]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

محاضرات فلسفة العلوم.

بواسطة: الزبير بن عون  |  بتاريخ: 2015-03-13 ، الوقت: 20:16:09
  • تقييم المقالة:

محاضرات في فلسفة العلوم.

 

موجهة لطلبة علم النفس وعلوم التربية . 

 

كلية العلوم الاجتماعية والانسانية

 

جامعة الأغواط - الجزائر .

 

-       اعداد : الزبير بن عون.

 

-       أستاذ علم الاجتماع المساعد - جامعة الأغواط.

 

-       Zoubir.benaoun@gmail.com

 

أولاً : علاقة التصور العلمي القديم بالعلوم في صورتها الحديثة.

   إن عرضنا للتصورات العلمية القديمة يحتم علينا عرض منهج البحث العلمي، بحيث أنه إذا عرضنا التصورات اتضح لنا اتساق المنهج السائد معها.

       I.            التصورات التقليدية في العلم والمنهج:

   تعني هذه النظرة التقليدية في النظريات العلمية وفي المناهج على السواء، ما يرتبط بذلك من مفاهيم سادت في علوم الطبيعة ومبادئ كانت أساساً لمناهج البحث في هذه العلوم.

1- التصورات العلمية القديمة:

   ظهرت هذه التصورات في الوقت الذي تخلى فيه العلماء عن سؤالهم التقليدي الذي طالما واجهوا به الطبيعة دون جدوى  لماذا؟. سؤال يدور حول جواهر الأشياء وماهيتها، وطرحوا بدلاً من ذلك سؤالاً أكثر واقعية يدور حول كيفية حدوث الظواهر، وتعليل ذلك بعلل قريبة. لا يمكننا بطبيعة الحال تحديد العصر الذي حدث فيه الانقلاب هل  في اليونان  أم العصر الوسيط أم عصر النهضة؟.

   عندما تساءل أرسطو مثلاً لماذا الأجسام الخفيفة تسقط بشكل أبطأ من الأجسام الثقيلة، بالإضافة إلى تعليله سقوط الأجسام إلى الأرض على أساس أنها تبحث في مكانها الطبيعي، نجد أن غاليلي (1564- 1642) كان يهتم بقضية مختلفة تماماً وهي كيف يمكن للأجسام أن تسقط بلا مقاومة من الهواء ... نطرح مثال آخر في هذا المضمار هو أن غاليلي  لاحظ ظاهرة عدم ارتفاع الماء في المضخة حينما يصل إلى 10.33 أمتار، وهذا يناقض نظرية أرسطو السائدة في ذلك العصر والقائلة بأن "الطبيعة لا تعرف الفراغ". هذا التناقض الذي لاحظه غاليلي أثار شكه في صحة النظرية السابقة وحمله شكه على التساؤل حول معـزى الحادثة الجديدة، مما دفعه إلى البحث في المشكلة والتصدي لها، وتوصل من ذلك إلى اكتشاف معرفة جديدة مناقضة ومغايرة تماما لتلك النظرية السابقة، وبين أن الحد الأعلى لارتفاع الماء يتناسب عكسيا مع وزنه النوعي (أي كلما زاد الوزن النوعي قل ارتفاع الماء في المضخة والعكس صحيح).

- وهناك شواهد أخرى توضح لنا التطور الثوري للفيزياء الكلاسيكية على يد نيوتن:

   بحيث كان بطليموس يتصور الأرض ثابتة في مركز الكون والشمس والقمر والكواكب تدور حولها في مدارات ترسم دوائر متقاطعة في حركتها. جاء كوبرنيكس (1473/1543) ليغير من هذا الإطار ويجعل الشمس هي مركز الكون بينما تدور حولها الأرض وبقية الكواكب. أما كبلر (1571/1630) فقد قال بان الكواكب تدور على هيئة مدارات اهليجية تقع الشمس في إحدى بؤرها ـــــ وهي ملاحظة تجريبية فقط. وجاء غاليلي ليهتم بظاهر سقوط الأجسام وظاهر القصور الذاتي، فيعلن أولا أن كل الأجسام تسقط إلى الأرض بنفس التسارع إذا انعدمت مقاومة الهواء لها بصرف النظر عن كتلتها، وأعلن أنه إذا تخلينا قذيفة انعدم من حولها عوامل الاحتكاك والقصور الذاتي فإنها سوف تستمر  على خط مستقيم دون توقف، كما أن القذيفة تتأثر في حركتها بما يعوقها من مؤثرات خارجية، بمعنى أن قوة الدفع  هي التي تحدد وضع الحركة وهي التي ينتج عنها بما يسمى اليوم "التسارع والعجلة".

   تناول نيوتن هذا التراث العلمي وبدأ في بناء نظرية متكاملة في مكانيكا الكون، فبدأ في التساؤل عن تلك القوة التي تقف وراء سقوط الأجسام وانتهى به الأمر إلى وضع قانون الجاذبية الذي استطاع بفضله أن يفسر الظواهر الفكية والعلة في دوران الكواكب وسقوط الأجسام إلى الأرض ... وقد ارتبط هذا التصور الميكانيكي لدى نيوتن وإتباعه سيادة مبدأ العلية (العلة والمعلول) بمعنى آلي في أرجاء الكون، بحيث إذا ظهرت العلة وجب ظهور المعلول لان العلاقة بينهما ضرورية وحتمية، وقد أدى هذا التصور الحتمي إلى اعتقاد البعض بأنه من الممكن فهم الكون دون افتراض علة خارجة عنه، وأن قوانين الطبيعة هي وحدها التي تتحكم في سير المادة والحوادث في الكون.

 2- المنهج العلمي في صورته التقليدية:

   يقوم هذا المنهج والذي يسمى في اغلب الأحيان بالمنهج التجريبي على أساس هام هو الخبرة الحسية بصفة عامة حيث يتوارى تأثير الاستدلال العقلي بجانب الدور الأساسي للمشاهدات الحسية التي كانت تلعب دوراً كبيراً في الاكتشافات العلمية في ذلك الوقت أي في القرن 17.

   أو كما يسمى بالمنهج الاستقرائي واستخدام هذا المنهج بصفة خاصة في الفيزياء الكلاسيكية. ويتكون من مراحل وخطوات هي: (الملاحظة . التجربة . وضع الفروض . التحقق من صحة الفروض . القانون ).

- الملاحظة:

     وتعني توجيه الحواس والانتباه إلى ظاهرة معينة رغبة في الكشف عن صفاتها أو خصائصها توصلاً إلى كسب معرفة جديدة عن تلك الظاهرة أو الظواهر، فاكتشاف غاليلي قد بدأ من ملاحظة السرعة كلما اقترب الجسم  من الأرض.

- التجِربة:

    فتعني ملاحظة الظاهرة بعد تعديلها تعديلاً كبيراًَ بإضافة بعض الظروف عن عمد بحيث تكشف الظاهرة عن خصائصها التي لا تتوفر لنا ملاحظتها في الظروف الطبيعية العادية، لذلك تسمى التجربة بـ "الملاحظة المستشارة"، والتجريب نوعان:

 - التجريب للرؤية يبدأه يشرع فيه الباحث دون فرض في ذهنه يود تحقيقه.

 - التجريب الحقيقي وفيه يبدأ من فرض يعتقد بصحته ويجري التجربة من أجل تحقيقه،

- الفروض:

   الفرض عبارة عن تكهن أو محاولة للتفسير وظيفته أن يربط بين عدد من الملاحظات والتجارب، ويكشف عن بعض العلاقات الثابتة بين تلك الملاحظات التي يتضمنها سلوك طائفة من الظواهر، وهو نوع من الحدس بالقانون لأنه متى ثبت صدقه وصحته أصبح قانوناً عاماً يمكن الرجوع إليه في تفسير جميع الظواهر، أما إذا ثبت بطلانه فيجب البحث عن تفسير آخر.

- تحقيق الفرض، القانون:

    بعض فرض الفروض يبدأ الباحث بتمحيصها اعتمادا على منهج مزدوج سلبي في جانب وايجابي في جانب آخر، يشتمل المنهج  السلبي في استبعاد الفروض التي لا تتفق يقيناً مع الحقائق المسلم بها من قبل القوانين الثابتة، كما يتصل به ما يسميه كلود برنارد ببرهان الضد، أما المنهج الايجابي فيقوم بإثبات صحة الفرض  في كل الأحوال المتغايرة الممكنة مع تنويع التجارب ... وبعد أن تثبت صحة الفرض يبدأ الباحث بعملية التجريب بالمعنى الدقيق، ويصبح موضوع التجريب هنا بحث العلاقة وتبيان الرابطة بين حالات جزئية تؤكد في حال تطابقها مع ما وصل إليه الباحث من نتائج، والتحقق من صدق الفرض ووصوله إلى مرتبة القانون.

    تلك كانت مراحل الاستقراء التقليدي، وما كان لهذا النوع من الاستقراء أن يتقدم إلا باستناداً على ميادين ومفاهيم العلم الطبيعي السائدة في ذلك الوقت (الفيزياء، الكيمياء، الفلك ...) والذي يعمل في إطارها مثل مفاهيم الحتمية، العلية والاطراد في الطبيعة.

3- مفاهيم العلم الطبيعي (التصور القديم):

3-1- الحتــمية:

   كان وجود مبدأ الحتمية أمراً طبيعياً وسط هذا النظام الميكانيكي الذي يسود عالم الفيزياء، بل انه كان أمراً ضرورياً لتبرير التوقعات وضمان صدق المعارف، والاعتقاد بمبدأ الحتمية يعني أن الظواهر تخضع في اطرادها لنظام محكم لا تحييد عنه، بمعنى أن ظاهرة ما لا تحدث إلا إذا توافرت شروط بعينها، كما أنه من المستحيل أن تحدث هذه الظاهرة إذا لم تحدث هذه الشروط. وينحصر دور العلماء في اكتشاف تلك النظم ذات الطبيعة العلية المحددة والحتمية التي تجرى حوادث الطبيعة طبقاً لها ... كما تختلف الحتمية عن الجبرية، وهذه الأخيرة تكون الضرورة فيها ضرورة مطلقة  في حين تكون فيه الأولى مشروطة.

 - الجبرية:حرية الاختيار بالنسبة لأفعال وسلوكات الإنسان مثلاً (الإنسان مخير أم مسير).

 - الحتمية:تستخدم في مقابل اللاحتمية بالنسبة للظواهر الطبيعية.

   وباختصار فان العالم في نظر القائلين بالحتمية عبارة عن مجموعة عضوية ترتبط أجزاؤها فيما بينها كأجزاء آلة دقيقة، ولهذا فأنهم يرونه نظاماً مغلقاً يؤذن حاضره بمستقبله، بمعنى انه باستطاعتنا عن طريق معرفتنا للظواهر الحاضرة أن نتنبأ بما سيحدث من ظواهر، فالمستقبل سيكون على صورة الحاضر لان كليهما يخضع لنفس القوانين. هكذا كان تصور وفهم هذا المبدأ ضرورياً لإقامة القوانين العلمية من حيث أنه الأساس الذي يقوم عليه المنهج الاستقرائي (التجريبي) منهجاً في التوصل إلى هذه القوانين طبقاً للفهم التقليدي.

3-2- العــــلية:

   يشير مبدأ العلية بمعناه الواسع إلى أمرين: الأول أن أي شيء لا يمكن أن يحدث دون علة، والثاني أن العلة تؤدي دائماً إلى نفس المعلول. وهذا يعني أن ما يحدث في الطبيعة يمكن أن يتحل على حوادث منفردة قد تتجمع أزواجاً أزواجاً على صورة تكون عليها حوادث كل زوج متصلة بعلاقة العلة والمعلول (السبب والنتيجة) وهذه العلاقة العلية تتسم بالضرورة، هذه الضرورة التي تبرز لنا الاعتقاد بقوانين ثابتة صارمة تحكم العالم وتعكس الآلية السائدة في الكون.

   وقد عرفها "مل": " إنها جملة الشروط التي ينبغي أن تسبق حدوث المعلول" ، وتلك الشروط هي الشروط الكافية لإحداث الأثر  أو المعلول. ومن الأمثلة المسبطة للعلة نذكر مايلي:

(البرودة علة تكثف بخار الماء) . (الحركة علتها الطاقة أو الحرارة) . (جرعة السم التي شربها سقراط علة موته). (تيار الهواء علة مرضك) . (الحرارة علة تمدد الأجسام) . (انضباطك واجتهادك وإتقانك للعمل هي علة نجاحك ).

   وقد اعتقد بعض الفلاسفة أن فكرة العلية فكرة أولية ومن بينهم كانط الذي قال بأن أي نظرية علمية لا تتضمن  هذا المبدأ نظرية باطلة. ووافق غاليلي على قبول مبدأ العلية، بمعنى أن لكل حادثة علة، أما نيوتن فقال :" يجب أن نعين قدر المستطاع نفس الآثار الطبيعية نفس العلل".

3-3- الاطـــراد في الطــــبيعة (العالم تحكمه قوانين عامة):

   يرتبط الاطراد في الطبيعة بالاعتقاد بالحتمية والعلية، حتى أن المبادئ الثلاثة يدعم بعضها البعض وتعمل مجتمعة في انساق، فالاطراد عند "مل" مثلاً يعني أن العالم تنتظمه قوانين عامة، ونحن إذ نكتشف هذه القوانين فإنما نفسر بذلك ظواهر طبيعية ونعرف عللها. بحيث أنه كلما تكررت ظروف مشابهة بدرجة كافية فإن نفس العلة تصاحب نفس المعلول، حتى وصل "مل" إلى أنه من الممكن وضع أي استقراء في صيغة قياسية بشرط أن يكون مبدأ اطراد الحوادث مقدمة كبرى لهذا القياس. أن "مل" مثل غيره من فلاسفة وعلماء عصره (أي في القرن الـ 17) يجعل من مبدأ الاطراد للحوادث في الطبيعة أمراً مسلماً به يسوغ لنا القول بأن المستقبل سوف يأتي على غرار الماضي والحاضر وأن الظواهر الطبيعية إنما تحدث بشكل مطرد وعلى وتيرة واحدة لا تتغير، مما يضفي مزيداً من الثقة على الباحث العلمي وهو يعمل في نطاق عدد محدد من القوانين العلمية ذات الطبيعة العلية، وحاتمية الحدوث ما دام الاطراد يسود جوانب هذا العالم. ويقصد "مل" بالاطراد أن العالم به عدد من (العلل الدائمة التي هي الشمس والأرض والكواكب والهواء والماء والعناصر البسيطة ومركباتها، لأنه يصعب معرفة علل تلك أو تلك الحوادث في رأي فلاسفة الغرب وعلماءه) موجودة منذ بدء الخبرة الإنسانية، وتلك العلل تعد سبباً لما يحدث حولنا، فلا تقع حادثة في الكون  إلا وقد ارتبطت بحادثة أخرى.

4- مبادئ مناهج البحث في العلوم الطبيعية:

4-1- مفهوم الاستقراء:

   الاستقراء في اللغة هو مصدر الفعل المزيد؛ استقرى يستقري استقراء، وهو مشتق من الفعل الثلاثي المجرد قرى يقروا قرواً، الذي يعني التتبع لحالة الشيء المقصود، وواضح أن الاستقراء هو دلالة التفحص والتتبع والملاحظة لتحديد خصائص الشيء ضمن مفهوم أعمال الحس والحواس في هذا التتبع. أما مفهوم الاستقراء من حيث الاصطلاح فهو الاستدلال على حكم كلي من خلال تفحص معظم جزئيات ذلك الكلي، أو بعبارة أخرى الانطلاق من قضايا جزئية للوصول إلى قضايا كلية، ولقد درج في الاصطلاح المنطقي على تقسيم الاستقراء إلى نوعين: تام وناقص؛ فالتام هو الذي يشمل التتبع فيه جميع أنواع الجزئيات المندرجة تحت ذلك الكل وهذا يفيد اليقين، وأما الناقص فهو الاستقراء الذي يقتصر التقصي فيه على معظم جزئياته وهذا يفيد الظن.

   والاستقراء بصورته المعروفة أعلاه يعود إلى أرسطو فهو الأول من أشار إلى محموله بالمعنى المتقدم، كما  قد استخدم أو بالأحرى عمَل العلماء والفلاسفة المسلمين بمبدأ الاستقراء وبرعوا فيه، وقد تطور على يد العلماء الغربيين في عصر النهضة الأوربية في القرن 17 وخاصة بعد ظهور علوم الطبيعة والحياة حينما تم تأسيس المنهج التجريبي كما سيتم توضيحه في العناصر اللاحقة.

- مبدأ الاستقراء:

    الاستقراء كان من أشهر المبادئ المستخدمة في مناهج البحث العلمي في ذلك وأكثرها شيوعاً وان كانت أهميته لم تتضاءل إلى حد الآن. ويمكننا التمييز بين مبدأ ومنهج الاستقراء.

 - نقصد بمبدأ الاستقراء ذلك الأساس الذي يفرضه فلاسفة العلم كمسوغ وضامن لصدق ما نقوم به من عمليات استقرائية بما تتضمنه من انتقال من معطيات مبعثرة نحو تكوين تعميمات، انه ذلك المبدأ القلبي الذي نسلم به كقضية أو مقدمة أولى لا تقبل التشكيك بالإضافة إلى أنه لا يمكن البرهنة على صدقها أو كذبها.

- أما المنهج الاستقرائي :

   فنعني به تلك الأداة المنهجية التي يستخدمها المنهج العلمي، وترمي إلى كشف شيء جديد  نعني شيء يزيد عن كونه مجرد تلخيص للملاحظات السابقة، ويستند المنهج الاستقرائي في صدق أو في احتمال  ما يتوصل إليه من نتائج على التسليم بمبدأ الاستقراء، أو يحل محله من مصادرات.

   يتضمن الاستقراء التجريبي على فحص حالات جزئية لظاهرة معينة دون الإلمام بجميع الحالات الجزئية أو كل أمثلة هذه الظاهرة يغرض الانتقال إلى كليات أو تعميمات لا تتقيد بالحالات السابق فحصها ودراستها بل تتجاوز إلى حالات أخرى جديدة لم تكن موجودة أو معروفة عند التوصل لهذه الكليات.

     إن ما هو متفق عليه من قبل الفلاسفة والعلماء متفقون على وظيفة الاستقراء التي هي أن يقدم لنا القضية الكلية التي بانضمام معرفة بعض الوقائع، نستطيع أن نستنتج منها وقائع أخرى بحيث نفسرها بها أو نتنبأ بها فقط، وبذلك نكتسب منها العلم .

    راح المتحمسون للاستقراء يؤكدون أهميته لدرجة أنهم اعتقدوا معها أن ظهور حالات غير محتملة الوقوع لا ينال من مبدأ الاستقراء ذاته بقدر ما ينال من صحة القانون الخطأ أو عيب قمنا به من عمليات استقرائية، وأن قوانين العلم عامة تعتمد على مبدأ الاستقراء لذلك يلزمنا أما أن نسلم به بناءاً على صحته الذاتية أو نتراجع عن كل تبرير لتوقعاتنا في المستقبل. وقد ساد في عصر النهضة بان جميع الأفكار العلمية استقرائية، وأن جميع القوانين الطبيعية قائمة على مبدأ الاستقراء؛ كما ساد الاعتقاد بأن كل شيء في الطبيعة منتظم ومنسجم ما دام الترابط العلي بين الظواهر يتكرر على الدوام، ما دام مبدأ اطراد الحوادث في الطبيعة هو المقدمة الكبرى لجميع حالات الاستقراء.

    II.            التصور الحديث للعلم والمنهج:

   مع اقتراب القرن الـ 19 من نهايته، وبعدما لاقت نظريات نيوتن وفلسفته الطبيعية (الفيزياء) من تقدم كبير ونجاح في تفسير الظواهر والتنبؤ بها فيما يتعلق بالطبيعة على مستوى المقاييس الإنسانية، فإن العلماء قد اصطدموا ببعض الصعوبات التي لم يستطع التفسير الميكانيكي إيجاد حل لها.

   مثلاً افتراض فيزياء نيوتن وجود مكان مطلق لتفسير حركة الأجسام استناداً إلى هندسة إقليدس ذات الأبعاد الثلاثية بالإضافة إلى وجود زمان مطلق مستقل عن الأجسام وعجز هذه الافتراضات عن تفسير كثير من الظواهر الطبيعية.  ومن ناحية ثانية عجز نيوتن في تفسير الظواهر الضوئية اعتماداً على أن الضوء مؤلف من دقائق مادية، وكذلك عجز  افتراض "هويجنز" صاحب النظرية الموجبة في الضوء. هذا ما تقدم أنبأ بظهور ما يسمى بأزمة في علوم الطبيعة والرياضيات، ولم تنته الأزمة أو توشك على الانتهاء إلا بعد ظهور فروض ونظريات علمية جديدة نعرض من بينها بإيجاز فيما يلي:

- النظرية النسبية:

   هل نحن نرى الدنيا على حقيقتها؟. هل السماء زرقاء فعلاً، وهل الحقول خضراء فعلاً، وهل الرمال صفراء فعلاً؟. وهل العسل حلو والعلقم مر؟. وهل الماء سائل والجليد صلب؟. وهل الخشب مادة جامدة كما تقوله لنا حواسنا؟.  وهل يمكننا أن نقطع في يقين أن جسماً ما من الأجسام يتحرك، وان جسماً آخر لا يتحرك؟. كل هذه الأسئلة التي يُخيل لك انك تستطيع الإجابة عنها ببساطة، والتي كان العلماء يظنون أنهم انتهوا منها منذ زمن، قد تحولت في ذلك الوقت إلى الغاز. لقد انهار اليقين العلمي القديم والمطرقة التي حطمت هذا اليقين، وكشفت لنا أن ما كان يقينا ساذجاً هي النظرية النسبية التي غيرت الصورة الموضوعية للعالم.

   يمكن القول أن النظرية النسبية التي ظهرت عام 1905 م على يد ألبرت أينشتاين كبديل عن نظرية نيوتن في الزمان والمكان، حيث ساهمت في كشف ما في البناء الفيزيائي الكلاسيكي من تصدع، كما ساهمت في علاج هذا التصدع بطرح فروض جديدة، واستطاعت أن تقضي على كل التصورات التشبيهية في الفيزياء، كما قامت بتقديم حلول وبشكل خاص مشاكل النظرية القديمة فيما يتعلق بالأمواج الكهروطيسية عامة والضوء خاصة، حيث حين ألغت قاعدة التأثير عن بعد، ووحدت بين الكتلة والطاقة، واستبعدت الأثير، وألغت المفهوم اللاهوتي المطلق للزمان والمكان، فكيف  كان ذلك؟.

   عندما قدم اينشتاين بحثاً تحت عنوان "في الديناميكيات الكهربائية للأجسام المتحركة" كان يعبر بصدق عن حاجة الفيزياء  الى نظرية جديدة في الطبيعة، وتوالت بعد ذلك أبحاثه مكونة نسقاً علمياً متكاملاً.

   قام اينشتاين بتحديد سرعة الضوء كعامل ثابت للقياس منطلقاً من نقد أعمال سابقيه، كما قدم نظرية جديدة في الجاذبية مرتبطة بانحناء الفضاء، وانه من النظرية النسبية تم التوصل إلى القنبلة الذرية .....الخ.

   وبهذا الشكل وغيره كثير تحور التصور الميكانيكي في القرن السابع عشر 17 إلى نموذج أو باراديـڤم فرض نفسه على العقول، فأصحبت معاييره ومقاييسه هي المعايير الموجهة لكل بحث في الطبيعة سواء من حيث المنهج  أو من حيث موضوع البحث في علوم الطبيعة كالفيزياء والكيمياء والفلك و ...الخ.

1- المنهج العلمي الحديث:

   يقول "هايزبنرج":" إن انتقال العلم من ميادين الخبرات السابقة الكشف إلى الميادين الجديدة لن يكون أبداً مجرد تطبيق ما هو معروف على هذه الميادين الجديدة، بل على العكس من ذلك فإن للميدان الجديد حقلاً من الخبرات سيقود دائماً إلى بلورة منهج جديد من المفاهيم والقوانين العلمية، لن تكون قدرتنا على التحليل المنطقي بأقل من قدرة المناهج القديمة، ولو أن طبيعتها ستكون مختلفة اختلافاً جذرياً ...".

  نفهم من هذا الذي تقدم أن المنهج الجديد يبدأ من حيث ينتهي المنهج القديم، حيث يبدأ من تعميمات استقرائية  عند بعض العلماء، أو من تعميمات غير استقرائية (استنباطية) لدى بعضهم الآخر ثم فرض مفسر. والتفسيرات والفروض العلمية المعروفة قديما وحديثاً هي:

*  فرض تفسيري كما كان الحال في المنهج الاستقرائي.

 * فرض تفسيري وصفي مثمر، وهو فرض يصف نوعاً معيناً من ظواهر العالم وصفاً يجعل من تفسيرها تفسيراً دقيقاً، وتتميز بأنها فروض مؤقتة تقبل التعديل.

 * فرض صوري؛ وهي الصق بالمنهج العلمي المعاصر حيث لا تخضع للتحقيق التجريبي المباشر، فهو يتناول عالم الدقائق والذرات، كما يتناول عالم الأفلاك، وموضوعه في الحالتين لا يخضع للإدراك الحسي، وعلاقته وثيقة بالاستدلال الرياضي، حيث يقوم الاستنباط هنا بدور يفوق دور الملاحظة والتجربة الذي لا يأتي إلا متأخراً.

   المنهج الفرضي يصوغ معظم فروضه صياغة رياضية، وعلى الباحث أن ينتقل وسط صياغات رياضية معقدة تنتهي به إلى نتيجة يمكن أن تخضع للملاحظة، وما كان لاينشتاين أن يحقق انجازه بغير الاستدلالات الرياضية المعقدة التي ساعدته في قياس المسافة بين الحادثات فضلاً عن المسافة بين أشياء قياساً دقيقاً. وجعلت نظريته في النسبية تعتمد على علاقات وليس أشياء كما كان الحال المنهج والعلم التقليديين.

  أما آخر هذه المراحل فهي مرحلة التحقيق التجريبي، وهذه المرحلة تعد امتداداً طبيعياً لمرحلة وضع الفروض مع استخدام الاستدلال الرياضي في الوصول إلى نتائج قابلة للتحقيق، وهنا يتضح دور الملاحظة والتجربة في مطابقة آخر ما وصلنا إليه من نتائج مستنبطة من الفرض الأصلي مع الوقائع، فإذا ما تحقق الفرض فإنه لا يتسم بالضرورة واليقين كما كانت عادة أصحاب الاستقراء التقليدي، وإنما يوصف بأنه أفضل تفسير ممكن في الوقت الحاضر لظاهرة معينة وما دام ممكناً فهو احتمالي بمعنى أننا نميل إلى تصديقه أكثر من إنكاره.

   يقرر "نيجل" أن تسليمنا بأن نتائج العلم هي نتاج للمنهج العلمي لا يعني بأي حال من الأحوال أن تطبيق المنهج العلمي يتمثل في إتباع قواعد معروفة من اجل التوصل إلى اكتشافات تجريبية، أو لإيجاد شروح تبرر موضوع الواقعة المثبتة، فليس ثمة قواعد للكشف أن للاختراع في العلم اللهم إلا بعض القواعد الدقيقة (هذا نقد ابستيمولوجي). كما يقول الابستيمولوجي كارل بوبر:" إذا ظن احدنا المنهج العلمي كطريق يقود نحو النجاح في العلم  فسوف يخيب رجاؤه، ذلك أنه لا يوجد طريق مكلل بالنجاح".

2- مبادئ ومفاهيم العلم الحديث:

2-1- اللاحـــتمية في مقابل الحتمية:

    نوضح أن اللاحتمية أو اللاتعيُن لا يعنيان الفوضى في مقابل الحتمية التي قد تعني عند أصحابها الكمال، حيث أن الفهم التقليدي لم يكن له أساس علمي، فقد كان نيوتن يحتوي على زمان مطلق ومكان مطلق تتحرك في داخله الأحداث المادية بنظام  لا يختل فكانت نظرته إلى العالم واحدة وشاملة أياً كان الملاحظ وأينما كان.

   بينما تقود اللاحتمية إلى فهم أعمق لظواهر العالم ونظرة ثاقبة وأدق، ففي إطار متصل الزمكان، وإدراك المادة كمجموعة من الحوادث التي تؤلف نسيجاً واحداً، ومع تشابك وترابط الظواهر الطبيعية بدرجة تعجز أمامها وسائل القياس عن تجزئتها إلى فرديات يمكن الحكم على كل واحدة منها بمعزل عن الأخرى، كان القول باللاحتمية أمرًاً ضرورياً وموضوعياً في نفس الوقت، ويكفي الإشارة إلى مبد اللاتعين كنتيجة تؤيد القول باللاحتمية.

   وباختصار أن الفيزياء تعني بتنسيق معطيات الحس المختلفة التي تصل إلينا من العالم الخارجي ولن تكون صورة كاملة عن هذا العالم إلا إذا وصلت درجة القياس لدى حواسنا إلى درجة لا نهائية وهذا مستحيل، مما يجعلنا نلجأ  إلى الأدوات والأجهزة الدقيقة، ولكن كما يعبر جينز:" إن هناك حدود ابعد من ذلك لا يمكننا أن نجتازها مهما لجأنا للأدوات والأجهزة، لان أفضل الأجهزة التي نملكها لا تعطينا سوى صورة تقريبية مشوشة".

 2-2- الاطــــراد في الطبيعة:

   أدى اعتقاد العلماء بمبدأ الاطراد في الطبيعة، القائل بأن العلل المتماثلة تحدث نتائج متماثلة، إلى اطمئنان ناتج  عن تصور خاطئ بأن العالم طوع إرادتهم وراحوا يتصورون :" إن غاية العلم هي تشريح الكون بأجزائه لمعرفة العلاقات الضرورية وحركات الأجسام وصياغة القوانين العامة التي تعبر عن حقيقته".

   تمسك بعض العلماء بالاطراد يرجع عندهم إلى أن طبيعة البحث العلمي تفرض على الباحث أن يعمل لغاية محددة حتى لو كانت غاية نظرية، وتحقيق هذه الغاية يرتبط بالاطراد في الطبيعة. وإذا تصورنا جداً كما يذهب احد العلماء إننا ننكر وجود الاطراد فماذا تكون عليه النتيجة؟. سوف يصبح العالم مستحيلاً، وتزول براهين هندسية راسخة  منذ اقليدس، وتصبح المعرفة بلا جدوى، ولن تكون هناك أهمية لإجراء تجربة ما اليوم طالما أن نتائجنا سوف تفقد قيمتها في الغد ... إن النتائج المختلفة تعطينا نتائج مختلفة برغم من أن الظروف قبل كل تجربة كانت على مبلغ علمنا متماثلة تماماً ـ               

   وهكذا نجد مفهوم الاطراد التقليدي مرفوض، إلا أن هناك بعض الاتجاهات العلمية التي تأخذ بالاطراد كمصادر أو افتراض أولي يفيد في البحث.

2-3- الموقف من العـــــلية:

 كان مبدأ العلية من أكثر المبادئ استهدافاً لهجوم الفيزياء المعاصرة، فما دام هذا البناء الكوني العلي قد تصدع فلا بد أن أساسه قد أصابه العطب على الأقل. كانت نظرية نيوتن في عملها ترجمة وايضاحاً لمقولة العلية (العلة والمعلول) بحيث يتاح لنا طبقاً لهذا التنبؤ بالحالة المقبلة لأية مجموعة استناداً إلى حالتها السابقة، وقد قادنا هذا التصور العلي إلى فهم ميكانيكي للطبيعة بحيث أصبح "بمثابة مثل اعلي للتفسير العلمي في كل مجالات المعرفة أياً كان الطريق الذي نسلكه للوصول إليها".

   أضحى التفكير بواسطة تسلسل الظواهر المترابطة بعلاقة علية والتي تسمح باتخاذ بعضها علامة على بعضها الآخر قد وقع تجاوزه هو الآخر، وليس هذا انه ليس باقياً فيها، حيث أصبحت فكرة العلية تفتقر تماماً إلى الدقة والتجرد المطلوبين في الفكرة العلمية.

   حيث هناك من رفض رفضاً تاماً مبدأ العلية، وهناك من العلماء من قبل به مع تحفظ من ناحية ثانية، أو تعديل له مع إعطاءه صيغة إحصائية من ناحية أخرى، وتمثل نتائج نظرية "ديراك" موقف الرفض التام، وهي التي انتهت إلى أن التجارب المتماثلة كما تسجل مشاهداتنا ليس من الضروري أن تؤدي إلى نتائج متطابقة، وهذا النتيجة تنفي مبدأ الاطراد كما تنفي مبدأ العلية، وهناك من قبل بها ومن قام بإلغائها أو تعديلها فمثلاً إننا نعلم أن علة ظاهرة من الظواهر يمكن أن تعتبر من وجهة النظر الداعية للعلية تكون العلة والمعلول على صعيد واحد، فهو صعيد المعطى الحسي وصعيد الظاهرة بمعناها التام الضيق، مع فارق واحد كيفي وهذا الفارق يمكن أن يذهب، وهو في الغالب يذهب إلى درجة أن يصيب مختلف أعضائنا الحسية فضوء المصباح الذي يؤثر على بصرك بسبب سخونة الزجاج الذي  يقع الإحساس به عند اللمس، وأما وجهة النظر الأخرى والتي ترى بان العلة ليست من نفس طبيعة الظاهرة، إنها تتوغل بنا إلى الأعماق، وهي شيء يتوارى نوعاً ما وراء الظاهرة إنها علة عميقة وخفية وعلة تتجاوز الظاهرة، وهذا ما نجده في الظواهر الإنسانية والاجتماعية التي تتعدد فيها الأسباب والمسببات في الظاهرة الواحدة.

   وهناك مجموعة من العلماء لم يستبعد مبدأ العلية وإنما استبعدت المفهوم التقليدي لها، الذي كان يوحد بينها وبين الحتمية، لان الفيزياء لن تصبح علماً في نظرهم إذا ما هي تخلت عن البحث عن علل الظواهر، ولكن ما دامت الظواهر التي تدرسها الفيزياء المعاصرة لا تتميز بالحتمية التقليدية نتيجة التشابك والترابط بينها، فليس أمامنا سوى أن نثبت العلية إذا انطوت عليها بعض النتائج تجاربنا وان نتخلى عن إعلانها إذا لم تثبتها أدوات قياسنا الدقيقة ويمكن أن نمثل لهذا الاتجاه باينشتاين. 

2-4- الذات والموضوع:

    كان الزعم السائد في الفيزياء الكلاسيكية يدور حول إمكان التمييز تمييزاً قاطعاً بين سلوك الأشياء ووسائل ملاحظة هذا السلوك، وانه لا مجال للوقوع في الذاتية ما دمنا نرصد ما نراه بأدوات دقيقة ونتمتع بقدرة طيبة على ربط الظواهر، وجاءت نظرية النسبية لتفترض وضعاً جديداً بين الذات المدركة والموضوع المدرك، ويشير هذا الوضع إلى أن الصورة التي يضعها أي رصد للعالم تعتبر ذاتية إلى حد ما.

   إذا كانت مشكلة الذاتية والموضوعية قد أثيرت في مجال العلم فإنها لم تخمد من الناحية الفلسفية على الأقل وذلك من عدة نواحي هي:

- دور الذات الحقيقي،

- دور الخيال العلمي،

- دور وسائل القياس في العمليات المعرفية،

- طبيعة الموضوع المدرك ووسائله،

- الموضوعية وإمكان قيامها.

  III.            النقد الابستيمولوجي للمصطلحات العلمية في العصر الحديث والمعاصر:

3-1- مشكلة العـــلية:

   لم يعد فلاسفة العلم المعاصرون ينظرون إلى القانون العلمي على أنه يتضمن دائماً علاقة علية فهناك قوانين لم يكن مبدأ العلية هو الأساس في التوصل إليها مثل سرعة الضوء بأنها 186000 ميل في الثانية، وليس معنى هذا أنهم ينكرون مبدأ العلية تماماً، وإنما ينكرون أن يكون كل قانون علياً.

3-2- الحـــتمية:

    أصبح القانون العلمي في فلسفة العلم المعاصر صادقاً على سبيل الاحتمال المرجح فقط، وإذا كان الاستقراء ناقصاً ينصب على عدد محدد من الجزئيات فان القول بحتمية القانون العلمي تصبح موضع شك كبير. يقول في هذا "ادنجتون":"لا يعرف أي قانون حتمي في الطبيعة".

3-3- مشكلة التفسير العلمي:

   لم يعد التفسير العلمي محصوراً في ربط ظاهرة مجهولة وتفسيرها بظاهرة معروفة وإنما قد يتم تفسير قانون علمي بقانون علمي آخر، كما ذهب فلاسفة العلم إلى أن القانون العلمي ليس تفسيراً، وإنما  هو وصف لما يجري أمامنا من الظواهر الطبيعية.

3-4- خطوات المنهج التجريبي:

   أهم ما يطرأ على المنهج التجريبي من تعديل في فلسفة العلم المعاصر إعادة ترتيب خطوات المنهج العلمي، فبعد أن كان المنهج يبدأ بالملاحظة ثم فرض الفروض ثم إجراء التجارب، أصبح المنهج العلمي المعاصر يبدأ بفرض الفروض ثم التحول للملاحظة فالتجربة.

3-5- الاســـتقراء:

    إن فلاسفة العلم المعاصر نظروا إلى الاستقراء على انه ليس منهجاً برهانياً، ما يعني أن نتائجه غير صادقة صدقاً ضرورياً، فما المبرر العقلي الذي يجيز لنا الانتقال من دراسة مجموعة الظواهر الجزئية إلى مبدأ عام هو القانون لذلك تحول والى الاستنباط بدلاً من الاستقراء وخاصة في دراسة بعض الظواهر الطبيعية والإنسانية والاجتماعية.

ثانياً : تصور كارل بوبر لموضوع ومنهج العلم.

   ينطلق كارل بوبر في بناء نظريته في المعرفة وفهمه البحث العلمي من كون النظريات العلمية التجريبية وغير التجريبية منها على السواء، ليست سوى مجموعة من الفرضيات والتخمينات تقع على عاتق التجربة، وعلى الوقائع المادية والقضايا المنطقية فحصها وتمحيصها ومراقبتها معززة لها تارة في حال صمودها أو على العكس مفندة لها جزئياً أو كلياً تارة أخرى في حال دحضها من قبلها، ويقيم بذلك معياراً للحد الفاصل بين العلم والميتافيزيقيا التي لا تدحض.

   إن تطور الرياضيات والهندسة خاصة منذ مطلع الربع الثاني من القرن 19 والثورة الهائلة التي وقعت في الفيزياء في مطلع القرن الـ 20 هما اللذان دفعا بوبر إلى اتخاذ هذا الموقف الواقعي من العلم، وهو موقف يرجعه إلى نشأة العقلانية أو التيار العقلاني عند سقراط الذي يواجه به أرسطو ومن نهج منهجه في الفلسفة الواقعية التجريبية.

   حاول فيلسوف العلم كارل بوبر أن يقيم تمييز بين القضايا العلمية والقضايا غير العلمية، أو حاول التمييز بين العلم على وجه الحقيقة والعلم الزائف، وقد لاحظ أن معيار التمييز السائد هو الاستقراء، ولما كان الاستدلال الاستقرائي يعني الانتقال من قضايا مفردة أو جزئية تعبر عن نتائج الملاحظات والتجارب، إلى قضايا كلية مثل الفروض والنظريات فإن ذلك في نظر بوبر يعني إننا نسوغ لأنفسنا استدلال القضايا الكلية من القضايا الجزئية وهذا أمر منافِ للوضوح. ففي القرن 20 يتضح بان عهد الاستقراء وعهد اليقين قد ولى، وأن علم القرن الـ 20 علم استنتاجي استنباطي ينطلق من موضوعات وفرضيات مسلم بها مسبقاً تضعها التجربة والاختبار على المحك. 

1- المشكلة المنطقية للاستقراء: (التقييم والنقد).

   يرى فريق كبير من المناطقة (أي علماء المنطق) وعلماء مناهج البحث أن الاختلاف بين الاستقراء والاستنباط ليس اختلافا في الأساس بقدر ما هو اختلاف في نقطة البداية فإذا بدأنا بالكلي كنا في الاستنباط ، وإذا بدأنا بالجزئي كنا في الاستقراء. وثمة اتفاق بين الاستنباط وبين الاستقراء وهو أنه بالرغم من اختلاقهما في نقطة البداية فإن مبدأهما واحد ويمكن استخدامهما في بعض الحالات دون اكتراث بالتميز بينهما في تفسير واقعة أو تأسيس قانون، تبدو الحاجة إلى استخدام أيهما دون الآخر حسب معرفتنا وغرضنا، ولكن ينبغي أن نعرف أننا لا نستطيع أن نفسر أي شيء تماما إلا بالرجوع إليهما معا. أي انه في سبيل إعداد بحث في مجال تخصصك هنا إما أن يكون مبدئك استقرائياً أو استنباطياً فلا سبيل للمزاوجة بينهما.

  والعلاقة بين الاستقراء والاستنباط أننا نصل إلى ما نصل إليه في الاستقراء بعد أن نقوم أول بإخضاع الحديد للتجربة بواسطة رؤية هل يتمدد بالحرارة أم لا ثم نسجل قضيتنا الجزئية الناتجة عن هذه التجربة وهي (الحديد معدن يتمدد بالحرارة) ثم تجرى تجاربنا أيضا على النحاس وعلى الألمنيوم على حدة حتى نصل إلى قضيتنا العامة (جميع المعادن تتمدد بالحرارة ). أما في الاستنباط فإننا لا نعتمد على التجربة على الإطلاق، إننا نعتمد فقط على الفكر والعمليات الفكرية وحسب. فالاستنباط بهذا المعنى هو الاستدلال من العام على الخاص، أو هو استخلاص نتيجة من المعطيات المتوفرة أو من مسلمات قبلية وافتراض علاقة جديدة، أي أن نستنبط فرضيات من نظرية قائمة. مثال: طرح عالم الاجتماع "اميل دوركايم" فرضية العلاقة بين التضامن الاجتماعي والإنتحار وقال أنه كلما قل التضامن الاجتماعي في المجتمع كلما زاد الإنتحار، فنحن بذلك نستطيع أن نستنبط فرضية تقول أنه: كلما ضعفت العلاقات الأسرية كلما زادت معدلات الانتحار في المجتمع. أو ننطلق من تفسير سيكولوجي كأن نرجع أسباب الانتحار في المجتمع إلى حالات نفسية تتعلق بالشخص المنتحر ذاته وبالتالي ننطلق من دراسات ونظريات سيكولوجية ونبني وفقها فرضياتنا أو قد نرجع هذا إلى أسباب تتعلق بانعدام التربية الروحية لدى الشخص المنتحر  وبذلك ننطلق  من الدراسات السيكولوجية أو البيداغوجية التي تمت في هذا المجال.

   ولقد رأينا من قبل أن الاستقراء يهدف إلى اكتشاف القضايا العامة، في حين أن الاستنباط يهدف إلى البرهنة  على هذه القضايا العامة. ومن هنا يمكن تميز الاستقراء عن الاستنباط بقولنا أن منطق الاستقراء هو منطق الاكتشاف في حين أن منطق الاستنباط هو منطق البرهان.

   عكف بوبر إلى دراسة مشكلة الاستقراء كما طرحها دافيد هيوم ولم يكن مبعث اهتمامه بالمشكلة محاولة البحث عن حل لها بقدر ما كان إثباتا لقوله انه ليس هناك مشكلة تحتاج إلى حل لان الاستقراء كمنهج ومبدأ لا أساس له من المنطق ولا من الواقع. يقول بوبر أن الاستقراء الذي يعني :"صياغة اعتقاد ما عن طريق التكرار" هو محض خرافة وهكذا ينتهي بوبر إلى أن نظرية هيوم الاستقرائية في صياغة الاعتقادات بناءاً على التكرار لا يمكن أن تكون صادقة، وان اهتمام الفلاسفة بالاعتقاد إنما ينتج عن تلك الفلسفة الخاطئة التي يطلق عليها بوبر المذهب الاستقرائي.

- ما هو البديل عند كارل بوبر؟

   هو القول بتوقعات ويشير بها إلى حالات نفسية مؤقتة، أما خطورة القول بالاعتقاد فتأتي من أن معظم الفلاسفة يقصدون بها الاعتقاد السائد وبوبر يحارب كل ما هو راسخ ولا يقوم على أساس هذا الاعتقاد الذي يناله التغيير عندما نصوغه، كما يتغير مرة ثانية بعد أن تتم صياغته بالفعل، فلا معنى إذا لرسوخه أو ثباته، التوقعات هي بديل عن الاعتقاد.

- ينكر بوبر أن يكون مبدأ الاستقراء في أصله حقيقة منطقية خالصة.

- كما انتهج بوبر منهج التكذيب بدلا من منهج التصديق في الاستقراء (التحقيق).

- يرى بوبر أننا نصل إلى القضايا الكلية بالاستنباط وليس بالاستقراء.

- ليس هناك مكان للتبرير عنده، وإنما يتمثل دور القضايا المفردة أو الأمثلة التي نحصل على الإتيان بها في تكذيب القضايا الكلية فقط.

- يرى بوبر انه إذا كان هدف العلم هو محاولة الاقتراب من القضايا الصادقة، فإن ذلك يتسنى له استبعاد وحذف القضايا الكاذبة بعد تكذيبها بالطبع.

- يعتقد أن العلم بوصفه مجموعة من النظريات هو مجال المعرفة الحقة، فإن المعرفة العلمية تصبح حقلاً خصباً لتطبيق منهج العلم إلا وهو (منهج البحث النقدي = أي منهجه الذي وضعه).

- هل يعني تطبيق المنهج وتطبيق مجموعة من القواعد نصل بمقتضاها إلى نظرية صحيحة؟. إن هذا ما يرفضه بوبر تماماً لأنه ينم عن نمط استقرائي في التفكير.

2- منهج البحث النقدي (منهج التكذيب ونمو المعرفة) عند كارل بوبر:

مشكلة 01 ـــــ نظرية مؤقتة ــــــ استبعاد الخطأ (عن طريق الاختبارات الحاسمة) ــــــ مشكلة 02 

(أي مشكلة ثانية في حاجة إلى حل جديد).

   هذه الصياغة لا تعني مجموعة قواعد محكمة يؤدي إتباعها إلى اكتشافات قائمة على التنبؤ كما هو الحال عند مؤيدي المنهج الاستقرائي، فمنهج العلم عند كارل بوبر يختلف عن التصورات السابقة حيث لا يبدأ من ملاحظة لكنه يبدأ من مشكلة فيضع فروضاً لها بهدف تفسير الظاهرة موضوع المشكلة، وقد توضع الفروض دون مبرر لا تنطلق البتة من ملاحظات امبريقية، وتشير هذه الفروض التي تتوقع ما سوف يحدث في ظروف معينة، ويقوم باختصار هذه الفروض كلما وجد سببا لذلك، ثم يتم وضح استنتاجات يمكن مقارنتها بالظواهر عن طريق الاختبار والتجربة، وتتم هاته الاستنتاجات بطريقة استنباطية منطقية بحتة وليس فيها مجال للاستقراء، فإذا ما توافقت الظواهر مع الاستنتاجات وصلنا إلى نوع من التعزي، أما إذا اختلفت الظواهر مع الاستنتاجات فهذا تكذيب للفرض.

   إذا كان الاستقرائيون يستغرقون كل وقتهم في البحث عن البنيات والشواهد المؤيدة للفروض، فإن الاستنباطيون ومعهم بوبر يوجهون كل اهتمامهم للبنية السالبة أو المكذبات، فالتكذيب كله أو بعضه هو المصير المقدر لكل الفروض ... وهنا تظهر النزعة الشكية  لأصحاب التيار الاستنباطي.

   يعني انه لا مجال لحكم قاطع أو نظرية شاملة، وقانون ثابت وخاصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإنما هناك بحث دائم عن الأفضل في مجال النظريات عن طريق تكذيب النظريات القائمة وتعريضها للاختبارات الصارمة، فان صدق هذا النقد بقيت قائمة معززة لفترة حتى تأتينا تلك البنية الوحيدة المكذبة، فندفع بالنظرية إلى الوراء لتحل محلها نظرية أخرى جديدة، ومن ثمة يتقدم العلم في مسيرته مسيرة نمو المعرفة العلمية.

   يولي كارل بوبر اهمية كبيرة على تمييز النظريات العلمية، ليس من جهة اختبارها فعلا ولكن من حيث قابليتها للاختبار  فالنظرية القابلة للاختبار هي النظرية الاكثر قبولا والافضل علميا، لذلك فان بوبر يذهب الى ضرورة اعتماد النظرية العلمية الاكثر قابلية للاختبار لتحل بذلك محل النظرية السابقة، برغم ان النظرية السابقة هي السائدة وانها لم تفشل اختبارياً بعد .

   يقول بوبر في كتابه منطق الكشف العلمي: " يضع العالم سواء اكان نظريا ام تجريبيا فروضا او انساقا من النظريات ثم يختبرها تدريجيا في ميدان العلوم التجريبية". وفي ذلك اشارة واضحة الى النظرية العلمية والتي يعرفها بوبر بانها (قضايا كلية تشبه التمثلات اللغوية في كونها انساقا من العلاقات والرموز).

    وقد حدد  بوبر الشروط التي ينبغي ان تخضع لها النظريات العلمية وتتلخص بمايلي :

1- شرط عدم التناقض :

   بمعنى ان تكون النظرية خالية من التناقض اي انه اذا ما وجد اي تناقض في جزء من النظرية فمن الضروري استبداله بحيث تسمح النظرية باشتقاق القضايا المنتمية لها فقط .

2- شرط الاستقلال :

   اي استقلال القوانين الاساسية بعضها عن البعض الاخر اذ لا يمكن البرهنة على بعض قوانين النظرية من خلال البرهان على قوانين اخرى داخل النظرية .

3 - شرط الكفاية :

   اي ان بديهيات النظرية كافية لاشتقاق جميع القوانين والقضايا المنتمية للنظرية، وبعبارة اخرى البديهيات والقوانين الاساسية لا تحتاج الى مقدمات اخرى للبرهنة على قضايا كان من المفروض ان تبرهن عن طريق البديهيات.

4- شرط الضرورة :

    اي ان تكون جميع البديهيات والقوانين الاساسية ضرورية بمعنى عدم وجود قضايا يمكن الاستغناء عنها، فاذا كانت النظرية تحتوي على قضية لا يمكن ان تؤثر في النتائج المشتقة منها فان هذه القضية ينظر على انها غير ضرورية.

3- طبيعة المنهج البوبري:

   يصف كارل بوبر منهجه بأنه استنباطي يعتمد على التوصل إلى النتائج بطريقة منطقية بحتة وعقلانية، في مقابل منهج الاستقراء الذي يعتمد على البنيات والوقائع الجزئية بالدرجة الأولى. ونلمس في هذا أن هناك:

 - تعارض بين المذهب العقلي (الاستنباط) والمذهب التجريبي (الاستقراء).

   إذا كان "رونيه ديكارت" قد تصور العلوم جميعاً في صورة انساق استنباطية ممثلاً أصحاب المنهج الاستنباطي، فإن "بيكون" ومن سلك طريقه من التجريبيين الانجليز وغيرهم قد تصور العلوم قائمة على أساس الملاحظات والاستنتاجات، واستنتاج التعميمات منها بالطريقة الاستقرائية.

    إلا أن  معنى الاستنباط عند بوبر يختلف عنه عند ديكارت فإذا كان هذا الأخير يعتقد أن المبادئ وهي مقدمات الأنساق الاستنباطية يجب أن تكون مضمونة الصدق بيِّنة بذاتها واضحة ومتميزة وقائمة على حدس عقلي، فإن بوبر على العكس من ذلك يتصورها تخمينات أو حدوس مؤقتة أو فروض، وهذه الفروض يجب أن تكون قابلة للتفنيد وهنا يختلف عن معظم القائلين بالمذهب الفعلي الاستنباطي في العصر الحديث وهما:

   هنري بوانكاريه وبيير دوهيم اللذان يوافقان على رفض الاستقراء وعلى رفضهما الاعتقاد بان النظريات الفيزيائية تتألف من قضايا صادقة صدقاً اولياً، إلا أنه يختلف معهما في اعتقادهما في استحالة وضع الأنساق النظرية موضع الاختبار التجريبي، ويعتقد بوبر أن بعضها قابل للاختبار أي قابلة للتفنيد من حيث المبدأ، فهي تركيبية وليست تحليلية كما يذهب بوانكريه، كما أنها معرفية وليست مجرد أدوات كما يذهب دوهيم.

4- قواعد المنهج الاستنباطي عند كارل بوبر:

   إذا كان اينشتاين يرى انه ليس ثمة سبيل منطقي يفضي بنا إلى القوانين الكلية العامة، وإنما سبيلنا إلى ذلك حدس يعتمد على نوع من الشغف العقلي. فإن بوبر يرى أنه لا يوجد ما يمكن أن نسميه منهج منطقي لاكتساب أفكار جديدة وهذا لان:

* صور العلم لا تتحقق بصورة نهائية.

* النظرية العلمية لا تقبل التبرير ولا التحقيق، وإنما أهم خصائصها أنها قابلة للاختبار، وهذا هو معيار موضوعيتها على خلاف الاستقرائيين الذين يعممون التبرير والتحقيق في التنبؤ بما يقع في المستقبل، والبديل عند بوبر هو موجهة فروضاً بمزيد من الملاحظات لاكتشاف مدى قابليتها للاختبار، وكلما كانت النظرية أفضل من سابقتها في قابلية الاختبار كان ذلك إشارة على أننا نسير على درب العلم.

* علينا أن نتخلى عن البحث عن القوانين الكلية أو عن ترابط النسق النظري، ولا أن نتوقف أبدا عن محاولة تفسير أي نوع من الحوادث يخضع للوصف تفسيراً علياً، وهو انه هذه قاعدة توجه الباحث العلمي في عمله، ويرى بوبر أن التطورات الأخيرة في الفيزياء تتطلب التبرؤ من هذه القاعدة، أو القول بان الفيزياء أصبحت راسخة في عصره في احد ميادينها على الأقل، بحيث يعد البحث من جديد عن قوانين أمراً لا يخلو من حمق هي أقول مرفوضة تماماً. وبهذا فان بوبر رفض مبدأ العلية.

* ليس في الأساس التجريبي للعلم الموضوعي أي شيء مطلق، فالعلم لا يبنى على أساس من الصخر، وإنما إذا صح التعبير على ارض موحلة يقيم عليها نظرياته الجسورة، انه بناء على أعمدة مغروسة في الوحل ولا يتوقف غمسها عند حد طبيعي معطى سلفاً كما قال كارل بوبر.

* يمكن للنظريات بان تكون قابلة للمراقبة بشدة متفاوتة أي قابلة للتفنيد.

* استخدامه لمفهوم البساطة كان نقول أن نظرية xنظرية بسيطة جداً بالمعنى الابستيمولوجي، وهي فكرة تعريف درجة الانتظام القانوني بواسطة البساطة.

تنبيه:

   إن الذي ذكر آنفاً في حقيقة الأمر عبارة عن طرح ابستيمولوجي لفيلسوف العلم كارل بوبر، الذي ينتمي الى الاتجاه العقلاني، وهو عبارة عن نموذج من بين العديد من النماذج والطروحات الابستيمولوجية لفلاسفة العلم يتعين على القارئ الكريم والفهم الاطلاع عليها في المراجع والمصادر المتوفرة.

ثالثاً : العقلانية المطبقة عند باشلار (تصوره للعلم والمنهج العلمي).

   أطلق "باشلار" على فلس فته اسم العقلانية المطبقة، كما يصفها بالعقلانية العلمية الجدلية، ويعتبرها مخالفة للعقلانية المطلقة، كما يسميها أيضا "الابستمولوجيا الديكارتية" أو "فلسفة النفي". وينطلق باشلار في بنائه لهذه الفلسفة من ملاحظة أساسية، ميزت علاقة الفلسفة بالعلم، وهي أن الخطاب الفلسفي حول العلم، ظل متخلفاً جداً عن الممارسة العلمية وما طرأ عليها من تحولات، وما عرفته من ثورات معرفية غيرت من منطلقات العلم ومفاهيمه الرئيسية. فالخطاب الفلسفي ظل يفكر في اشكالت العلم والممارسة العلمية، اعتمادا على مبادئ ومنطلقات تقليدية، لذلك كان غير قادر على متابعة العلم في حركيته وتطوره، وبالتالي كان عاجزا عن تقديم الفلسفة التي يحتاج اليها العلم المعاصر وهي في نظر باشلار انه يجب العمل بـ "الفلسفة المطبقة".

   وعلى الرغم من أن الموقف الفلسفي الذي يقدمه هو موقف عقلاني، الا انه يعتقد أن الفلسفة مسؤولة  في التعبير عن صورة العلم المعاصر، دون الارتباط بموقف فلسفي جاهز أو مسبق، لأن هذا ا لأمر سيعيدنا الى ما سقطت فيه الفلسفات التقليدية في مواكبتها للعلم.

   ان المهم في نظر باشلار، هو قدرة فلسفة العلم على الرصد الموضوعي لكل مؤشرات الفكر المعاصر، وكذلك على التخلص من الاكراهات والتعقيدات التي تفرضها الأنساق الفلسفية المغلقة واللغة الفلسفية الضيقة. ليس المهم هو التماسك المنطقي للخطاب الفلسفي حول العلم في المفاهيم التي يستخدمها، وما يترتب عنها من تعقيدات داخل النسق الفلسفي، فواقع العلم المعاصر، أصبح بعد الثورات الكبرى يقترب أكثر من الواقع، وهو الأمر الذي تحقق بفضل تطور التكنولوجيا المرتبطة بالعلوم الطبيعية.

* أهم خاصية مميزة للعقلانية المطبقة عند باشلار هي:

- ارتباطها وملاحقتها للعلم، دون الانطلاق من موقف فلسفي مسبق ومغلق، ذلك أن البحث في مشكلات المعرفة العلمية وانجازاتها ينبغي أن ينصب أول وقبل كل شيء على النتائج التفصيلية للعلوم المختلطة قبل الانتقال الى استخلاص القيم المعرفية والثقافية التي تنطوي عليها المعرفة العلمية المعاصرة. أي أن الخطاب الفلسفي حول العلم في نظر باشلار ينبغي أن يكون حديثا لاحقا. وذلك لكي لا يفرض الفيلسوف قيما على العلم من خارج الممارسة العلمية، اذ لا معنى من اعتماد خطاب شمولي ونهائي لقيمة العلم، في الوقت الذي تتجدد فيه هذه القيمة تبعا لتطور المعرفة العلمية واحداثها لثورات حاسمة في تاريخ علوم الطبيعة.

- كما تتسم ا لبستيمولوجيا البشلارية بسعيها الى التطابق مع الواقع، أي بعلاقتها الجدلية بالواقع، وذلك على عكس العقلانيات المثالية التي كانت تقدم نفسها كفلسفات متعالية، لتكتسب قيمتها من سعيها الى التطابق مع الواقع، بل بقدرتها على التخلص من محدودية التجربة، وضيق الواقع، أما فلسفة العقلانية المطبقة فهي عبارة عن برنامج عمل، يسعى دوما الى الانطلاق  من الواقع والتحقق في التجربة، فهيي اذن عقلانية غير مفارقة للواقع، كما أنها ليست فلسفة مبادئ قبلية ثابتة، فهيي دائما تغير من منطلقاتها ومسلماتها ونتائجها كذلك حسب تغير الواقع وتجدد مفاهيمه، وتعيد البناء في كل مرة يفرض عليها ذلك. فساهمت في تأ سيس مفهومي القطيعة ا لبس تمولوجية والعائق ا لابستيمولوجي.

ملاحظة

إن الذي تقدم من طرح ونقد ابستيمولوجي على العموم يقتصر على علوم الطبيعة والحياة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات والبيولوجيا والطب والفلك وما الى ذلك من العلوم، و(الاشياء تعرف بأضدادها) حتى وان كان باشلار سيكولوجي الاتجاه ولذلك فما سيتقدم ذكره يتعلق بالخصوص هو طرح مفهوم العلوم الاجتماعية والانسانية، وموضوعها ومنهجها، والنقد الابستيمولوجي الموجه لها وفضلاًّ عن هذا العوائق الابستيمولوجية التي تعرقل مسيرتها.

رابعاً: فلسفة العلوم الإنسانية والاجتماعية.

1- تصنيف العلوم:

   هناك تصنيفات متنوعة للمعرفة الإنسانية بصفة عامة، إذ يمكن تصنيفها إلى علوم طبيعية Natural Sciencesوعلوم اجتماعية Social Sciencesوعلوم إنسانية  Humanities، وعلوم معيارية. ويمكن تعريفها فيمايلي:

* علوم الطبيعة:

  تتضمن علوم الطبيعة والتي تهتم بدراسة الظواهر الطبيعية، ومن هذه العلوم ( الفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والفلك ) كما تتضمن العلوم البيولوجية كالحيوان والنبات ...الخ

* العلوم المعيارية:

   هي العلوم التي تهتم بوضعالمعايير والمقاييس التي تحدد ما يجب أن يكون عليه الشيء  أو السلوك أو التفكير. فهي لا ترضى بما هو كائن، بل تطلب ما يجب أن يكون، تهدف هذه العلوم إلى صوغ القواعد والنماذج الضروريةلتحديد القيمكالمنطلق وعلم الجمال  والأخلاق.ويمكن تسميةالعلوم المعيارية بالعلوم الإنشائية.

* العلوم الاجتماعية والانسانية:

    العلوم الاجتماعية تتخذ من أحوال الناس وسلوكاتهم موضوع الدراسة وفقمنهج منظم، تدرس واقع الإنسان كفرد لوحده، أو فردًا ضمن جماعة، أي أنها تلك العلوم التي تتناول أيضا فاعليات الإنسان المختلفة ومساعية إلى ضبط طبيعتها وتحديددلالاتها ومقاصدها المختلفة، كعلم الاجتماع والنفس والتربية والاقتصاد.أما العلوم الإنسانية فهي تلك العلوم التي تختص بدراسة أصل وتاريخ الإنسان، والتنظيمات والتطورات التي تطرأ على المجتمع البشرى، وبصفة خاصة تدرس هذه العلوم الإنسان في علاقاته بالآخرين، وهي علم التاريخ والانتربولوجيا (علم الإنسان) وعلم السلالات ...الخ.  وتندرج ضمنها أيضا الإنسانيات التي هي تلك العلوم أو فروع المعرفة التي تتجه نحو دراسة إنسانية الإنسان، كما تبحث في التغيرات التي تحدث في الأدب والفن. وفي عمومها فان موضوع دراسةالعلوم الإنسانية والاجتماعية هو الإنسان، وكل ما يصدر عنه من أصناف السلوك، وعلاقات وفعالياتها المختلفة وما يترتب عنها من نتائج. حيث تدرس ما هو كائن.

   وهناك اتجاه يميل إلى دمج العلوم الإنسانية مع العلوم الاجتماعية على اعتبار أن الإنسانيات تدخل في مجال الاجتماعيات، وبناء على ذلك فإن تصنيف العلوم يقوم على أساس علوم طبيعية وعلوم اجتماعية فقط ، فتهتم العلوم الطبيعية بصفة مباشرة بالظاهرات والأحداث الطبيعية، بينما تهتم العلوم الاجتماعية بدراسة أنشطة ومنجزات الإنسان. ولهذا يجب التمييز بين هذين الصنفين من العلوم، وهذان الصنفان من العلوم يختلفان تمام الاختلاف في بعض النواحي

ويمكن تحديد أوجه الاختلاف بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية فيما يلي :

1- إن العلوم الطبيعية تطورت إلى مرحلة أبعد بكثير من تطور العلوم الاجتماعية في الحاضر وحتى على ما يبدو  في المستقبل المتطور.

2- إن العلوم الطبيعية تختلف عن العلوم الاجتماعية من حيث المنهج العلمي المستخدم في الدراسات والبحوث فبينما تعتمد العلوم الطبيعية على الطريقة العملية المحسوسة القائمة على التجريب والاستقراء والقياس والتطبيق للتأكد من صحة النتائج التي يتم التوصل إليها، نرى أن العلوم الاجتماعية قاصرة على بلوغ هذا المستوى، فتكتفي بالدراسات المسحية والمشاهدة والوصول إلى نتائج وتحليلات غير مضمونة وتكون عرضة للتغيير والنقد بين الحين والآخر على الرغم من استخدام العلوم الاجتماعية لأحدث المبتكرات التكنولوجية الآن .

3- إن العلوم الاجتماعية تعنى بدراسة الإنسان من الناحية الاجتماعية وتدرس مظاهر الطبيعة باعتبار علاقتها بهذا الإنسان وأثرها فيه وأثره فيها، وعلى ذلك فالإنسان هو صميم موضوع العلوم الاجتماعية بينما الظواهر والأشياء موضوع العلوم الطبيعية.

2- تاريخ العلوم الاجتماعية:

   ثمة شبه إجماع بين الباحثين ومؤرخي العلوم على أنالعلوم الإجتماعية قد نشأت في القرن الـ 19 حينما بدأت هذه العلوم في الاستقلال؛فقد لاحظ ميشال فوكوM. Foucault أن العلومالإنسانية تفتقد إلى ميراث خاص بها يعود إلى القرنين الـ 17 و الـ 18 والسبب في نظره هو أن الإنسان في هذين القرنين لم يكن له وجود، ولم يكن موضوعاللتفكير وهو ما يعني تعذر ظهور العلوم الإنسانية خلال هذه الفترة.

   غير أن شبه الإجماع هذا حول النشأة، يقابله خلافبين العلماء وفلاسفة العلم حول طبيعة المنهج في هذه العلوم. ولهذا يمكن القول إنالعلوم الاجتماعية قد نشأت نشأة غير مكتملة؛ فهي وإن استطاعت تحديد موضوعها وحصره،فإنها لم تستطع خلق منهج يلائم طبيعة موضوعها.إذاً فالإشكال المنهجي في العلوم الاجتماعية حديثيعود بالأساس إلى القرن الـ 19؛ وهو القرن الذي كان فيه المنهج الاستنباطي فيالعلوم الرياضية، والمنهج الاستقرائي في علوم الطبيعة قد بلغا غايتهما في النضجواستكمال سيطرتهما على كافة الميادين، وهو ما وضع هذه العلوم أمام خيارين:

- إما أن تجد لنفسها منهجا يلائم طبيعتها لا هواستنباطي ولا هو استقرائي.

- وإما أن تحاول تبني هذين المنهجين وتطبيقهما علىدراساتها. وفي كلتا الحالتين كانت النتائج غير مرضية؛ إذ في الحالة الأولى (الاستنباط) تباينتمناهج الدراسات الإنسانية، وصارت أمام مناهج متعددة. وفي الثانية (الاستقراء) تم تحويل الإنسانإلى مجرد رقم أو عدد أو قضية أولية أو ثانوية. مما يمكن إخضاعه لمنهج استنباطي، أوإحالة الإنسان إلى مادة من مواد الطبيعة لمنهج استقرائي.

   وفي مجال العلوم الاجتماعية، تأثر أوجست كونتA. Comte بفيزياء نيوتن، واستمد منها فلسفته الوضعية التي حاول أنيرسي علم الاجتماع على أساسها، وتم تعميم أسس المنهج الوضعي لتشمل العلومالإنسانية. وكان من نتائج ذلك كله، اختزال الظواهر الإنسانية في جوانبها الحسيةوالفيزيقية، واستبعاد كل ما هو متجاوز ومتعال وغيبي، حتى إنه لم يعد هناك فرق بينالظاهرة الإنسانية والظاهرة الطبيعية. كما تم فصل العلم عن كل قيمة أخلاقية، واكتفىبطرح سؤال الوسائل دون سؤال الأهداف والغايات.إن هذه النتائج العكسية لتطبيق أسس المنهج الوضعي،المستمدة من العلوم الطبيعية على الدراسات الإجتماعية دفعت عددا من العلماءوفلاسفة العلم إلى التنبيه على التباين الحاصل بين فروع هذين العلمين، وإلى وضعحدود فاصلة بينهما، لأن تجاهل ظاهرة الاختلاف هذه القائمة بينالمجالين، لا تؤدي فقط إلى كثرة المفاهيم الخاطئة، وإنما أحيانا إلى أوهام لايمكن أن تتحقق بأي حال من الأحوال.

   فإذا كانت علوم الطبيعة تسعى إلى صياغة قوانينعامة، كلية ومطلقة، فإن غاية ما تسعى إليه العلوم الإجتماعية هي بناء قوانين وقواعدتقريبية واحتمالية، تفتقد إلى الكلية واليقين المطلق. لذلك فلا يمكن القول إنالعلوم الإجتماعية يمكن أن تصل إلى قوانين مماثلة لتلك القوانين التي تصل إليهاعلوم الطبيعة، فموضوع العلوم الإنسانية هو الإنسان والطبيعة البشرية تتميز بأنهاتتجاوز الطبيعة/المادة، إضافة إلى أن كل فرد يتميز بخصوصيات تجعله يختلف عن باقيالأفراد.

  إضافة إلى ذلك، تختلف وقائع العلوم الطبيعية عنوقائع العلوم الإنسانية في كون الأولى يمكن إدراكها عن طريق الحواس لأنها أحداثفيزيقية. أما الثانية؛ فلا يمكن إدراكها عن طريق الحواس، لأنها ذاتية وتختلف منفرد إلى آخر فهي تتمثل في المشاعر والأفكار والنيات والدوافع والسلوكات والاتجاهات والأفعال الاجتماعية ... ولذلك فهي وقائع تتصفبجديتها وبعدم قابليتها للتكرار. وبرغم امتلاك الإنسان خواص فيزيقية، فإن أهم صفةتميزه هي أنه كائن عاقل الأمر الذي يمنح سلوكياته وتصرفاته معنى، ويفرض علينافهمها وعدم الاقتصار على وصفها.

   ولا شك أن نشأة العلوم الاجتماعية خلال القرن التاسع عشر ساهمت في ميلاد عدة إشكالات وتساؤلات يمكن تلخيصها في النقاشات التي تشهدها الساحة الفكرية حول القيمة الموضوعية لهاته العلوم، ومدى إمكانية تأسيس معرفة موضوعية بالظاهرة الاجتماعية والإنسانية التي يتداخل فيها عنصري الذات والموضوع في الآن نفسه، وهل تخضع الظاهرة في دراستها للفهم أم للتفسير؟ وما هو النموذج العلمي الملائم لهذه الظاهرة؟.

   وإذا كانت الظاهرة الفيزيائية يُعتمد في دراستها على التفسير والتنبؤ؛ فإن الفعل والسلوك الإنساني عكس ذلك يتخذ وسطا بينهما، وبالتالي فهو يخضع للتأويل والفهم الذي يساعدنا على فهم مقاصد ودلالات وغايات الفعل الإنسانية التي تحددها الذات، هذه الأخيرة التي تحتل مكانة كبرى عند بعض التيارات الفلسفية من خلال التجربة المُعاشة  التي عاشتها هذه الذات والتي تتلخص لنا في المعرفة التي نكونها عن هذا العالم بواسطة هذه الذات.

   هذا النقاش بين مسألة الفهم والتفسير في الظاهرة الاجتماعية جعل ويجعل الدارسين على الدوام في وقتنا الحاضر  يطرحون السؤال حول النموذج العلمي بالنسبة للعلوم الاجتماعية، ومن هنا سيبرز السؤال حول : مدى إمكانية تطبيق المنهج التجريبي لضمان أكبر قدر من الموضوعية في العلوم الإنسانية. إن إمكانية تطبيق النموذج العلمي  في العلوم الاجتماعية ستفرض ضرورة التفكير  في طبيعة هذه العلوم ومدى صلاحية المنهج فيها.

3- العوائق الابستيمولوجية:

   إن معظم الجدل والنقاش الإبستيمولوجي يدور حول تحليل طبيعة المعرفة العلمية، وارتباطها بالترميزات والمصطلحات مثل الحقيقة، الاعتقاد، التبرير، النظرية، المنهج العلمي، …الخ، إضافة إلى دراسة وسائل إنتاج هذه المعرفة، وطرح الشكوك حول إدعاءات المعرفة المختلفة، فإذا كانت الإبستيمولوجية مبحثاً موضوعه المعرفة العلمية وهدفه التحليل النقدي لها، فما هي عوائق العلم التي تتطلب تدخلاً إبستيمولوجياً؟.

   * مفهوم العائق الإبستيمولوجيEpstimologique  obstacle:العائق لغة هو كل ما يعطل أو يؤخر حركة أو فعل ما، أنه قوة شد إلى الوضع القائم والحكم الجاهز والرأي السائد في حين أن المحفز هو قوة دفع لتجاوز ما هو كائن طمعا فيما يجب أن يكون. الأول قوة ممانعة والثاني قوة محركة كما يقول الفيزيائيون. الأول شد إلى الموجود والثاني توق إلى المنشود.

   وفي اصطلاح العلماء فالعوائق الإبستيمولوجية هي تلك العقبات الاجتماعية الإيديولوجية، وبالأخص المعرفية العقلية والمعرفية التي تحول دون تطور العلم، وكذا التفكير العلمي بشكل عام. لقد تكلم غاستون باشلار وكثير من العلماء والمهتمين بموضوع العلم والمعرفة عن العوائق التي تحدثها المعرفة العامة أمام المعرفة العلمية، وتعنى المقاربة الإبستيمولوجية بتحليل بنية المعرفة وإيجاد العلاقات بين المفاهيـم والقوانين والنظريات، وكذا بالبحث عن التصحيحات المتتالية التي طرأت على هذه المفاهيـم عبر تاريـخ بنائها والعوائـق التي تـمّ اجتيازها.

   ويبرز مفهوم القطيعة والعائق من خلال الدراسة التاريخية للمفاهيم العلميـة أن نمو الفكر العلمي ينتج عن سيرورة لا خطية (اللاتواصل)؛ إذ يتميّـز بمسار تطبعه عدة انعراجات تتخللها عوائق وقطائع. وبهذا فإن ظهور نظرية معينة لا يتمّ عن جمع الوقائع بل عن مصادفة وتجاوز العوائق.

   وإذا كان العلـم يتطـوّر ويتقـدم باجتياز عوائق إبستيمولوجية، فقد أصبحت لهذا المفهوم مكانة خاصة في التعلم، حيث يستوجب اكتساب المفاهيم العلمية معرفة العوائق لدى المتعلـم ومحاولة اجتيازها. ومن بين العوائق الإبيستمولوجية عند باشلار Bachelardنجد: عائق التجربة الأولى ويتمثل في اعتماد التجربة اليومية (الحدسية). وعائق المعرفة العامة ويتمثل في الميول إلى التعميم.

  ويهتم هذا المبحث بمحاولة إقامة نظرة فلسفية صحيحة تتماشى مع طبيعة العلم المعاصر، وبصيغة أخرى إزالة الهوة بين الفلسفات المعاصرة والعلم الحديث. فقد لاحظ باشلار مثلا أنه قد حدثت ثورات معرفية كبيرة أعادت انظر في كثير من المفاهيم الأساسية، مما جعل الفلسفات جميعا غير قادرة على إعطاء القيمة التي يستحقها العلم الحديث.

           ومن أهم القضايا التي تثيرها الإبستيمولوجيا (العوائق الابستيمولجية) بصفة عامة نجد:

3-1 المعرفة السابقة:

   تعد مشكلة المسار الذي تسلكه المعرفة العلمية واحدة من أهم مشكلات الإبستيمولوجية. إن خصائص المعرفة العلمية تختلف كليا عن المعرفة العامية، فهل هذا يعني أن الأولى منفصلة في تطورها ونشأتها عن الثانية أم أنها متصلة بها رغم ما بينهما من تباين؟. لقد انقسم الإبستيمولوجيون في النظر إلى هذه المشكلة  إلى فريقين: فريق نظر إلى مسار العلم على أنه سيرورة متصلة مستمرة لا انقطاع فيها ولا انفصال (التواصل)، وفريق يقول بانفصال وقطيعة بين المعرفتين (اللاتواصل).

   فمن وجهة نظر الاتجاه الأول تقول استمرار وتطور للمعرفة العادية، كما أن كل معرفة علمية جديدة هي استمرار للمعرفة العلمية السابقة فتاريخ العلم سلسلة يتولد بعضها من بعض. كما يرون أن المعرفة العلمية لم تنشأ من عدم بل هي حصيلة تطور لمعارف عامية وخبرات شخصية ذاتية، فالكيمياء مثلا التي أسسها "لافوازيه" هي امتداد لفكر الشعوذة والسحرة المصريين وعلم الفلك هو امتداد لعلم التنجيم، إلى غير ذلك من العلوم. أما وجهة نظر الاتجاه الثاني فيؤكد أصحابه من أمثال ميشال فوكو وغاستون باشلار على الانفصال المطلق بين المعرفة العامية والعلمية، ويرون أن تاريخ العلم هو تاريخ قطْعٍ بين المعارف العلمية البالية والمعارف الباقية والذي يفصل بين هذين النمطين من المعرفة العلمية هو مفهوم القطيعة الإبستيمولوجية.

-2- إنتاج المعرفة أو الصراع بين العقل والتجربة:

   إذا كانت مشكلتا سيرورة العلم وتصنيفه تنتميان إلى تاريخية العلم فإن بنية المعرفة العلمية تطرح إبستيمولوجياً  مسألة إنتاجها والعلاقة التي تقوم بين الذات والموضوع وبين العقل العالم ومعطيات الواقع، ليصار إلى تحديد دقيق للواقعة العلمية. فالعلاقة التي تقوم بين الذات والموضوع في المعرفة العلمية علاقة مركبة، فلا وجود لواقعة علمية تُسند إلى معطيات مباشرة فقط من دون مبادئ عقلية، كما أنه لا وجود لمبادئ عقلية من دون معطيات مباشرة. ولما كان العلم يهدف إلى تحقيق المعرفة النظرية، فالمعرفة العلاقة هي ثمرة العلاقة المركبة بين العقل والطبيعة.

    ومن هنا تدرس الإبستيمولوجيا الدور الذي يلعبه العقل البشري في عملية إنتاج المعرفة العلمية، حيث تطرح الإشكالية التالية: هل أساس المعرفة العلمية أم التجربة الحسية هي الأساس؟.

   ان مدارس الابستمولوجيا مختلفة، فالتجريبيون يردون المعرفة إلى الحواس، والعقليون يؤكدون أن بعض المبادئ مصدرها العقل لا الخبرة الحسية، وعن طبيعة المعرفة يقول الواقعيون إن موضوعها مستقل عن الذات العارفة، ويؤكد المثاليون أن ذلك الموضوع عقلي في طبيعته لأن الذات لا تدرك إلا الأفكار. وهذه إشكاليات لا زالت موضوعة للنقاش وخاصة عند الباحثين العرب، حيث يحق لنا التساؤل هل أن العلوم الإنسانية تنطلق من التجربة والواقع، أم تنطلق في بناء قضاياها وافتراضاتها من أمور عقلية غير واقعية؟.

3-3- عائق المنهج:

   المنهج هو الطريقة التي يعتمدها الباحث للوصول إلى هدفه المنشود، وأن وظيفته في العلوم الاجتماعية هي استكشاف المبادئ التي تنظم الظواهر الاجتماعية والتربوية والحالات النفسية، والإنسانية بصفة عامة وتؤدي إلى حدوثها حتى يمكن على ضوئها تفسيرها و ضبط نتائجها و التحكم بها.

- الخطوات المنهجية العلمية: يتخطى الهدف الرئيسي لأي بحث علمي مجرد وصف المشكلة أو الظاهرة موضوع البحث الذي فهمها وتفسيرها، وذلك بالتعرف على مكانها من الإطار الكلي للعلاقات المنظمة التي تنتمي إليها، وصياغة التعميمات التي تفسر الظواهر المختلفة، هي من أهم أهداف العلم، وخاصة تلك التي تصل إلى درجة من الشمول ترفعها إلى مرتبة القوانين العلمية والنظريات. إن تفسير الظواهر المختلفة تزداد قيمته العلمية إذا ساعد الإنسان على التنبؤ ولا يقصد بالتنبؤ هنا التخمين الغيبي أو معرفة المستقبل، ولكن يقصد به القدرة على توقع ما قد يحدث إذا سارت الأمور سيرا معينا، وهنا يتضمن التوقع معنى الاحتمال القوي. كما أن أقصى أهداف العلم والبحث العلمي هو إمكانية الضبط وهو ليس ممكنا في جميع الحالات، وتعتمد جميع العلوم في تحقيق الأهداف الثلاثة، المشار إليها سابقا (التفسير التنبؤ الضبط) على الأسلوب العلمي.

   كان بيكون يرى أن المعرفة تبدأ بالتجربة الحسية التي تعمل على إثرائها بالملاحظات الدقيقة والتجارب العملية ثم يأتي دور استخراج النتائج منها بحذر ولا يكفي عدد قليل من الملاحظات لإصدار الأحكام، وكذلك عدم الاكتفاء بدراسة الأمثلة المتشابهة بل تجب دراسة الشواذ من الأمور الجوهرية في الوصول إلى قانون عام موثوق به.  وقد دفع به هذا الموقف إلى نقد المدرسيين والقدماء لاكتفائهم بالتأمل النظري حول الطبيعة دون أن يعنوا بملاحظة ظواهرها. ومن  ثم فإن الفلسفة الحقة في نظره يجب أن تقوم على أساس من العلم وتستمد نتائجه القائمة على الملاحظة والتجربة. فيجب على العلم الطبيعي إذن احترام الواقع الحسي إلى جانب الذهن في تخطيطه للطبيعة. وهذه هي أسس النظرية المنطقية الجديدة، التي استند إليها بيكون في دعوته إلى ضرورة إصلاح المنطق الصوري أي انه أراد استبدال منهج البرهان القياسي بمنهج الكشف الاستقرائي هذا لأن الإنسان لن يستطيع أن يفهم الطبيعة ويتصدى لتفسير ظواهرها إلا بملاحظة أحداثها بحواسه وفكره.

    قدم فيلسوف العلم "باول فيرابند" فكرة الفوضوية المعرفية، والتي ترى عدم وجود قواعد منهجية مفيدة وبعيدة عن الاستثناء تحكم تقدم العلم أو نمو المعرفة، كما تعد فكرة أن العلم يمكن أو ينبغي أن يعمل وفقًا لقواعد عالمية ثابتة فكرة غير واقعية وخبيثة وتضر بالعلم نفسه.

    كذلك، انتقد "فيرابند" العلم لعدم وجود دليل على مفاهيمه الفلسفية الخاصة. وخصوصًا فكرة توحيد القوانين وتوحيد العمليات من جهة الزمان والمكان. حيث قال بان لا وجود لمنهج علمي ولا إلى علم له نتائج طيبة ويقينية وخاصة منها العلوم الاجتماعية والإنسانية.

3-4- مشكلة التجريب في العلوم الاجتماعية:

في هذا السياق نضع تساؤلاً محورياً مؤداه: هل يمكن استخدام المنهج التجريبي في العلوم الإنسانية والاجتماعية؟ وان يكن في الأمر  فما هي تبعات استخدامه يا ترى ؟.

   لقد جاءت العلوم الاجتماعية متأخرة النشأة قياسا بالعلوم الدقيقة، كما جاءت تلك النشأة كنتيجة لما بدأت المجتمعات الحديثة تعرفه من قضايا نفسية واجتماعية جديدة ارتبطت بتطورها السريع .. هكذا أصبحت هذه العلوم تسعى إلى تحويل الإنسان إلى ظاهرة قابلة للدراسة العلمية الموضوعية. إلا أن تميز الإنسان واختلافه عن الظواهر الطبيعة جعل العلوم الإنسانية تعرف مشاكل إبستيمولوجية من نوع خاص، ومن ثم بدأ العلماء يتساءلون حول مدى قدرة هذه العلوم على بلوغ دقة علوم الطبيعة. فقد حققت هاته الأخيرة نجاحاً كبيراً بفضل استخدامها المنهج التجريبي وقوانين الحتمية  فهل يمكن أن يتحقق ذلك مع العلوم الاجتماعية؟. بمعنى هل يمكن دراسة الظواهر الإنسانية بطريقة تجريبية تماما كما يحدث في العلوم الفيزيائة والكيميائية.. ؟ وان يكن في الأمر كذلك فهل نتوصل إلى نتائج صادقة من خلال تطبيقنا للمنهج التجريبي في علوم التربية، علم النفس وعلم الاجتماع.

   هناك موقف معارض يرى أنه لا يمكن إخضاع الظواهر الإجتماعية للتجريب، وبالتالي لا يمكن أن تكون موضوعا لمعرفة علمية نظرا للعوائق الابستيمولوجية التالية:

3-4-1- عوائق الظاهرة الاجتماعية:

* إنها ظاهرة بشرية من صنع الإنسان وترتبط بحياته الخاصة والعامة، والإنسان كما نعلم يتصرف بحرية وله القدرة على إبداع أفعال اجتماعية غير معهودة وغير متوقعة، كما أنه لا يستقر على حالة واحدة. وعليه لا يمكن إخضاعها لقوانين الحتمية، مثلا إذا وقع الطلاق بين زوجين لأسباب معينة، فان نفس الأسباب قد نجدها في عائلة أخرى دون أن يحدث الطلاق، أو مثلاً ظاهرة التحصيل الدراسي المتدني قد يرجع البعض تدني مستوى التلميذ إلى الظروف الاقتصادية، ولكن في نفس الوقت نجد أن تلميذ آخر يعيش في ظروف اقتصادية أكثر حدة ولكنه ممتاز في دراسته. نفس الشيء بالنسبة لظاهرة الانتحار والعنف وغيرها، وهذا ما يضيق دائرة التنبؤ بشكل كبير.

* إنها ظواهر متشعبة تتدخل فيها عوامل كثيرة، اقتصادية، اجتماعية، سياسية، عقائدية وتاريخية ، فقد يقول البعض أن سبب الهجرة إلى الخارج اقتصادي محض، لكن يمكن أن يكون سياسي أو إيديولوجي.

* إنها ظواهر خاصة تنطوي على عوامل ومحركات ذاتية، كعوامل الطلاق والانتحار والهجرة والتسرب المدرسي وما هو ذاتي لا يكون قابلا للدراسات التجريبية لانعدام الملاحظة الخارجية، ولا يكون قابلا أيضا للتحليل الإحصائي الدقيق .

3-4-2- عوائق الظواهر النفسية:

* إنها ظواهر داخلية يدركها صاحبها، ولا تدرك من الخارج، فنحن لا نرى الشعور واللاشعور، أو الحب والكراهية   والأنانية وغيرها لا مكان لها ولا حجم لها. فعندما يتحول الحزن إلى فرح لا ندري المكان الذي اختفى فيه الحزن، ولا المصدر الذي جاء منه الفرح. فكيف نفسر بكاء المرأة بكاءاً شديداً والتي تعرضت لحالة نفسية حادة وفي لحظات يتحول البكاء إلى ابتسامة وبهجة وسرور، ما سر التحول وما دوافعه ومنطلقاته يا ترى ؟. وكثيراً ما نجد رجلاً ضحوكاً كثير الكلام دائم الابتسامة ويظهر على أنه على خير ما يرام، ولكن في الحقيقة الداخلية هو ليس كذلك ؟.

* إنها ظواهر كيفية، تقبل الوصف لا تقبل التقدير الكمي، فإذا كان العلم قادر على قياس درجة حرارة الجسم أو ارتفاع ضغط الدم بالوسائل التقنية، فان هذه الوسائل غير قادرة على قياس درجة القلق أو الحب الإيمان وغيرها..   يقول "الكسيس كاريل":" إن تقنياتنا عاجزة عن تناول ما لا بعد له ولا وزن وعن قياس درجة الغرور والأنانية  والحب والكراهية وسمو الروح نحو الله). وحتى وان وجدنا أن بعض النظريات السيكولوجية تعتمد على القياس النفسي وتعتمد على التحليلات الإحصائية فهل نتائجها تكون صحيحة تنطبق على كل الحالات النفسية في الوقت والمكان المعينين والأسباب والمسببات يا ترى، ونجد أن هناك بعض الظواهر القابلة للقياس النفسي كمتغير الولاء التنظيمي والأداء التنظيمي في المؤسسة، واتجاهات الأفراد، ولكن تكون نتائجه في غالب الأمر غير صادقة وغير محققة. 

* إنها ظواهر خاصة  تتعلق بمقومات الشخصية، وما دامت هذه المقومات مختلفة من شخص لآخر يتعذر فيها التعميم كل واحد وانفعالاته، واهتماماته، وقناعته، فمثلاً الخوف كمرض نفسي ينبغي معالجته، ولكنه في نفس الوقت يكون كدافع للانجاز السريع والتفوق والنجاح، وقد أشارت العديد من الدراسات السيكولوجية في هذا الأمر علاقة الخوف من الفشل الدراسي بالنجاح. ولذلك يستحيل تعميم النتائج وهذا يعني أن مبدأ الاستقراء المعروف في العلوم التجريبية غير قابل للتطبيق في الدراسات النفسية،

* إنها ظواهر شديدة التداخل والاختلاط،  يشتبك فيها الإحساس والإدراك والذكاء مع الإرادة  الانتباه مع الإرادة   واللاشعور بما تحت الشعور، فتنعدم الدقة النتائج المتوصل إليها.

* إنها ظواهر لا تتكرر بنفس الطريقة ونفس الشعور ونفس الأثر، فلا يمكن للباحث أن يصطنع الحب والكره أو التفاؤل و التشاؤم حتى يتحقق من صحة فرضياته، فهي ظواهر تفلت من قبضة الإرادة والمنطق .

    لا ينكر احد مدى تعقيد الظواهر الاجتماعية سواء كانت تاريخية أو تربوية أو اجتماعية أو نفسية والناتج عن خصوصيتها كظواهر معنوية، لكن يمكن دراستها بطريقة علمية موضوعية وفق مناهج خاصة تنسجم مع طبيعتها. ويكون التجريب المكيف أفضل طريقة للدراسات الاجتماعية.

   وهناك موقف مؤيد يرى الداعين إليه انه يمكن إخضاع الظواهر الاجتماعية لدراسة علمية، وتجريب خاص، كما يمكن تجاوز تلك العوائق بفضل المناهج التي كيفت حسب طبيعة الموضوع.  حيث أن تطور المنهجالتجريبي و تقنياته وتكييف خطواته مع طبيعة الموضوعات، قد فتح المجال أمامالعلوم الاجتماعية وقدرتها على استخدام المنهج التجريبي  والنظر إلى ظواهرها علىأنها محكومة بقوالب وقوانين محددة، يتفاعل فيها الفرد والمجتمع سلوكيا. إضافة إلى ظهور إبداعات واجتهادات في طرائق العمل وأساليب البحث في الملاحظة وبناء التجارب وملائمتها مع طبيعة الموضوع في العلوم الاجتماعية، بل الأكثر منهذا محاولة وضع القوانين، وصياغتها رياضيا، قصد التمكن من التنبؤ بمستقبل الظواهرالإنسانية، كل هذا عبر عن تقدم حصل في العلوم الإنسانية وأعطى وجها مشجعالدراستها و مشروعيتها العلمية، وتجاوز عقبتها،  نذكر من أهم هذه الميادين:

3-4-3- تجاوز العوائق في دراسة الظواهر الاجتماعية:

كيف تجاوزت العلوم الاجتماعية العقبات والعوائق من حيث الموضوع والمنهج. وماهي البدائل التي طرحتها؟.

   إن فهم الظواهر الاجتماعية ودراستها تجريبيا وتجاوز عقباتها قد ظهرت ملامحها مع اميل دوركايم الذي قام بتطبيق المنهج التجريبي على الظواهر الاجتماعية الذي وصفها بأنها أشياء قابلة للدراسة، حيث لخصها فيما يلي:.

*  إنالظاهرة الاجتماعية تلقائية لم يخلقها الفرد، بل يولد الفرد ويجد مجتمعا كاملاأمامه، وعليه أن يخضع لنضمه الخاصة

*إنها ظاهرة جبرية قاهرة ملزمة للأفراد والجماعات على السواء ومن ينحرف بسلوكه عنها يتعرض للجزاء.

* إنها تتصفبالعمومية أي توجد في كل إبعاد المجتمع وتواجده وهذا ما يمكن من اكتشافالحقائق العامة.

* إنها ظواهر مستقلة عن الأفراد، بحيث يمكن ملاحظتها منفصلةعن الحيات الخاصة للفرد، لأنها جماعية ومن هنا يمكن دراستها دراسة موضوعية،علىأنها أشياء،مثال ذلك إمكانية تطبيق المنهج الإحصائي في عدها و قياسها.

    وانطلاقامن هذا التحديد يمكن التعامل مع الظاهرة الاجتماعية كظاهرة قابلة للدراسة التجريبية، ويمكن ملاحظتها ووضع الفروض، والتأكد بالتجربة كحسم للنتيجة،  والوصول إلىصياغة القوانين،  و مثال ذلك  قانون "وارد" الذي يقول:" أن الأفراد يبحثون عنأكبر كسب بأقل مجهود".  وقانون "دور كايم" حول الانتحار الذي يقول " أن الميلالشخصي إلى الانتحار يزداد مع قلة الروابط التي تربط الفرد بالمجتمع".

3-4-4- تجاوز العوائق في دراسة الحالات النفسية:

   يعتبر علم النفس آخر علم استقل عنالفلسفة، وسعى للبرهنة عن نفسه كعلم مستقل بموضوعه وأمكن له دراسة بعض القضايا النفسية بمقاييس تجريبيةتتجاوز العوائق النفسية.وقد كانت البداية الحقيقية لهذا التأسيس مع أعمالرواد علم النفس الحديث ومن أشهرهم "فيخنر" و "ووندت " الذي كان له الفضل فيإنشاء أول "مخبر تجريبي لعلم النفس" في ألمانيا لكن "ووندت" كان يعتقد أنالمنهج التجريبي لا يمكن أن يكون منهجا لدراسة جميع مواضيع علم النفس إلى أنه كانيؤكد بالرغم من ذلك في إمكانية دراسة المواضيع النفسية دراسة موضوعية. وقدأعطى "جون واطسن" دفعا قويا لهذه النظرية السلوكية التي تهتم بفهم النفس الإنسانيةانطلاقا من دراسة الأفعال السلوكية التي يقوم بها الإنسان كاستجابات لمؤثرات ومنبهات بيئية. و قد استفاد "واطسن" من تجارب "بافلوف" و جعلها مفتاحا للدراسةالمخبرية  والمعالجة الإحصائية للبيانات، واستعمال الأجهزة الكهربائية لدراسةالمنبهات  في التأثير على السلوك الإنساني.

   و قد كان هذا الاتجاه السلوكي كردفعل للبداية الحديثة في علم النفس التي كانت تعتبره "علم الشعور"  بزعامة "ديكارت " الذي يرى إن الشعور هو أساس الأحوال النفسية وما يجري فيها من أفكار، ونزعاتوانفعالات ... وهذا ما يسمى بعلم النفس الشعوري. وقد ظهرت النظرية المعرفية المجالية كرد فعل عن النظرية السلوكية وأتت معارضة لها من حيث موضوع البحث والمنهج المستخدم في الدراسة والبحث.

3-5- قيمة النتائج وعدم دقتها:

قيَّم فلاسفة العلم النتائج التي توصلت إليها العلوم الاجتماعية بأصنافها فتساءل بعضهم : هل نتائج هاته العلوم قيمة وهل هي يقينية ودقيقة يمكن مطابقتها بنتائج العلوم التجريبية ؟.

 *  إن الهدف الذي قامت من أجله العلوم الاجتماعية بوجه عام هو الكشف عن الأسباب والشروط الموضوعية التي تتحكم في الإنسان وصياغتها في شكل قوانين، غير أن هذاالهدف لم يتحقق سواء في علوم التربية أو التاريخ أو علم النفس أو في علم الاجتماع ...الخ. وبقت النتائجالمتوصل إليها بعيدة عن الدقة والضبط والموضوعية.

 * إن النتائج في العلومالاجتماعية ومهما قيل عنها فإنها لا تزال تعاني من التحيز وتأثير الذات الباحثةعليها والخضوع لكثير من الدوافع والقيم والمواقف الاجتماعية، ومن هنا لم تصلإلى تحقيق مبدأ فصل الذات العارفة عن الموضوع المدروس.

  * إن النتائج المتوصلإليها في حقل العلوم الاجتماعية سواء في علم النفس أو التاريخ أو علم الاجتماع، تعاني كلها من اختلاف النتائج وتعدد القوانين وكأن ليس لها أساس مشترك أو قاعدةتعود إليها، وهذا ما تبلور في تعدد التفاسير لظاهرة واحدة , وتعدد المناهج.

  * كما أن القوانين في العلوم الاجتماعية من الصعب القول إنها تخضع لحتمية ثابتةنؤسس عليها القانون، ونمارس التنبؤ بحدوث الظواهر لأن القانون في العلوم الاجتماعية مرتبط بإرادة الإنسان، وهي إرادة متغيرة و تعبر عن حرية  وحتى إنبنينا القانون على استخدام الأساليب الإحصائية في ضبط سلوك الإنسان، فإن النتائجتبقى احتمالية وتقريبية فقط لأنها مبنية على شروط مصطنعة.

 * إضافة إلى أن اللغةالتي نستخدمها للتعبير عن نتائجها هي لغة وصفية كيفية تفتقد إلى الدقة، ويصعبالاتفاق عليها سواء في علم الاجتماع ومفاهيمه أو علم النفس وتفسيراته أو علمالتاريخ ولغة المؤرخ، وعلم التربية هل يتحدث بلغة البسيكولوجيا أم بالسوسيولوجيا أم بالبيداغوجيا أم بمصطلحات علمية متداخلة. ومن هنا تغيب لغة الكم  والتقدير وتتحكم سلطة القيمة، والمعيارية , و فقدان مصداقية النتائج و علميتها. وكل هذا يظهر لنا القصور والعجز في نتائج العلوم الاجتماعية التي تبقى مجرد تعميمات وأحكام احتمالية مطاطة، من الصعب معها تدوين قوانين تصور لنا بدقة  ما سيكون. لكن مع كل هذه النقائصوالعيوب في النتائج التي حتمتها طبيعة الموضوع وتعقده، تبقى العلوم الاجتماعية لها قيمتها وفائدتها، وأنها قد نجحت إلى حد ما في الاتصاف بسمة العلوم وخدمةالإنسان: كيف ذلك؟. وهذا ما هو ملاحظ في الدول المتقدمة التي تطورت بفضل تطبيق نتائج العلوم الاجتماعية في دراسة وفهم مجتمعاتها والسعي نحو التغيير للأحسن والتطوير في كافة مجالات الحياة.

3-5- اشكالية التفسير أم الفهم:

    تحتل عملية التفسير مكانة خاصة في العلوم الحقة، بل يمكن القول إنها تمثل مع التنبؤ النواة الصلبة للعقلنة الطبيعية إنها عملية عقلية تسمح باستنتاج اللاحق من السابق، والظواهر في القوانين باسم الضرورة المنطقية التي لا تسمح فقط بالتفسير بل أيضا بالتنبؤ. فهل يمكن القول بإمكانية التفسير بهذا المعنى في العلوم الاجتماعية والانسانية؟.

   للإجابة عن هذا التساؤل وغيره، لابد لنا من أن ننفتح على تصور "جيل غاستون غرانجي" حيث يطرح إشكالية الفهم في العلوم الاجتماعية وعلاقته بالتفسير العلي، حيث تتشكك النظريات العلمية في ميدان العلوم الاجتماعية، حسب غرانجي، في صورة أبنية عقلية حيث يرى بان نشاط العقل فيها يتراوح بين نموذجين معرفيين التفسير باعتباره كشفا موضوعيا، بوصفه نشاطا عقليا تأويليه يستخلص الدلالات والقيم، فالتفسير من وجهة نظر غرانجي مفاده كشف العلاقات المدروسة تنشأ عنها، وهذا المنهج التفسيري بطبيعة الحال يسلكه أو يسلك مساره العالم الفيزيائي، حيث يعمل جاهدا هذا الأخير على صياغة ثلة من الظواهر المعقدة في منظومة مبسطة من العلاقات تشكل هاته الأخيرة ترسيمة أو خطاطة صورية للظاهرة موضوع الدراسة، ولان كل تفسير سوء هذا سيتجاوز أو يتخطى نطاق العلم ليلتحق بركب الأسطورة والسحر، فهي لا تقف عند حدود التفسير بحيث لا يمكن تفسير الأفعال بل نسعى إلى فهمها، ومعنى هذا أننا نصبو إلى نقل إحساس أو تقدير أو انفعال ما بصورة حدسية، في هذا الصدد نجد بأن علماء التربية وعلماء النفس وعلماء الاجتماع ينزعون عموما إلى اختزال صياغاتهم الصورية للوقائع وردها إلى أوليات مستمدة من طبيعة الواقع المعاش ثم تقديم تأويل يرمي أو يهدف إلى فهم الفعل الإنساني، وبالتالي كان الفهم مشروعا لا مُحيد عنه ومن تم وجب القول أن الظاهرة الإنسانية لا يمكن تفسيرها تفسيرا سببياً بالكشف عن العلاقات الثابتة والقوانين التي تنتظمها، هنا يستند غرانجي بفكرة أساسية مؤداها أن المعرفة؛ أي معرفة الوقائع تتأسس على الفهم، حيث يرى بأن الفهم منهج يتيح إمكانية تأويل الظاهرة الإنسانية ودلالاتها، وعلى الرغم من ذلك نجد بأنه يكشف لنا عن محدودية منهج الفهم، ثم إن الرغبة في فهم جميع الظواهر، تجنح بالمعرفة في متاهات الأسطورة والسحر، من هنا يكشف لنا هذا الأخير عن حدود المقاربة التفهيمية وعوائقها الإبستيمولوجية في هذا الصدد يتضح لنا مليا أن غرانجي يصوغ أطروحته حول محدودية منهج الفهم في تمثل الأفعال الإنسانية، معتمدا على تقنيات حجاجية، وذلك لإثبات أطروحته وتعزيزها، كذلك يبرز لنا غرانجي موقف الفهم، ويرى بأن هذا الأخير مهما كان موقف مشروعا لا مُحيد عنه فإنه مع ذلك يضع عائقا جسيما أمام فعالية العقل في العلوم الإنسانية ...

   في هذا الصدد نجد بأن جول مونرو يتساءل حول الفهم كمنهج تأويلي وأهميته في استخلاص دلالات الظواهر الإنسانية، على خلاف جيل غاستون غرانجي، يمنح "مونرو" للفهم قيمة أساسية تتمثل في استخلاص المعاني والدلالات من التجارب الوجودية المباشرة، فالخاصية المميزة لظاهرة الفهم هي البداهة والوضوح، وما يكون موضوع تفهم يكون على قدر من الوضوح وما يكون كافيا ومكتفيا بذاته، فمن المستحيل سيكولوجيا الشك في البداهة بل يتعين التسليم بها، فالبداهة تأخذ شكل معرفة مباشرة طالما عرضت لنا بوصفها بداهة، وكل محاولة نقوم بها لتأسيس البداهة على أساس الاستقراء هي محاولة ستفضي إلى تفويضها فالفهم حسب "مونرو" هو فعل معرفي مباشر بدون طرائق موضوعية.

   لقد اعتمد "كارل بوبر" على نقد الحتمية التاريخية كما تتجلى في العلوم الاجتماعية، إذ يرى أن النظريات العلمية    لا يمكن التحقق من صحتها تجريبيا، ومن تم فإن معيارية علميتها تستمد من قابليتها للتكذيب أو قابليتها للرفض، ومن هنا فمعيار العلم معيار سلبي وليس معياراً إيجابياً في ظل السياق النقدي لمسألة العلمية في العلوم الإنسانية نرى بأن جوليان فروند يضعنا في صلب النقاش التاريخي الذي ساد في أواخر القرن التاسع عشر، حول الفروق المنهجية والإبستيمولوجية التي تميز العلوم الدقيقة عن العلوم الإنسانية، ولكي تثبت الأنتروبولوجيا بوصفها علما إنسانيا مقارنة بالعلوم الدقيقة أو بالعلوم الإنسانية الأخرى، قيمتها كعلم كان عليها أن تتوجه نحو موضوع شكل بؤرة للعلوم الإنسانية وهو الثقافة .. بَيْد أن حداثة وجدّة الأنتروبولوجيا في الميدان لم تمنع علمائها من الاستفادة من المناهج العلمية التي سبقتها ومن ابتكار مناهج وطرق علمية جديدة تلائم وموضوعاتها.

   ونجد "كلود ليفي ستروس" في إجابته عن هذا السؤال الذي قد طرحناه سالفا متحفظ نوعا ما، حيث يرى أن تعبيرات العلوم الإنسانية فضفاضة، وتنبؤاتها غير أكيدة، فهي في وضعية إبستمولوجية حرجة تلزمها أن تكون وسط طريق بين التفسير والتنبؤ لأن موضوعها يستعصي على التعريف العلمي الدقيق الذي يسمح بتفسير الظاهرة المحددة، وبالتنبؤ بردود فعلها وتوجهاتها، ليس للعلوم الإنسانية إذن من خيال آخر، إما أن تحدد موضوعها بشكل دقيق كالعلوم الحقة فتفقره وحينئذ يمكنها أن تفسره، وإما أنها تحافظ عليه فتبقى في نصف الطريق بين التفسير والتنبؤ، بين المعرفة الخالصة من جهة والفعالية من جهة ثانية، في هذا المضمار يرفض "دلتاي" هيمنة نموذج العلوم الحقة على العلوم الإنسانية والاجتماعية بالنسبة له فهم ولا تفسير فهي ظاهرة شمولية تخص إنساناً لا يعطى إلا كليا، ظاهرة يتداخل فيها ما هو نفسي مع ما هو اجتماعي، وتتأطر ضمن تاريخ يعتبر متفردا، إن المناهج الموضوعية التي تعتمد على المعايير الخارجية تعجز عن النفاذ إلى المعنى العميق لتجربة كلية تأخذ شكل "كل معاش". إن الفهم والتأويل هما اللذان يقودان إلى النفاذ داخل الحياة الدالة ... وتأسيسا لما سبق نستشف من خلال التواتر القائم بين الفهم والتفسير أن الرهان الحقيقي هو رهان نموذجية العلوم التجريبية بالنسبة للعلوم الاجتماعية، فإلى أي حد يمكن الاستفادة من هذا النموذج؟ ألا يتعلق الأمر بمشكل زائف؟.

3-7- نسبية التنبؤ العلمي:(18)

  من الأهداف الرئيسة لأي علم من العلوم التنبأ بحدوث الظواهر التي يهتم بدراستها ذلك العلم، ولذلك فغن قدرة العلم تقاس بقدرته على التنبؤ، فعالم الفلك يستطيع ان يتنبأ بوقت حدوث كسوف الشمس، ويستطيع أن يتنبأ قبل حدوثه بمئات السنين، ولكن في علما النفس لا يصل الى هذه الدرجة العالية من التنبؤ، ولكنه ينجح الى حد ما ونسبياً بالتنبؤ قصير المدى، فمثلاً في مجال علم النفس خلال الحرب العالمية الثانية كانت الحكومة الأمريكية ترغب في معرفة كيفية استجابة الشعب الأمريكي لبعض الأمور الهامة بالنسبة للحكومة، ففي عام 1942 اراد وزير الخزانة الأمريكي فرض نوعاً خاصاً من الضريبة أطلق عليها اسم "ضريبة النصر" التي كان من المقرر ان يستقطع رأساً من اجور العمال، ولقد واجهت هذه المشكلة بعض الصعوبات، ذلك لأن الحكومة كانت قد قامت بنوع من الاعلام الواسع لاقناع العمال بشراء سندات للحرب، على ان يستقطع ثمنها من اجورهم، وهنا ظهر تساؤل مؤداه: ماذا سيحدث اذا فرضت ضريبة مباشرة على الأجور؟. هل سيتعرض العمال والموظفون بالقول بانهم سيدفعون فعلاً من فيه الكفاية من اجورهم، وانهم سوف يتوقفون عن شراء سندات الحرب، ام ان الضريبة الجديدة سوف لا تؤثر على شراء السندات ؟ وللاجابة على هذا التساؤل طبق بحث سيكولوجي وتمت مقابلة عينة مختارة من السكان، وأسفرت النتيجة عن عدم وجود تداخل على شرط ان تقدم فكرة الضريبة الجديدة للشعب بطريقة مناسبة.

3-8- الإيديولوجيا:

   إن الإبستيمولوجية لا تكتفي بتحديد الشروط العلمية لإنتاج المعرفة العلمية. وإنما تسعى أيضاً  لبحث شروط المعرفة العلمية الاجتماعية. وآلية ذلك أن الاستقلال النسبي للمعرفة العلمية لا يفصلها إطلاقاً عن شروط تكونها التاريخية الاجتماعية، وهذا ما يجعل من مبحث علم اجتماع المعرفة أو علم النفس المعرفي أو فلسفة التربية ومعرفيتها جزءاً لا يتجزأ من البحث الإبستيمولوجي.

 

   يظل الحكم بوجود اختلاف بين العلم والأيديولوجية صحيحاً، فأحكام العلم أحكام حول حقائق قابلة للإثبات أو الدحض، وذات طابع موضوعي تحظى بالقبول من طرف العلماء، أما أحكام الأيديولوجية فهي أحكام قيمية، تتعلق بما يجب أن يكون، مع اعتمادها في كثير من الأحيان على حقائق علمية. كما أن الأبحاث العلمية - لاسيما في العلوم الدقيقة - تكون في ترابط مع الأيديولوجية وذلك بما تحتاج إليه تلك الأبحاث من مختبرات وأجهزة بحث واختبارات واسعة النطاق، ومؤسسات خاضعة على نحو ما لأهداف قومية.

   تعرف الإديولوجيا بأنها "مجموعة المعتقدات والاتجاهات والآراء التي تتشكل مجتمعة، بالإضافة إلى أنها قد تكون مرتبطة بمحددات أو غير مرتبطة". كما تشير أيضا إلى "نسق من الأفكار أو المعتقدات التي يستخدمها المفكر".

ويستخدم المصطلح في ثلاث معان أساسية للإشارة إلى أنواع محددة من المعتقدات، أو إلى معتقدات تكون في معظمها مضللة أو مزيفة وأخيرا مجموعة من المعتقدات تغطي كل شيْ من خلال المعرفة العلمية والدين ومعتقدات الحياة اليومية بشأن التصرفات الملائمة بصرف النظر عما إذا كانت هذه المعتقدات حقيقية أو زائفة.

  إن  السؤال الإبستيمولوجي المطروح هو: هل تمثل الأيديولوجية عقبة أمام تطور المعرفة العلمية أم هي حافز  من حوافز تطورها؟.

  إن العلم ممتزج بالممارسة الأيديولوجية وذلك حين يستعير القول الأيديولوجي ضماناته من النظريات العلمية، أو حين يتكون العلم في حقل الممارسة الأيديولوجية، والإبستيمولوجية مبحثاً فلسفياً لا يكتفي بتحديد الشروط العلمية لإنتاج المعرفة العلمية، بل تسعى أيضا لبحث الشروط الاجتماعية لإنتاج هذه المعرفة، ذلك أن الاستقلال النسبي للمعرفة العلمية لا يفصلها إطلاقا عن شروط تكوينها التاريخية-الاجتماعية، وهو ما نطلق عليه الإيديولوجية، فكيف تؤثر الإيديولوجية على التفكير العلمي؟.

3-6-1- الإديولوجيا وتكوين الوعي الزائف:

   مثلا يُسخر علم الإجماع في الولايات المتحدة الأمريكية لخدمة قضايا السلطة المهيمنة، وتستغل الشركات الكبرى في المجتمع الرأسمالي علم الإجماع لإجراء بحوث ميدانية اعتماداً على قضايا وافتراضات النظرية البنائية الوظيفية لخدمة مصالحهم وتوجيه الرأي العام إلى ما يريدون توجيهه إليه".

3-6-2- الإيديولوجية وتشكيل الوهم:

   إن طرق التفكير السائدة والتي تفسر الأحداث تفسيرات ذاتية ولا تعرف أي شكل من أشكال طرق التفكير العلمية  والعقلانية، تنطلق من أسس ذاتية صرفة في تفسير الظواهر والأحداث، سواء في الطبيعة أو في واقع الحياة اليومي. فطريقة التفكير تفسر الأمور وظواهرها بناء على غايات خارجية أي تنسب لها أسبابًا غير أسبابها الفعلية أو المادية التي تسببها، فنجد الفلاسفة الغربيين يقومون بطرح فلسفتهم المادية من اجل الحط من الديانات السماوية واستبدالها بدين طبيعي عقلي بحت من صنع الإنسان معاذ الله. وهذا بلا شك يقف على النقيض من طريقة التفكير العلمية التي تتصف بالموضوعية وتفسر الظواهر بأسبابها الفعلية والمادية ولا تتعلق تفسيراتها بالأهواء أو الرغبات الذاتية مما ينتج عنه تعامل أدق مع الأحداث والأمور وفهمها بطريقة منهجية، ومن ثم إيجاد الحلول التي يمكن أن تساهم في معالجتها.

   ما من شك أن العلوم الإنسانية والاجتماعية في سعيها المتواصل أن تتحرر من قيود الإرث الفلسفي التأملي حيث ظلت على الرغم من ذلك عاجزة عن استيفاء شرط ما يسمى بالموضوعية ومرد هذا يمكن أن نرجعه لأسباب مبدئية تتصل بطبيعة الظواهر الاجتماعية المبحوثة ذاتها، كذلك يمكن اعتبار الظاهرة الاجتماعية، ظاهرة مركبة أو معقدة  إن صح القول، حيث أن الظواهر والأفعال الاجتماعية هي ظواهر واعية إرادية لا تتكرر ولا تخضع للإطراد  من هنا حق لنا أن نتساءل عما إذا كان الإنسان ذاتا للمعرفة، وموضوعا لها في الآن نفسه؟ هل هناك إجماع بين الباحثين في مجال العلوم الاجتماعية حول القيمة الموضوعية لهاته العلوم؟ ما الذي يترتب على استحالة تجرد الباحث في العلوم الإنسانية من املاءات اللاوعي وقبليات الحس المشترك؟.

   الأيديولوجيا والعلم ظاهرتان اجتماعيتان تاريخيتان، نشأتا لإشباع حاجات اجتماعية، ولأداء أدوار ووظائف اجتماعية ، فنشأت العلوم من خلال النشاط الإنتاجي ومحاولات السيطرة على الطبيعة، ونشأت الأيديولوجيا خلال الصراع الاجتماعي، ومحاولات الطبقات السائدة والنخب الحاكمة السيطرة على المجتمع. وبما أن العلم والأيديولوجيا ظاهرتان اجتماعيتان فهما ككل الظواهر الاجتماعية التي تضمها أنساق اجتماعية في تكوين اجتماعي محدد تاريخيا، لابد أن تربطهما علاقات جدلية ببعضهما كما بغيرهما من الظاهرات الاجتماعية التي تكون في مجموعها ذلك الكل الاجتماعي.

   وهناك شواهد تاريخية كبيرة تتجلى فيها تلك العلاقة الجدلية بين الأيديولوجية والعلم، وهي علاقة تتغير مع تغير المجتمع الذي توجد فيه، وهناك تاريخيا مجتمعات قديمة وقفت فيها الأيديولوجيا الميتافيزيقية عقبة في طريق تقدم العلوم. وينبئنا تاريخ العلوم في أوروبا في العصور الوسطى عن ضحايا رواد العلوم دفعوا حياتهم ثمنا لإعلان كشف فلكي أو فيزيائي أو بيولوجي …الخ مما يصعب حصره.

    ويمكن أن تستخدم القضية العلمية استخداماً أيديولوجيا، ولا توجد أي نظرية إلا وتقف خلفها أيديولوجيا تدعمها فأعمال (آدم سميث، ماركس ، دارون) هي أعمال علم ويمكن أن تدرس، أن تقدر أن تنمي وأن تهاجم أو تؤيد بوصفها أعمال علم، لكنها عملت كأيديولوجيات (ليبرالية اقتصادية) و (اشتراكية علمية) و (دارونية اجتماعية).

   والقضية العلمية يمكن أن ينظر إليها على أن لها نتائج أيديولوجية إلى المدى الذي قد يستخدمها شخص ما له قيمة وأهدافه المعينة، فالقضية العلمية ذاتها ليس لها أي التزام أيديولوجي، وإنما الالتزام يأتي من الشخص الذى استعان بها لكي يدعم موقفه. فمثلاً جاليليو في نضاله ضد المناخ الديني وأيديولوجيا رجال الكنيسة ومهاجمته للفكر الأرسطي الحليف المدعم للكنيسة كان يقوم في هذه اللحظة بدور أيديولوجي إلى جانب دوره العلمي، إلا أنه في أداءه لدوره الأيديولوجي يظل ملتزما بقضايا العلم ومتطلباته، ومثل هذا الموقف ينطبق على (بارسونز وماركس) فهناك في أنساقهم النظرية قضايا علمية أساسا إلا أنهم يستخدمون هذه القضايا استخداماً أيديولوجيا معيناً.

   وعدم الفصل بين ماهو علمي وماهو أيديولوجي يؤدي إلى أن يصبح ما هو علمي هو أيديولوجي في آن واحد فالأيديولوجيا العلمية ترفض التسليم بمطلقات مفارقة للتجربة أو الحواس كما أنها ترفض الجمود والتحجر وتقبل التغيير، وهذه الأيديولوجيا غير متعصبة وتمتلك رؤية علمية للطبيعة والمجتمع على السواء.

   ويرى بعض الباحثين أنه مع ما بين الأيديولوجيا والعلم من علاقة فإن بينها بعض الفروق تتمثل فيما يلي:

- هناك اختلاف في الطبيعة والمنهج بين العلم والأيديولوجيا، فالعلم جملة من المعارف المرتبة في نسق بحيث ترتبط هذه الوقائع والقوانين فيما بينها، وتتحدد صحة المعرفة العلمية من خلال الملاحظة والتجربة العلمية، أما الأيديولوجيا فتقوم على الاعتقاد في صحة مبادئ وأفكار وقضايا، لم يتم التحقق من صدقها على أساسا منهج علمي، فهو إيمان تختلط فيه الحقائق بما يظن بأنه كذلك دون استقصاء، ويعتمد المؤدلجون على حماس أتباعهم أكثر من اعتمادهم على عقولهم.

- العلم يكذب ذاته عبر تطور اكتشافاته (من كوبرينكس إلى جاليليو) ومن كبلر إلى نيوتن إلى انيشتاين دون أن يقلل ذلك من قيمة العلم والعلماء، أما الأيديولوجيا فتؤكد ذاتها، وحين يثبت الواقع فشلها يعود المؤدلجون باللائمة على فساد التطبيق، وكأن الأيديولوجيا معتقد جامد يعرف مؤمنون وكافرون ومرتدون ولذلك فإن القضية العلمية أقل ثقة بنفسها ومعرضة للتعديلات، فالعلم لا يمتلك الحسم القاطع بينما الأيديولوجيا نوع من الاعتقاد فالأيديولوجيا تتسم بأنها متعصبة.

- العلم يعترف بالنقد طريقا ومنهجاً وأسلوباً، أما الأيديولوجيا فترتكز على تسليم اتباعها واعتقادهم بحيث يرفضون النقد ويمارسون ضد نقادهم ومخالفيهم أنواعاً من التعصب والتجريح.

- العلم يبني كيانه على أساس النسبية، بينما الأيديولوجيا ترى المطلق كثيرا في الأشياء.

  ولاشك أن هذه المحاولات هدفها اتهام الأيديولوجيا بأنها دوجماطيقية ومتعصبة وترى المطلق في الأشياء، أما العلم فنسبي وموضوعي وهذه المحاولات هدفها طمس أو إخفاء الصراع الأيديولوجي.

   وفي هذا الإطار نجد من الضروري أن نعرض لرؤية أوسكار لانج في العلاقة بين العلم والأيديولوجيا حيث يرى أن العلوم الاجتماعية هي علوم أيديولوجية بينما العلوم الطبيعية تعني ببيئة الإنسان الطبيعية وبالإنسان بوصفه جزءا من الطبيعة (مثل التشريح وعلم وظائف الأعضاء) ولكن العلوم الطبيعية لها تأثير غير مباشر على العلاقات الاجتماعية، فنظرية كوبرنيكس ونظرية داروين وإن لم تتضمنا أية إشارة صريحة إلى العلاقات الاجتماعية، كانت لهما دلالة من الناحية الاجتماعية لأنهما فرضتا سلطان أفكار معينة كانت موضع الاعتقاد العام، وكانت تشكل جزءًا من تعاليم تنظيم معين هو الكنيسة، لقد أثر العمل الذي قام به كوبر نيكس وداروين تأثيرًا غير مباشر في العلاقات الاجتماعية إذ بدأ الناس يحكمون على تعاليم الكنيسة في ضوء الكشوف التي توصلا إليها، وهذه الكشوف كانت في نهاية الأمر ذات دلالة أيديولوجية، واستخدمتها الايديولوجية التي لعبت دورًا هامًا في نشأة النظام الاجتماعي وتطوره.

   إن طرق التفكير السائدة والتي تفسر الأحداث تفسيرات ذاتية ولا تعرف أي شكل من أشكال طرق التفكير العلمية والعقلانية، تنطلق من أسس ذاتية صرفة في تفسير الظواهر والأحداث، سواء في الطبيعة أو في واقع الحياة اليومي. فطريقة التفكير تفسر الأمور وظواهرها بناء على غايات خارجية أي تنسب لها أسبابًا غير أسبابها الفعلية أو المادية التي تسببها، فنجد الفلاسفة الغربيين يقومون بطرح فلسفتهم المادية من اجل الحط من الديانات السماوية واستبدالها بدين طبيعي عقلي بحت من صنع الإنسان معاذ الله. وهذا بلا شك يقف على النقيض من طريقة التفكير العلمية التي تتصف بالموضوعية وتفسر الظواهر بأسبابها الفعلية والمادية ولا تتعلق تفسيراتها بالأهواء أو الرغبات الذاتية مما ينتج عنه تعامل أدق مع الأحداث والأمور وفهمها بطريقة منهجية، ومن ثم إيجاد الحلول التي يمكن أن تساهم في معالجتها.

- الهوامش:

   قراءات في المراجع التالية:

1- اسماعيل راجي الفاروقي، العلوم الطبيعية والاجتماعية، ترجمه عبد الحميد محمد الخريبي، السعودية، عطاظ للنشر، 1984.

2- اسماعيل راجي الفاروقي، صياغة العلوم الاجتماعية صياغة اسلامية، السعودية، الدار العالمية للكتاب الاسلامي، 1989.

3- رافد قاسم هشام، ابستيمولوجية المعرفة عند غاستون باشلار، كتاب منشور الكتروني.

4- مليكة جابر، اسهام الابستيمولوجيا في تعليمية علم الاجتماع، مجلة العلوم الاجتماعية والانسانية، العدد الثامن، جوان 2012، جامعة ورقل.

6- فؤاد زكريا، التخلف الفكري وأبعاده الحضارية، مجلة الاصالة، العدد التاسع والعشرون، جانفي 1976. ومرجع فؤاد زكريا، التفكير العلمي، بيروت، دار النهضة العربية، .

7- بتصرف وللمزيد ارجع الى حسن محمد مكي العاملي، المدخل الى العلم والفلسفة والإلاهيات – نظرية المعرفة، لبنان، الدار الاسلامية، 1990.

8- للمزيد عن طروحات فيبرابند ارجع الى آلان شالمرز، نظريات العلم، الحسين سحيان وفؤاد الصفا، المغرب، دار توبقال للنشر، 1991.

10-  عامر قنديلجي وايمان السامرائي، البحث العلمي، الاردن، دار اليازوري، 2009.

11- عبد القادر بشتة، الابستيمولوجيا، بيروت، دار الطليعة، 1995.

13- للمزيد ارجع الى كارل بوبر، نظرية المعرفة في ضوء المنهج العلمي، ترجمه محمد محمد قاسم، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1986.

14- للتوسع في الموضوع أكثر ارجع الى عبد الفتاح خضر، أزمة البحث العلمي في العالم العربي، ط 3، سلسلة دراسات، مكتب صلاح الحجيلان، 1992.

15- أحمد فؤاد باشا، فلسفة العلوم بنظرة اسلامية، كتاب الكتروني،  ط1، القاهرة، مكتبة الكساندرينا، 1984.

16- أحمد انور، النظرية والمنهج في علم الاجتماع، كتاب الكتروني، كلية علوم التربية، جامعة عين شمس، مصر.

17- عبد الرحمان العيسوي، أصول البحث السيكولوجي، لبنان، در الراتب الجامعية، 1997.  

18- للمزيد من المعلومات ننصحك بمراجعة باروخ برودي، قراءات في فلسفة العلوم، ترجمه نجيب الحصاري، بيروت، دار النهضة العربية، ب .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق