]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الفردانية المنهجية - ريمون بودون

بواسطة: الزبير بن عون  |  بتاريخ: 2015-03-14 ، الوقت: 20:24:09
  • تقييم المقالة:

الفردانية المنهجية عند ريمون بودون.

Raymond Boudon 

- الزبير بن عون.

- أستاذ علم الاجتماع المساعد بجامعة الأغواط – الجزائر.

Zoubir.benaoun@gmail.com

 تمهيد :

   يأتي بحثنا هدا لعرض النظرية السوسيولوجية لعالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون الذي يعتبر من علماء الاجتماع المعاصرين الذي بحث وتكلم بجدية على مسألة في غاية الأهمية في حقل علم الاجتماع والتي هي الفردانية المنهجية .والدي سبقوه فيها العديد منم العلماء من أمثال ماكس فيبر وألفرد باريتو، ودوركايم وتوكفيل وعيرهم ممن كتبوا في هدا المجال المجال ضمن نظرياتهم السوسيولوجية، ولكن نجد أن مؤلفنا "بودون" يرى أن كل التحاليل السوسيولوجية تحتوي بشكل واضح أو خفي فكرة أو مبدأ الفردانية.

وسنفيض الحديث عن النظرية او المقاربة السوسيولوجية لريمون بودون حتى وإن وجدنا شح كبير في ما كتب عنه وعن نظريته السوسيولوجية المشهورة إلا في بعض المقالات والمؤلفات باللغة الأجنبية.

  وفيما يلي نقدم ترجمة مبسطة على عالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون ونظرة عامة وشاملة عن نظريته السوسيولوجية:

1- لمحة عن حياة ريمون بودون:

   هو عالم اجتماع فرنسي ولد في 27 جانفي 1943 كان طالب سابق في الاحصائيات ومجمع الفلسفة، وكان يدرس علم الاجتماع في جامعة بوردو، ثم عين أستاذا في جامعة باريس الرابعة " السربون " في عام 2002 .

يقوم بتسيير أنشطة التعليم والمخابر البحثية، ومجموعة أساليب التحليل الاجتماعي وهو أيضا عضو في جمعية فرنسا " أكاديمية العلوم الاخلاقية والسياسية " منذ 1990 مع آلان توران، وميشال كروزي، وبير بورديو .

   ريمون بودون هو رائد من رواد علم الاجتماع الفرنسيين في القرن العشرين، بحث مع علماء عصره عدة قضايا في كل المجالات الاجتماعية والسياسية .دافع على علماء الاجتماع التقليديين الكلاسيكيين الذين كانوا يعتمدون على المنطق وعلى القليل من المنهج التجريبي. وجاءت أغلب طروحاته العلمية في اطار الفلسفة الاجتماعية.

  توجه في عام 1960 الى الولايات المتحدة الامريكية وكولابور مع علمائها ناقش عدة قضايا مع العلماء الامريكيين، ومن خلال الاتصال بهم توجه نحو التحول نحو الكمية في علم الاجتماع بعد ما كان يعالم القضايا بأساليب كيفية .

 

نشر رسالة عام 1967 تحت عنوان التحليل الرياضي للوقائع الاجتماعية تحت اشراف "جون ستييالال" وعنده رسالة تكميلية تحت اشراف الاستاذ ريمون آرون " مدخل الى البنائية". على ماذا تتوزع البنى؟.

  نصب ريمون بودون نفسه رائد الفردانية المنهجية التيار الذي أنتج في التحليل السوسيولوجي الفرنسي والذي طوره كذلك. من خلال التأثر ببعض جوانب عمل " ماكس فيبر " ليبني نظريته أو مدخله السوسيولوجي " الفردانية  المنهجية " وكذلك دوركايم و توكفيل.

   الفرد بالنسبة لريمون هو ذرة من التحليل المنطقي في رأيه، فإن العنصر الاول لكل ظاهرة اجتماعية أي في هذا المنظور تحليل عقلانية الافراد، أي أنت الوجهة التي هي مجموعة الافعال الفردية لإنشاء ظاهرة اجتماعية.

ـمواضيع البحث الرئيسة:

وهي تغطي القضايا الاجتماعية وعلم اجتماع التعليم والتنقل، ومنهجية ونظرية المعرفة في العلوم الاجتماعية ، وعلم الاجتماع المعرفة، وعلم الاجتماع القيم والمعايير والمشاعر الاجتماعية.

ـالمسؤوليات العلمية:

* عضو هيئة تحرير المطابع الجامعية في فرنسا.

* العقلانية والمجتمع.

* مجلة العلم السويسرية " برن ".

* النظرية والمقرر " برلين " .

* أطروحة "  موسكو ".

* عضو لجنة الصياغة في تحصيل العلم والفلسفة " برشلونة " .

ـالوظايف :

* باحث في المركز الوطني للبحوث العلمية .

* مدير مركز دراسات علم الاجتماع.

* أستاذ بجامعة بوردو و السربون بفرنسا .

ـالامتياز العلمي:

* منتخب في المعهد الفرنسي "الأكاديمية العلمية للعلوم الأخلاقية والساسية " والأكاديمية البريطانية. والأكاديمية للعلوم الفنون. والجمعية الملكية بكندا . الأكاديمية الاوربية للعلم . الأكاديمية الدولية للعلوم الإنسانية بسانت بطرسبورغ . الأكاديمية الفرنسية للعلوم والفنون . الأكاديمية الاجتماعية لعلم الاجتماع .

* ترأس الاكاديمية الاوربية لعلم الاجتماع.

* مفكر في مركز الدراسات المتقدم في العلوم السلوكية في ستانفورد .

* حصل على جائزة أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية.

* حصل على الجائزة الأوربية للعلوم الإنسانية ، والجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية بباريس.

* حصل على دكتوراء فخرية من جامعة بلجيكا ورومانيا.

ـ مؤلفاته:

* ترجم لعدة مؤلفات، وعالج التفكير الاجتماعي في العلوم الاجتماعية.

* ألف كتاب " مناهج في علم الاجتماع " عام 1969 .

* ألف كتاب الرياضيات في علم الاجتماع عام 1971 .

* ألف كتاب " التحليل الرياضي للعلوم الاجتماعية عام 1967.

- نظرية الفردانية المنهجية:

     تختصر هذه النظرية الإشكالية التاريخية التي ثبتت علم الاجتماع أصلا كعلم مستقل وهي إشكالية الكلية الاجتماعية والفرد ومسألة النظرية الاجتماعية. فالنظرية ظهرت في أعقاب النقد الشامل الذي تعرضت له العلوم الاجتماعية وقاده الفيلسوف الفرنسي الراحل كارل بوبر. وكان السؤال المركزي الذي الذي تعرض له علم الاجتماع يتمحور على الموضوع الأساسي للعلم هل هو في دراسة الكليات والأنساق الاجتماعية أم في دراسة سلوكات الأفراد واندماجها؟ وهو سؤال  يستوجب التذكير بدوركايم وصعوبة الانتقال من الفردي إلى الجماعي ( ظاهرة الانتحار ) ولجوئه إلى الطرح الهولستي، أي رؤية كافة الأسباب الموضوعية للظاهرة.

تكمن أهمية سوسيولوجيا عالم الاجتماع الفرنسي ريمون بودون في نجاحها في تزعم حركة تجديديّة أصيلة في علم الاجتماع. فلا أحد بإمكانه أن ينزع عن كتابات بودون سبقها في إثارة مسألة على غاية من الأهمية في حقل علم الاجتماع والعلوم ذات الصلة ألا وهي مسألة الفردانية (L'individualisme). وبرغم تأكيد هذا السوسيولوجي الفرنسي المعاصر في مختلف كتاباته عن أصالة المقاربة الفردانية وتجذّرها في الإنتاج السوسيولوجي الكلاسيكي فإن كتاباته شكلت منحى موازيا لما تعرف عليه بالمسلّمات النظرية الكليانية في حقل علم الاجتماع. بل أكثر من ذلك، لقد خلَص بودون الفرد من ضيق أفق النظريات الكلاسيكية وخصَه بمقاربة منهجية جد شاسعة هي التي مكنته من ولوج أغلب البراديقمات السوسيولوجية اليوم.

2- الفر دانية في التراث السوسيولوجي الكلاسيكي:

   استخدم هدا المنهج من قبل كافة علماء الاجتماع في شروحاتهم التي انتشرت لتصل إلى الصفات الفردية، ثم طرح هدا المنهج لكي يكون ضد أعمال دوركايم الذي قال فيها بأن الصفات الفردية يمكن إهمالها بكل سهولة في تفاسير علم الاجتماع " في موضوع الحقائق الاجتماعية" لأنها موجودة بذاتها وإمكانية دراستها بمعزل عن الأفراد التي تكون أفعالهم محددة من قبلهم . وهناك طرحا آخر أقل تطرفا جاء عن طريق بعض الوظيفيين ذكروا فيه أن الجماعات الاجتماعية أظهرت ملكيتها على شكل صفات تبرز أثناء تفاعل الأفراد لكن لا يمكن اختزالها وتنسيبها إلى الأفراد. وفي المقابل لهذا ادعى هذا المنهج الفرداني أن مثل هذه الاحتمالات الوظائفية تعتمد بشكل نهائي على الاحتمالات الخاصة بسلوك الفرد ، وقد حصل حوار النهج الفرداني قيل عنه أنه غير معروف ومشهور الآن ، كما كان قبل عشرين سنة في قياس حول علاقة الفرد بالمجتمع، أو علم النفس بعلم الاجتماع، تحول الانتباه فيه إلى مواضيع أخرى مثل الوكالة أو البناء، بينما قد يكون من السخف والسفاهة القول بان المجتمعات تتكون من مجموعة أفراد .هذا الذي يكشف التفاسير الاجتماعية بأنها انقسمت إلى علم النفس وعلم الأحياء، فضلا عن ذلك فإنه من المحتمل جدا أن تكون الصفات الفردية في الأساس اجتماعية وتم استخراجها من التفاعل القائم بين الأفراد. 

يجمع الباحثون على أن أصول المقاربة الفردانية تعود أساسا إلى أعمال كل من "ماكس فيبر"و"الفريدو باريتو". نجد في مؤلفات بودون  تأكيدا على هذا الأمر، وهو ما فتئ يعود إلى أعمال هاذين المفكرين ليبرهن على أصالة فكره وتجذّر مقاربته الفردانية في الفكر السوسيولوجي. فالتصنيف الفيبري المعروف للأفعال الإنسانية (الفعل التقليدي والفعل العاطفي أو الانفعالي والفعل العقلاني القيمي والفعل العقلاني الغائي).أما التمييزالباريتي المشهور ميز بين الفعل

المنطقي والفعل غير المنطقي. شكلا أساسا متينا بنا عليه رواد المقاربة الفردانية طروحاتهم.

إلا أن الملفت للانتباه في الطرح البودوني هو تفطنه إلى أن جذور المقاربة الفردانية تمتد حتى لعلماء الاجتماع المعروفون برواد المقاربة الكليانية  على غرار "كارل ماركس"و"إيميل دوركايم". لقد انتهى "بودون"إلى أن كل التحاليل السوسيولوجية تحتوي بشكل ظاهر أو خفي على مبدأ الفردانية ويذكر في هذا الإطار أن الفردانية كانت موضوعا لتعاريف متعدّدة ، فهي لدى "ألكسيس دي توكفيل"نتاج اتساع المجال الخاص ولدى دوركايم انعكاس لتدعم استقلالية الفرد معياريا وأخلاقيا،  وهي لدى "جورج زمّل" و "تالكوت بارسونز". "نتيجة لتطور العلاقات الاجتماعية، أما لدى "ماركس"فهي نتاج المنافسة في السوق التي تدعم انعزال الأفراد.

هكذا، وبرغم عزوف رواد المقاربة الماكروسوسيولوجية عن إيلاء الأهميّة المناسبة لمسألة الفردانية فإنهم لم ينكروا وجودها. ومهما تكن نتيجتها أو أسبابها فإن المهم بالنسبة لبودون هو أنها موجودة داخل نفس هذه المقاربات. إن عالم الاجتماع بالنسبة لدوركايم مثلا "مدعوّ إلى تحليل أثر البيئة وتغيرات المحيط على الفعل الفردي. وبأكثر دقة، فهو يعتبر المحيط كمساهم في تحديد عنصرين هامين في الحقل الذي يتموقع فيه العون الاجتماعي هما عامل الاختيارات المقدّمة له وقيمة الأهداف التي يقدمها". بلغة أخرى، إن آثار البيئة والمحيط لا تقع في فراغ بل في وحدات مشكلة لهما وهذه الوحدات يمثلها الأفراد الذين يتموقعون بدورهم داخل البيئة والمحيطولعل التعريف الذي قدمه دوركايم للواقعة الاجتماعية يتماشى وهذا الاعتبار إذ هي في نظره "تتعلق بطرق الفعل والتفكير والإحساس الخارجة عن الأفراد والمفروضة عليهم".

فالعلاقة إذن جدلية دائمة، وحتى وإن أقر دوركايم- على سبيل المثال- بذلك باعتبار أن هؤلاء ليس لهم من إمكانية للاندماج الاجتماعي غير قبول إملاءات المجتمع، فإنه ترك مجالا شاغرا في عالم المفرد أسماه بالوعي الفردي يعيشه الفرد بالتوازي مع وعيه الجماعي وكلاهما مطالب بالتجاوب مع الآخر رغم المكانة الأكبر التي يوليها دوركايم للوعي الجمعي.

ولكن الملفت للانتباه في المقاربة الدوركايمية هو أنها لم تجعل من الفرد عنصرا قادرا على الفعل والتأثير إلا في إطار المجتمع المعقد حيث يسود التضامن العضوي. وهكذا فمن الممكن أن نجد لدى دوركايم بعض الوعي بأهمية هذا الفرد في التحليل السوسيولوجي للظواهر الاجتماعية عبر ما يحمله في مرحلة التضامن العضوي من كفاءة وقدرة على التحرّر عن الجماعة العضوية التي ينتمي إليهاوذلك عن طريق التخصص..

لقد أفاض في هذه المسألة كثيرا، بل أثبت بجدارة عمق و تجدر المقاربة الفردانية في التراث السوسيولوجي الكلاسيكي.ولكن مع ذلك فإننا نجد في مختلف كتاباته نقدا  للمقاربات الكليانية التي "لم تنظر للفرد إلا بوصفه نقطة عبور للأفكار الجماعية حيث تحدّد طموحاته ورغباته عبر محيطه الاجتماعي".هذا هو الفرد الذي سيجعل منه بودون أداة التحليل المركزية في أعماله، بل أكثر من ذلك لقد جعل منه إطارا للتحليل، وهو أيضا زاوية النظر التي سينظر منها  وعبرها للظواهر الاجتماعية على نحو ما تقرّه الفردانية المنهجية.

3-  دلالات الفردانية المنهجية :

 

   إن باراديقم النظرية يقول: " إن تفسير ظاهرة معينة يعني وجوب الأخذ ينظر الاعتبار أنها دائما نتيجة للأفعال الفردية، وأن هذه الأفعال هي المواقف والآراء والسلوكات ". وفيما يخص موضوع علم الاجتماع فالنظرية تميز بين ثلاث دلالات هي:

3-1- رؤية الفرداية كواقعة اجتماعية:

فالإشكالية هنا تتعلق بتمايز أشكال الاندماج / الفرد ما بين المجتمعات التقليدية والمجتمعات الحديثة. وفي التراث السوسيولوجي نجد "دي توكفيل"كأول محلل للفردوية يبحث في حقوق وواجبات الفرد، بل أنه من خلال مبدأ تكافؤ الفرص يمكن تحقيق الاندماج الاجتماعي للفرد. وبالمثل يقدم دوركايم نظريته في تقسيم العمل الاجتماعي معتقدا أن تقسيم العمل سيؤدي إلى تعزيز استقلالية الفرد والحد من الاعتماد المتبادل خاصة كلما تعقد المجتمع الصناعي.

فالانتقال من المجتمعات البسيطة إلى المجتمعات المعقدة هو إذن واقعة اجتماعية مرت بها البشرية، والتغيرات مست الفرد والجماعة والنظام والسلوك ونمط الحياة، فلماذا لا نكون أمام واقعة اجتماعية يبدو الفرد مميزا عن ذي قبل وربما سيدا للمرحلة القادمة من الحياة الاجتماعية؟.

2-2-  رؤية الفرداية كقيمة أخلاقية:

إن النظر إلى الفرداية كمجموعة أحكام قيمية سيؤدي إلى بروز وجهتي نظر متلازمتين هما:

   - وجهة النظر التقليدية التي تعتقد أن الفردية ستؤدي إلى ضعف الاندماج وتفكك الروابط الاجتماعية وأواصر الولاء بين الأفراد.

   - وجهة نظر دوركايم التي تعتقد أن الفرداية هي أحد سمات المجتمع الحديث، وهي بالتالي سمة أصيلة وقيمة بارزة ومنتجة من شأنها تدعيم الاستقلالية. غير أن دوركايم خشي من نزعة الأنانية التي قد تجتاح الفرد مع مناخ الحرية والإعلاء من قيمة الفرد.

  3-3- رؤية الفرداية كمبدأ منطقي:

 إن للفرد أفعال اجتماعية مثلما أن له أفعال اقتصادية. ذلك أن معظم النجاحات التي حققها  الاقتصاد تعود بالدرجة الأساس إلى مبادرات فردية إن على صعيد النظرية أو على صعيد العمل والإنتاج. فلماذا لا يكون هناك إنساناجتماعي مثلما هو الإنسان الاقتصادي؟.

4- الفردانية كقضية منهجية:

ما فتئ بودون يؤكد في مختلف كتاباته على خصوصية الظاهرة الاجتماعية ومن ثمة فهو يذهب إلى أن تحليلها يستوجب فطنة قد تفتقدها بعض العلوم القريبة من علم الاجتماع. فإذا كان بالإمكان مثلا تحليل الظاهرة الاقتصادية تحليلا ماكروسوسيولوجيا أي في ضوء العلاقة بين العرض والطلب، فإنه من الصعب جدّا تحليل نسب الانتحار مثلا في ضوء هذا النمط من التحليل (الماكروسوسيولوجي)، إذ تخضع هذه النسب لمنطق معقد-على خلاف الظواهر الاقتصادية-يتغير تبعا لتغير الأفراد. وهذا المنطق المعقد لا تنتجه البنى كما في سوسيولوجيا ماركس ولا المؤسسات كما في سوسيولوجيا  ديركايم مثلا، بل ينتجه الأفراد ومن ثمة وجب إيلاء هؤلاء الأهمية التي يستحقون.

إن خصوصية التحليل السوسيولوجي تكمن كما يقول بودون في أنه "يرنو إلى دراسة حالات فردية، لا من خلال براديقم استخراج المفرد.من المفرد، بل من خلال نمط أو شبه نمط ممثل لبنية نظام التفاعل تنمو داخله الحالات التي سنفسّر". ومهما تكن سلطة هذا النظام على الأفراد المكونين له من خلال تفاعلهم فإن لهؤلاء أيضا قدرة على الفعل والتأثير ومن ثمة على تغيير هذا النظام وهو ما يستوجب طرحا منهجيا مخالفا يعطي للأفراد أولوية في تحليل هذا النظام.

يعني مبدأ الفردانية المنهجية وفق بودون: "أنه على عالم الاجتماع أن يقيم قاعدة منهجية لاعتبار الأفراد أو الفاعلين الفرديين المنتمين إلى نظام تفاعل كذرات منطقية في تحليله".تنبني هذه القاعدة المنهجية إذن على أساس اعتبار الأفراد المسؤولين المباشرين عمّا يطرأ من ظواهر اجتماعية داخل الأنظمة. وهو اعتبار يعيد ترتيب وحدات التحليل من جديد على أنه يقطع مع المسلمات الكلاسيكية في علم الاجتماع، تلك التي تغالي من شأن البنى والأنظمة والوظائف وتجعل الفرد أسير ما يمليه عليه أحد هذه الوحدات المشكلة للمجتمع.

 وفي الواقع تقوم الفردانية المنهجية عند بودون على نقد هذه النظريات التي يرى فيها غلوّا ومبالغة في هذا الجانب، بل هو يجعل مقاربته على طرفي نقيض مع ما يسميه بالوظيفية المغالية والثقافوية المغالية والواقعية الكلية.

 لم يكن الفرد في سوسيولوجيا بودون أداة التحليل الرئيسية إلا لكونه فاعلا واعتبارا لذلك أدرج مقولة الفردانية المنهجية في إطار براديقم الفعلانية. فالظاهرة الاجتماعية كيفما كانت هي نتاج لأفعال ومواقف ومعتقدات وسلوكات الأفراد.وهو الأساس الأول الذي يقوم عليه براديقم علم اجتماع الفعل، أمّا الأساس الثاني فيتعلق في نظر بودون بضرورة البحث عن معنى السلوكات الفردية التي تشكل أساس الظاهرة الاجتماعية أي الإجابة عن السؤال لماذا؟ وهو ما يسميه فيبر بالفهم.

  يرد استعمال بودون للفظ الفهم في إطار تأصيله لمقاربته الفردانية. هذه المقاربة التي تستمدّ جذورها من الإرث السوسيولوجي كما إن جوهر تحليل وفق ما  تقتضيه الفردانية المنهجية هو إذن الفهم. بمعنى فهم سلوكات الأفراد قصد فهم خفايا الظاهرة والآليات المتحكمة فيها. غير أن ذلك لا يكون بمعزل عن ضغوطات الأنظمة المحيطة بالظاهرة والتي يتحرّك في إطارها الأفراد إذ "لا تقتضي الفردانية المنهجية أية تجزئة بما أنها لا تقصي بأيّ شكل من الأشكال الظواهر العلائقية مثل التأثير والنفوذ. وتؤكد على أن يفهم سلوك الفاعل بالنظر إلى وضعية ما تتحدّد هي نفسها جزئيا بمتغيرات ماكرو سوسيولوجية.

ليس هناك من مجال وفق بودون لنفي أثر البنى في الفعل الفردي ولكن ذلك لا يعني أنه يتحدّد وفقها بل هي تساهم جزئيا في تحديد اختيارات الفاعل،وهو بالضبط ما يقرّه بودون بقوله:"إن الذرة المنطقية للتحليل السوسيولوجي هو إذن الفاعل الفردي وهذا الفاعل لا يتحرك في فراغ مؤسساتي واجتماعي ولكن مجرّد أن يكون فعله واقعا في سياق من الضغوطات أي من الوحدات التي يجب أن يقبلها كمعطيات مفروضة عليه لا يعني أنه يمكن أن نجعل من سلوكه النتيجة الحتمية لتلك الضغوطات". فالبنى إذن موجودة وتجد متانتها في المؤسسات التي قد تتشكل وفق أطر وأنظمة ذات وظائف أيضا ولكنها لا محالة تعجز عن نفي قدرة الفرد كفاعل على الاختيار. ومن ثمة وجب على عالم الاجتماع أن يعود إلى جوهر الظاهرة لا إلى مظهرها الخارجي وذلك عبر البحث في دوافع الأفراد ومنطقهم في سلوكهم فعل دون آخر. وهكذا ،و"مهما تكن المسافة الفاصلة بين الملاحظ والفاعل مكانيّا وزمانيّا فإن الأول يستطيع دائما فهم الثاني شريطة أن يحصَل معلومات كافية حول الظروف المميزة للمحيط الاجتماعي للفاعل".

  5-المفاهيم الأساسية لنظرية الفرداية:

5-1-  أثر التجميع:(effet d'agrégation)

   يستجيب مفهوم "أثر التجميع" للحاجة النظرية والمنهجية التي تستدعها المقاربة الفردانية. فإذا كانت الظاهرة الاجتماعية هي التي تتشكل أمام الدارس وتستفزّه للبحث فإن المقاربة الفردانية لا تقوى على إشباع هذه الحاجة إلاّ متى أخذت بعين الاعتبار حجم هذه الظاهرة وظروف تشكلها،وهو بالضبط ما يحيل له مفهوم أثر التجميع الذي أورده بودون للإحالة إلى أصل تكوّن الظواهر ألا وهي الأفعال الفردية. هذه الأفعال تتجمع معا فتنتج أثرا ماكروسوسيولوجيا قابلا للملاحظة والفهم ولكن ذلك لا يعني أن الأفراد يتصرّفون عن قصد وبشكل معين لإنتاج ظاهرة ما، فهذه الأخيرة تنشأ لذاتها على اعتبار أن لا أحد من المساهمين فيها قد قصد إنتاجها،بل إن أثر التجميع لا ينشأ عن ترابط بعضهم بالبعض الآخر.

ويستخرج بودون من تحاليل ماركس مثالا واضحا على أثر التجميع ويتعلق بسلوكات رجال الأعمال المدفوعة بالرغبة في زيادة المرابيح حيث يسعى كل واحد منهم إلى زيادة إنتاجيته للتخفيض في الكلفة على اعتبار أن ذلك يؤدي إلى زيادة الفائض. ولكن الأمر المفارق هنا يتعلق بالانخفاض المطّرد لمرابيحهم الذي يعود إلى أنه- ولكي يبلغ رجل الأعمال مبتغاه،فإن عليه أن يعيد استثمار مرابيحه بشكل متواصل وهو ما يؤدي إلى انبثاق أثر معين هو أنه عوض أن تزيد المرابيح فإنها تنخفض، ويظل الرأسمالي محكوما بهذه اللعبة شأنه شأن البقية رغم أن كل واحد منهم قد فكر بطريقة منعزلة ولم يطمح أبدا إلى إنتاج هذا الأثر.

هكذا إذن تنشأ الظواهر، ويقدمها بودون على أساس أنها حاصل تجميع أفعال متعدّدة لفاعلين متعدّدين يتفاعلون في ما بينهم ومع النظام فينتجون آثارا يلخصها بودون كما يلي :

     M = M(m)    

 M(m)= حاصل تجميع آثار فردية. 

.M = أثر التجميع          

m  = الفعل الفردي.        

 ومثلما هو ملاحظ من خلال هذه القاعدة، لا يعني أثر التجميع مجرّد عملية جمع بسيطة من نوع (A+B+C=X)بل تتشكل القاعدة على أساس تفاعل الأفعال الفرديّة الذي ينتج أثرا معيّنا تتم قراءته على أساس عملية ضرب من نوع AxB) x (AxC) x (BxC) = X  وهو ما حدا ببودون إلى استعمال مفهوم أثر التكوّن أحيانا كمرادف لمفهوم اثر التجميع.

ومثلما يفيد مفهوم أثر التكوّن نفسه فإننا نجد أن مجرّد تغير أيّ عنصر من العناصر المساهمة في نشوءه يغير بالضرورة هذا الأثر على النحو الذي رسم عليه بودون مفهوم أثر التجميع حيث لاشك أن غياب أو تغير أي فعل فردي مساهم في نشوء ظاهرة معينة يؤدي إلى تغير هذه الأخيرة أي نتيجة تجميع أفعال فردية مغايرة للأولى.

ويعود بودون إلى عالم الاجتماع الأمريكي روبرت ميترون الذي كان  وفق بودون-  سباقا في تفسير أزمة 1929 الشهيرة بطريقة مخالفة لما قدّمه علماء الاقتصاد آنذاك. إذبيَن ميترون أن هذه الأزمة تستثير في التحليل السوسيولوجي ضرورة طرق النتائج غير المتوقعة للأفعال الإنسانية أي ضرورة فك رموز ما أسماه بآثار التشكّل. لقد بيّن ميرتن أن ليست مواقع الأفراد تحدّد  دائما السلوك الفردي على نحو ما قدّم ماركس بل لا يمكننا توقع مدى تأثير البنية الاجتماعية على النظام التفاعلي بين الأفراد. إذ يمكن أن نكتشف مثلا أنه في بعض الأحيان تكون الإشاعة خالقة لنظام تفاعل غير مطابق لما كنا نتوقع على نحو ما وقع سنة 1929 حيث لجأ الحرفاء إلى سحب إيداعاتهم لمجرد مرور إشاعة حول اختلالوشيك للنظام البنكي بالولايات المتحدة الأمريكية.

5-2-مفهوم الآثار غير المتوقعة أو الصدفة: (effets pervers)

وعلى أساس هذا الطرح وطروحات أخرى مماثلة ينتهي بودون إلى أن الآثار غير المتوقعة تحتل حيّزا هاما في حقل الواقع. فهذا الأخير ينفلت عن مختلف التوقعات ويتشكل في عديد الأحيان وفق ما ينتج عن أفعال الأفراد رغم أنهم يتحرّكون باستمرار بطريقة منعزلة عن بعضهم البعض. فإذا تحسّنت مثلا حظوظ كل فرد من أفراد المجموعة يمكن أن ينتج عن ذلك تزايدا في عدم الرضا الجماعي .إذ يصبح كل فرد - وإن اختلفت وضعيته عن البقية- يطمح إلى أكثر مما يمكن أن يجني، وبرغم أنه لا أحد من هؤلاء قد اختار –بوعي- أن يصل إلى هذه النتيجة فإن ما نتج هو مخالف لما كان متوقعا.

على هذا النحو اختار بودون في مختلف تحاليله طريقا مغايرة تولي العناية اللازمة لما هو غير منتظر ولا مطابق لما برمج له مسبقا. والأساس الذي تنبني عليه هذه الفكرة أمر لم يكن له من حسبان في الأعمال الموازية لأعمال بودون وهو أسـاس يقوم على مفاهيـم جدّ مثيرة في علم الاجتماع على غـرار الشـاذ  والصدفة  وأثر الانبثاق وهي مفاهيم لم يكن لها من معنى في علم الاجتماع وحتى وإن وجدت فإنها كانت تفتقد إلى الدقة العلمية والصرامة في افتراض وجودها وهو ما افتقدته أعمال كل من باريتو و فيبر مثلا رغم الدور الإلهامي الذي قامت به أعمالهما في نشأة وتطوّر الفكر البودوني.

ويلخص بودون ما سبق في قوله : "يتم اعتبار الصدفة  في العلوم الاجتماعية عموما كمأوى غير محبّذ. إنه موجود في كل مكان ولكننا نتعسّف في الغالب لإزاحته وتناسيه ونكران وجوده. تختلف المواقف حول نمط وجوده ولكن الغالبية يريدون اعتباره نتاج جهلنا: إنه فقط لأننا لم نتناول كل المتغيرات المحدّدة لظاهرة ما نرى أنها غير محددة جزئيا، ولكن إذا كانت المواقف حول نمط وجود الصدفة متغيرة فإن هناك نقطة يمكن أن نلاحظ نوعا من شبه الاتفاقحولهافي العلوم الاجتماعية ويمكن أن تكون داخل دوائر أوسع وهو أن الصدفة لا تمثل أيّة أهمية من زاوية نظر المعرفة". وعلى النقيض، إن الإقرار بوجودها قد يتنافى ونكران أهميتها معرفيا. إذ كيف لنا أن ننفي الأهمية العلمية لمتغير نقرّ بوجوده؟ وهكذا يجب علينا اعتبارها – كما يقول بودون- مادة أو متغيرا أو مجموعـة من المتغيرات بل بوصفها بنية خصائصية من الحلقات السببية مثلما تظهر للملاحظ. وفي كل الحالات، يمكن تحليلها بشكل مغاير للشكل الذي يعتبرها مفهوما سلبيا فارغا وبالتالي دون أهمية علمية.

إن الميزة الأساسية للإضافات المفهومية لريمون بودون تكمن في نظرنا في متانة العلاقة بين المنهج والمضمون وبين الفرضية والمفهوم. هذه الميزة التي جعلته ينفرد بجملة من المفاهيم تتوالد فيما بينها وتتواصل بواسطة خيط جدّ رفيع.فالمقاربة الفردانية فتحت الآفاق لإيلاء الفرد المكانة الأهم في التحليل السوسيولوجي، وهذا الاعتبار النظري – المنهجي جعل بودون يستلهم مفاهيم "أثر التجميع" و"أثر التشكل" و"الآثار الشاذة" و"الصدفة" و"أثر الانبثاق"... وهي كلها مفاهيم تتكامل فيما بينها لتنتج مقاربة جدّ مخصوصة في حقل علم الاجتماع ما فتئت تستثير الباحثين وتستنهض هممهم لإعادة قراءة التراث السوسيولوجي أولا وطرق أبواب أخرى للتحليل العلمي الاجتماعي ثانيا.

    - كما تستعمل الفرداية ثلاثة مفاهيم أساسية أخرى لتحديد الموضوع الاجتماعي أو لدراسة الظاهرة الاجتماعية. وهذه المفاهيم هي:

5-3- الإنسان الاجتماعي كنظير للإنسان الاقتصادي بوصفه فاعلا فرديا:

تنطلق الفرداية إذن من فرضية المماثلة بين الإنسان الاقتصادي كفاعل له اختياراته واستراتيجياته والإنسان الاجتماعي كفاعل له اختياراته أيضا، وتدعو على هذا الأساس إلى:

*  النظر في السلوكات والأفعال الفردية للتساؤل عن اختيارات الأفراد المعنيين وصياغة الفرضيات على ضوء الاختيارات. هذه الدعوة هي التي تشكل التوجه النظري الحاسم للفرداية.

*  تنظر الفرداية إلى الأفراد بوصفهم فاعلين في وضعية تتطلب منهم تحديد اختيارات ومواقف.

*  تعمل الفرداية على إبراز دوافع هذه الاختيارات وتمثلات الفاعلين ومعتقداتهم ومعارفهم اعتمادا على التفكير العقلاني أو الأخلاق والمعارف المستبطنة لدى الفاعلين.

5-4-الدور:

لكل فاعل عدة أدوار اجتماعية تخضع لمعايير وإكراهات، غير أن الفردانية تنظر إلى هذه الأدوار انطلاقا من كونها تمثل رصيدا استراتيجيا مضمونا للفاعل ومدعوما من هامش الاستقلالي وليس من كون الأدوار مجرد معايير إلزامية. لذا فالفرداية لا تهتم بإحصاء الأدوار المفروضة بل بكيفية أداء الفاعلين لها وكيفية الحكم على الأدوار الثانوية المقترحة عليهم وماهية الأسس التي يحكمون بها.

 5-5- أنظمة الاعتماد المتبادل = أنظمة تفاعل:

إن نظام الاعتماد المتبادل هو نظام تفاعل يمكِّن من تحليل الأفعال الفردية دون الاستعانة بفئة الأدوار. إذ أن الدور بحد ذاته لا يعني الفرداية ولا يهما ولا يشكل حتى جزء من الظاهرة، ذلك أن نظام التفاعل يقترح النظر في السلوكات والتوقعات والطموحات الناجمة عن الفعل الاجتماعي وليس اشتغال الدور أو عدم اشتغاله. فالأفعال التي يقوم بها الفاعلون إنما تؤدي إلى ظواهر جماعية ليس للدور فيها شأن يذكر كظاهرة العنصرية لدى العمال الأميركيين أو إشاعة إفلاس البنك.

6 - بعض نماذج الفعل في النظرية الفرداية:

6-1-ظاهرة البروز :

إن الفعل الظاهر هنا هو فعل اجتماع، وهو فعل لا يبحث عنه الفاعلون في النظام إنما ينتج عن وضعية الاعتماد المتبادل. فلو أخذنا إشاعة إفلاس بنك ما ناجح في عمله سنجد أن أحدا ما ربما ألقى بمزحة بين مجموعة أفراد بأن البنك الفلاني على وشك تلقي خسارة أو إعادة تنظيمه أو بيعه لمستثمر آخر فلا نفاجأ أن تنتقل هذه المزحة بأسلوب الإشاعة لتصل إلى المودعين بصورة أن البنك خسر فيبدأ هؤلاء بسحب أموالهم لتكون النهاية إفلاس البنك وخسارته. من الملاحظ هنا أن الظاهرة ذات أصول فردية ناتجة عن فعل اجتماع، أي فعل الاعتماد المتبادل، فلو لم يكن ثمة أفراد يتناقلون الإشاعة لما خسر البنك.

6-2- ظواهر ناتجة عن المفاعيل المنحرفة:

  تحدث مثل هذه الظواهر عندما يسعى فردان أو أكثر إلى تحقيق هدف معين قد ينجر عنه ظهور وضعية غير مقصودة وتكون خارجة عن رغبة أحد كظاهرة العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية والتي أدت إلى إقصاء السود عن سوق العمل. فعندما قررت نقابات العمال شن إضراب عن العمل لتلبية بعض المطالب كتحسين الأجور اتفق البيض على استبعاد السود من الإضراب خشية الضغط عليهم وابتزازهم وتخريب الإضراب فكانت النتيجة أن لجأ أرباب العمل إلى الامتناع عن تشغيل السود، وتحولت المسألة إلى ظاهرة عنصرية.

ومنهجيا يمكننا ملاحظة أن الفرداية ترى أن التغير الاجتماعي لا يمكن فهمه في مستوى التحليل الماكرو سوسيولوجي بل من خلال التحليل الميكرو سوسيولوجي، ولعل هذا الموقف مرده إلى طبيعة النظرية ذات التوجه الجزئي وليس الكلي، فهي عاجزة عن مواجهة الظواهر الكبرى كما تفعل النظريات الشمولية.

7- نظرة الفردانية للعدوان والصراعات الاجتماعية :

                     - من أجل فهم نشأة الصراعات تدعو الفردانية إلى :

  * القيام بتحليل كلي لوضعية الفاعلين من خلال التركيز على فهم سلوك الأفراد والتساؤل أو فحص العمليات التي أدت إلى بروز الصراع.

  * القيام بتحليل أنماط العلاقات بين الفاعلين في نطاق أنساق الترابط داخل العمل حيث التركيز على مفهوم الدور أو أنساق التفاعل الواقعة خارج نطاق القواعد والمعايير الملزمة بين الأفراد والجماعات ، وهنا عندما نقوم بتحليل استراتيجيات الفاعلين ينبغي التمييز بين الأنساق الوظيفية حيث علاقات الأدوار المتبادلة وبين الأنساق الترابطية حيث العلاقات بين الأفراد لا تستدعي استحضار مقولة الدور.

   تتأتى أهمية إعادة قراءة الإرث السوسيولوجي مما يحتويه من فرضيات بقيت معلقة نظرا لعدم تفطن علماء الاجتماع اللاحقين لها،وهو الأساس الذي تقوم عليه أبحاث بودون في قسم كبير منها.أما ضرورة فتح آفاق أخرى للتحليل السوسيولوجي فتستوجبها المستجدات المتعاقبة على مختلف أوجه الحياة الاجتماعية وهو أمر يبدو – وفق بودون- أن علماء الاجتماع المعاصرين لم يحصّلوا بعد الوعي الكافي بأهميته. ففي بعض الحالات تظهر السوسيولوجيا المعاصرة بمثابة السوسيولوجيا التي تفتقد موضوعا : إن الإنسان الاجتماعي المتناول في إطارها يتم وصفه على أساس أنه مبرمج عن طريق البنى الاجتماعية أو عن طريق أصوله ومكانته الاجتماعية.

وبالمقابل، فإن العقلانية -كما يوردها بودون- يجب ألا ينظر لها كإقرار أنطولوجي بل كمبدأ منهجي يسمح لنا بمقاربة سلوك الفاعل. والبحث في العقلانية التي تحكم سلوك الفاعل إنما يعني البحث في الأسباب التي تحكمه، ويكون السلوك كذلك في كل الحالات التي بإمكاننا وفقها إقامة تفسير على النحو الآتي: " إذا قام الفاعل  (x)ويكون هذا السلوك قابلا للفهم فإن هذا الفاعل(y)  بسلوك معين بالطريقة (x)كانت له في وضعيته تلك وبالرغم من الأهمية المسندةلمقولة العقلانية في هذ(Y)كانت له في وضعيته تلك أسباب معقولة للقيام بالفعل ا الطرح، فإن بودون لم يجعلها خاصية أساسية للفاعل، بل إن القسم الأكبر من الأفعال إنما تنبني على غير هذا الأساس رغم ما يبدي أصحابها من عقلانية وتخطيط. هكذا، لم يعد احترام الفاعل للعادات مثلا من قبيل الاحترام غير المشروط أي الميكانيكي (كما في السوسيولوجيا الكليانية)، بل أساسا لأنها لا تتعارض مع معطيات الوضعية تلك أي لأنها عقلانية من وجهة نظر الفاعل.

- خلاصة:

ومن خلال ما تقدم من الطرح للفردانية المنهجية فهمنا أن هده المقاربة لها طرح جريء لمسألة الفرد. هذا الفرد الذي يعلو – مع بودون- فوق كل الأنظمة والبنى فيغير مسار الأحداث – كفاعل - ويطبع حقل الواقع بطابع خاص يحمل أثره كفرد وكمجموعة وينأى به عن التحديدات المسبقة وعمليات البرمجة والتخطيط. هنا بالضبط تنكشف أهمية سوسيولوجيا بودون في إضافتها المنهجية والمفاهيمية حيث تحولت الظاهرة الاجتماعية إلى مجال للفعل والحركة وصار الفرد جوهرها ومبعث وجودها. وعلى هذا الأساس انبنت الفردانية لا فقط كنظرية صلبة في علم الاجتماع نحتاجها باستمرار ونعود لها بوعي منا أو بدونه، بل وكذلك كمقاربة منهجية ما فتئت البحوث السوسيولوجية الحديثة تؤكد جدواها عبر استدعائها الدائم لها كمقابل للمقاربات الكليانية التي قد تنجذب لها السوسيولوجيا المعاصرة تبعا للدعايات الإعلامية والسياسية المرتبطة بظاهرة العولمة.

- قائمة المصادر:

   للمزيد من المعلومات ننصحك بالرجوع الى المصادر والمراجع التالية:

1- معن خليل معن، معجم علم الاجتمع المعاصر،ط1، الاردن: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2000.

2- زهير بن جنات " الفردانية في سوسيولوجيا ريمون بودون: العمق النظري والمرتكزات المنهجية ".مجلة العلوم  الإنسانية، سا 10:45 ، يوم 02 فيفري 2009 ،.www.uluminsania.net

3- أكرم حجازي " النظريات الاجتماعية الكلاسيكية  المعاصرة الجزء الثاني " ، مجلة العلوم الانسانية ، سا 11:30 02 فيفري 2009 .، www.uluminsania.net

 4- موسوعة الويكيبيديا. Raymond Boudon،www.wikipédia. org .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق