]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كاريزما ساحرة

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2015-03-06 ، الوقت: 21:37:35
  • تقييم المقالة:

كاريزما ساحرة

 

محمد الحداد /العراق

 الأصابعُ السيئة تكتبُ دائماً تاريخاً رائعاً..حقيقة ظالمة حدَّ اللعنة لأنها طاعنة في تضاعيفِ وهمٍ غارقٍ حدَّ الجذور في بئرٍ مظلمٍ وسحيق استخفَّ طغاتنا فيهِ بعقولنا وزوّروا أمام أعيننا حقائق التاريخ..حتى بتنا لا نميّز حقاً بين أكاذيبهم الحقيقية وحقائقهم الكاذبة لكنَّ الذي نعرفهُ يقيناً أننا كنا طوال حركة التاريخ نتوجسُ رعباً من أولئكَ الطغاة ونتعاطى مع آثارِ بهتانهم وفق سياسة الأمر الواقع رغم يقيننا أنَّ الصدقَ دائماً يكمنُ بعيداً عن وحلِ ضِفافهم الآسن.

وفي غمرة انشغالنا المرعب بطغاتنا ذابت ذواتنا فيهم..أغرقونا حدَّ الثمالة بأوهامهم الكاذبة..ضحكوا على ذقوننا طويلاً ولم يتركوا لنا فرصة لنعرّيهم ونفضحَ زيفهم..وكلما هممنا بذلك شككونا بأنفسنا وجعلونا نتوهمُ أنهم ملائكة تمشي على الأرض..حتى تفرغنا أخيراً لإغداقهم بأرفع الأوسمة والأنواط على انتصاراتهم الخاسرة وفتوحاتهم المزيفة..أقنعونا أن ننتقي حصراً من سِلالهم المثقوبة ما أوهمونا أنها ثمارٌ يانعة ثم تركونا نتذوقُ لوحدنا وهمَ حلاوتها..وحينما صحونا متأخرين من كلِّ ذلك كانوا قد غادرونا إلى الأبد ووجدنا أنفسنا لوحدنا ولم يتبقَ فينا منهم إلا ما تركوهُ من آثار كوارثهم التي ستظلُّ تشيرُ إليهم أبداً.

لكن حتى بعد أن خلت الساحة اليوم تقريباً من نماذج أولئك الطغاة على مستوى العالم كله لماذا لم تعدْ تلك الأسماء التي كانت تتزلزلُ الأرضُ لمجرد ذكرها تثيرُ اهتمام أحد بعد أن رحلوا وتوسدوا صفحاتهم السوداء في كتب التاريخ؟ وحتى لو افترضنا جدلاً أنَّ ثمة احتمالاً لأن يكررَ تاريخنا نفسهُ وينجبَ لنا اليوم رجالاً يمتلكون ذات الكاريزما القديمة الساحرة فهل ستولدُ معهم ذات الاحتمالات التي يمكنها أن تغرينا بتقديسهم أو تأليههم كما كانت الأجيال تفعلُ معهم في السابق؟ هل انتهت إلى الأبد عهودٌ كان من اليسير أن يضحكوا فيها على الذقون؟ هل بطلَ سحرهم ولم يعدْ يجدي نفعاً بريقُ أساطيرهم أم أنَّ وعياً شعبياً عالياً نما شيئاً فشيئاً حتى وصلت البشرية إلى مرتبةٍ من الرقي بحيث لم يعد فيهِ ممكناً أن تنطلي على أحدٍ من جديد تلك الألاعيب الغابرة؟

الغريب أنَّ الطيبين السابقين من قادة وزعماء العالم أو حتى الإشكاليين منهم..الذين صنعوا لبلدانهم أمجاداً تبدو لنا اليوم حقيقية وحرروا شعوبهم من أنفسهم أولاً قبل أن يحرروهم من استعبادِ الاستعمار الذي كبّلهم بقيودٍ ثقيلةٍ من الفقر والظلم والذل أمثال غاندي أو نهرو أو مانديلا..أقولُ حتى هؤلاء ما عادت الشعوبُ تعبأ اليوم كثيراً بما قالوا وما فعلوا كما كانت تفعلُ في السابق..وكأن فجوةً هائلة من الريبة باتتْ تحولُ بين هذا الجيل وبين الوثوقِ بصدقِ نوايا أيّ زعيمٍ أو قائدٍ سابق..كأنما باتَ من العسير عليهم اليوم أن يصدّقوا أنَّ ثمة في التاريخ قائداً وطنياً حقيقياً أو محرراً قومياً نزيهاً أو ثائراً أممياً صادقاً وقفَ يوماً بوجهِ مستعمرٍ جائر أو دافعَ يوماً عن حقوقِ شعبهِ وردَّ الظلم عنهم من دونِ أن يكونَ دافعهُ إلى ذلك كلهِ صناعة مجدهِ الشخصي..وربما من حقِّ هؤلاء المشككين بموازاةِ ذلك كله أن يُسائلوننا باستغراب : لماذا انطلتْ عليكم أكاذيبهم وكيف استطاعوا أن يؤثروا بكم وبالأجيال التي سبقتكم كل ذلك التأثير؟ أما أشرارُ العالم وطغاتهُ العتاة الذين لا خلافَ على شرّهم كهتلر ولينين وستالين وموسوليني وتشاوشيسكو وغيرهم فثمة غرابة مضاعفة تدفعُ أبناءَ هذا الجيل أن يتساءلوا أيضاً: كيف استطاع هؤلاء جميعاً أن يحظوا بحبِّ الملايين من المخدوعين بحقيقتهم؟ما سرُّ خضوع تلك الملايين لهم؟ وكيف نالَ أولئكَ الطغاة خلودهم المدوّي على أشلاءِ ضحاياهم وسطّروا أسماءهم في صفحاتِ التاريخ بعد أن سفكوا أنهاراً من الدماء وأحالوا بلدانهم ذات يومٍ إلى أكبر محارق بشرية التهمتْ شعوبهم وأعداءهم على حدٍّ سواء؟ وجوابُ مثل هذهِ التساؤلات ربما يحتاجُ تفصيلاً طويلاً لكن ثمة سبباً قوياً يفسرُ كلَّ ذلك أميلُ إليهِ وأرجحهُ بقوةٍ أكبر لكن من دونِ أن أستهينَ بأسبابٍ أخرى يمكنُ أن تتعاضدَ معهُ أيضاً..فلا يخفى على أحدٍ ذلك البريق الساطع الذي حظيتْ بهِ تلك النماذج المُبهرة والكاريزما الساحرة التي كانوا يمتلكونها..هي نماذجُ مثيرة ومغلفة بالسحر والغرابة ولا يمكنُ لأحدٍ أن يُنكرَ ذلك..مزيجٌ غريبٌ من ثنائياتٍ متناقضة مدعومة بشحنةٍ سايكولوجية هائلةٍ عالية التأثير..جمالٌ مكسوٌّ برعب..شجاعة مُطعّمة بغدر..جاذبية مع قسوة..جَلَد مع خديعة..هيبة مع بطش..قوةٌ وضعف..ذكاءٌ ومكر..غرور وخواء..كلُّ تلك الصفات المتناقضة وغيرها كانت تجتمعُ معاً في شخصيةِ رجلٍ واحد وتُصهرُ جميعها في بوتقةٍ طغيانٍ قذرة لتُنتجَ مخلوقاً لا تستطيع أن تجزمَ فعلاً هل هو إنسانٌ بهيئةِ شيطان أم شيطانٌ بهيئةِ إنسان؟ وربما لن يُلامَ أبداً مَن يستغربُ جواباً كهذا أو يقللُ من جدّيتهِ ومدى تأثيره في تغيير محصلة القوى وتغليبها لصالح انتصار خديعة الطغاة في معارك الاستخفاف بشعوبهم وتضليلهم واستعبادهم إذ كيف بإمكانِ أبناء هذا الجيل مثلاً أن يتسلقوا جداراً عالياً من السراب تتمترسُ خلفهُ مفردة عائمة وفضفاضة كالكاريزما التي كان يمتلكها أولئك الطغاة ومن أين لهم أن يعو مفعولها الساحر على نفوسِ أجيالٍ سبقتهم كانت فقيرة تماماً إلى بريقِ الصورة وقوةِ حضور القدوة والمِثال في عصرٍ كان ذلك كلهُ حكراً بيد أولئك الطغاة حصراً الذين أجادوا تماماً تسويق أنفسهم وكأنهم أنصافُ آلهة؟

اليوم دارت الأرضُ دورتها وأشرقتْ وسطَ سمائنا  شمسٌ جديدة وانقشعتْ تلك الغيوم القاتمة ولم تعدْ تلك الأسماء التي دوّتْ يوماً في أذنِ الزمان تعني أيَّ شيءٍ لأهلِ هذا الزمان بعد أنْ احترقتْ صورُ الطغاةِ كلها وانطفأ بريقهم الآسر إلى الأبد فبانتْ البشاعة على حقيقتها بلا رتوش واستحالوا في أعين الجميع إلى محض شياطين تركوا بصماتهم السوداء على صفحاتِ التاريخ ثم رحلوا كما فعلَ أسلافهم السابقين..ولم يعد مُجدياً في كلِّ أصقاعِ العالم الرحيب صناعة طغاةٍ من جديد وفق المعنى التقليدي القديم ليس لأنَّ الأرحامَ التي أنجبتْ أسلافهم عقمتْ أن تلدَ مثلهم لكنَّ توليفة المفاهيم البالية من التقديس المُذل والطاعةِ العمياء والولاءِ المطلق ما عادت الشعوبُ مضطرة إلى اعتناقها..نبذتها حتى ماتتْ وقُبرتْ إلى الأبد..لكنَّ المؤسفَ في الأمر حقاً بعد هذا كله أنَّ هذا الفهم المتخلف الذي لم يعد مستساغاً أن يخرجَ من عباءتهِ أي طاغيةٍ جديد تظلُّ احتمالات تكرار حدوثهِ ممكنة عندنا نحن فقط..

من مفارقات الأقدار المثيرة..وبالمرورِ على نسخنا العربية من المهم أن أسجّلَ هنا بأنَّ صدام والقذافي ومن قبلهما عبد الناصر كانوا نماذج مثالية للزعماء المحظوظين في كلِّ شيءٍ رغم أخطاءهم الكارثية التي ارتكبوها.. أقولُ محظوظون لأنهم ربما من أكثر مَن قطفَ ثمار تلك الفلسفة المتخلفة على نحوٍ بيّن لا لبسَ فيه..بل ربما يمكنني الجزم بأنَّ ما من زعيمٍ عربي في تاريخنا الحديث استثمرَ أخطاؤهُ لصالحهِ كما استثمرها عبد الناصر وصدام والقذافي..فثلاثتهم بسطوتهم المهيبة..عسكرية كانت أم مدنية أجادوا تلميعَ صورهم باحترافيةِ خداعٍ عالية استكمالاً لسحر الهالة الكاريزمية الآسرة في أعلى مستوياتها والتي ربما لا يزال مفعولها الناجع يحملُ حتى اليوم سرَّ حضورهِ المدوّي ويمدُّ الكثيرين بأملِ مواصلة ذات المسيرة المتوارثة هذهِ من جديد..لا يأخذكم العجبُ كثيراً فثمة زعماءُ محظوظون هكذا حتى حينما كانوا غارقين في أبشع حماقاتهم وأكثرها دموية بل ثمة مَن هم محظوظون فيها حصراً لأنهم تمكنوا بدهاءٍ ومكرٍ أن يقلبوا نتاجَ أخطاءهم من خسائر صريحة إلى مكاسب ذاتية كبرى من جديد بمحاولاتِ إعادة تجميل قبحهمالذي يُتقنونهُ جيداًوانتهاجهم سياسة الترقيع والتزييف في حين لم تكن مصالح شعوبهم تشكّلُ في معادلةِ خرابهم المتناسل هذهِ أية أولوية تُذكر بل على العكس من ذلك تماماً إذ ضاعفتْ من نجوميتهم من جديد بدلَ أن تهوي بهم إلى قعرٍ سحيق..والغريب في أمر هؤلاء الطغاة أنهم كلما كانوا يوغلون أكثر في رسم آثارهم الكارثية فوق خرائط أوطانهم بأخطائهم المتكررة ويجرّون بلادهم نحو الهاوية كلما ازدادَ حبُّ المخدوعين من شعوبهم لهم بشكلٍ أكبر وأدخلوهم مدنَ مجدٍ زائف من أوسع أبوابهِ وهو جل ما كان يحلمُ بهِ هؤلاء.. بل ربما رفعتْ حماقاتُ الطغاة من أسهمهم عند شعوبهم أكثر مما رفعتهُ منجزاتهم الحقيقية الأخرى على قِلتها..وسأزيدُ فأقول أنَّ ثمة زعماءَ كانوا محظوظين حتى في موتهم وما بعدهُ أيضاً بسبب دراماتيكية ملابسات موتهم بتفاصيلها التي أعطتْ وَهْمَ عظمتهم أسبابَ بقاءٍ مضاعفة وأمدتها بأنفاسٍ أضافية أطالتْ من حياتها حتى بعد مماتهم.

مرض كاريزما الطغاة هذا لم ينقرض من أرضنا بعد..ويبدو أنَّ فايروساتهُ المسببة لهُ بقيتْ على قيدِ الحياة لأنَّ محاولاتِ الوقاية والتحصين التي مارسناها ضدهُ لم تكن كافية للقضاء عليه تماماً إذ لا يزالُ ثمة مَن يبهرهم سحرهُ الآسر مِمنْ يمتلكون استعداداً نفسياً مسبقاً لاحتضانِ غزواتِ هذا المرض ويَعِدونهُ بمراتع بقاءٍ خصبة..وهنالك ما  يثبتُ أنَّ أعراضهُ بدأتْ تظهرُ على بعضِ الرجال..هنا وهناك من جديد.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق