]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وقفات مع المحبوسين في الغار

بواسطة: خالد حسن جاد  |  بتاريخ: 2015-03-04 ، الوقت: 06:45:47
  • تقييم المقالة:

 

     
يحكي لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن ثلاثة نفر حبسوا في غار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم ففرج الله عنهم كربهم قال صلى الله عليه وسلم «انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» وفي بعض الروايات أنهم من بني إسرائيل«حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَار» كأنهم كانوا في سفر أو نحوه، فدخلوا غارا ليحتموا به، فوقعت صخرة من أعلى الجبل، فسدت عليهم باب الغار «فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ» أي: لا يعلم بمكانكم أحد إلا الله، فتفكروا في أحسن أعمالكم، فادعوا الله بها، لعل الله يفرج عنكم هذا الكرب، ويخرجكم من هذه المحنة. فقال الأول: «اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لاَ أَغبِقُ [من الغبوق وهو شرب آخر النهار مقابل الصبوح]قبْلهَما أَهْلاً وَلا مالاً فنأَى بِي طَلَبُ الشَّجرِ يَوْماً فَلمْ أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا فَحَلبْت لَهُمَا غبُوقَهمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِميْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقظَهمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِى أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ وَالصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمى فَاسْتَيْقظَا فَشَربَا غَبُوقَهُمَا. اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَة، فانْفَرَجَتْ شَيْئاً لا يَسْتَطيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ» الأول: رجل له أبوان شيخان كبيران ضعيفان فقيران، ليس لهما خادم ولا راع ولا ولي غيره، فكان يعمل برعى الأغنام بالنهار، ويآوي إليهما بالليل، وكان من عادته أنه لا يغبق قبلهما أحدا، أي: لا يسقي أحدا قبل والديه، وفي يوم تأخر في العودة إلى بيته، فقد أبعد مع غنمه في طلب المرعى، وعند عودته حلب اللبن كعادته وحمله إلى والديه فوجدهما نائمين، وأولاده يتضاغون، أي: يصيحون حوله بالبكاء من الجوع، فأصبح في حيرة من أمره فقد كره أن يوقظ والديه من نومهما حتى يشربا اللبن، لأن الإنسان يكره أن يوقظ من نومه وكره أن يدعهما نائمين خشية أن يضعفا لعدم شربهما فيصيران ضعيفين مريضين، فماذا يفعل؟ ظل واقفا بين يدي والديه، وأولاده يصرخون من حوله حتى بزغ الفجر، واستيقظ والديه فسقاهما، ثم سقى أولاده، فدعا له والديه بخير. تذكر هذا العمل الصالح وهو في محنته فدعا ربه قائلا: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، ورجاء رحمتك، ومخافة عذابك، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فاهتزت الصخرة وانفرجت شيئا، ولكنهم لا يستطيعون الخروج من الغار. وقال الثاني:«اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ"وفي رواية: "كُنْتُ أُحِبُّهَا كَأَشد مَا يُحبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءِ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِى فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا"وفي رواية: "فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا» الثاني: رجل كانت له ابنة عم يحبها حبا شديدا، فراودها عن نفسها يرى بعض العلماء أنه أراد أن يزني بها فرفضت، ويرى البعض أنه طلب الزواج منها فرفضت، وقد يؤيد هذا ما ورد في بعض الروايات أنها طلبت مهرا كبيرا، ثم مرت الأيام وتبدلت الأوضاع وصارت هذه المرأة في شدة وضيق، وفتح الله على هذا الرجل أبواب الرزق فصار من الأغنياء، فذهبت إليه تطلب المساعدة، فرفض أن يساعدها إلا إذا مكنته من نفسها فأبت مرتين، ومن شدة الاحتياج وافقت في الثالثة فأعطاها مائة وعشرين دينارا، فلما جلس منها مجلس الرجل من المرأة، وجدها ترتعد وترتعش وتبكي، فقال لها: ما يبكيك؟ قالت: فعلت هذا من الحاجة، وإني أخاف الله، فاتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقال: خفتي الله في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركها وأعطاها المال. تذكر هذا العمل الصالح وهو في محنته فدعا ربه قائلا: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ ورجاء رحمتك ومخافة عذابك فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فاهتزت الصخرة وانفرجت شيئا ولكنهم لا يستطيعون الخروج من الغار. وقال الثالث: «اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجرَاءَ وَأَعْطَيْتُهمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذي لَّه وَذَهبَ فثمَّرت أجْرَهُ حَتَّى كثرت منه الأموال فجائنى بَعدَ حِينٍ فَقالَ يَا عبدَ اللهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى منْ أَجْرِكَ: مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَم وَالرَّقِيق فقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتهْزيْ بي، فَقُلْتُ: لاَ أَسْتَهْزيُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْه شَيْئاً، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فخرَجُوا يَمْشُونَ» الثالث: رجل عمل عنده بعض الناس، فلما انتهوا من أعمالهم أعطاهم أجورهم، غير أن أحدهم رفض هذا الأجر وتركه، وتذكر بعض روايات الحديث أن سبب تركه لأجرته: أن الرجل استأجرهم للعمل بنصف درهم، فقال العامل: والله لقد عملت عمل اثنين، والله لا آخذ إلا درهما، فذهب وترك أجره. وفي بعض الروايات قال: استأجرت عمالا كل رجل منهم بأجر معلوم فجاء رجل ذات يوم نصف النهار فاستأجرته بشرط أصحابه فعمل في نصف نهاره كما عمل رجل منهم في نهاره كله فرأيت أن لا أنقصه مما استأجرت به أصحابه لما جهد في عمله، فقال رجل منهم تعطي هذا مثل ما أعطيتني؟ فقال: يا عبد الله لم أبخسك شيئا من شرطك وإنما هو مالي أحكم فيه بما شئت، فغضب وذهب وترك أجره. فثمر الرجل أجر العامل حتى كثرت منه الأموال، ثم جاء بعد فترة هذا العامل يطلب أجره، فقال له الرجل: خذ كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق فإنه من أجرك، فقال العامل: لا تستهزئ بي، فقال: أنا لا استهزئ بك، فأخذ العامل كل ذلك ومضى. تذكر الرجل هذا العمل الصالح وهو في محنته فدعا ربه قائلا: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ ورجاء رحمتك ومخافة عذابك فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فاهتزت الصخرة وانفرجت فخرجوا من الغار. وفي هذا الحديث فوائد منها: استحباب الدعاء في الكرب والتقرب إلى الله تعالى بذكر صالح العمل واستنجاز وعده بسؤاله فضل الإخلاص في العمل فضيلة برّ الوالدين وفضل خدمتهما وإيثارهما على من سواهما من الولد والزوجة وتحمل المشقة لأجلهما فضل العفة والانكفاف عن الحرام مع القدرة، ترك المعصية يمحو مقدمات طلبها وأن التوبة تجب ما قبلها فضل حسن العهد وأداء الأمانة والسماحة في المعاملة وإثبات الكرامة للصالحين. والله تعالى أعلى وأعلم
     
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق