]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قداسة ضائعة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-03-14 ، الوقت: 21:26:22
  • تقييم المقالة:

قداسة ضائعة

 

محمد الحداد /العراق

إذا خرجت الثورة - أية ثورة - عن سِكتها المرسومة وتقيأتْ كلَّ حمولاتها الأخلاقية والقيمية والإنسانية فوقَ الدروبِ التي تمرُّ فيها فليس بوسعِ أيِّ أحدٍ أن يسترجعَ لها ما تساقط من حمولاتها ويُصححَ لها مسارها ويعيدها من جديد إلى سِكتها الأولى..إذا تلطخَ وجهُ الثورةِ بقطرةِ دمٍ واحدة طُعنتْ في طهرها إلى الأبد وانفضَّ عنها أهلها وأصحابها..لأنَّ الثورة بالمُجمل طهرٌ قبلَ أن تكونَ تطهيراً فإذا ارتكبتْ ذاتَ الأخطاءِ التي جاءتْ لتصححها وقعتْ فيتناقضاتٍ غائيةٍ إشكالية حول جدواها وأثارتْ حولها شبهاتٍ جدليةٍ مُحرجة وحينئذٍ لن تكونَ جديرة بأن تُسمى ثورة بعد ذلك.

بعد سنواتٍ دامية من انطلاق أولى شرارات ثوراتنا العربية وبدء رحلة التغييرما الذي بقيَ الآن من تلك الثورات ؟ ما الرسائل التي بعثت بها؟ ما القيم الجديدة التي جاءتْ لتفرضها؟ وما المعاني التي بقيتْ من آثارها؟ تأملوا فقط بنظرةٍ خاطفة خارطة العنفِ الجديد الذي رسمتهُ تلك الثورات في سوريا وليبيا ومصر واليمن ستجدون أن أعيننا ما عادتْ ترى في وجهِ الثورة إلا قُبحاً يرشحُ منهُ صنابير دماءٍ مفتوحة..الجماهيرُ التي كانت تواقة لأن يُنجبَ رحمُ الثورةِ حرية طالَ انتظارهم لها وصلوا اليوم إلى قناعةٍ مخيبة للآمال بأنها لم تكن أكثر من محاولاتِ تنفيسٍ سايكولوجيّ انفعالي مُتخلف لمجموعةِ تراكماتٍ قديمةٍ تمكنتْ تحت ظروفٍ استثنائيةٍ حرجةٍ أن تفجّرَ حِممَ براكينها المكبوتة التي كانت قد اختزنتها عبرَ عقودٍ قاتمة وطويلة من الظلم والجراح لكنها أفرغتها بعد ذلك بشكلٍ بدائي غير محسوب النتائج..ثمة ما هو أخطر من ذلك يمكننا أن نتلمسهُ بوضوحٍ من خلال تتبعِ واستقراء حركة المواقف الغريبة التي تبنتها بعض الجماهير في البلاد التي مرَّ بها قطارُ الثورة قبل سنوات والتي كانت قد أفضتْ بها إلى إسقاطِ أنظمة استبدادها القديمةوتغيير أثوابها البالية بأخرى جديدة كما حصلَ في ليبيا ومصر واليمن تحديداً..تأتي غرابة هذهِ المواقف كونَ أنَّ هذهِ الجماهير استمرتْ في نهجها الرافض لكلِّ شيء حتى بعد أن أسقطتْ طغاتها..ابتدأ ذلك أولاً على شكلِ صراعٍ خفيٍّ ظلَّ يغلي بعنفٍ داخل الصدور ولم تستطعْ إخمادَ نيرانه ما لبثتْ أن تفجرتْ علانية على شكلِ صرخةٍ مدوّية صدحتْ بالرفضِ عالياً وأعلنتْ للجميع أنَّ الثورة التي بدأتْ ذات يومٍ لم ولن تكتمل أبداً..وأنَّ الإرادة التي فجّرتها قادرة دائماً على صنعِ ثوراتٍ جديدة في أيِّ زمانٍ ومكان من دون أن يقفَ في وجهها أحد..ربما بهرتهم ما فعلتهُ تظاهراتهم المليونيةٍ التي سدّتْ في وقتها عينَ الشمسِ في أغلب بلادنا العربية وأغراهم ما صنعوهُ من معجزةٍ أسطوريةٍ لم يصدِّقوا أنَّ العمرَ سيمتدُّ بهم ليروها بأعينهم أبداً حينما دبَّتْ دماءُ الحريةِ الساخنة أخيراً في أجسادهم التي جففها اليأسُ وغادرتها الحياة فتحركتْ أياد أنهكتها الأغلالُ وتجرأتْ أنْترفعَ بوجوهِ طغاتها ألوية تطالبُ بحقها في الحياة..ألوية ما ظنوا أنهم قادرون على رفعها يوماً حتى داخلَ أقبية خوفهم السريةفتمكنواأخيراً أن يسقطوا عروش طغاتهم فطابَ لهم ألا يترجلوا أبداً من أمواج الثورة الهادرة التي ركبوها..ربما هو نحوٌ من غرورِ المُنجز الذي يستعمرُ الرؤوسَ أحياناً ويعدُها بالمزيد, وكأنَّ بريقَ الثورة هذا وسوسَ في عقولهم بأنهُ سيلبّي لهم كلَّ ما يطلبونهُ بإشارةٍ واحدةٍ من أياديهم متى ما شاءوا, وحينما انصاعوا لوهمهم هذا ضاعوا تماماً لمّا أضاعوا جدوى قيامهم بالثورةِ حتى وجدوا أنفسهم اليوم يسبحونَ في بحارٍ من الفوضى والتخبط ويدورون في متاهاتٍ مغلقة من الرفض الدائم الذي لن يفضي بهم إلى شيء أبداً ولا تفسير لكلِّ ذلك إلا أن يكون الدافعُ لموقفٍ كهذا رغبة دفينة في تجميدِ تلك اللحظات الذهبية الفارقة من عُمرِ الزمن والتي فجّروا فيها ثوراتهم واستطاعوا أن يغيروا بها وجهَ التاريخ بغية التلذذ بالمزيدِ والمزيد من تلك النشوةِ المُسكرة التي لا يريدون أن يفيقوا منها وإطالة أمدها..هو صراعٌ سايكولوجي عقيمٌ يحاولُ أن يرفعَ الإلتباس عن الصورِ النمطية الجاهزة من لا جدواهم وذلك بإعادةِ تقويمٍ وتجميلٍ مفاهيمي لحالةِ إنكسارٍ نفسيٍّ قديم ظلَّ لصيقاً بتلك الشعوب لعقودٍ طويلة.. من هنا جاءت ردود أفعال هؤلاء من أجلِ أن يثبتوا من خلال ذلك الرفض الدائم أنَّ ما رسخ في الأذهان طويلاً عن فائضِ وجودهم العبثي المزمن وعقم دورهم قد انتهى وولى إلى الأبد..كأنها رفساتُ احتضارٍ لا إرادية تجاهرُ بخوارها وتكابرُ بعنفٍ من أجل التشبث عبثاً بالحياة لكنها بالنتيجة أساءت لمفهوم الثورة كثيراً إلى الحدِّ الذي جعلها تنزلقُ إلى أن تكونَ غاية بذاتها..

كانت تلك النظرة الغريبة إحدى إفرازات ما سُمي بالربيع العربي والتي شكلت مفترقاً خطيراً وأسست لمفاهيم جديدة اعتنقت العنفَ مذهباً لها وآمنت بهِ كسلاحٍ أوحدَ لاسترداد ما اعتبروهُ ضياعاً لمكتسبات التغيير..من هنا تحديداً تحولتْ ميادينُ التحرير من كونها مكاناً حيوياً فاعلاً ومثمراً أنتجت فيهِ ذاتَ يومٍ أولى بذور الحرية والعدل والديمقراطية إلى مصانع خطيرةٍ أصبحت تنتجُ العنفَ وتغذيه بمراجلَ تغلي بوقودِ التغاير الطائفي والعِرقي والحزبي وتنتهجُ أساليب ثأرية رخيصة في الحروب المفتوحة والتسقيط الوطني والسياسي وتصفية الحسابات حتى فُتحتْ بواباتُ الموتِ على مصاريعها ولم تُغلق حتى اليوم.

ثمة جزئية أخرى لا يجبُ إغفالها لأنها ربما تفسرُ سبباً آخرَ لتبني مثل ذلك الموقف السلبي وهي الصدمة المحبطة التي تلقتها تلك الجماهير التي وقعت ضحية التناقض بين الأملِ والحقيقة..إذ لم يعد خافياً على أحدٍ أن تلك الجماهير الواسعة كانت مخنوقة سابقاً بقيودها ومسممة برائحةِ خوف أقبيتها لكنها حينما تمكنتْ أخيراً أن تكسرَ أحدَ أكبر وأقوى قيودها العتيدة فوجئتْ بأنَّ ما وراء تلك القيود والأقبية لم يكن إلا محض وهمٍ أكبر مُغلف بالزيف والخداع..

اليوم..بوسعنا التأكيد وبثقةٍ تامة بعد سنواتٍ من انطلاقِ رحلة التغيير العربي وتعثر مساراته إنَّ الثورةبوصفها وسيلة إصلاح مشروعة تتطلعُ الشعوبُ من خلالها إلى تغيير مجتمعاتها نحو الأفضل قد تعرّضَ رمزها المقدس إلى الدنسِ والتشويهِ على المستوى الشعبي العام يومَأن نفذتْ دودة السوسِ بمَكرٍ إلى قلبِ ثمار الثورة قبلَ يَنعِها وامتصتْ منها رحيقها القادمبشكلٍ عجّلَ بانطفاءِ جذوة ثوراتٍ أخرى في دولٍ أخرى كان يمكن بل من الحريِّ جداً أن يشتعلَ فتيل التغيير فيها.

فقدتْ الثورةُ بريقها الساحر يوم أن خلعتْ ثوبَ براءتهاوارتدتْ ثوبَ الدمفمالتْ بعيداً عن تلك الأحلام التي كانت تعدُ بتحقيقها وخيبتْ آمال الناس بأنتفتحَ لهم نافذة أملٍ كانت موصدة بوجوههم تماماً ليطلوا من خلالها على سماءٍ جديدةٍ تمدهم بالحرية والعدل والسلام وهي معانٍ مفقودة أنفقوا حياتهم يسمعون بها من دون أن يروها.

ليست الثورةُ محضَ تنظيرٍ أيديولوجيٍّ جاف فارغ من محتواه..هي ليست ثرثرة عصية على الإفهام تترفعُ برطانتها عن الناس..الثورةُ مرآةٌ فورية ينبغي أن تعكسَ نبضَ الشارع وتتنفسَ همومهُ وآماله..هي بوصلة صادقة تستحثّ تلقائياً تبعاً لِما تنبضُ بهِ قلوبُ أهلها..ولن تنجحَ أية ثورةٍ ما لم تكن انجازاً مُتحققاً تراهُ العينُ وتلمسهُ اليدُ بمجردِ أن تنطلق شرارتها الأولى.. وحينما تفشلُ في أن تكون ذلك كلهُ فلن يُصدّقها أحد وسينفضُّ الجميعُ عنها لأنها ستكون حينها قد فقدتْ مصداقيتها إلى الأبد.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق