]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفتية المغرورون...

بواسطة: نور الدين العلوي  |  بتاريخ: 2015-03-15 ، الوقت: 16:50:35
  • تقييم المقالة:

الفتية المغرورون...

 

 

 

نور الدين العلوي.

 

 روائي وأستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية.

 

 

حرارة الحدث وبرودة التحليل.

 

 في درس قديم علمناه صغارا أن فتية في مقتبل العمر، غرهم العمر وأغراهم البحر، فركبوا غربا من أرض الأندلس. ولم يعودوا. قيل عبروا بحر الظلمات إلى  أرض جديدة. قيل ماتوا وقيل وصلوا. وقيل وجدت آثارهم. ولكن الخبر اليقين لم يكتب في الكتب. سماهم من عرفهم بالفتية المغرورين. في أندلس آخر حزين وصامت وبلا زرياب. نهض  فتية آخرون  غرهم العمر وأغراهم الأمل  فركبوا رؤوسهم و أطاحوا بحاكم مستبد غاشم.  ثم نشروا الفكرة في هشيم الطغاة وهو ينظرون الآن النار تلتهم الحصر القديمة.

 هل يمكن فهم ما فعلوا؟هل يمكن التنبؤ بما قد يصلون إليه؟  هل يمكن وضع قواعد علمية لفعلهم وتنظيره؟.  هذا احتمال بعيد في العلم وفي الزمن فبين حرارة الحدث وبرودة التحليل مسافة سيقطعها الفكر أما الآن فنكتب بروح الفتية المغرورين....

 

هذه هي اللحظات الحرجة  للثورة  التي تغير  وجه الأرض قاطبة. نفيق على حقيقة رائعة الجمال  معتقدين أنها لجمالها حلم  فعلي. فقد كنا نقلنا  السعادة و الجمال إلى الأحلام  كعزاء أخير من حقيقة لا تسعد من يعيشها. حتى إذا تيسر لنا فرح صغير  نمنا لنستعيده. ولكننا نكتشف فعلا أن أعيننا مفتوحة وإننا يقظون  وأن الحقيقة ساطعة. لقد عشنا ثورة  ورأينا نظاما سياسيا يسقط. ثم ها ننظر فنرى مفردات النظام  الساقط تتعدد فنترك كراس الحساب مفتوحا لنضيف. فالحبل وضع على جرار سليم وسيكر بهم فردا، فردا. 

في حرارة هذا الحدث الذي يحمل كل مواصفات الحدث التاريخي لا تزال مفردات  التحليل باردة وغير مواكبة  فالنصر كبير والعواطف جياشة والشارع مفتوح لألف مظاهرة تصحح وتدعم وتزيد من حرارة الفرح بتغيير النظام وغرس بذور الأمل في ما بعد الثورة.

 لذلك فان ما يكتب الآن  يفتقد المرجعيات السوسيولوجية الباردة التي  تنظر هدوء العواطف والعواصف لتصل قلب الفكرة وتدلل عليها  بالحجة الواقعية. ولذلك سيحمل قولي هذا  الكثير  من العواطف والقليل من الفكر الصامدة لتغير معطيات اللحظة الثورية.وهل بقي لتلك المرجعيات من صدقية؟.

 

أي حدث  هو ؟

لقد ثار الشارع  ثورة وردت في الكتب الواعدة، وفي بعض الأغاني الحالمة.  الجماهير  كما لم تتعدد في تاريخها أبدا.  تهدر  على قلب رجل واحد وبصوت رجل واحد  الشعب يريد.  نحت الشعار في لحظة  يفوق جنونها كل عقل عقال يعرفه الفلاسفة . «الشعب يريد». ثم تنوع المقام   بتعدد المطالب وها نحن نكتب في اليوم  الذي  تحل فيه أجهزة أمن الدولة في تونس ومصر استجابة للشعب الذي يريد.

 شعب يثور ولا يتراجع  بل يتقدم كلما استقوت آلة القمع حتى أظهرها في أسخف صورها وأشدها بؤسا ومهانة. ارتعاشه اليد الخائفة  المرعوبة، لم تعد تصدق وعودها الكاذبة. والوجوه المتجهمة الحزينة على مباهج السلطة تضيع إلى الأبد، والأكاذيب الملفقة والتهم الجزاف والعمالة للخارج، كلها سقطت في الحضيض.  لم يرث الأبناء شيئا. سيموتون في غربة أبدية ولن تجد جثثهم مقابر تليق. فالشعب في هذه الحالة لا يريد.

 

ما هو الدافع الحقيقي لما حدث؟

 

يمكن العودة إلى حادثة الاحتراق العظيمة، ولكنها رغم عظمتها التي لا تضاهى  لا تكفي للتفسير. يمكن العودة إلى سنوات الظلم والقهر والحقرة التي مورست على الناس، فحرمتهم الحد الأدنى من الكرامة وحولت المحظوظ منهم إلى خروف سمين يخاف على علفه. أما من لم يسعفه الحظ بالعلف، فقد مات  حارقا أو محروقا. يمكن الرجوع إلى أسباب أبعد  في التاريخ، فالاستقلال السياسي الذي تم  عن الاستعمار المباشر في أواسط القرن الماضي، والذي دفع الناس من أجله الدم والأرواح. لم يأت الا بدولة مسخ. انتهت إلى عصابة من اللصوص المستعدين إلى بيع الوطن بناسه من أجل سلطة بلا رادع و إثراء غير محدود.  يمكن الرجوع إلى أبعد من ذلك فمشروع التحديث الذي عمل من أجله مصلحون كثر وطيلة قرنين من الزمان  سواء بتقليد الغرب كلية أو  الأخذ بأسباب نهضته فقط، لم ينتج مجتمعات متقدمة بقدر ما مسخت القديم ولم تؤسس لجديد مقنع ومرضٍ، لمن يتمناه ويعمل من أجله. فأسباب هذه الثورة   تتراكم ولا تنقض بعضها بعضا.  فإذا كانت كل هذه الأسباب صالحة للتفسير فكيف يمكن أن نستغرب ما حصل أو نفسره بعامل واحد أو نهون من شأنه إلى  احتجاج اجتماعي مرتفع اللهجة ومتعدد المطالب.

 

يمكن إذن إجمال الأسباب في وازع اجتماعي مباشر فجر كوامن كثيرة ومتراكمة من أزمنة قديمة.  مطالب متخلدة بذمة السلطة التي أفشلت الاستقلال وبناء مشروع تحديث  أصيل ومنتم إلى هوية واضحة تملك مفردات ثابتة وقابلة للتطور. وانتظرت وخاب ظنها ولكنها لم تيأس. أخذتها بعض تصاريف الدهر وانشغلت  بكثير من الهوامش، ولكنها لم تفقد بوصلتها نحو التحديث والديمقراطية والعدالة الاجتماعية في صورها  الأكثر حفاظا على الذات البشرية. وستكشف المطالب التي ترفع كل يوم في شارع تونسي و عربي متعطش لكل شيء، التوجهات التي تنطلق من هذه الكوامن والأسباب. كلما رفع مطلب ظهر فيه المكبوت السابق. والمكبوت يكشف تاريخ الكبت وأسبابه. وقد نجد أسباب هذه الثورة تعود إلى المُلْكِ العَضُوضِ الذي أرساه معاوية ذات يوم بدمشق.

 

نحيط بالأسباب  ظنا وبعض يقين ونعتقد أن  هدوء الحدث سيسمح  بالمزيد من  التأكيد على أسباب دون أخرى  ولكن التراكمات  لا شك فيها ولا مناص من أخذها بعين التقدير عند التحليل النهائي إن كان هناك من سيجرؤ على وضع خلاصات دقيقة. لكن رغم حرارة الحدث والعجز أمام كثافته  وجماله الأخاذ وروحه المتدفقة في مرح غامر ودم  دفَّاق الا أن هناك خيوط تحليل أولى. يمكن تبينها الآن والإمساك بها في زمن هادئ وقد تحول الشعار إلى رصانة الفكر.

 

من الذي سقط وما الذي سقط ؟

أكثر من الفرح بسقوط الاستبداد واستعادة الأمل في إرساء الديمقراطية. فان فكرة أولى تتبلور الآن  وتتراكم حولها الحجج المادية الظاهرة هي سقوط المرجعيات القديمة  في نشأة الثورات وتحليل مساراتها ووضع  نبؤات حكيمة عن نتائجها. وقد يطول هذا السقوط حتى شكل الديمقراطية الذي تعرف عليه الناس منذ النهضة الأوربية الغربية في القرون الماضية. إذ يؤدي كل سقوط إلى بلورة بدائل أمتن وأدوم.

 

وننطلق في هذا الظن اليقيني، من أن ثورة تونس غيَّرت شكل الثورات. هذه ثورة لا تشبه ما قبلها. وقد تقود ما بعدها في الآني  وفي البعيد المدى. يأتي اختلافها من  سرعة دفقها في الزمن ومن سرعة انتشارها في المكان ووحدة شعاراتها ووحدة مسيرتها وتوافق الناس فيها على مطلب دقيق.  لم تقم بها طبقة واحدة حسب التصنيف الاجتماعي للطبقات. لم يخطط لها في كراسات نظرية ولم توضع لها مراحل تنفيذ. ثورة خارج الأحزاب والجمعيات ولكنها ضمتها بسرعة وأدمجتها بلا فوراق ولا اقصاءات. لم يكن فيها ترتيب دقيق ومنهجي بين مطالب الخبز للفقراء والحرية للبرجوازية والطبقات الوسطى من المثقفين والموظفين الكبار وأصحاب الأعمال الصغار. كل المطالب وكل الفئات في شارع واحد تحت شعار واحد الشعب يريد.

لقد سمحت هذه الثورة قبل اكتمالها بعد الأسئلة عن  تلك التنظيرات التي اعتمدت طيلة قرن  خاصة بعد الثورة الروسية على نموذج الثورة العمالية التي يقودها حزب الطبقة العاملة من اجل إرساء نموذج مجتمع طبقا لمخطط احتواه الكراس النظري بشكل مسبق؟

كما شككت في  تلك التنظيرات عن قوة الشعب المسلح الذي يبدأ المشوار ويكمله ببناء الدولة القومية ذات الرسالة الخالدة؟ كانت شعارات الثورة خليطا من كل هذا، ولكن كان معها الشعار الديني أي التكبير الجماعي مفصولا عمن يدعي ملكيته الخاصة.

 

إذن إذا كانت هذه الشعارات تبين قوى سياسية وعن خطط ثورية  موضوعة من قديم  في كراسات أيديولوجية فإنها تبين في ذات الوقت أن اختلاطها وخفوتها في خضم شعارات تنحت في لحظتها وترفع تثبت أن  مرجعيات الثورة القديمة  وتكتيكاتها قد اختفت وفي أحسن أحوالها خفتت بما سمح للشارع بالتعبير عن نفسه كما تيسر له دون أن يفقد بوصلته الثورية حتى حقق أكبر الأهداف الآنية. ويخطط للمزيد فالشعار هو دائما «الشعب يريد». هل كانت الشعارات القديمة بكل مدارسها وكراساتها القديمة  جزءا من السلطة؟ وهل تجاوزها هو من قبيل تجاوز السلطة الحاكمة أو النظام الذي نودي بإسقاطه؟

 

إن إجابتي في هذه اللحظة المليئة بالحماس  والقليل من الإسناد السوسيولوجي،  هي أن هذه الشعارات كانت تمارس نفس الدور الخانق الذي تمارسه السلطة/ النظام. لقد كانت جزءا من النظام  يقف على هامشه ويتظاهر بمعارضته. أو يزعم ذلك وقد يعارضه فعلا، ولكن ليس من أجل البديل المطلوب شعبيا وكما ظهر في هذه الثورة بل  يقوم بنفس العمل الخانق للحريات  والمطفئ للتطلعات والمستلم لسلامته النظرية التي لم يختبرها الواقع الحارق. لقد استحكمت  المنظومات الأيديولوجية  التي نتجت عن قراءات  معادة وغير نقدية أي غير سوسيولوجية،  لم تُحَيِّن معطياتها الواقعية ولا راجعت المسلمات الأساسية التي قامت عليها في الكراسات الأولى. وفي مجتمعات ومرجعيات ثقافية  مختلفة كلية.  وبذلك صارت جزءا من النظام القائم وسواء كانت تعارضه صراحة  وتفسد عليه راحته، وهو يسرق الأموال والأرواح. أو تهادنه من أجل لحظة قد تواتي، فإنها قامت بنفس الدور الخانق. وانتهت إلى نفس الموضع مع النظام.

بل هي في جوهرها نظام داخل النظام مع فارق في التسميات والمعلقات الاشهارية. ولذلك فان الشارع يسقطها  وإن لم يصرخ في وجهها بعد. الا أن تلحق الركب وتطور نفسها بلا نفاق للشارع الثائر. وأول خطوات تطوير نفسها أن تسأل نفسها لماذا ثار الشارع دون أن يعود إليها؟ وأن يستفتيها فيما يجب أن يكون وكيف يكون.

 

وهي ليست الوحيدة الملزمة بطرح السؤال عما كان وما سيكون؟ فالسؤال مطروح على الجميع ممن شكل هامش النظام  وممن بقي خارجه. وخاصة على مخابر البحث وعلى من يتصدى للمعرفة العلمية الاجتماعية ودون انتظار طويل لبرود الشعار وهدوء غبار المعارك. 

 

هل القول بسقوط المرجعيات الثابتة يعني الفوضى أو الدعوة إليها؟

 

إن كان المقصود بالفوضى أثناء الحركة  فإنا رأينا كمّا قليلا لم يعمر طويلا. وسريعا ما كشفت أسبابه الواضحة  وفاعلوه  البينين. حتى انه سهل إنهاء حركتهم في أقل القليل من الوقت . وبأقل القليل من الخسائر المادية مما يعني أن الفوضى ليست من الفعل الثوري  بل على هامشه ككل ثورة مضادة  ولكنها ثورة مضادة فاقدة للإمكانيات. وسارعت فوضاها إلى إنهاء الفوضى العفوية التي صاحبت ثورات سابقة في أماكن أخرى.وإذا كان المقصود بالفوضى ما سيأتي لاحقا للثورة من  سياسيات ومن تدبير أمور الحكم ومن تأسيس لنظام جديد. فانا نميل إلى القول بأمرين متلازمين.

أولهما أن المخوفين بالفوضى بعد الثورة لا يختلفون عن المخوفين من الثورة قبل حدوثها. أنهم قوم يفقدون مكاسب خلال الثورة أو لا يجدون مكانهم في المرحلة الموالية، بما يعني أن الحديث أيديولوجي غير علمي وغير استشرافي، بل يميل إلى الحفاظ على وضع راهن لأنه يحمل ضمانات غنيمة مكتسبة أو محتملة.

 

وثانيهما أن المخوفين من الفوضى غير قادرين على تخيل مسار الشارع والتنبؤ به وتأطيره لأنهم لا يقدرون على ذلك من وجوه كثيرة  منها العجز المادي ومنها العجز الجماهيري. ومنها بالأخص العجز عن ابتكار الحلول التي يريد الشارع في المستويات التنفيذية وفي المستويات الثقافية البعيدة المدى.انه عجز عن القيادة. وهذا العجز ناتج  في تقديرنا عن الاستماتة في العودة إلى كراس قديم يحوى حلولا مختلفة لواقع مختلف في زمن مختلف، يزعم الارتكاز على العلمية وقوانين التاريخ. بعد الثورة ينتظر الشارع حلولا لمشاكل اليومي الملح ويحتاج إلى مشروع ثقافي يلبي الصرخة الجبارة «الشعب يريد تغيير النظام». وغني عن القول أن من يعتقد أن النظام المقصود هو النظام السياسي والأمني والاقتصادي القائم هو حتما قاصر النظر قصيره.

 

 

 

 

 هل رؤية عيوب الآخرين تعني  امتلاك الحقيقة؟

 

ليس المقصود في الفقرة السابقة معايبة أصحاب الكراسات الايدولوجية الجاهزة، على اليمين وعلى اليسار أو في الوسط. بقدر ما كان الإشارة إلى أن  الثورة ستخترع  نخبتها من خضم الحركة نفسها.  أول خطوات  خلق (اختراع) نخبة أو تخلُّقِها في رحم الثورة، أن تتجاوز الفكر القديم وشعاراته وثوابته التي تحولت من مرجعيات إلى عناصر تكلس وجمود. وإذ تقوم الثورة بإسقاط  الكلس النظري القديم فإنها تفتح الطريق إلى الأفكار الجديدة والى المفكرين الجدد. ومن علامات هذه الثورة أن المفكرين الجدد قد لا يكونون ذوي مرجعية أكاديمية ولا  يمتلكون تلك المصطلحات الكبيرة التي ترجمت في غالبها عن معاجم العلوم الإنسانية التي بنيت على البحث في واقع مختلف في زمن مختلف.

 

لقد بينت هذه الثورة أن العامة والدهماء تعرف الصواب. فأسقطت بضربة واحدة تلك النظرة الماسونية التصفوية  القائمة على  أن النظام الأمثل يقوم على نخبة تفكر، وعامة تقتدي صامتة وتشكر الله لوجود النخبة. الصواب لا ينزل من الخاصة ومن خاصة الخاصة إلى عامة  من الدهماء الغبية ذات الروح القطيع(رغم الإحالة إلى الماسونية فاني يمكن أن أحيل أيضا إلى فكر الاعتزال و توابعه حيث يتم الاستعانة بالسلطان لتوجيه العامة وحكمها). بل اعتقد أن الثورة قد قلبت المسار وعلى النخبة الآن أن تتبع مسارات تطور فكر الشارع في الشارع. وليس في المنابر الأكاديمية المغلقة دون  أولاد الشوارع الذين يصنعون الثورات ولا يستشيرون الأكاديميات. غني عن القول هنا أن منابر الاتصال الحديثة قد تحولت إلى أكاديميات للثورات على النخبة القديمة وأعجزتها. فمن طريف الوقائع أن أغلب الجامعيين لا يملكون وسائط للاتصال  بمواقع المحادثة الاجتماعية  بدعوى المحافظة. وفي الغالب بفعل  الجهل المطلق  في التعامل مع الحاسوب.

كم سيدوم انقلاب الشارع على النخب؟ وهل القول بانتظار برود الحماس للعودة إلى العقل يعني التلطف مع الدهماء حتى تهدأ ليستعيد المفكرون دورهم التقليدي في قيادة الفكر والناس وإنتاج الأطروحات المستنيرة؟ هذه الثورة جعلت هذا الاحتمال ضعيف جدا. فالثورة تصنع الآن نخبتها.

 

 

 

 

 

لكن ما ملامح هذه النخب الجديدة.

ليس لهذه النخب التي تتشكل في الشارع وفي معسكرات التطوع وفي المظاهرات وفي الجمعيات المدينة والسياسية، ملامح محددة  الآن فهي في مخاض قوي وسريع. ولكنها تتراوح بين مغني راب من غير حملة الشهادات ومن طلبة في طريق الشهادة العلمية ومن عملة ريفيين تدربوا سريعا  على الحركة بحرية في الحقل وفي المظاهرة. وعرفوا دون كبير عناء أن المطالبة المتحلية بالصبر وطول النفس تنتصر وتفرح بتحقق مطالبها. فيها من كل الاتجاهات الفكرية القديمة ولكن بحماس أقل للفكرة وبفيض من الحماس للوعي الآني الذي يتشكل في الشارع. ملامحها غائمة ولكن إجماعها واضح  حول إسقاط النظام.

 

وهي تعرف أن النظام ليس السلطة التي كانت بل كل سلطة تريد أن تكون وتحتال في الحصول على الأبدية. لقد كان الدرس السياسي الذي قدمته  ثلاثة أشهر من الثورة كثيفا إلى درجة تعويض نصف قرن من التجهيل السياسي لشعب كامل. وبدقة أكبر، لقد سيست هذه الثورة في ثلاثة أشهر جيلا كاملا أريد له أن يكون خارج الفعل السياسي والتفكير في الشأن العام وفي الشأن الثقافي. فاختار أن يطرد الزعامات من الاعتصامات وان ينبه إلى الحس الوطني غير الجهوي وان لا يستنكف من جمع كل الشعارات دون أفضلية  ودون انحيازات وتمترس.

 

هل ستكون نخبة  منقطعة عما سلفها؟

 

لا يتعلق الأمر هنا بصراع أجيال تقليدي مما دأب بعض علماء التربية والنفس على تقديمه كمسلمات تنتهي بنصائح عن ضرورة توسيع البال لفهم الشباب.  بل هو نظام  من التفكير ينتهي ليحل محله نظام بديل لم تتبين لي ملامحه بعد. انه صراع مرجعيات، أمسك منه بعض الخيوط الأولية (تحت حرارة الحدث العظيم) التي أطورها فيما يلي على أمل أن يكون هذا فاتحة نقاش في مستقبل الثقافة العربية بعد ثورات 2011 في أقطار الوطن العربي الذي سيقترب من الكيان السياسي الموحد الذي يصارع في ساحة دولية تبحث عن الأقوى  وتخشاه أو تهادنه ولا تمتهنه.

هذا المشروع سينتج رؤية جديدة  للعالم أوسع مما يقوله  لوسيان قولدمان. وستبدأ هذه الرؤية  بوضع حد للمناحة الأدبية والفكرية (الثقافية) التي  عمرت دفتر النكسة وهوامشه. ستنهي هذه الثورة القصيدة الطللية القديمة والمتجددة بعد كل هزيمة يعيشها المثقف الذي أبدع في النواح والتفجُّع أكثر مما أبدع في النشيد والفرحة (وهذه جملة حزينة).

 

تفرض نفسها الآن على القول  موجة من الفرح الناتج عن لحظة عزة . ستكبر هذه الموجة وتعلو.  إذا لم  ترتد هذه الثورات على نفسها بالمسارعة إلى الاستعانة بأجنبي لا يمكن أن يكون الا استعماريا بغيضا وهو في اعتقادي احتمال ضعيف رغم أننا نكتب تحت وقع الثورة اللبيبة. ولأنه لم يكن  لدى جيل الثورة  ماض مجيد يبكونه غير أيام الدكتاتور وأزلامه في كل قطر، فإنهم سينظرون فقط إلى الأمام والى ما يشحنون به  مستقبلهم من مشاريع فردية وعامة  تؤدي إلى المزيد من القوة  الذاتية. وهكذا ينسون الوراء ليروا الأمام فقط. إذن لا شيء ماض نندم عليه ولا طلل في الأفق. 

سيعود الآن إلى السطح ولكن ليس بمعنى الردة الفكرية  اشتباك ثقافي عميق حول نموذج المجتمع الذي نريد. ولكن العودة ستكون أخيرا عملا على حل نهائي وقطعا مع التردد والحلول الجاهزة.

 

 الاشتباك الثقافي المستجد سيكون هنا ومرة أخرى ولكني اعتقدها الأخيرة بين دعاة الأصالة و التحديث  لأن هذا الملف، المعضلة لم يعالج طبقا لطموحات الأجيال التي طرحته. فبقي مثيرا للشحناء الأيديولوجية،  من هذا الملف الإشكالي ولدت التيارات الدينية  المتطرف منها والمعتدل التقدمي منها والأصولي.الممجد للقرن الأول للهجرة والداعي إلى قراءة العصر قراءة إسلامية لا يقدم لها أدوات تحليل غير التمسك بالنص المقدس.

فيه وقع اليسار بكل مرجعياته الفكرية الأيديولوجية فبقدر ما كنت  مسألة العدالة الاجتماعية مغرية  ومحفزة للانتماء فإن  مسألة الهوية والانتماء القومي أو الاممي ظلت ضبابية مرتبكة فضلا على أن الموقف من الدين والتدين عامة ظل منطبعا بموقف المرجعيات اليسارية المؤسسة من الكنيسة الغربية دون أن  ينتبه إلى فروق في التجربة التاريخية للتدين في العربية  وخارج أوروبا عامة. فلم يقبل ولم  يستوعب فلم ينتج لاهوت تحرر محلي.

 ومنه سارعت الليبراليات العجولة إلى الحسم باستيراد مشوه للنموذج الغربي وتبنيه على علاته وتحويله لاحقا إلى أيديولوجيا سلطة قهرية ليبرالية اقتصادية بدون الحد الأدنى من الحريات العامة والخاصة.

 

لقد حصلت في هذه الفوضى  التي دامت نصف قرن أو يزيد، خطوات تحديث كبيرة كان أغلبها أهلي مثل إنجاح مشروع التعليم وتشريك المرأة في النشاط الاجتماعي. كان جهدا أهليا غير رسمي في معظمه جيرته السلطة الحاكمة لمصلحتها وادعته كانجازها الجبار. ولكنه لم يرتق إلى  تفكيك معضلة التأصيل والتحديث. لذلك فان المعضلة الأساسية  لا تزال مطروحة وستعود وسيكون الاصطفاف السياسي  والفكري حولها وضدها منطلقا دائما من نفس السؤال المبدئي.  من نحن وماذا نريد وكيف نريد أن نكون قياسا إلى تاريخينا  والى جيراننا المزمنين.

 

كيف سيحصل هذا الاصطفاف وما إمكانيات  نجاحه وعدم ردته إلى تحزب كلاسيكي أو حرب أهلية؟.

الثورة ستبلور حلولها مثلما تخترع نخبتها الجديدة ، وستكون الحلول اختبارا حقيقا لكل من يزعم الانتماء إلى النخبة المفكرة  في المستوى الأكاديمي  والحركي.  ليس من حل جاهز  وكل من يزعم امتلاك ذلك  ما يزال يفكر بآليات ما قبل الثورة ويعتقد أنه يملك حقيقة  وبالتالي فهو ينتج أيديولوجيا قهرية غير ديمقراطية وغير حداثية.

 

أول  خطوات الحلول هي التنسيب على الجهتين، اليسار واليمين (هذا التصنيف مما قبل الثورة ونستعمله بشكل إجرائي حتى تنتج الثورة مفاهيم جديدة في التصنيف السياسي والفكري) فات أوان أعادة اختراع العجلة ، ولا أحد قادر على يستوعب الجميع.  لان لا أحد  ينتج الحقيقة ويملكها. إذن التعدد  العضوي وليس العرضي المؤقت  هو مصباح الطريق. نعني بالتنسيب هنا تنسيب المرجعيات الاطلاقية. سواء منها المرجعيات الدينية  أو المرجعيات الإيديولوجية وخاصة اليسارية منها. الحقيقة المطلقة فكرة أصولية قاتلة لحاملها ولمن أهديت له. ولا دليل على فشلها المزمن أكبر من فشلها حتى الساعة في العمل وحدها والوصول إلى نتائج مقبولة من الجميع.

التنسيب يؤدي إلى التعدد والتعايش معه وبه. والتعايش يعني التنازل عن الأطراف القصية من الفكرة بحثا عن نقطة وسط. والسؤال الذي يحل في هذا المحل ماذا يوجد في الوسط. وهل الالتقاء في منتصف الطريق يعني التلفيق والتخلي عن وضوح الرؤية.أو هل سيكون إعادة إنتاج للنموذج الغربي  للديمقراطية؟

 

في الوسط يوجد القبول  بالآخر  الشريك المختلف. الذي  لا يمكن إقصاؤه ولا يمكن الا  مقاسمته خيرات المكان الآنية ومستقبل المكان كشرط لازم للبقاء المشترك. يمكن هنا استذكار مثال السفينة التي توجب على الجميع عدم خرقها ولكن ليس المطلوب هنا الحفاظ على سلامتها حتى تنجو من الغرق بحكم الأمواج والرياح إلى تهب من خارجها وتدفعها في غير ما يريد راكبوها،  بل الاتفاق على قيادتها نحو ميناء يجد فيه الجميع بغيتهم. ميناء يجب اختراعه إن لم يوجد بعد.

 

ما هي البغية المشتركة؟ الرفاه المادي للجميع. العدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص المادية والرمزية. الحريات الشخصية المكفولة في إطار من الحريات العامة الثابتة. الانتماء إلى هوية ثابتة ذات معالم ثقافية متميزة لا تستنسخ أي نموذج ماضوي شرقا وغربا. وهذه هي المكرمة والمعضلة. عناصر كثيرة للاتفاق وأخرى للاختلاف. حيث أن التجربة الغربية  في البناء الديمقراطي تمت بعد التخلص من المؤسسة الدينية وعزلت التدين في صيغته الفردية. وهو ما لا يمكن أن يحصل في التجربة العربية  مهما دعا الناس إلى اللائكية بمعناها الذي يفصل الدين عن الدولة.

في هذا المربع يمكن أن يخترع الناس عجلة جديدة للديمقراطية  أو أن يفشلوا وتذهب ريحهم في انتظار ثورة أخرى قد لا تأتي أبدا. هنا سيكون مربع الإبداع أو مربع الخيبة. وهنا تفشل التنبؤات والقراءات العلمية. هنا مكان فقط للتبشير بضرورة اختراع حل يبدأ أولا بالقول أن التجربة الغربية عامة والفرنسية منها بالخصوص (ذات التأثير الخاص في المغرب العربي) ليست مثالا يحتذى.

 

هل يبدو الأمر هنا مرة أخرى كتوليفة حزبية صغيرة مليئة بالنوايا الحسنة، ذات المدى المحدود. الفكرة لم تنضج بعد وليس لمثلي أن ينضجها في خطة متكاملة  ( قد أكون من ضمن المثقفين الذين تتجاوزهم الثورة). بل الشارع والثورة هي التي ستفعل ذلك. الثورة وشبابها من منجزيها ومن سيفتح عينيه على نتائجها. ستقود النخب الحزبية والفكرية الكلاسيكية إلى تقديم تنازلات في طريق الوصول إلى الميناء المشترك والنقطة الوسطية.  عما سيتنازل كل تيار فكري وحزبي؟  وماذا سيترك بين يديه؟. هذه  أوامر سيصدرها الشارع في فوضاه الثورية وأول خطوات التواضع من كل من يفكر هو أن يلتقط خيط المطالبات الثقافية والفكرية لا لينافقها ويجيرها لأطروحاته القديمة. بل لينسجم معها ويفكر معها ويستوعب آلياتها ويحولها إلى أداة تفكير خاصة به ويتوقف عن  إدِّعَاء قيادتها والتنظير لها. فيتطور معها بالنتيجة.وهو ما  يقودنا إلى القول بأن التفكير مع الشارع  في لحظة ثورته ينتج المثقف العضوي بمعناه الجديد.

 

ما هي ملامح هذا المثقف؟.

أولا إنه ليس أكاديميا بياقة  بيضاء  يعرف المناهج ويحدد طرق التفكير لغيره.

إنه ليس مثقفا وسيطا بين المعرفة والناس يقودهم إلى ما يجب أن يعرفوا على اعتبار أنهم أميون مزمنون غير قادرين على الرقي الفكري إلى المثقف.

إنه ليس من يصبغ قداسة على النصوص(مهما كان مأتاها) وليس مفسرا لنصوص مقدسة. 

 قد يكون واحدا من العامة يعرف ما يريد ويذهب إليه بلا قيادة غير إيمانه الصواب المشترك.

 قد يكون ذلك النقابي الذي يتلقط خيط المطالبة الاجتماعية فيخرجه من المطلبية الخاصة إلى المطلبية العامة ويقنع به.

 قد يكون المسؤول المحلي المنتخب الذي يحسن الاستماع ويجتهد قبل تلقي الأوامر من قيادة منعزلة عن واقعها المحلي.

هو هؤلاء معا وتزيدهم التجربة مرانا ومعرفة بما ينبغي أن يكون، بالرجوع فقط إلى التجربة اليومية لا إلى كراس فكري قديم.

الثورة في تقديري تغير الآن صفة المثقف العضوي وتعيد تحديد منشأه و موقعه الاجتماعي. وتفتح إمكانية للجميع في المشاركة و القيادة وتحصيل الفائدة المادية. الثورة تنهي النبؤات  والمرجعيات الجاهزة. بما يجعلني استنتج بهدوء أن  هذه الثورة  وضعت حدا لأصولية المثقف.

 

لذلك فان المطالبات الثورية التي تتبلور الآن  بالقول بالنظام البرلماني وبالقول بتوزيع  السلطة التنفيذية على المحليات أي بمعني إرساء الحكم المحلي غير المركزي هي مطالبات نخبة جديدة  تعرف أهدافها  وتملك أن تتصرف في ما تملك وتصنع بنفسها ما تريد. هذه المطالبة ليست  في تقديري الأولي مجرد رغبة  في امتلاك سلطة والمشاركة مع المركز العارف بكل شيء وهي طلب مشروع في حد ذاته. بل هي أفق حكم جديد مختلف. يجعل المحلي بيد أصحابه بما يؤدي إلى إنهاء التحكم الفوقي. ويسبق النخبة المحلية في القيادة والتفكير على النخبة  القديمة المتمترسة في تعاليها( أبناء العائلات الارستقراطية الحضرية خاصة، أو أبناء الجامعات الأجنبية أو حتى المحلية المغرمون بالمصطلحات الكبيرة التي تشكل بالنسبة إليهم هوية مهنية قبل أن تكون مرجعيات علمية مفهومة وقابلة للتطبيق).

 

إنه قلب كامل لآليات التفكير والحكم. وإنهاء أخير لترسيمة النخبة المتعالية  الحضرية بالخصوص التي تقود الأرياف الأمية. هنا في تقدير مليء بالحماس والتفاؤل والقليل من التنظير، سيجد الناس النقطة الوسط /اللقاء. أي التفكير و القيادة. لان المدار الأساسي لكلا الفعلين، سيكون التصرف في الحياة اليومية. حيث تسقط الايدولوجيا وتنتهي التنظيرات غير العارفة بما يجري وبما يتفق عليه الناس من تدبير أمرهم. دون التفكير في ما سيكون عليه الأمر لوا إنهم اتبعوا  فكرة غير فكرتهم مما أنتج فكر آخر في مكان آخر في بيئة أخرى. الثورة وبعد فشل دولة  النخب  ستنتج براقماتيتها الخاصة والتي ستقترب كثيرا من نظام التسيير الذاتي الذي  ظهرت بواكيره ونجح نسبيا في المجتمعات الاسكندينافية حيث للفرد مكانة في التسيير  سواء داخل مكان العمل أو مكان السكن.أي في مواضع العيش المشترك وسياقاته.

 

لا نحتاج هنا إلى الدفاع عن الحكم المركزي والتفكير المركزي والمثقف المركزي. لن يتلاشي الحكم المركزي أو الحكومة، ولكن ستتحول بالتدريج إلى رموز دستورية تسهل العلاقات الخارجية أكثر مما تنظم الداخل اليومي أو المحلي المعيش. الإدارة المحلية هي بيئة الديمقراطية والحوار الفكري الحقيقي. بيئة قتل التناقضات القديمة المتخلفة كالقبيلة  والحزب. بيئة التحاور في التدين والتكفير وبيئة البحث المشترك عن العدالة الاجتماعية. ستحل تناقضات أخرى ولكن على أسس جديدة بين براقماتية الثورات وتوجهها العملي لتطوير اليومي القائم على التشريك الكامل للفاعلين وبين الأصولية الفكرية ذات المرجعيات المتسامية. لن تكون في تقديري تناقضات طبقية (بروليتاريا  ضد برجوازية) أو  عقائدية إيمانية(إيمان ضد كفر) بالله أو بالمفكر العبقري (القائد الفكري مؤسس المدارس الذي يزعم النبوة). ولكن الصراع سيكون على مقدار النجاعة في تطوير الواقع المحلي ليحقق أكبر قدر من المطلب الجماعي في الحرية والعدالة الاجتماعية أي التمكين الاقتصادي للفرد. بهذا المعنى  يدخل الكلام في التبشير أكثر ما يبقى في التحليل  ولكن.

 

هل هذا تبشير أم بشائر  ظهرت علاماتها؟

 كثيرة هي العلامات التي يمكن التقاطها على التوجه نحو الاتفاق النهائي على إنهاء النبؤات الفكرية والدينية. بما في ذلك  الأزمنة السابقة للثورة. لقد اكتشفت الطوائف الدينية التي جمعت بينها أوطان واحدة أن الأفضل هو التعايش واقتسام اليومي دون الاتكاء على المراجع الفكرية والروحية التي كلًّما فقدت سلطتها على أتباعها أيقظت التناقض لتعيش منه. ولان  منجزي هذه الثورات ليسوا الا الشعوب نفسها فإنها اكتسبت و ستكتسب من الوعي اليومي  ما يجعلها  تنهي عملية العبث بالسلم الأهلي التي يصل إليها الناس بقطع النظر عن القبلة التي يصلون لها.(التعايش السني الشيعي والعربي الكردي في العراق وسوريا والمسلم القبطي في مصر والأمثلة كثيرة).

 

نعم إن الكتابة تحت  وهج الثورة الجائشة الآن  يخلط بين التمني والتحليل فالمسافة بين الأحلام والحقيقة تذوب. ولكن مسارات التطور والتحديث في الشرق كما في الغرب بينت انه في غياب الأنبياء  المزيفين ينتج الناس عقلا فعالا ومفيدا. عقلا عمليا.

 

لقد رأينا الثوار في عملهم السلمي الواعي يقصون من منابر الخطاب كل  متزعم  خارج  من مخبئه في الداخل والخارج الذي لم يسمح له بانجاز الثورة وحده أو مع الآخرين. كان في ذلك بتقديري رد جلي على الزعامات الكلاسيكية. ورد على فكرها الجاهز يمينا ويسارا. ودعوة إلى النخب الجديدة التي بينت ملامحها أعلاه أن تتقدم وتقود معركتها بنفسها.  معركة تحررها من أكاذيب الحاكم ومن أكاذيب الزعماء الذين لا يختلفون عنه الا في التسميات. وكما أسلفنا أعلاه فإن هذه الثورات لم تقم ضد الحكام فقط ممن أفحشوا في استعمال السلطات المادية بل أيضا ضد النخب المفكرة  والجالسة والتي أفحشت في العبث بأحلام الناس وطموحاتهم دون أن تقدم لهم خيارات عملية فعالة ولقد اكتشف الكثير في مسار الثورة أن بعض هذه النخب كانت  تقاول مع السلطة على الشعب المغيب في الأرياف والمداشر الصغيرة خاصة، وتأخذ ما يكفي لتظل به في المعارضات التي لا تتحول أبدا إلى ثورات.

 

 ولكن رغم الخلط بين  الأحلام والواقع، فان هذه الأفكار الأولية لن تكون أبدا  تبشيرا من مثقف(نبي جديد)  إلى شعب أقل ثقافة أو رغبة في  قيادة العامة تحت مسمى المثقف العضوي المقتدر بحكم التكوين الأكاديمي. نعم في هذا الخطاب الكثير من الفوقية  وفيها زعم بالتواضع ولكن مؤشرات كثيرة  تدل على واقعتيها وتحولها إلى أفق تفكير وعمل  يغير مسار الثورات والأمم. وهنا الثورة الثقافية الحقيقة.

 

لن نعود بمفهوم الثورة الثقافية إلى التجربة الصينية والتي اعتقد أنها قابلة للتسميات الا تسمية الثورة الثقافية الحقيقية. فقد كانت ببساطة أمرا من قائد يزعم الثقافة بتصفية أعدائه  دون سماع  دفاعهم (صورة معادة للقائد النبي والشعب الغبي). ولكن هذه الثورة تفتح بابا كبيرا للنقاش الفكري حول من هو المثقف الحقيقي وما هي الثقافة الحقيقية وما هي الرموز الجديدة التي تشحن نصا  ثقافية وتعطيه المعنى المقبول.

 

ولكي لا نثقل على قارئ يستعجل نشرة الأخبار الأخيرة فان هذه الثورة الثقافية تتميز بما يلي ولقد بدأت بعد في :

·        قتل المثقف النبي وإنهاء دوره،  وتحطيم أقلامه وتقطيع كراساته الأيديولوجية).

 

·        قتل الزعيم السياسي الفذ ذي القدرات الخارقة أو نصف الإله.

 

·        قتل الانتماء الحزبي الضيق وفتح باب الانتماء للذات الفردية المؤمنة بالتعايش داخل أنانيتها.

 

·        وضع  حد للرسالات الأصولية التمامية في اليسار واليمين. 

 

·        دحض الزعم بان العامة جاهلة أبدا وغوغائية.

 

·        دحض أسبقية المدن وأهل الحضر على أهل المدر وإلحاقهم  بمركز ما بصفته عاصمة أو محطة  أساسية في مسار تقدمهم. ودحض الزعم  بوجود صراع أزلي بينهما.

 

·        قتل البرامج المسبقة المخططة بعيدا عن حاجة الناس في انتظار حملهم إليها بقوة الدعاية أو بقوة العصا.

 

·        إنهاء المناحة الثقافية التي لم يفلح المثقفون في الخروج منها خاصة بعد هزيمة 67  والتي بثت روحا محبطة بين الناس زاد المثقفون في تكريسها نتيجة لفقدانهم  أدوارهم واحتمالات المشاركة السياسية التي كانوا ينتظرونها.

 

 

هل ينتهي الحديث في الثورات الخارقة؟

 

 لقد أنتجت الثورات دائما موجة من الفرح والتفاؤل بين الناس. وغيرت أنظمة التفكير السابقة لها وعسى أن يكون هذا الكلام قراءة في هذا الاتجاه. لقد كتب في الثورة ما تنوء به الجبال ولكن لم تتم الثورة  بقراءة الكتب. لم تخرج من الجهل ولكن كان يلزمها شيء من العزيمة التي لا تتعلم في الكتب. هذه العزيمة هي الأمل في استمرار الثورة في انجاز مشاريعها الصغيرة والكبيرة. التمكين للإنسان على الأرض الآن. الفتية المغرورون أنجزوا الثورة وتجاوزوا بحر الظلمات ويدخلون  ميناء الديمقراطية ظافرين. فما الذي يلزمهم ليرسوا؟

 

أن يتوقف المثقفون عن تعليمهم إدارة الدفة. لقد أعادوا اختراع العجلة. ووضعوا شروط ابستيمولوجيا الفرح. وهي أن الغد في متناول اليد بلا  نواح على طلل قديم ولا جنة في الغيب  تغنينا  عن جنة الأرض الجميلة. وهي أن الأصولية الفكرية  في اليمين واليسار لا تختلف عن الدكتاتورية. و التقدم يقتضى الحرية. وقد وضعت شروطها من الأحرار للأحرار فقط.

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق