت له حاجاته من المواد الأولية، مما زاد من مستوى الإنتاج واستوجب تأمين أسواق خارجية لترويج فوائضه، والعكس صحيح حيث ساهمت الصناعة في صنع معدات الزراعة وتطورت هذه الاخيرة كذلك. وكنتيجة لوفرة الإنتاج وتنوعه نشطت التجارة العالمية فارتفعت قيمتها، وقد هيمنت عليـــها الدول الصناعية الكبرى كبريطانيا، فرنسا، ألمانيا، هولندا وبلجيكاكما تطلبت التجارية الدولية تطوير المعاملات المالية فأنشأت المصارف المتخصصة واعتمد الذهب كقاعدة في المعاملات.

01-02- الآثار الاجتماعية:

   أسهمت الثورة الصناعية في القضاء على المجتمع القديم (الاقطاعي) وأقامت مكانه مجتمعاً جديداً (الرأسمالي/البورجوازي) تميز ببروز طبقتين: طبقة أرباب العمل (البورجوازيا) والتي تكونت من أصحاب المؤسسات الصناعية والتجارية والمصرفية. وقد سيطرت هذه الطبقة على الحياة الاقتصادية بامتلاكها لوسائل الإنتاج. وطبقة العمال (البروليتاريا) التي تكونت من سكان المدن والنازحين من الأرياف بحثا عن فرص العمل التي وفرتها المصانع. فظهر التفاوت الاجتماعي الذي اقتضى تدخل الدول للحد من سلبياته. فقد صدرت تشريعات عمالية تتعلق بعمل النساء والأطفال وتحدد ساعات العمل والحد الأدنى للأجر وتتناول الشئون الصحية للعمل. وظهر في بعض الدول كألمانيا وبريطانيا ضمان المرض وضمان الحوادث والشيخوخة. كذلك قضت الثورة الصناعية على الروابط العائلية التي كانت مصدر تكافل اجتماعي واقتصادي. فمع هذه الثورة أنشأت المصانع في مناطق دون أخرى فاستقطبت إليها العمال. وكان الرجال أول من اختطفتهم الصناعة ثم بدأت المصانع بتشغيل النساء والأطفال فقضت بذلك على تلاحم الأسرة وتسبب في تفاقم ظاهرة النزوح من الأرياف سعيا وراء فرص العمل التي وفرتها الصناعات الجديدة. فتضخمت المدن بشكل هائل وتفوق الطلب على العرض فارتفعت الأسعار وكثر عدد العاطلين عن العمل وتزايدت حدة البؤس. كل هذا وغيره كثير من المظاهر والظواهر تولَّدت من بفعل انتعاش النشاط الاقتصادي من خلال حركة البنوك والوكالات التجارية ومراكز التوزيع والتسويق.

01-03- الآثار السياسية والثقافية:

    بالنسبة للمستوى السياسي فقد أدت الثورة الصناعية إلى تطبيق المبادئ الدستورية التي منحت للعمال والنساء حق الانتخاب. وبروز أحزاب سياسية تدافع عن مصالح العمال وتشارك في الحياة السياسية. واحتدام التنافس بين الدول الصناعية للسيطرة على مصادر المواد الخام والأسواق الخارجية مما أنتج تفاقم الاستعمار وانقسام العالم إلى جزأين جزء مهيمن تمثله البلدان الصناعية وجزء مستغل تمثله بلدان أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.هذا بالإضافة الى الاستعمار والاستغلال لثروات البلدان المتخلفة.

   أما بالنسبة إلى الجانب الثقافي فقد رافقت الثورة الصناعية انتعاشه ثقافية كبيرة كان من ثمارها الإيمان بقدرة العقل البشري وبأهمية العلم والتقدم. وقد نشطت الحياة الثقافية عبر مراكزها التي انتشرت في كل مكان من أوروبا. وأثرت المدينة على حياة الفرد الذي أخذ ينهل مما توفر له من أسباب التعلم والثقافة. فأسهم ذلك في رفع مستوى الوعي.

02- الثـورة الصناعية الثانية:

   أما الثورة الصناعية الثانية فبدأت في أوائل القرن العشرين، أدت الى ظهور بوادر للعولمة الاقتصـادية مع إبداعات "هنري فورد" في خط الإنتاج المتحرك والذي بشّر وقتها ببداية عصر الإنتاج الشامل ذي الكميات الضخمة (Mass Production). زادت هاتان الثورتان (الأولى والثانية) من الغنى والرفاهية الاجتماعية ومن اساليب الحياة المدينية الحضرية.

03- الثورة الصناعية الثالثة: مرحلة (العولمة الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية).

    تمثل الثورة الصناعية الثالثة الأساس المادي للنظام الاقتصادي العالمي الجديد، وتلعب دور كبير في تحريكه وتغييـره، حيث ترتب عن هذه الثورة والتي تمثل ثورة علمية في المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا العديد من النتائج لعل من أهمهـا:

- التحول من نمط الاقتصاد الموجه الى نمط الاقتصاد الحر.

- التحول من نمط التصنيع الآلي التقليدي الى نمط من التصنيع الرقمي. 

- ثورة في الإنتاج؛ تمثلت في احتلال المعرفة والمعلومات الأهمية النسبية الأولى في عملية الإنتاج، كما انعكست في ظهور أنماط جديدة لتقسيم العمل الدولي حيث ظهر تقسيم العمل داخل السلعة الواحدة.

- ثورة في التسويق بحيث أصبح الصراع على الأسواق العالمية أمراً حتمياً لضمان البقاء والاستمرارية، وقد ساهم هذا في ظهور التكتلات الاقتصادية والتحالفات الاستراتيجية بين الشركات العالمية العملاقة، خاصة بالنسبة للشركات المتعددة الجنسيات التي تؤثر بقوة على الاقتصاد العالمي.

- النمو الكبير والمتعاظم في التجارة الدولية والتدفقات المالية الناتجة عن الثورة التكنولوجية من ناحية وتحرير التجارة الدولية من ناحية أخرى.

- ظهور التكتلات الاقتصادية على الساحة الدولية، وتحاول دوّل كلّ تكتل أن تتعاون فيما بينها بحيث تصبح أقوى اقتصادياً في مواجهة التكتلات الأخرى.وهذا ما أدى إلى تزايد الاتجاه نحو المزيد من الاعتماد الاقتصادي المتبادل بمشاركة الثورة التكنولوجية والنمو المتزايد للتجارة الدولية وحركات رؤوس الأموال.

ثانياً : ايديولوجية النظام العالمي الجديد: (1)

    راينا فيما سبق بان المجتمع تحول من مجتمع اقطاعي الى مجتمع صناعي (رأسمالي) الى مجتمع تكنولوجي (رأسمالي) ثم الى مجتمع رقمي (رأسمالي)، وهذا التحول لم يأتي بمحض الصدفة، وانما أتى من خلال ثلاث قرون على التوالي بل وأكثر. حيث تغيرت فيه ايديولوجية المجتمع، ولعب الفلاسفة والعلماء دوراً هاماً في تغير المجتمعات الأوربية آنذاك من خلال تصويبهم للإيجاب ومحاولة حل مشكلاته وقضاياه المطروحة. كما حدثت زمنذاك حروب تمثلت في الحرب العالمية الاولى والثانية، وكذا الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي الذي يتبنى النظام الشيوعي الاشتراكي، والمعسكر الغربي الذي يتبنى النظام الليبرالي الرأسمالي. وبعد الصراع الذي جرى بين القوتين العالمين كانت الغلبة للنظام الرأسمالي الذي سيطر على العالم باسره نهاية ثمانينيات القرن العشرين.

   اذا كانت الاشتراكية بكل انواعها هي أحد روافد النزعة الجماعية؛ فان الرأسمالية هي احد روافد المذهب الفردي من منطلق ان الفردية هي الاساس الفلسفي لمفهوم الليبرالية بشقيها التقليدي (الديموقراطية واقتصاد السوق) وهي التي اخرجت هذه الايديولوجية الى حيز النور والوجود، الليبرالية هي ايديولوجية اهتمامها المركزي ينصب على حرية الفرد، وتعتبر الحرية (المبدأ والمنتهى)، الباعث والهدف، الاصل والنتيجة) في اصل الانسان، كما تؤمن الليبرالية بالإنسان العالمي، ويشددون أصحاب هذا المذهب على أن الأنسنة تتخطى كل الحواجز التي اوجدها الانسان منذ القدم، والتي وجدت لأسباب انانية ...الخ، ومن هنا تؤكد الليبرالية على مساعي الاعتماد المتبادل على الصعيد العالمي.

   انتشرت الايديولوجية الليبرالية الرأسمالية في كثير من الدول الاوربية، وكان القرن الـ تاسع عشر هو القرن الذي حققت فيه الرأسمالية اقصى انتصاراتها، فقدانتشرتفيكثيرمنالدولالأوربية، وإنكانمركزانطلاقهاإنجلترا فإنمجالهاالأكبركان في الولايات المتحدة الامريكية. امتدت الليبرالية الكلاسيكية القديمة منذ بزوغ الثورة الصناعية ومع تطورها افرزت احتكارات صناعية ضخمة بداية من القرن الـعشرون، تعرض خلالها النظام الرأسمالي الى العديد من الاضطرابات مثل ازمة الديون والتعويضات، وازمة الكساد بألمانيا سنة 1929، ثم ظهرت الليبرالية الموجهة (الرفاه الكينزية) منذ ازمة الكساد الى غاية 1980 عندما أظهر هذا التاريخ ما يطلق عليه اسم "الليبرالية الجديدة" أو ما يطلق عليها "الليبرالية المتوحشة". ففي هذه المرحلة شهدت العديد من الدول أزمات اقتصادية حادة تمثلت في الزيادة الواضحة في معدلات البطالة، والتضخم، وتدهور معدل النمو الاقتصادي، وتراجع معدلات الانتاج، وزيادة عجز الموازنة العامة، وارتفاع حجم الدين العام، وتزايد عجز موازين المدفوعات. وفي هذا نشأ صراع فكري بين المفكرين والعلماء فيما يخص اسباب الازمات فمنهم من رأى بأن ادارة هذه الازمات تتطلب تدخلاً قوياً من طرف الدولة، لموجهة المشكلات التي انجرت عن النظام الرأسمالي، ومنهم من رأى بأن تدخل الدولة هو سبب الكوارث التي حلت بالرأسمالية، فهي - اي الدول - التي اعطت آليات السوق، وحَدَّتْ من المبادرات الفردية، وأدت الى تضخم حجم الحكومة ومنافستها للقطاع الخاص ...الخ. وانه لمواجهة هذا الواقع يجب تحجيم دور الدولة وتدخلها في النشاط الاقتصادي.  

   ان هذه المنظومة الكونية بدأت تتخذ منحاً تطورياً عالمي الطابع، بحيث لم يكن ممكناً تحديد عوامل تطور اي مجتمع أو أمة، بمعزل عن عملية التطور السائدة عالمياً، فالعالِم بات عليه دراسة مشكلاته وحركة تطوره، بوصفه وحدة واحدة على الرغم من التناقضات التي تحكم علاقة عناصره وعلى الرغم من الهوّة الآخذة في الاتساع بين شماله وجنوبه. وما يعزز اهمية هذا المنهج أو النظام الشمولي في قراءة هذا التطور الهائل في الحضارة الكونية، هو تعميق ظاهرة العولمة التي تمهد لمرحلة تاريخية جديدة، فالعولمة باتت تتحكم بالعلاقات والانظمة الدولية على المستويات الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية الثقافية، الاعلامية والعلمية. تساهم العولمة في تحطيم الحدود نحو عالم واحد يسوده نظام اقتصادي واحد حدد ولا يزال يحدد مصير شعوب العالم وخاصة على الصعيد الاقتصادي، حيث لم تستطع الدول مهما علا شانها حماية مصالح مواطنيها الحيوية، كما ان دورة الانتاج أصبحت تتم على مستوى عالمي وليس على مستوى محلي، وكذا بات توزيع العمليات الانتاجية يتم جغرافياً على مستوى عالمي. فمع نهاية الثمانينيات من القرن العشرين سيطر النظام الليبرالي الرأسمالي على العالم واصبح العالم قرية واحد بفعل العولــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمة.

- العولمة Globalization :

   نلفت انتباهكم أعزائي الطلبة بأنه لا يوجد تعريف موحد وثابت لمصطلح العولمة، فكل تخصص علمي الا ونجده يعرفها على حسب توجهه الفكري والمعرفي، لذلك نحاول أن نقوم بتبني مجموعة من المفاهيم نراها يتناسب مع مضمون المادة. وهذا ما سنورده في الفقرات تالية الذكر:

- العولمة "لغة" هي اتجاه يذهب الى اكساب الشيء صفة العالمية، اي جعل نطاق الشيء عالمياً، متخطياً لحدود الجغرافيا القومية، متعديا لحدود المراقب الدولي الى آفاق اللامحدود الكوني. ونجد اختلافاً بين العولمة والعالمية، فهذه الاخيرة مفهوم يرتبط بالانتشار واتساع المجال بمعنى الانفتاح على العالم بثقافاته المختلفة، انفتاحاً تفاعلياً، مع الاحتفاظ بالاختلافات الايديولوجية والخصوصيات الثقافية، بينما يرتبط مفهوم العولمة بفكرة الهيمنة، بوصفها محاولة لإحلال الاحادية الايديولوجية محل التنوع الفكري، لأنها دعوة للانفتاح من طرف واحد (المركز الأقوى)، تفرض نفسها قسراً على (المركز الأضعف).

- أما المعنى الاصطلاحي للعولمة فيتراوح بين المحاولات الحيادية لتوصيفها وبين استخداماتها التبريرية ذات الطابع الايديولوجي وهو ما جعل المصطلح محمل بأكثر مما يطيق، وضاقت به امكانية الجمع بين الأمر ونقيضه، غير أن الأمر المؤكد هو أن العولمة اضحت تفرض نفسها اليوم على كل مفاصل الحياة الاجتماعية في غالبية دول العالم ... هي ظاهرة اقتصادية في المقام الأول تعكس شمولية الاقتصاد العالمي (الرأسمالي) في القرية الكونية، وترتبط صيرورتها الحتمية بالتطور التكنولوجي، في نوع من التحالف الثلاثي المقدّس: المال، التقنية، والارادة السياسية الناتجة عنهما. والموجهة في نفس الوقت لمسارهما ومجالهما الحيوي.

- ترسخ مفهوم العولمة حالياً ليعني تحرير التجارة، وتوحيداً لأسواق الدول بحيث يصبح العالم باسره سوقاً واحدة ضمن منظومة من الاتفاقيات الدولية التي تؤكد على الشفافية والمنافسة الحرة في اطار دولي، ومن اهم هذه الاتفاقيات على مستوى العالم "اتفاقيات الجات GATT" التي تعني "الاتفاق العام حول التجارة والتعرفة" وتمثل هذه الاتفاقية العمود الفقري للعولمة من جانبها الاقتصادي، والبداية الحقيقة لها.

- يعرف عالم الاجتماع انتوني جيدنز عام 1991 العولمة بانها:" مرحلة جديدة من مراحل بروز وتطور الحداثة، تتكثف فيها العلاقات الاجتماعية والاقتصادية على الصعيد العالمي حيث يحدث تلاحم غير قابل للفصل بين الداخل والخارج، ويتم فيها ربط المحلي بالعالمي بروابط اقتصادية وثقافية وسياسية وانسانية."

- أما مالكوم والتر عام 1995 فيعرفها بانها:" كل المستجدات والتطورات السريعة التي تسعى بقصد أو بدون قصد الى دمج سكان العالم في مجتمع عالمي واحد".

- ان ملامح العولمة قد تشكلت ابان الحرب الباردة بين المعسكر الغربي الرأسمالي وبين المعسكر الشرقي الاشتراكي حينما احتدم الصراع الايديولوجي بين القطبين، وادى انهيار الاتحاد السوفياتي وهزيمة النظام الاشتراكي الى شيوع فكرة العولمية أو الأمركة لتنفرد امريكا بكل موازين القوى، وتحاول بمفردها تدويل وتحويل نظامها السياسي والاقتصادي العولمي وبدأت منذ ذلك الحين كلمة النظام العالمي الجديد مختصرة في كلمة عولمة الذي ظهر لأول مرة في خطاب الرئيس الامريكي " "بوش الأب" في خطاب له عام 1996. وبذلك يرى الكثيرون بأن العولمة مفهوم اقتصادي قبل ان تكون مفهوم علمي أو سياسي أو اجتماعي أو ثقافي.

- اما العولمة السياسية فتتمثل في تراجع أهمية الدولة وبروز مراكز جديدة للقرار السياسي العالمي كـ "هيئة الامم المتحدة" "مجلس الأمن" في الوقت الذي تتجه فيه الدول الى التخلي الطوعي والاضطراري عن مظاهر السيادة التقليدية، فالدولة القومية ذات السيادة الوطنية التي تمارس صلاحيتها على ارضها دون تدخل اجنبي قد أصبحت اليوم نقيضاً للعولمة السياسية. حيث يتم الانتقال الحر للقرارات والسياسات والتشريعات عبر المجتمعات والقارات بأقل قدر من القيود والضوابط.

 - أما العولمة الثقافية فتشير الى بزوغ عالم بلا حدود ثقافية حيث تنتقل الأفكار والمعلومات والاخبار والاتجاهات القيمية والسلوكية بحرية كاملة على الصعيد العالمي، وبأقل قدر ممكن من التدخل من قبل الدولة، وذلك بسبب التقدم الهائل في وسائل نقل المعلومات والتكنولوجيا والاتصالات، مما ادى الى الانتشار السريع والفظيع لأنماط القيم الغربية في الفن واللباس والمأكل والتسلية التي تحمل رؤية محددة للعالم. (2)

ثالثاً : أنماط الاقتصاديات:

   01- الاقتصاد الحر:

   هو النظام الاقتصادي القائم على الحرية المطلقة، والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ومبدأ المنافسة والمبادرة الذاتية باعتبار أن أي سياسة اقتصادية موجهة ستقضي على ديناميكية الاقتصاد الرأسمالي القائم على نوع من التنظيم العفوي الخلاق. وقد ارتبط هذا النظام ارتباطًا وثيقًا بنشوء الرأسمالية.

   وبعبارة أخرى هو نظام اقتصادي لا يعرف تدخل الدولة في الاقتصاد‏،‏ حيث يمتلك الأفراد جميع الموارد‏،‏ ويقومون باتخاذ قرارات تخصيصها (من كلمة خوصصة)، ويتم إنتاج وتوزيع السلع والخدمات في سوق حرة توجهها أسعار حرة بقبول طوعي متبادل للبائعين والمشترين‏،‏ وتقرر مشروعات الأعمال وجماهير المستهلكين حول: من ينتج؟ وماذا ينتج؟ وماذا يشتري؟ وثمن ما ينتج؟ ومن يحصل على الناتج؟ وهذه القرارات‏،‏ وغيرها مما يتصل بالنشاطات والمعاملات الاقتصادية‏، تتأثر بضغوط المنافسة والعرض والطلب فقط‏. ويرتبط مفهوم الاقتصاد الحر بفلسفة‏ ‏"دعه يعمل‏، أتركه يمر"‏ التي تطالب‏ - في أفضل الأحوال‏-‏ بعدم تدخل الدولة في الاقتصاد،‏ بحيث لا يتعدى فرض الضرائب لتمويل ما يلزم لحماية حرية السوق. (3)ويتصف هذا النظام بالخصائص التالية:

- المنافسة الحرة.

- الملكية الخاصة للمشاريع ولوسائل الإنتاج وادارتها، وتأمين المصلحة الخاصة قبل المصلحة العامة.

-استثمار رأس المال لتحقيق الإنتاج.

- حرية الفرد في ممارسة ما يشاء من الأعمال الاقتصادية.

-  حرية إنتاج المواد والسلع بصرف النظر عمَّا إذا كنت هناك حاجة أم لا.

- حرية البيع والشراء.

   ومع تطور الاقتصاد الرأسمالي العالمي بدأت المجتمعات القائمة على الاقتصاد الحر تتحول إلى مجتمعات تتحكم فيها الاحتكارات الكبرى (الشركات متعددة الجنسية)، وأصبحت هذه الاحتكارات تتحكم في كل أنماط الاستهلاك، وتعمد إلى إيجاد سلع استهلاكية جديدة في سبيل تحقيق أكبر قدر من الربح.

   وفى ظل الاقتصاد (الرأسمالي) الحر كذلك أصبحت تشارك الحكومة في الكثير من الأنشطة الاقتصادية المهمة، وللحكومات الرأسمالية عادة تبعات تضطلع بها لتخفيف القيود الاحتكارية:

- حماية الاقتصاد من التدخل الخارجي.

- حماية الأفراد من الاستغلال من قبل أصحاب الاحتكارات.

- العمل على تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

- سن القوانين التي تؤثر في النشاط الاقتصادي وتشرف على تنفيذها.

- الاشراف على الصناعات والخدمات العامة.

-توفير السلع والخدمات للمستهلكين.

- تأمين بعض الخدمات العامة للمواطنين كالطرق والمستشفيات وغيرها.

   ونجد كذلك من أهم ميزة للاقتصاد الحر على الاطلاق انه يساعد على تحويل الكيان السياسي - الاجتماعي إلى وطن حقيقي لجميع ابنائه، وذلك بتحقيق الأمور التالية:

- السماح لكل مواطن بالقيام بالوظيفة التي تؤهله لها مواهبه وكفاءاته، ومكافأته على اتعابه وجهوده، وخصوصا على اعماله التي فيها مقدار من الخلق والابتكار والابداع.

- توزيع الثروة الوطنية بشكل عادل بين جميع ابناء الوطن، عن طريق نظام ضريبي يأخذ ممن يتمتع بخيرات الوطن ليجني الربح الوفير، للانفاق على المشاريع العامة التي تحقق الرفاهية للجميع، وعلى نظام تأمينات اجتماعية يكفل لغير القادرين على الانتاج، لسبب أو لآخر، الحد الأدنى المقبول من الحياة الكريمة، لأنهم  بكل بساطة قسم من البنية الوطنية الكاملة وخلايا من خلاياها.

- العناية بالاقتصاد الوطني باعتباره عاملاً اساسياً، في تقدم الوطن وازدهاره إلى جانب عوامل أخرى علمية وادبية وفنية.

    تؤدي هذه العناصر مجتمعة إلى جعل معظم المواطنين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، اي ما يعرف بصمام الأمان الحقيقي لكل مجتمع، دون ان تحد من طموح الراغبين في توسيع أعمالهم ونشاطاتهم (الطبقة الغنية)، ودون ان تحرم العاجزين من الحد الأدنى من ضروريات العيش الكريم.

   ووجود الطبقة المتوسطة، وشمولها معظم ابناء المجتمع يؤدي تلقائيا إلى تنمية الشعور الوطني لديهم، ويدفعهم إلى المزيد من العمل والتضحية في سبيل الوطن، باعتبار انهم يشاركون في الثروة الوطنية، كل بحسب مواهبه وكفاءاته واتعابه مع وجود "شبكة أمان اجتماعي" تمنع اي مواطن من السقوط إلى ما دون خط الفقر.

  وفي هذا نجد أن الدولة الجزائرية لا تطبق النظام الرأسمالي و(الاقتصاد الحر) بحذافيره، ولكنها تطبق النظامين أي (الحر والموجه) معاً خدمة لمصالحها واسترتيجياتها التنمية في كل مجالات الحياة.

   ان كارل ماركس (رائد النظام الاشتراكي) نفسه كان يعتقد ان نظام الاقتصاد الحر هو أفضل الأنظمة الاقتصادية على الاطلاق. الا انه بسبب طبيعة هذا النظام والطبيعة البشرية نفسها لا بد ان يؤدي عاجلا أو آجلا إلى تجمع الثروات في أيدي عدد قليل من الأفراد، وبالتالي إلى تعميم الفقر بدل الغنى، وما يرافق ذلك من أمراض وآفات، بل كوارث اجتماعية.ولذلك كان يدعو دائماً للاقتصاد الموجه.

02- الاقتصاد الموجه:

   يقصد به ذلك النظام الاقتصادي الذي تكون فيه الموارد تحت إشراف الدولة ورعايتها، وتكون جميع الأنشطة الاقتصادية تحت رعاية الدولة وإشرافها، كالاستثمار، وتوزيع المواد الأولية المهمة، وتوجيه أسعار المواد الاستهلاكية.

   ويقصد به الاقتصاد الذي تسيطر عليه الدولة بصورة كلية وتوجهه، وذلك عن طريق الملكية العامة لوسائل الإنتاج كما كان سائدا في البلدان الاشتراكية سابقاً.الذي سقط سقوطاً ذريعاً وانهيار سريعاً وفشل الاقتصاد الموجه، ولهذا نجد أن الإسلام يحمي الملكية الخاصة، ويهيئ المجال للمبادرات الخاصة، بشرط الالتزام بالأحكام الشرعية في كسب المال، وإنفاقه. (4)

رابعاً : العولمة والتكتلات الاقتصادية:

   لاتعدالتكتلاتالاقتصاديةظاهرةحديثة،بلترجععلىالاقلالىبدايةالقرنالعشرين،وبالتحديدبعدالحربالعالميةالثانية،الاانالجديدفيالموضوعهوتناميوسرعةالتوجهالى انشاءهذهالتكتلاتأوالدخولفيها،خصوصاًمنقبلالدولالمتقدمة.حيثيمكنالقولأنتناميهذهالظاهرةفيالعقدالاخيرمنالقرنالعشرينجعلمنهاسمةاساسيةمنسماتالنظامالاقتصاديالعالميالجديد،ويعتقدالبعضأنجذورالظاهرةترجعالىالتغيراتالتيطرأتعلىالوضعالاقتصاديالعالميفيسبعينياتالقرنالماضي،والتيتمثلتفيانهيار نظام"بريتونوودو"  لأسعارالصرفالثابتةللعملات،والتحولالىنظاماسعارالصرفالعائمة.وماصاحبذلكمنارتفاعاسعارالطاقةوتقلباتحادةفياسعارالعملاتالرئيسية،وبلوغازمةالمديونيةالخارجيةذروتها في بدايةالثمانينات،الأمرالذيادىالىظهورموجةجديدةمنالسياساتالحمائيةفيالدولالصناعية،مماأثرسلباًفيحريةالتجارةوالتدفقاتالسلعيةخاصةبالنسبةلصادراتالدولالناميةالىالاسواقالعالمية.

     علاوةعنانهيارالاشتراكيةوتزايدالدولالمطبقةلنظامالاقتصادالحر، ممادفعالىالتفكيرفيتكوينتكتلاتاقتصاديةوبشكلاكبروعلىنطاقواسع،فظهرتفيامريكا اللاتينية وفي آسيا وافريقيا وأوربا، علماًبأنبعضهذهالتكتلاتانشأتفيوقتسابقعلىانهيار الاتحادالسوفياتي. (5)

    منذ أواخر الخمسينيات بدأت بوادر التكتل الإقليمي بظهور السوق الأوروبية المشتركة في عام 1959، ثم تكتل شرق آسيا"ASEAN" في عام 1967، ثم منتدى التعاون الآسيوي الباكستاني "APEC" في عام 1989، فالسوق الأمريكية الشاملة"NAFTA" في عام 1994، ثم سوق "ميركوسور" الأمريكية الجنوبية في عام 1995، وأخذت هذه التكتلات الدولية شكل أسواق مشتركة تنزع بينها جميع قيود التجارة، وتسود الحرية في انتقال السلع ورؤوس الأموال العالمية.وقد أرتبط  التنامي     في ظاهرة التكتلات الإقتصادية بتسارع خطى العولمة، وما رافقها من عمليات اندماج تزامنت مع عمليات تحرير التجارة الدولية، وتحرير حركة رؤوس الأموال عالمياً، سواء عبر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر أو عبر تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل، حتى اصبحت هذه الظاهرة سمة أساسية من سمات النظام الاقتصادي المعولم.

   تقومالتكتلات التي تقوم بها الدول المتقدمة بفرضسياساتاقتصاديةرأسماليةعلىالدولالناميةتصبفيمصلحتها،وتؤديإلىعولمةاقتصاداتالدولالنامية،ومنأمثلةهذهالتكتلاتالاتحادالأوروبي،ومنظمةالتجارةالحرةلدولأمريكاالشمالية(النافتا)التيتضمالولاياتالمتحدةالأمريكيةوكنداوالمكسيكومنظمةأسيان.إنّهذهالتكتلاتتعكسدرجةعاليةمنكثافةالاعتمادالمتبادلوتقسيمالعملالإقليميفيمجالاتالاستثماروالتجارةوأنواعالتبادلالأخرى،وينظرالبعضإلىهذهالتكتلاتعلىأنهاعولمةجزئيةتقومفيإطارالعولمةالشاملة،وفينفسالوقتجدارلمواجهةنمطالعولمةالسائد،أوكوسيلةتتبعهاالدولالمختلفةبهدفالمواءمةمعمشكلاتالتكاملالكونيالتيتدفعإليهالعولمة.   

    وفي هذا الإطار يمكن تعريفالتكتل الاقتصادي بأنه تجمع عديد من الدول التي تجمعها روابط خاصة بالجوار الجغرافيأو التماثل الكبير في الظروف الاقتصادية أو الانتماء الحضاري المشترك. هذا التجمعيكون في إطار معين قد يكون اتحاداً جمركياً أو منطقة تجارة حرة. فالتكتل الإقليميكمفهوم يعكس الجانب التطبيقي لعملية التكامل الاقتصادي، فهو يعبر عن درجة من درجاتالتكامل الاقتصادي فيما بين الدول الأعضاء. من هنا يمكن القول بأن التكتلاتالاقتصادية هي وسيلة تلجأ إليها دول معينة ضمن منطقة معينة لتحقيق أهداف معينةومتعددة، ولكن ترتكز جميعهاً حول دفع عجلة النشاط الاقتصادي في الاتجاه الصحيحوبالسرعة الضرورية، لتحقيق معدلات نمو طموحة يمكن أن تؤدي إلى تضيق الفجوة الواسعةبين مستويات المعيشة في الدول الغنية وفي غيرها من الدول النامية، ومعنى ذلك أنالتكتلات الاقتصادية سواء كانت تكتلات شرقية أو غربية هدفها هو التكامل الاقتصاديللإمكانات الموزعة في أنحاء وحدات التكتل، ويتطلب هذا التكامل الاقتصادي تحليلالوضع الاقتصادي لكل عضو من أعضاء التكتل لمعرفة مناطق القوة والضعف بالنسبة لهذاالتكتل. معأنالتكتلاتالاقتصاديةالإقليميةمفيدةلأعضائهالأنهاتوجدفيمابينهاسوقًاكبيرةللتجارةالبينيةالحرةتقريبًامنجميعالقيود (تتجاوزمحدوديةالسوقالمحلية)،وكذلكالإستثماروفوائدأخرى،إلاأنهذهالتكتلاتقدتمثلللدولغيرالأعضاءفيهاتحديًاكبيرًاومنافسةقوية،وخصوصًاإذالمتكنفيتكتلآخر.وهناك،كماهومعروفدرجاتمنالإندماجأوالتكتلالاقتصادي،حيثيتطورمستواهمنالدرجةالأقلإلىالدرجةالأعلىمنالإندماجالتجاري،والإقتصادي، ويبدأ التدرجمن"الاندماجالتجاري"وهوتحريرالعوائقالتجارية -الجمركيةوغيرالجمركية-أمامالسلعالوطنيةللدولالأعضاء،أومايعرف  "بمنطقةالتجارةالحرة". ثمتأتيمرحلةالاتحادالجمركيأوتوحيدالتعريفاتالجمركيةعلىوارداتالدولالأعضاءفيتعرفةخارجيةواحدة،بالإضافة إلىوجود  "منطقةتجارةحرة"، والمرحلةالأعلىمنذلكهي "الإندماج"وهيمرحلة تحريرتدفقرؤوسالأموالواليدالعاملةفيمابينالدولالأعضاء فيإطار"الإتحادالجمركي"،أومايطلقعليه بـ "السوقالمشتركة". ثمتأتيمرحلة "إندماجالسياساتالتجاريةوالاقتصادية" بينالدولالأعضاءأومرحلة "الاتحادالاقتصادي".وأخيرًاتأتيمرحلةتوحيدكامللهذهالسياساتبمافيذلكتوحيدالعملة،أومرحلةتشكيلإقتصادموحدأو  "الإندماجالكامل" وكلمرحلةأعلىمنالإندماجتتطلبتخطيالمرحلةالتيقبلها.وخير مثال على الذي تقدم هو "الاتحاد الأوربي" وبالإضافةإلىهذا،هناكتكتلاتإقتصاديةكبيرةأخرىمنأهمها(النافتا)بينالولاياتالمتحدةالأمريكيةوكنداوالمكسيك، والتييتجاوزإطاره منطقةالتجارةالحرة.واتحاد (المركسور) بينالبرازيلوالأرجنتينوالأورجواي. وتكتلاتأخرىفيجميعالقارات،بمافيهامجلسالتعاونالخليجيومنطقةالتجارةالحرةالعربيةالكبرى(الآفتا).

   ولقدأصبحتمعظمالدولالمتطورةوالنامية،وفيجميعالقارات،أعضاءفيإتفاقياتتجاريةإقليميةكـ منطقةتجارةحرة،  إتحادجمركي،سوقمشتركة،أواتحادإقتصادي،وترتيباتتجاريةتفضيليةأخرى.

01- تأثير التكتلات الاقتصادية على التجارة الدولية :

    تؤثر التكتلات الاقتصادية على التجارة الدولية بأكثر من طريقة فهي:

- تؤدي الى اتساع نطاق السوق؛ وبالتالي تحقق مرونة في انتقال البضائع بين الدول الأعضاء نتيجة إلغاء الحواجز التجارية وإمكانية تحقيق توفير الحجم في الإنتاج والتسويق. فمثلاً أدى تكوين السوق الأوربية المشتركة الى إمكانية تحقيق التكامل بين عمليات شركة فورد الأمريكية في كل من بريطانيا وألمانيا.

- يؤدي تكوين التكتلات الاقتصادية الى تغيير طبيعة المنافسة داخل السوق، فعلى سبيل المثال قبل تكوين السوق الأوربية المشتركة واجهت الشركات الأمريكية صعوبات ومنافسة من قبل الشركات الأوربية، ولكن بعد التكتل بدأت بعض الشركات الأوربية في الاندماج لمواجهة الشركات الأمريكية وخاصة في مجال صناعة الكومبيوتر.

- يؤدي الاندماج بين الشركات من الأعضاء في التكتل إلى إمكانية المنافسة خارج السوق أيضا، فمثلا يسمح الاندماج بين شركة فرنسية وألمانية بمواجهة المنافسة اليابانية والأمريكية في الأسواق العالمية.

 - يسمح التكتل الاقتصادي للدول الأعضاء لاتخاذ قرارات في صالح شركات الدول الأعضاء؛ لم يكن من الممكن اتخاذها في حال عدم وجود التكتل، وبالتالي يؤثر بشدة على الشركات من خارج السوق.

02- أسباب فشل أو نجاح التكتلات الاقتصادية في دول العالم الثالث: (6)

- تبعية وعمق ارتباط اقتصاد معظم الدول النامية مع الدول المتقدمة.

- طبيعةالصادرات والواردات من وإلى دول العالم الثالث لا يوفر صبغة تعاون بينها، حيث أنهاتحتاج إلى الآلات وقطع الغيار وكافة الصناعات المتقدمة، وهي غير متوفرة في أسواق دولالعالم الثالث، كما أن صادراتها تمثل في معظم الأحيان منتج واحد (النفط، الفوسفات،القطن، البن.. الخ) وهذه تصدر لدول متقدمة وليس لها سوق كبيرة في دول العالم الثالث.

- البلدان النامية ليست متجانسة، فبعضها يطبق مبادئ اقتصادية على الطريقةالغربية الرأسمالية، والبعض الآخر يطبق مبادئ اشتراكية، أو المزيج بينها، وهذا التمايز بين أنظمتهاالسياسية والاقتصادية أدى إلى إخفاق التكتل بينها.

-  تناقض المصالح بين دولالعالم الثالث وهشاشة العلاقة بينها لدرجة قيام اشتباك مسلح بين دولتين في أمريكااللاتينية هما السلفادور والهندوراس بعد مباراة لكرة القدم مما أدى إلى تهديد عملالسوق المشتركة لأمريكا الوسطى وأدى إلى انهياره. وكذلك العلاقات المتوترة بين الجزائر والمغرب بشبب قضايا سياسية (هي الصحراء الغربية) التي حالت دونما تشكيل اتحاداً مغاربياً.

- استئثار البلدان الأكبر حجماًوالأكثر تقدماً اقتصادياً في التكتل بالجزء الأكبر من المكاسب، مما يقوي نزعة هذاالبلد لفرض هيمنته على باقي التكتل، وعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية في تكتل (النافتا).

-الفساد الإداري والمالي في الكثير من دولالعالم الثالث.

-مشكلة التخلف ومشاكل التنمية التي تعاني منها معظم بلدانالعالم الثالث.

- هشاشة الأنظمة الحاكمة وتغيرها بسبب كثرة الثورات والانقلابات العسكريةوخصوصاً في أفريقيا.

خامساً: العولمة والتبعية الاقتصادية:

      تفسر نظرية التبعية التخلف وعدم النمو في البلدان النامية من خلال مفهوم التبعية لبلدان الغرب الراسمالي، عدة تفسيرات حيث ترى بأن التخلف يعود الى الشروط اللامتكافئة للعلاقة بين هذه البلدان وبين الغرب الرأسمالي، وهي شروط تعمل على استمرار استنزاف الفائض من البلدان النامية وعدم السماح بتراكمه في هذه البلدان، ويبدو ذلك بشكل خاص من خلال فهم "دوس سانتوس" للتبعية فهي: «تكشف حالة اقتصاد بعض الدول يرتبط بنمو اقتصاد دولة أو دول أخرى وتوسعها، إذ تأخذ علاقة التشابك بين اقتصاد دولتين أو أكثر، وبينهما وبين التجارة الدولية صفة التبعية عندما تستطيع بعض الدول المهيمنة أو المسيطرة أن تتسع وتنمو ذاتياً، في حين أن الدول الأخرى التابعة لا تستطيع أن تفعل ذلك الا كانعكاس لتوسع ونمو الاقتصاد المهيمن».

   وقد طرح مفكرو نظرية التبعية مجموعة من الطروحات والمقولات التي طالما دافعوا عنها، وهي عبارة عن قراءة علمية للواقع الاقتصادي بين الدول المسيطرة والمسيطر عليها، ومن بين هذه المقولات نذكر:

- الأقاليم شديدة التخلف اليوم هي تلك التي كانت على علاقة وثيقة مع مراكز النظام العالمي ابان تشكل هذا النظام في بداية القرن السابع عشر.

- يؤدي تركيز الدول الصناعية في الحصول على المواد الخام بأسعار رخيصة من الدول النامية الى نشوء ما يعرف بـ "الاقتصاد الثنائي" فيها، أي وجود شريحة اقتصادية محدودة تتميز بالكفاية التكنولوجية، بينما تبقى البنية الاقتصادية الكلية في الدول النامية على درجة كبيرة من التقليدية في أساليب العمل وأدواته، وفي حين توجه الشريحة الحديثة قدراتها المتميزة للأسواق الخارجية وتزدهر باستمرار. ونتيجة لذلك تبقى أجزاء البنية الاقتصادية عاجزة عن سد الحاجات المحلية المتزايدة.

- يتواطأ رأسماليو الدول النامية مع رأسماليي المراكز العالمية الغربية (الولايات المتحدة الأمريكية/الاتحاد الأوربي/ دول آسيا) لتحقيق مصالحهم المشتركة على حساب تطور الدول النامية وتقدمها، فهم يعملون على ربط السوق المحلي بالسوق العالمي باستمرار، ويعملون على عقلنة واقع التبعية لضمان الحصول على الدعم والتأييد الشعبي والسياسي لهذا الواقع.

- لا يؤدي وجود الشركات متعددة الجنسيات في البلدان النامية الى نمو هذه البلدان، وهذا لأن هذه الشركات العملاقة تقوم بتحويل اغلب ارباحها الى مراكزها الرئيسة في البلدان المتقدمة، وهي لا تستثمر في البلدان النامية الا نسبة ضئيلة من الأرباح التي تحصل عليها من هذه البلدان النامية.

- هناك سقف للتنمية في البلدان النامية لا يمكن تجاوزه، وبالتالي فإن هذه البلدان حتى وان استطاعت تحقيق درجة من النمو الاقتصادي والاجتماعي؛ لا يمكن أن تصل الى مستوى البلدان الصناعية التي تعمل باستمرار على ابقاء البلدان النامية في وضع التابع، حتى وان تطلب الأمر استعمال المقاطعة الاقتصادية أو القوة العسكرية.

   كما أن الفكرة التي يحملها العالَم الغربي عن العولمة والتي يحاول ترويجها، فتتمثل في كونها تحمل أفاقاً واسعة وآمالاً للدول النامية في حياة كريمة لكل المواطنين، وان انخراط الدول النامية في هذا النظام الاقتصادي سيغير من خطط التنمية في بلدانها. لكن هذه الشعارات لقيت انتقادات شديدة من طرف مفكرين غربيين، ومفكرين آخرين ينتمون إلى دول العالم الثالث قاسمهم المشترك هو الوقوف على أوجه الخلل التي خلفها النظام الاقتصادي العالمي الجديد. ومن ابرز النظريات التي ناقشت العولمة كواقع وكفكر، هي تلك التي تزعمها أصحاب المدرسة النقدية الألمانية. حيث نجد المفكر "هربرت ماركيوز" يرسم صورة واضحة عن رأسمالية الستينات والسبعينات من القرن العشرين بقوله:« إن الرأسمالية الجديدة تفرض على الإنسان أن يشبع حاجيات هو في غنى عنها، وتجعله يدخل في دوامة الاستهلاك الغير المقنن أي إشباع حاجيات زائفة، وبالتالي أصبح الإنسان لا يميز بين حاجيته الأساسية وحاجيته الغير الأساسية».

   ونجد كذلك "فرناندو كاردوسو" كأحد ﺃبرز علماء الاجتماع البرازيليين، الذين أثاروا الانتباه إلى حالة التبعية التي أصبحت تعيشها بلدان عالم الثالث من جراء سياسة اﻹستثمار والتفقير الذي نهجتها بلدان الشمال بإثقال الديون، وفرض توصيات على البلدان النامية بترك المجالات الاجتماعية إلى القطاع الخاص، الأمر الذي كان له انعكاس على المجتمع في أمريكا اللاتينية التي أصبحت فيها الفوارق الاجتماعية صارخة بين فئة البرجوازية القليلة العدد تحتكر اغلب خيرات البلد، وفئات فقيرة تعيش على هامش المجتمع وذلك في المدن الكبيرة، وصرح بذلك حيث قال:« إن النمط الرأسمالي المتبع في الدول التابعة صناعيا  يدفع باتجاه التفتيت وعدم المساواة داخليا».

   وفي دراسة (7) قام بها علماء الاجتماع عن أهم التحولات التي جاءت بها العولمة الاقتصادية، وهي التقسيم العالمي للعمل حيث شرحوا الكيفية التي تعمل بها الشركات العالمية الكبيرة وهي نقل مصانعها الى أماكن أخرى من العالم الثالث تتواجد بها مواد معدنية وعمالة رخيصة، وهو ما أصبح يطلق عليه في أوساط الباحثين بعبارة إعادة الانتشار الجديد للرأسمال العالمي. ويعطي ﺃحد الباحثين أمثلة عن القطاعات التي تعرف انتقالاً من البلدان الصناعية إلى البلدان النامية بقوله:« إن صناعة النسيج والملابس في ألمانيا تقدم أكثر النماذج المعروفة لمثل هذا اﻹنتقال، إذ لم تعد السراويل مثلا تنتج داخل ألمانيا ولكنها أصبحت تنتج في الشركات التونسية التابعة للشركات الألمانية نفسها. وﺃن مضخات الحقن التي كانت تصنعها في البداية السوق الألمانية تصنعها الآن جزئيا للغرض ذاته الشركة نفسها في موقع من الهند ... اذن لقد استبدل العمال في ألمانيا بعمال في البلاد النامية وتحول العمال الألمان إلى عاطلين عن العمل». وخير دليل على هذا الشركات العالمية الكبيرة التي تعمل وتستثمر في السوق الجزائرية وخاصة في مجال المحروقات.(8) أما في المجالات الاخرى (الخدماتية والسياحية والتجارية) فقليل اذا ما قورن ذلك بدول الجوار والخليجية، اللهم ما الا أنه في الآونة الأخيرة أنشأ مصنع لصنع السيارات في مدينة وهران، تابع بالأساس لشركة "رونو". فاذا نظرنا نظرة نقدية سلبية نجدها تبعية لهذه الشركة العالمية، أما اذا نظرنا اليها بنظرة ايجابية فسنجدها شيء مفيد للدولة الجزائرية وشعبها من حيث التخفيف من نسبة البطالة وحدتها من خلال التوظيف في الشركة وفروعها. وكذلك فتح السوق الجزائرية المحلية في مجال اقتناء السيارة المصنعة أو المركبة محلياً، وكذا تصدير انتاج السيارات للدول الافريقية مستقبلاً.

سادساً: تأثيرات العولمة على المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً:(9)

   تتلخص آثار العولمة على المجتمع العالمي والعربي اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً في المظاهر التالية:

01- الإثار الاقتصادية:

   انالعولمةالاقتصاديةكأيةظاهرةأخرىلهامؤيدونومعارضون،فمنوجهةنظرالمؤيدينلها يرونفيهاتقريبالاتجاهاتالعالميةنحوتحريرالأسواقورأسالمال،والتوسععلىمدىالعالمفيبناء الإنتاجوزيادةحجمالتجارةالعالمية،وكذلكزيادةالإنتاجالمحليوالعالمي،أمامنوجهةنظرالمعارضين لها فهيالهيمنةعلىاقتصادياتالعالممنقبلالولاياتالمتحدةالأمريكيةمنخلالالسعيلسيطرة الاحتكاراتوالشركاتالأمريكيةالكبرىعلىاقتصادالدولة.ومايهمناهناأننلخصبعضالآثارالايجابية والسلبيةالتي تُلحقهاالعولمةالاقتصاديةبحسبوجهةنظرالخبراءوالباحثينبها.

    انتشرتمعظاهرةالعولمةمصطلحاتمرافقةلهامثل "عولمةالإنتاج" و "عولمةالتدفقاتالمالية"و "عولمةرأسالمال" وبرزتمؤسساتجديدةذاتقوةونفوذهائلينفيالاقتصادالعالمي،وهيالشركات متعددةالجنسيات،تنظرإلىالعالمكوحدةواحدةتستمدمنهامدخلاتالإنتاجوتبيعفيهامنتجاتها،وأصبحت هذهالشركاتتخططوتنفذعملياتالإنتاجأوالتسويقأوالتوزيعضمننطاقكوني،وحتىلوكانتهذه الشركاتتنطلقمنإطارقومي،فإنمصالحهاغالباًماتكونذاتطابععالي،صحيحانهكانتهناكدوماً شركاتدوليةعملاقةمتعددةالجنسياتتمثلعلاقةالدولالاستعماريةبالدولالمستعمرة.

   ولكنهاتحولتاليوممنمتعددةالجنسياتإلىمتعديةالجنسيات. لقدجرىخلالالتسعينيات من القرن العشرين، والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين تفعيلعمليةاختراقالاقتصادياتفيالعالمالثالث،بحيثأفرغتمنامكانياتهاالمختلفةلتعملفي خدمةالرأسماليةالمعولمةسواء فيالمركزأوالأطراف.ويلاحظاختفاءأسعارالصرفالثابتةوتعويم العملات،لقدعمدتإلىنشروحداتصغيرةللإنتاجأومتناهيةالصغر يطلقعليها فيالاقتصادالمعولم (المصانعالأنيقة) كما سنفيض الحديث عنه في العناصر اللاحقة. وأصبحالتنافسفيارتفاعالمكونالعلميللسلعةوالمتأتيمن استخدامالتكنولوجياالمتقدمةوالعولمةالمرادلهاالتحقق؛تطرحإيديولوجياوحدوداًغيرمرئيةترسمهاالشركات العالميةقصدالهيمنةعلىالاقتصادوالأذواقوالابتكاروالسلوك،فتحاولتنميطالمستهلكعلىالمستوى العالميمنخلالنشرنمطالحياةالغربية،وهذاالفهميمثلإعادةهيكليةالأوضاعفيالعالمعلىوفقرغبة الشركاتمتعددةالجنسيات،وبمايعظمالتوسعالرأسمالي. ونلاحظ في  هذاالمجال انالكثيرمن الدولالعربيةعمدتإلىإصلاحاتاقتصاديةوإصلاحاتلسوقالعملوالمؤسساتالاقتصادية،وقامت بالعديد   منإعادةهيكلةمؤسساتهاالعامةوالخاصة،لتتلاءممعهذهالإصلاحات،بغرض أن تكونفاعلةوذاتنتائج ملموسة.إلاأنها ما زالتتفتقرللمعطياتاللازمةللقضاءعلىالقضاياالاقتصاديةوقضاياتخلفاتالسوق وحتىمؤسساتالعملوالتشغيل.

   وبالإضافة الى كل هذا؛ هناك مجموعة من الآثار الاقتصادية المستقرأة من واقع المجتمعات العربية بخاصة، ومن بينها نذكر:

- مهن المناطق الصناعية المؤهلة:

   تتمثل مهن العولمة المناطق الصناعية المؤهلة وبخاصة في مصر والاردن، وهي مناطق تشتمل على مصانع وشركات تتمتع بامتيازات ضريبية مناسبة، يُسهم في رأسمالها مستثمرون محليون وأجانب، وتوجه هذه المصانع والشركات انتاجها كله للتصدير الى الاسواق العالمية، وبخاصة اسواق الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه المناطق تدعمها امريكا من خلال منح اعفاءات من الضرائب والرسوم. وتعتبر المناطق الصناعية المؤهلة فرصة لا مثيل للحصول على الاعفاءات الجمركية للمنتجات التي تدخل السوق الأمريكية، وبدون طلب المعاملة بالمثل كنوع من الاستثناء من ينود اتفاقية الجات.

   اسفرت نتائج دراسة قامت بالمملكة الاردنية في هذا الخصوص حاولت معرفة التوجهات المهنية للشباب الجامعي، حيث تبين أن هناك تزايد في عدد المهن بأنواعها، وأشكالها في المجتمع الاردني، وهذا جاء نتيجة التفاعل مع تجليات العولمة، وما ترتب عنها من نتائج كثيرة، فهناك ظهور لمهن جديدة مثل: الاعمال المحاسبية، والمعلوماتية، والأنترنت، وتقنية الكومبيوتر، ومحلات الموبايل، وتطور ظاهر للعيان للمدن الصناعية المؤهلة التي توفر فرص عمل للشباب.

   المدن الصناعية في البلدان العربية لا يستثمر فيها مواطنو البلد فحسب، وانما هناك مستثمرين من جنسيات مختلفة بحيث يقوم هؤلاء بإنشاء مصانع في البلد المضيف مما يزيد في حجم الاستثمار الكلي، كما يؤدي الطلب على بعض المواد الأولية والمصنعة محلياً الى تنشيط الاقتصاد بشكل عام.

- نشوء مهن وفئات اجتماعية جديدة:

    يلاحظ أيضاً انتشار مهن جديدة في غالبية المدن العربية خلال السنوات العشر الاخيرة يطلق عليها "مهن العولمة" لأنها مرتبطة بالسوق العالمية، وتشمل هذه المهن: شركات تطوير وانتاج البرمجيات، شركات الاتصالات ومحلات الموبايل وصيانته محلات اللواقط الفضائية، محلات بيع الكومبيوتر ولواحقه، مقاهي الأنترنت وخدمات الاتصالات الدولية، التجارة الالكترونية.

   وفرت هذه المهن عشرات الآلاف من فرص العمل، كما أوجدت فئات مهنية جديدة مرتبطة بالعولمة تتميز بمهارات تقنية عالية، وعلاقات تجارية عالمية، ومستوى معيشي مرتفع. ولكن هذه المهن لا نجدها في الجزائر، لأن هاته الاخيرة لم تفتح مثل هكذا استثمارات للأجانب. بل ويقوم بهذه الوظائف المواطنون انفسهم بحسابهم الخاص وبدعم من قبل الدولة في اطار اصلاحات سياسية واقتصادية كصندوق تشغيل الشباب (أونساج وأونجييم) والصندوق الوطني للبطالة وتعاونيات الفلاحين وما الى ذلك.

- المعلوماتية واقتصاد المعرفة:

   تهتم العديد من الدول العربية بتنشيط اقتصاد المعرفة والمعلوماتية لديها من خلال توفير البنية التحتية لهذا الاقتصاد والمتمثلة في التشريعات المناسبة والحوافز لإنشاء شركات الاتصالات الخلوية، وشركات البرمجيات، وشركات الاعلام، والقنوات الفضائية،

- تطوير مؤسسات العمل والانتاج والحصول على شهادة الايزو: (10)

   من أجل تطوير المؤسسات تمنح شهادات الايزو من قبل المنظمة الدولية للمقاييس للشركات والدوائر الحكومية والمصانع والشركات التي تتوفر لديها مجموعة من المميزات التي تصل الى مستوى جودة تضعه المنظمة، مما ييسر لهذه المؤسسات أن تبيع منتجاتها، وخدماتها في أسواق دول أخرى تتمتع بنفس مستوى الجودة دون فحص هذا المنتج. وفي هذا الاطار بذلت الشركات والمصانع العربية والبنوك جهوداً ملحوظة من أجل تطوير انظمتها الادارية، واجراءات التعامل مع الجماهير، والمواد الغذائية، واجراءات حماية البيئة.

- تدعيم المجتمع المدني العربي:(11)

    يتضح أن العولمة دعَّمت انتشار منظمات المجتمع المدني العربي، كما دعمت فاعلية نشاطاتها التي اصبحت تمتد لتشمل قضايا دولية مثل الحفاظ على البيئة، المساواة الجندرية (على اساس الجنس: الرجال-النساء) والسلم العالمي، مناهضة الحروب، حقوق الانسان. بحيث يمكن القول بأن العولمة أدت الى نشوء مجتمع مدني عالمي تشارك فيه منظمات المجمع المحلي العربي الى جانب منظمات المجتمع المدني في الدول الأخرى، كما تؤدي تكنولوجيا المعلومات والأنترنت دوراً كبيراً في زيادة التفاعل بين منظمات المجتمع المدني في العالم كله.

- التغير في وظائف الدول في البلدان العربية:

 بعد الإنظمام الى منظمة التجارة العالمية من قبل احدى عشر دولة عربية حتى عام 2010، وبعد التوقيع على اتفاقية "الجات" بدأت الدولة العربية تخضع نفسها لمراجعة داخلية تشمل حجمها، وسياستها الاقتصادية والاجتماعية بما يناسب متطلبات تحرير التجارة، والاندماج في السوق العالمي، وتؤدي هذه المراجعة الى قيام الدولة بسن التشريعات الجديدة بشأن تشجيع الاستثمار والتقليل أو التخفيف من العوائق الجمركية، وتقليص حجم المؤسسات العامة، وزيادة كفاءتها الانتاجية، ورفع الدعم تدريجيا عن المحروقات وبعض السلع الاساسية، وتنفيذ عميلات الخصخصة، اي تحويل ملكية المؤسسات العامة       الى القطاع الخاص المحلي أو العالمي، وتلاحظ عملية المراجعة هذه لدور الدول كدول الخليج العربي، تونس، الجزائر، المغرب الأردن، ليبيا، لبنان ومصر.

   تتضمن عملية الخصخصة وتشجيع الاستثمار الخارجي تعامل الدول العربية مع الشركات متعددة الجنسيات التي تملك نتيجة لمواردها الهائلة قدرات تفاوضية كبيرة قد تؤثر على الدول اقتصادياً واجتماعياً؛ هذا من جهة، ومن جهة أخرى فان العولمة الثقافية القائمة على الفضائيات التلفزيونية، والأنترنت تجعل احتكار السيادة الثقافية على الاجواء الوطنية من قبل الدول العربية أمرأ شديد التعقيد، ذلك ان المعلومات والتحليلات والتوجيهات القيمية التي تصل الى المواطن العربي لم تعد بيد الدولة، وانما تشاركها في ذلك فضائيات أجنبية وعربية خاصة، وكذلك الحال بالنسبة لوسيلة الأنترنت وخدماتها المتنوعة لذلك تعمد الادبيات التي تحلل تأثير العولمة على الدول العربية الى طرح فرضية تقول: إن العولمة تؤدي الى اضعاف سلطة ودورها في المجتمع المعاصر. ويؤكد أصحاب هذه الفرضية بناء على ذلك ان العولمة تتضمن بعض السلبيات، ولعل هذا الاضعاف المفترض لدور الدول العربية أحد أرز مظاهرها. لكن غالبية الادبيات - وبخاصة تلك الأكثر حداثة - تتفق على أن ما يحدث فعلاً هو تعديل في وظائف الدول العربية وليس اضعافاً لها، أو تقليصاً لدورها.

   وبالتحديد فأن الدول العربية تعيد صياغة دورها الاقتصادي والاجتماعي بما يتناسب وتحرير التجارة، والانتاج في السوق العالمي مفسحة المجال للقطاع الخاص للنمو والتمدد بما يدعم توظيف التقنيات الحديثة، وزيادة القدرات الانتاجية الوطنية. ومن جهة أخرى تقوم الدول العربية بسن التشريعات الكفيلة بفتح الأسواق الوطنية للاستثمارات الخارجية، وأبسط مثال على ذلك أن الدولة الجزائرية قامت بعقد العديد من الاتفاقيات مع بعض الدول الأوربية والآسيوية من اجل التعاون في شتى مجالات الحياة، وكذا فتح المجال للاستثمارات الخارجية وهو ما فعلته في الآونة الاخيرة مع دولة الصين وفرنسا. كما تقوم الدول العربية بإزالة العديد من العوائق الجمركية وتنفيذ برامج الخصخصة مقللة بذلك من الوظائف الاقتصادية العديدة التي تقوم بها مما يزيد من كفاءة الدولة وقدرتها السياسية والادارية، وتؤدي سياسات رفع الدعم الحكومي عن المحروقات وبعض السلع الأساسية الى اعادة صياغة الدور الاجتماعي للدولة. كما تقوم الدولة بسن التشريعات الكفيلة بإنشاء المدن المعلوماتية، وهذاما نلاحظه بجلاء في دون الخليج العربي، وفتح المجال لمحطات التلفزيون الفضائية العمومية والخاصة للعمل بكل حرية تتبعها الرقابة.

أما فيما يتعلق بالآثار السلبية للعولمة الاقتصادية فنجد:

- إضعافالدولة:تؤديالعولمةإلىإضعافسيطرةالدولةبكسرالحدود،وانخفاضمعدل التوظيف ووظائفالعمالةالماهرةوتخفيضالأجور،وقدأصبحلشركاتالعولمةالعملاقةنفوذكبيرفيإسقاط الحكومات،وافتعالالانقلاباتوتحريكالأزماتوضربالاقتصادياتالمستقلة.

-  تدميرالصناعةالمحلية: بحيثتساهمالعولمةإلىحدكبيرفيتدهورالصناعةالمحليةوتدميرها،وقدحذرت منظمةالخليجللاستثماراتالصناعيةمنالجوانبالسلبيةالتيقدتؤثرفيالصناعاتالصغيرة والمتوسطةفيدولمجلسالتعاونالخليجينتيجةتطبيقاتفاقيةالتجارةالعامة.

-  عدمالاستثماربماينفع: تساهمالعولمةفيعدماستثمارالأموالفيأنشطةاقتصاديةحقيقيةمنشأنها تعزيزالقدرةالإنتاجيةللدولالعربية والإسلامية لتصبحالدولةمستهلكةبدلانتكونمنتجةوذلكبنشر النمطالاستهلاكيالترفي (من الترف)بينالناس،واختزالالإنسانفيالبعدالماديالاستهلاكي.

-  المضارباتالماليةوانهيارالاقتصادياتالناشئة:بحيثأصبحبالإمكان الدخولمعنظامالعولمةفيمرحلة جديدةلميسبقلهامثيلفيالتاريخألاوهيالتمويلالدوليلاقتصادالمضاربات،لقدبلغتالوسائل الحاليةالتيطرأتفيالأسواقالماليةللمضارباتكافة؛مايزيدعن4000ملياردولار،أيمايعادل عشرةأضعافالدخلالقوميلأمريكا.ولميستخدمالقائمونعلىنظامالعولمةإلا3%  منالجنسالبشري فيالوقتالذييمثلونفيهمايزيدعلى95% منالتجارةالعالمية،لقدتشعبتوتداخلتمساحات الصراعومجالاتهوأهدافهوأدواتهووسائلهفيعصرناعلىنحوباتالتميزمعهفائقالصعوبةفي الجوانب الاقتصاديةوالتجاريةوالماليةوالعلميةوالتكنولوجيةوالاستخبارتيةوالإعلاميةوالثقافيةفيالحروب.

- تركيز النشاطالاقتصاديالعالميفيأيديمجموعاتقليلةالعد:وبالتاليتهميشالباقيأوإقصاؤهبالمرة،وإحداث التفاوتما بينالدولوحتىداخلالدولةالواحدة.وبالتاليتعميمالفقركنتيجةحتميةللتفاوتمنخلالاستعمال السوقالعالميةكأداةلإخلالالتوازنفيالدولونظمهاوبرامجهاالخاصةبالحمايةالاجتماعية.

-العولمةالاقتصاديةلاتتجزأعنالتطورالعامللنظامالرأسمالي،حيثتعدالعولمةحلقةمنحلقات تطوره،وذلكلتوفيرمجالاتالاستثمار،واستيعابالفوائض،بحيثتسعىالرأسماليةلتأكيدتبعيةالتنمية العربيةوالإسلاميةللغرب كائنة ما كانتومنتجديدنفسهاوالتغلبعلىتناقضاتها،والتكيفمعأزماتها.

- السياساتالرأسماليةقدعمقتالانقسامفيالعالمبصورةلامثيللها،هذاالاتجاهالرافضللعولمةيرىأنها ظهرتكظاهرةاقتصادية،كمُلتصورهابعدالحربالباردة؛أيالانتقالالدوليالمتبادلإلىاقتصادعالمي يقومعلىتحريرالتجارة،ومحاربةرؤوسالأموالبينالدول،منخلالانفتاحالتكتلاتالإقليمية الاقتصاديةعلىالمنافسة.

- ان اندماجأسواق العالمفيحقولالتجارةوالاستثماراتالمباشرةوانتقالالأموالوالقوةالعاملةوالثقافاتضمنإطار من رأسماليةحريةالأسواق،وخضوعالعالملقويالسوقالعالميةتبعاًلذلك،هذا الأمريؤديإلىاختراقالحدود القوميةوالىالانحسارالكبيرفيسيادةالدولة.

02- الآثار الاجتماعية للعولمة: (12)

   يستخدممفهومالعولمةلوصفكلالعملياتالتيتكتسبالعلاقاتالاجتماعيةنوعاًمنعدمالفصل (سقوطالحدود)وتلاشيالمسافةحيثتجريالحياةفيالعالمكمكانواحد -قريةصغيرة-  ومنثمة فالعلاقاتالاجتماعيةالتيلاتحصىعدداًأصبحتأكثراتصالاًوأكثرتنظيماًعلىتزايدسرعةومعدلتفاعل البشروتأثيرهميبعضهمالبعض،وفيالمجتمعاتالغربيةيعدمنسلبياتالديمقراطيةغالبافيالانتخاباتمن يستطيعأنيصرفأكثرفيحملتهالانتخابيةويعطيوعوداًبراقةسرعانمايتخلىعنهابعدفوزه. ويرىالكثيرمنالباحثينوبخاصةالمتخصصينمنهمفيالدراساتالإنسانيةأنالآثارالاجتماعيةوالثقافية للعولمةهياخطرمافيالموضوع، ويتفقالأغلبيةمعهذاالرأي) حيثحدوثالتغيراتالموضوعية،وتفشي البطالةوزيادةعددالمحرومين،وإهمالالبعدالاجتماعيوالإنساني،وإضعافالتماسكالاجتماعيعلى مستوىالعائلةوالمجتمع،وخلقعاداتوتقاليدوأعرافاجتماعيةجديدةوبالتاليقيمأخلاقيةوأنماطسلوكية مناقضةلماهومألوف،وتقلصالخدماتالاجتماعيةالتيتقدمهاالدولة،وضعفالمسؤوليةللدولةفيإيجاد فرصعملشريفللمواطن،وأخيراخلقحالاتمنالتوترالاجتماعيوالعملعلىزرعروحالاغتراب وهذهجميعهانقاطقدتؤثرفيالجانبالاجتماعي،ومنالجانبالعربي-  فلايزالالفكرالعربي المعاصرتحكمهاطرالوعيالتقليديوكمافيالحتمياتالمعرفيةالمرتبطةبإشكاليةالأصالةوالمعاصرة، والتقدم،وأزمةالإبداع،والتجديد،وسؤالالهوية وأزمتها،وكثيرمنالمؤشراتالدالةعلىطابعانفلاقيأحادي  يفرضاللحظةالمعاصرةنوعاًمنحالةالاغتراب التيتتشعبعنهاتلكالمفاهيمالتيأشار إليهاعالمالاجتماع ومنهاحالةاللاقدرة وحالةتفككالقيموالمعايير الاجتماعية، وحالةالعزلةواللانتماء، وحالةاللامعنى، وحالةالنفورمنالذات، وعلىذلكتصبحالقطيعةالمعرفية لهذاالفكرالغربيمعالنسقالحضارينتيجةمنطقيةلماسبقهامنمقدماتتستندإلىقاعدةكلاسيكيةفحواهاانالحاضرلابدوانيكونامتداداًلتراكماتالماضيواناللحظةالمعاصرةتعدبالضرورةتكراراكمياً للتاريخ.

03- الإثار الثقافية:

   إنالثقافةفيجوهرهاتعبيرعنالنشاطالإنساني،والإعلامهوالأداةللتفسيروالتطويروالنشرفوسائلالاتصالوالإعلامهيالأداةالناقلةللثقافةمنحيثأنهاتساعدعلىدعمالمواقفالثقافيةوالتأثيرفيهاوحفرالأنماطالسلوكيةوتعزيزهاوطرحمفاهيمهاعلىالجمهورمنخلالالبثوالنشروالشرحالمستفيضلمايمكناعتبارهفعلاثقافياعضويا، ويرىالبعضانأثارالعولمةبدأيظهرمنخلالاختيارالدولالمتقدمةللصناعاتالثقافية،فهذهالصناعاتفيالوقتالذيتمثلغزواًاقتصادياًفأنهاتشكلغزواًثقافياًفكرياكبيراينتشركالنارفيالهشيموخاصةبينالشبابوخاصةالأفلاموالأدواتالموسيقيةوالأشرطةوالاسطواناتوأجهزةالتصويرالمختلفةوالعابالشبابوالأطفالالالكترونيةإلىغيرذلكمنمبتكراتالثقافةالأجنبيةالتيكثيراًماتركزعلىالعنفوإثارةالغرائزوالشهواتوالبطولات،ويذكرأنهذاالاتجاهقدبدأيهددالكثيرمنالدولوحتىالمتقدمةمنها. فهذهدولة كنداتعلنعلىلسانوزيرتربيتهاأنها:ضدغزوبعضالبرامجوالمسلسلاتالتلفزيونيةوالسينمائيةالآتيةعبرالحدودمنالولاياتالمتحدة (مخدراتوجرائم) والمخالفةلثقافتهاالوطنية وموقففرنساالتيوقفتبصلابةأمامبعضماوردفياتفاق (الجات) منبنودتتعلقبتسهيلإدخالبعضالبرامجالمتعلقةبالتقنياتالسمعيةالبصرية من (أغان،أفلام) التيتروجهاالولاياتالمتحدةفيالسوقالفرنسي.

   ان العولمةتنزعإلىصياغةثقافةكونيةلهامعاييرهاالمتشابهةوقيمهاالتيتنزعإلىتوحيدالأذواقوتقنينالقيمالجماليةبغرضخدمةأهدافالسوقالاستهلاكيةوبالتاليخلقثقافةعالميةعنطريقتوحيدالآراءفيالمسائلالعالميةوفرضأذواقوتغييرالعاداتالمحلية.

04- الآثار السياسية للعولمة:(13)

   يعتبرالعاملالسياسي كذلك منهوالعواملحساسيةللتغيراتالتيفرضتهاالعولمة،علىاعتبارأنهالأكثرارتباطابالتحولات الاقتصادية،لاسيمامعدخولسياسةاقتصاديةجديدةيمكناعتبارهااللغةالتيسيتموفقهافرزالأنظمةالسياسيةالقائمة (إما تكون معي وأما لا تكون). ومعزوالالتصنيفالسياسيالسابقالذييقومعلىمنظومةالدولالاشتراكية،ومنظومةالدولالرأسماليةودولأخرىتقعبينالطرفين،أطلقتعلىنفسهادولعدمالانحياز،إذيظهرهذاالتقسيمغيرقادرعلىتفسيرالتدخلاتالمعقدةوالمتشابكةللعلاقاتالدوليةوالسياسيةوالاقتصاديةالقائمةحاليا.ويبدوأنالقلقأصبحيساورغالبيةالنخبالسياسيةفيدولالعالمالثالث (النامية والسائرة في طريق النمو)حولمصيرالدولةالوطنية،ذلكأنهاشعرتأندولهالمتتمكنبعدمنالنجاحفيإنشاءكياناتهاالوطنيةبمعناهاالوطنيالحديث،أيبناءالدولةبمؤسساتهاوأبنيتهاالوطنيةالقادرةعلىالتحكمفيالخلافاتالداخليةالعشائريةوالدينيةوالطائفيةوالقبلية،التيتعبرعنمرحلةماقبلبروزالوطنية،حيثأصبحتهذهالنزاعاتتتزايدوتهددكيانالدولةالوطنيةبأكملها وهذا ما نجده واضح وبجلاء في بعض الدول الافريقية كمالي والنيجر والتشاد وافريقيا الوسطى وما الى ذلك..

   منهنايبدوأنهأصبحاحتمالانهيارالدولةبمثابةكارثةلدولالعالمالثالث،التيستتراجعفيهاالدولةإلىالأنموذجالصوماليأوالأفغانيأوالبلقاني،أيبمعنىتوزيعالسيادةوتنازعهابينالأشتات،دونالحصولعلىجزءمنها،وبماأنالدولةالقوميةكأنموذجقدفرضنفسهعلىالمجتمعاتكلها،حتىوإنتباينتطرقهانحوالتطورالسياسيوالحضاريفإنالتنازلعنهذاالأنموذجيؤديفيالنهايةإلىنتائجوخيمة،وفيهذاالشأنيقولدافيدأتير" عليناأننقفمعالدولةضدالدولة" ليعبرعنأزمةالدولةوالنظامالسياسيفيدولالعالمالثالث،فيظلالتغيراتالدوليةوالعالميةالجديدة؛وعلىرأسهابلوغالعولمةكظاهرةكونية.

   إنالعولمةلا تهددمنجزاتالدولوالكياناتالوطنية فحسب،وإنماقدتشكلفرصةأمامبزوغتياراتتحرريةوإنسانيةيتمبناؤهاوفقالنظامالعولمة كـ (حقوق الانسان، حقوق الجنس الثالث "المخنثين والمثليين"، حرية المرأة المطلقة، حقوق الحيوان،)،فوسائلالاتصالاتالعالميةوحريةالأسواقالرأسماليةتشكلفرصالمنيملكالقدرةعلىالمنافسة،وفيهذاالإطارهليمكنللأنظمةالسياسيةوالدولالعربيةأنتتصدىبإمكانيتهاالبشريةوالماديةالتيتمتلكهالتأثيراتالعولمةوأنتتعاملمعها؟.وفيظلهذهالتفاعلاتالتيلمتتمكنأيدولةمنأنتبقىفيمنأىعنها،مامدىقدرةالنظامالسياسيالعربيمناكتسابالفاعليةفيالأداءفيهذاالعصر؟. إذابقيمحتفظابآلياتهالقديمةوالسياسةالأمنيةالتييعتمدعليهافيغالبالأحيان،معغيابكليللديمقراطيةفيبعضالأقطارالعربية،الأمرالذيجعلالشعوبيحرمونمنالتمتعبحرياتهمالشخصيةوالاجتماعيةوالفكريةوالسياسيةوالثقافية،هذاماتوصلإليهالباحثكاستور ياوسفيكتابه"صعودالتفاهات"الذيأرجع فيهتخلفالعربوبؤسهمإلىحرمانهممنالحريات؛خاصةوأنالواقعأثبتوجودمبدعينعربوصلواإلىمصافالعلماءعندمانشطوافيبيئاتتتميزبالحريةوالديمقراطيةويرجعالكاتبتخلفالعربإلىعواملنفسيةوعجزهمعنالعملوالفاعليةبينمايرى"ديفيدسميث"الذيقامبدراسةحولمجتمعاتالعالمالثالثالمعاصرةمنمنظورالعولمةفيكتابه" مدنالعالمالثالث فيالرؤيةالعولمية"حيثأعتبرأنالسياساتالمتخلفةقدوقفتحجرةعثرةأمامالظاهرةالحضاريةذلكأنالمشاريعالتنمويةالسابقةلمتكنتستندإلىنظريةالتحضر،ففيالوقتالذييتطورفيهالنظامالمتعولمفيالعالمالغربي،بقيتدولالعالمالثالثعلىتبعيتها،تعانيمجتمعاتهامنالتوزيعاللامتكافئفيالمدخولاتوالمواردالاقتصادية،وفشلتحديثالمناهجوالأطروالعقلياتفيمختلفالمجالات.

   إنالعولمةتعملعلىإعادةبناءالأنماطالحضاريةفيالعالمعلىأسسجديدةلمتكنمعروفةمنقبل،إلاأنعالمالشمالأستعداستعداداًكاملاًلمجرىهذهالتحولات،بينمابقيعالمالجنوبيعيشدوامةالتناقضاتالتيليسمنالسهولةالخروجمنها،إلابانتهاجسبلجديدةكالتنميةالمستدامةالتيتراعيمصالحالأجيالالقادمة،وعليهتبقىالعولمةتعمللمصلحةالكباروبقدرضئيليستفيدمنهاالصغار،الذينليستلهمالقدرةعلىاستثمارهاممايؤديإلىاستمرارنفسالمعادلةالقديمةالقائمةعلىقدرةالأقوياءعلىاستغلالالفرصالمتاحةبينمايعانيالضعفاءمنعدمقدرتهم  علىاقتناصتلكالفرص.

   لقداتضحأنالأداءالسياسيللنظامالعربيمرتبطفيالغالببالسياساتالدوليةوخاصةمنها الأمريكية،وظهرذلكبكلوضوحمنخلالحربالخليجوالحربعلىالعراق الأولى والثانية، وكذا الثورات العربية أو ما يسمى بالربيع العربيالتيرسختالهيمنةالأمريكية والأوربيةالمطلقةعلىالأنظمةالعربية،وهمشتدورهاوأكدتتبعيتهاوأضحتبمثابةالمنفذللأوامر،وهذامايؤكدهأيضاالتراجعالمستمرلقضاياالديمقراطيةوحقوقالإنسانفيالوطنالعربي،ويضافإلىذلكأنبعض النظمالعربيةأصبحتمحميةفيالداخلوالخارج،فالسياسةالأمنيةالمعتمدةمنذالعقودالماضيةأدتإلىترسيخقيمالولاءوالطاعةلدىالفئاتوالشرائحالشعبيةالواسعة،وخاصة في أنظمة الحكم الملكية، كماتحصلعلىحمايةخارجيةإقليميةودوليةمنقبلالسياساتالأمريكية،التيتعملبمعيارالازدواجية،فهيمنجهةتهتمبحقوقالإنسانداخلالأنظمةالتيتتخذسياسةلاتتماشىمعخططها،ومنجهةأخرىتغضالطرفعن ذلككلهعندماتتعلقهذهالقيمبالأنظمةالتيتتبعسياستهاومحميةدوماً منطرفها. وبطبيعة الحال فقد افضت بعض التحليلات الفكرية أن الدول الغربية تشن حرباً صليبية على الاسلام والمسلمين وذلك بإشعال نار الفتنة بين المسلمين انفسهم اي بين (السنة والشيعة) (الاكراد والعرب) (الامازيغ والعرب) (الاسلاميين والوطنيين) (الاسلاميين والعلمانيين) وذلك باستخدام وسائل مادية ومعنوية لذلك من بينها استحداث حركات تحمل الفكر التكفيري كالسلفية الجهادية والزيديين والروافض والدولة الاسلامية في العراق والشام (او ما يسمى بداعش). وبعبارة أخرى أن كل ما يحدث في الدول العربية من ثورات وحروب اهلية كما يرى بعض المحللين السياسيين والخبراء الاستراتيجيين ورجال الاعلام سببها العولمة من جانبها السياسي في كل الأحوال. وكذا الاتجاهات الفكرية الايديولوجية التي تحمل الفكر الجهادي والمعادي والنقدي الهدام.

   إنالعالمالعربيحسببعضالآراءيعانيمنموقعهالهامشي،الذييجعلهلايتأثربالعولمةبصفةواضحة،لأنهأساساليسعضوافيالمنظومةالعالميةالتيكونتها،ولافيالمنظومةالعالميةالرأسماليةوالتقنيةوالعلمية،لكنرفضههذالايتيحلهالفرصةللاحتفاظبمواقعمهمةفيالعالمبلسيكوننتيجةذلكاستبعادهمندورةالإنتاجوالاستهلاكالدولية،أيلايستفيدمنالتطورالحضاريالراهن.ويعتقدالبعضالأخر، أندخولالعولمةأمرحتميومفروضعلىكلمجتمعيريدأنيبقىفيدائرةالمجتمعاتالتاريخية،ولا يستثنيمنسلسلةالفعاليةالدوليةالمشتركة،لكنهذاالدخوللايقدمبصورةتلقائيةفرصأكبرللتقدموالمشاركةالفعالةفيالسياسةالدولية،إذالميكنذلكمرفوقاً بإرادةذاتيةمستقلةوخصوصيةتسعىإلىوضعالتقدمالموضوعيفيخدمةأهدافالتنمية.ولكن كما قال العلامة عبد الرحمان ابن خلدون: "ان المغلوب مولع بالغالب".

   فالعولمةحسبهمتفتحفرصاًهائلةلتحررالإنسانيةبفعلماتوفرهمنتفاعلبينمختلفمكوناتها،وماتعملعلىتحريرهمنعلاقاتوطاقاتوتجاوزهمنعقبات،أصبحتتشكلأكبرعائقأمامتقدمالشعوبالعربية،إلاأنهذهالفرصالتيتوفرهاالعولمةللتحررليستتلقائيةولامتاحةبالضرورةلكافةالجماعاتوالأفراد،لأنهامرتبطةبالسياساتالتيتتبناهاالدولالكبرىالتيتتحكمفيالتدفقاتالرئيسيةالماليةوالتقنيةوالعلميةللسوقالعالمية،ومنورائهاسائرالدول،إلاأنحملالعولمةلمشروعهيمنةعالميةلايبرررفضهاولاالبقاء خارجهاأوضمنها،إذلسنابصددالاختياربينمنظوماتدوليةمهيمنةومنظماتتحرريةشاملة.

   إنقصورالأنظمةالاجتماعيةوالثقافيةالعربية،يشكلالدافعالقويللانطلاقمنأجلاحتلالالمواقعالعالميةوالمحافظةفينفسالوقتعلىخصوصيتهاالثقافية،والاختراقوالتهميشوكسرآلياتالتبعيةمنأجلالمشاركةالفعالةفيالجهودالحضاريالإنساني،وهذايتأثرعنطريقالانتصارفيالكفاحضدالسيطرةالخارجية،وضدالذاتوضعفهاوهوالذييضمنعدمتحويلالمقاومةإلىتجميدالذات،وعدمتحويلالنقدالذاتيإلىتنكرذلكأنكليهمايضعحداللآخر،وبذلكيمكنتحقيقالحدالأدنىمنالتوازنوأصالةالعملوتحقيقالانطلاقةضمنالأطرالاجتماعيةوالثقافيةالذاتية. ولا يتم ذلك الا بالرجوع الى تعاليم الدين الاسلامي وتطبيق الشريعة الاسلامية في كل مجالات الحياة.

سابعاً : العولمة وتداعيات الأزمة العالمية:

   عصفت ازمة القروض العقارية في الـ و.م.أ في نهاية عام 2008 بالنظام المالي الامريكي، وسرع انهيار بنك Leeman Brothersالأمريكي العملاق في نفس فترة ظهر الأزمة المالية العالمية، وهي الأزمة التي ما تزال تداعياتها ملموسة على الاقتصاد الأمريكي وكل اقتصاديات العالم الصناعي والنامي بشكل عام، وتتبدى الأزمة في هذه البلدان على شكل:

- تراجع في الاستثمار - تراجع في الانتاج والانتاجية والتصدير -  ارتفاع في معدلات الفقر والبطالة.

   وتعاني البلدان الصناعية من التأثيرات السلبية للأزمة أكثر من البلدان النامية، ومن ضمنها البلدان العربية، ففي بلدان العالم الصناعي تراجع الانتاج والتصدير بشكل ملفت للانتباه، ونكمش الاقتصاد، وفقد مئات الألوف وظائفهم، وبخاصة في الـ و.م.أ واليونان، بعد أن أفلست عشرات البنوك، والشركات الصناعية في هذه البلدان مما أدى الى بذل جهود كبيرة من جانب الحكومات الاحتواء الأزمة ودعم المؤسسات المتعثرة مالياً. الأمر الذي أعاد الى الواجهة دور الدولة في الاقتصاد، وحفز تنظيم المؤتمرات لإعادة تقييم مبادئ الاقتصاد الرأسمالي الذي ارتبط بالعولمة، وخاصة فيما يتعلق بحرية الأسواق، وسياسات الدولة ودورها في الاقتصاد، وبرزت في هذه المؤتمرات دعوات مضادة للعولمة ومبادئ النظام الرأسمالي، مطالبة باعتماد الحماية التجارية، وتدخل الدولة في الاقتصاد رقابياً وتشريعياً، لتجاوز الأزمة المالية، وتفادي الوقوع في أزمات مستقبلية.

   أما تداعيات الأزمة المالية العالمية في البلدان العربية، وبخاصة البلدان غير النفطية منها فكانت مؤقتة ومتواضعة، ممَّا مكَّن السيطرة عليها بسهولة دون تأثير يذكر على الاقتصاد، أو معدلات البطالة، ويعود ذلك لصغر حجم هذه الاقتصاديات ووجود دور تقليدي للدولة في رسم السياسات الاقتصادية، وتنظيم الاقتصاد وقطاعاته (التجارة، الصناعة، الزراعة، الخدمات، البنوك المالية ...الخ). وبخاصة قطاع البنوك الذي يخضع في أغلب البلدان العربية لرقابة حقيقية من قبل الحكومات. وعلى سبيل المثال ما حدث في دبي نهاية سنة 2008 بما عُرف بأزمة ديون دبي، وفي الاخير سُيطر عليها بعد تدخل الحكومة الاتحادية في دولة الامارات العربية المتحدة. كما تعرضت اليونان واسبانيا والبرتغال لأزمات اقتصادية متفاوتة الحدة في منتصف سنة 2010 وحصلت اليونان على قروض مالية بمليارات الدولارات من البنك الدولي، والاتحاد الأوربي لإعادة اصلاح اقتصادها.(14)

ثامناً : العولمة والنمو السكاني:

   في الوقت الذي تحقق المجتمعات المتخلفة والنامية والسائرة في طريق النمو معدلات نمو اقتصادي متدنية, فإن معدلات النمو السكانية مرتفعة وتتراوح بين 2,5-3,2 % سنويا. وتتم عملية انتقال متسارعة من الريف إلى المدينة لا بسبب وجود فرص عمل في المدينة بقدر ما هي محاولة للتخلص من البؤس والفاقة والبطالة المقنعة في الريف. ويخلق هذا الواقع تضخما بشريا في المدن وتعاظم فئة أشباه البروليتاريا أو الفئات الهامشية فيها التي تعيش في المدن في حزام البؤس المحيط بها بسبب البطالة الواسعة. وبسبب تفاقم التمايز الطبقي في المجتمع فقد بدأت الفئات المتوسطة بالتقلص لصالح نمو الفئات الفقيرة والهامشية في المجتمع، وبالتالي تزداد معضلة الصراع بين فئة الأغنياء ذات العدد الضئيل التي تزداد غنى، وفئات الفقراء المتسعة باستمرار والتي تزداد فاقة وبؤسا يوماً بعد آخر. وترمي شعوب هذه البلدان بالمسؤولية لا على عاتق حكوماتها فحسب، بل على عاتق الغرب الرأسمالي أيضاً الذي يستغل شعوبها ويستثمر خاماتها ويدعم حكوماتها ويمارس سياسة ضارة بحقها. وفي مثل هذه الأوضاع يصعب على الشعوب العربية أن تتوقع الخير من الغرب الرأسمالي. لهذا فإنها ترى في العولمة ذات الطبيعة والمضمون والوجهة الرأسمالية طريقاً جديداً لتشديد استغلالها ونهب مواردها الأولية وفرض التبعية والخضوع للغرب عليها.

   لقد أشارت تقارير للأمم المتحدة عن أعمال المنظّمة، وتقارير الوكالات الدوليّة المتخصِّصة (منظّمة الصحة العالمية، منظّمة العمل الدوليّة...)، وتقارير التنمية البشرية، والمؤتمرات الدوليّة للأمم المتحدة حول التنمية والبيئة والسكان في بداية الألفية الثالثة، إلى تحّديات القرن الحادي والعشرين الناجمة عن تداعيات مبادئ العولمة النيوليبرالية المادية، بأبعادها الشمولية الإجتماعية والإقتصادية والتكنولوجية والأمنية والسياسيّة (مسألة الديموقراطية وحقوق الإنسان) والبيئيّة والثقافيّة، والتي أدت إلى تغيير مفهوم الأمن البشري الذي لم يعد يرتكز على المفهوم العسكري فحسب بل أصبح يرتكز على مدى  تأمين الحاجات الأساسية والضرورية لوجود الإنسان ( بيئة - صحة - ثقافة - إقتصاد - إجتماع).

   وتشكل العولمة في القرن الواحد والعشرين تهديدات على المستوى الاجتماعي تتجلَّى في إتساع دائرة الفقر والجوع والأمية والبطالة والأوبئة والهجرة والتزايد السكاني، التي تؤدي إلى تدهور حالة البشر. وطبقًا للدراسة التي وضعها برنامج الأمم المتحدة للتنمية (UNDP)، أن نصف السكان الكرة الأرضية 2.8 مليار شخص يعيشون على أقل من  دولارين أميركيين يوميًا و1.3 بليون شخص يعيشون على أقل من  دولار واحد يوميًا في الدول النامية. والسبب الرئيس لذلك يعود إلى استراتيجية بعض الشركات التوسّعية والطبقة الحاكمة الفاسدة في معظم بلدان العالم الثالث، حيث تتنافس الدول النامية بشدة لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية في حقل الإنتاج، ولم تتردَّد في تقليص الحماية الإجتماعية والحريّات النقابية. كما قبلت شروط الشركات في استخدام اليد العاملة الرخيصة لحسابها، وكثيرًا ما كانت تزيد ساعات العمل في اليوم الواحد على 14 - 16 ساعة بأجور متدنّية جدًا، ولم تكن في الغالب، تدفع أجور الساعات الإضافية. وهذا التنامي في الفقر يؤدي إلى الحرمان المادي من دخل وصحة وتعليم، وسهولة التعرّض للمخاطر كالمرض والجوع وسوء التغذية والعنف والوفيات والإنتزاع من المدرسة (التسرب المدرسي).

  وفي نفس الاطار يفيد تقرير صندوق السكان والتنمية إلى أن 49 بلدًا من البلدان الأقل نمواً، ولا سيما الفقيرة، منها سوف يتضاعف عدد سكانها ثلاث مرات، وسوف تواجه صعوبات في توفير الخدمات الإجتماعية الأساسية لشعوبها. كما أن العامل الديموغرافي سوف يزيد من حدَّة ندرة المياه التي تواجهها الدول الجافة في آسيا والشرق الاوسط وإفريقيا، كما سيزيد من الضغوط على البيئة. وقد أوصى كل من مؤتمر الأمم المتحدة الدولي للسكان والتنمية للعام 1992 في ريو دي جانيرو، ومؤتمر الأمم المتحدة الدولي للسكان والتنمية للعام 1994 في القاهرة، بتقليل سرعة النمو السكاني كعامل أساسي لتحقيق التنمية المستدامة.

   وقد أدّى التزايد السكاني، وضغط المنافسة العالمية، وتداعيات سياسة المؤسسات المالية الدوليّة الإصلاحية على الصعيد المالي والإقتصادي في معالجة أزمة المديونية في دول العالم الثالث، إلى زعزعة أمن العمل والدخل وتفاقم ظاهرة البطالة. يعتمد مفهوم (أمن العمل والدخل) على مدى الإستقرار الذي يحقِّقه الفرد في هذين المجالين، والذي من شأنه أن ينعكس إيجابًا على النواحي الأخرى من حياة الفرد. إن ضغط المنافسة العالمية حدا بالدول وأصحاب العمل إلى إتباع سياسات توظيف أكثر مرونة؛ أدت إلى وجود أعداد كبيرة من العمال من دون عقود عمل، والتي إن وجدت فلمدة قصيرة من الزمن، وتكون أقل أمنًا إذا ما قورنت بالعقود القديمة. لذلك بدأت تختفي الوظائف التقليدية، ومن المتوقع أن تزداد الوظائف المؤقتة، وسيكون الإتجاه إلى العمالة الثابتة في إنخفاض. على سبيل ما هو معروف في الجمهورية الجزائرية بعقود الادماج المهني، وتشغيل الشباب، وعقود الشبكات الاجتماعية.

   كما أنه ونتيجة لسياسات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (سياسات التثبيت والتصحيح الهيكلي) والشركات متعددة الجنسيات، أخذ معدل البطالة في ارتفاع متزايد، وهذا تنجر عنه آثار وانعكاسات في جميع النواحي منها زيادة عدد الفقراء، إنخفاض مستوى المعيشة، ولا يخفى تأثيره السلبي على مختلف نواحي حياة البشر من صحة وغذاء وزيادة العنف وإنتشار الإجرام والإضطرابات الإجتماعية والسياسيّة، ما ينعكس سلبًا على إستقرار معيشة الإنسان.

   كما أن عدم التوازن بين التزايد السكاني في الدول النامية وتطوُّر الشروط الإجتماعية والإقتصادية الصعبة التي أفرزتها العولمة كانا الدافع الرئيس إلى الهجرة بحثًا عن حياة كريمة وتحسينًا للأوضاع الإجتماعية. لقد أصبحت الهجرة ظاهرة عالمية يشهدها العديد من المجتمعات، ويتجاوز عدد المهاجرين حول العالم 150 مليون مهاجر بعد أن كان 75 مليونًا العام 1965، منهم 15 مليون مهاجر غير شرعي.بحثاً عن مناصب العمل في الدول المتقدمة، لكن مشكلة الهجرة لا تقتصر فحسب على مستوى العمالة الوافدة إلى الخارج، وإنما تتناول أمراً لا يقلُّ خطورة يتمثَّل بهجرة الأدمغة والكفاءات العلمية، لا سيما من الدول النامية والفقيرة، والتي هي بأمس الحاجة إلى خبراتها وطاقاتها لتوظيفها في عملية التنمية المختلفة. وبناء على تقديرات منظّمة الهجرة العالمية، تفقد القارة الإفريقية 200 الف من عقولها سنويًا؛ بينما تدفع في المقابل 4 مليارات دولار لاستقدام كفاءات أجنبية لسد حاجاتها إلى الموارد البشرية المتعلِّمة والمتدرِّبة. (15)

- الهوامش:

1– بتصرف عن أمين حافظ السعدني، "أزمة الايديولوجيات السياسية"، سلسلة الفلسفة، تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، العدد الخامس، ، ط01، شركة الأمل للطباعة والنشر، القاهرة، ص.ص 110.81.

2– عبد العليم طه، حول مفهوم الاقتصاد الحر، مقال الكتروني منشور بجريدة الأهرام، 09  سبتمبر 2007، مصر، www.aheam.org.eg

3– عبد العليم طه، حول مفهوم الاقتصاد الحر، مقال الكتروني منشور بجريدة الأهرام، 09  سبتمبر 2007، مصر، www.aheam.org.eg

4– للمزيد أنظر: القاموس المحيط، لسان العرب، معجم المصطلحات الاقتصادية والاسلامية.

5– للاستفاضة أنظر مقال فوزية خدا كرم، التكتلات الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الدول النامية، مجلة العلوم السياسية، العدد 43، جامعة بغداد، العراق، ب ت.

6– اسماعيل ماجد، التكتلات الاقتصادية ودورها في التجارة الدولية، كلية العلوم الاقتصادية، سوريا، بحث أكاديمي في مرحلة الماجستير منشور في محرك البحث قوقل، 12/12/2014، الساعة 21.40، www.google.dz.

7– للمزيد من المعلومات تصفح: ادريس لمعيطي، العولمة الاقتصادية وما خلفته من تبعية وتخلف اجتماعي على الدول النامي، منتدي الخدمة الاجتماعية، موقع الكتروني مغربي، يوم 09/12/2014، الساعة 21.15، عن محرك البحث قوقل www.google.dz .    

8- – للمزيد من التحليلات تصفح: الزبير بن عون، الديناميات الثقافية لمجموعات المنظمة، قراءة للفصل الثالث من كتاب ثقافة المنظمة، لمؤلفه رونو سانسوليو مقال منشور في الموقع الالكتروني "مقالاتي"،                                                                                                 Rounoud Sainsaulieu dynamique culturelle des ensembles organisés، sociologie de l entreprise، www.google.dz

9- لمزيد من المعلومات ننصحك بالاطلاع على كل من:

- مجد الدين خمش: العولمة وتأثيراتها على المجتمع العربي، الاردن، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، ص1، 2011.

- محمد سيد فهمي، العولمة والشباب من منظور اجتماعي، الاسكندرية، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، ط1، 2008.

- محى محمد مسعد، المجتمع العربي وظاهرة العولمة، القاهرة، دار الكتاب القانوني، ط1، 2008.

- أحمد عبد العزيز و آخرون، العولمة الاقتصادية وتأثيراتها على الدول العربية، مجلة الادارة والاقتصاد، العدد 86، العراق، 2011.

10- § كلمة ISOمشتقة من الللغة الاغريقية وتعني "التساوي" ويرى البعض بانها اختصار للـ المنظمة العالمية للمقاييس، وتستخدم هذه الكلمة في مجال المواصفات لتعني تساوي المنتج بالمقارنة مع المواصفة. وهي منظمة غير حكومية وهي ليست جزء من هيئة الأمم المتحدة، بالرغم من أن أعضاءها يمثلون 120 دولة، وتضع هذه المنظمة مواصفات للسلع والمنتجات والنشاطات والمؤسسات وتؤكد على الجودة والتميز. وتشير الى مجموعة الصفات المميزة للمنتج أو النشاط أو المؤسسة التي تجعله ملبياً للأهداف والحاجات المعلنة والمتوقعة أو قادرة على تلبيتها، وبقدر ما يكون المنتج (السلطة أو النشاط) قادراً على تلبية هذه الأهداف والحاجات يوصف بانه جيد أو عالي الجودة أو سيء.

11- يشير مصطلح المجتمع المدني الى مجموعة من المنظمات الاهلية التطوعية التي ينشؤها الناس ويديرها بانفسهم بشكل تطوعي لتحقيق اهداف عامة، وتشمل هذه المنظمات الجمعيات الاهلية، والاندية، والتعاونيات، والاحزاب السياسية، وتأتي اهمية هذه الجمعيات والمنظمات من كونها تتوسط بين الاسر والافراد والدولة موفرة للافراد آلية فعالة للمشاركة في القضايا العامة، والتأثير على القرار السياسي في المجتمع. كما أنها تدرب الأفراد على الديموقراطية لكونها مؤسسات ديموقراطية تقوم على اتاحة فرص الترشح وممارسة حق الانتخاب لجميع الاعضاء فيها، كما تحصل هذه المنظمات على التمويل اللازم لنشاطاتها من خلال التبرعات الاهلية، ودعم مؤسسات المالية المحلية، ومن المنظمات الدولية، كما تعمل هذه المنظمات في مجال حشد التأييد لقضيا المرأة وحقوقها.

12- للمزيد ننصحك بالاطلاع على صلاح الدين ياسين محمد الحديثي، معتز خالد عبد العزيز، " التأثيرات السلبية والايجابية للعولمة في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية"، مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، المجلد 11، العدد 01، السعودية، 2011، ص.ص 530.522.

13- – بتدخل وللمزيد من المعلومات اطلع على محمد غربي، "تحديات العولمة وآثارها على المجتمع العربي"، مجلة اقتصاديات شمال افريقيا، العدد السادس، مقال مصدره محرك البحث قوقل، الساعة 16.13، 09/12/2014، ص.ص.34.29. www.google.com

أو راجع صلاح ياسين محمد الحديثي و معتز خالد عبد العزيز، مرجع سبق ذكره، ص 528.

14- وفي محاولة لاحتواء تداعيات الازمة المالية العالمية، دعى " كلاوس شواب " رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وهو من مؤسسات العولمة النشطة، وبمبادرة منه لعقد مؤتمر عالمي في 28/01/2009 حضره 2500 اقتصادي وزعيم دولة تحت شعار (تشكيل عالم ما بعد الأزمة) لمناقشة انهيار أسواق رؤوس الاموال، والانكماش الاقتصادي العالمي، وايماناً من المشاركين بان العولمة يمكن أن تقوم بدور فعال في مواجهة الازمة العالمية تم ربط أهداف هذا المؤتمر بالأهداف العامة للعولمة، وحددت هذه الاهداف بمايلي:

 - استمرار النظرة الى العالم كوحدة واحدة بعد أن دمجت العولمة الأسواق وجعلتها سوقاً واحدة.

 - دعم الحكومات ولا سيما مجموعة العشرين في جهودها لمعالجة الازمة المالية.

 - دعم سياسات الحكومات في العالم للتغلب على الازمة، وبخاصة ضخ الاموال في الاقتصاد، ودعم المؤسسات المتعثرة وزيادة الرقابة الحكومية على المؤسسات المالية.

 - البحث في قاعدة القيم الاخلاقية للعمل والاعمال والمنظمات، وتدعيم هذه القيم الاخلاقية.

15- – راجع تقرير " الأمن البشري في ظل التهديدات العالمية الجديدة "، مجلة الدفاع الوطني، 2013، عن الموقع الرسمي للجيش اللبناني، تصفح يوم 08 ديسمبر 2014، الساعة 22.16، www.google.dz.

**  وللمزيد من المعلومات أنظر الآتي:

- أحمد مجدي حجازي، الثقافة العربية في زمن العولمة، القاهرة، دار قباء للنشر والتوزيع، 2003.

- Jean Pauir. Espace économique mondial. Leséconomies avancées et la mondialisation. Presses de Université du Québec. 2000.

- Mazerolle F. Démographie économique. Faculté d economie Appliquée Site de marseille. Canebiere. France. 2007.

- Louis Marie. Mesure de la pauvreté . Un cadre conceptuel. CENTRE CANADIEN D ETUDEET DE COOPERATION INTERNATIONALE. Québec.


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق